ديونيسيوسُ يَكتُبُ بالدَّم
في فصل «في القراءة والكتابة» من أثره الجليل «هكذا تكلّم زرادشت»، يتكلم فريدريك نيتشه بلسان نبيّه زرادشت، فيقول:
من كلّ ما كُتب لا أحبّ إلا ما كُتب بالدم. اكتب بالدم، فستختبر أنّ الدم روح. وليس يسيراً أن يفهم المرء دمَ غيره: إنّي أبغضُ الكُسالى الذين يقرؤون… ومَن يكتب بالدم وبالأمثال لا يريد أن يُقرأ، بل أن يُحفَظ عن ظهر قلب.
هذه الدعوة الحامية إلى كتابةٍ فلسفيةٍ موشومةٍ بالأصالة الحقّة تبرز لغزاً يَسِمُ كثيراً من نتاج نيتشه: فمفاهيمه تُسكر وتبلغ من القوّة مبلغاً بعيداً، لكنها لا تنتهي إلى قرارٍ لِغُموض تعريفها ومرونته. ويقول زرادشت إن الكاتب الذي «يكتب بالدم» يكتب كذلك «بالأمثال»، مبيِّناً أنّ نيتشه يقصد عمداً ضرباً من الكتابة المعتمةِ الهيئة.
لقد نُظر إلى تأليف نيتشه المستغلق على مدى عقودٍ بكثيرٍ من الازدراء في الأوساط الأكاديمية، غير أنّ الباحثين المعاصرين يغلب عليهم القول إن طريقته الشاذّة في الكتابة جزءٌ لا ينفكّ عن التعبير عن فكره الفلسفي. ويشهد لهذا باحثُ نيتشه برنْد ماغنوس في مقالته «موضع التفكيك: "مشكلة الأسلوب" في فلسفة نيتشه»، إذ يجادل ضد الإعراض التحليلي الذي يتهم نيتشه بأنه يخفي خواءً فلسفياً خلف غلوٍّ مبهَم. ويرى ماغنوس - دفاعاً عنه - أن رفض نيتشه الحاسم أن يمدّ بين كثيرٍ من أفكاره المتشظية قضايا رابطةً صريحةً، يُلزم القارئ أن يستنبط هذه القضايا بنفسه، على وجهٍ تفسيريٍّ ذاتي. ويقرر ماغنوس أن «المقصود لا يصير صريحاً إلا في (إعادة) بناء القارئ لمعنى النص». ويتصل هذا اتصالاً وثيقاً بموقف نيتشه في «في القراءة والكتابة»: فلكي يبلغ الفرد فهماً راسخاً لنيتشه، لا بدّ له أن يشارك نصّه بأن يعيد نقشَه في دمه هو؛ وهذا هو النظر إلى رغبة نيتشه في أن يُتعلَّم «عن ظهر قلب».
وإذ يطلب أن يُحفَظ عن ظهر قلب، لا أن يُقرأ قراءةَ «كسالى القراءة»، فإن نيتشه يروم أن يكتب بصدقٍ تجريبيٍّ معاين، في مقابلة الخطاب السائد؛ وهو يهاجم هذا الخطاب في أثرٍ مبكّر له، لأنه يستر الحقيقة داخل «جيشٍ متحرك من الاستعارات، والمجازات المرسلة، والتشخيصات، وخلاصةِ علاقاتٍ إنسانية». ونيتشه لا يطمئن إلى الذين يقيمون أنظمةً كليّةً بزعم «تحسين الإنسان»، وهو يصرّح بأن ذلك «حيلةٌ لاستنزاف الحياة من طاقتها ومن دمها». وكشفُ هذه الأنظمة بوصفها «حيلة» هو عينُ ما يسميه نيتشه ممارسةَ «علم الأنساب» (الجينيالوجيا)، التي واصلها من أعلن نفسه نيتشوياً ميشيل فوكو، منطلقاً من قراءته الخاصة لنيتشه.
فإذا كان الخطاب الإنساني عند نيتشه هو ما يناقض تعبيره المتعمَّد، فكيف نُثبت فهماً إيجابياً لـ«الكتابة بالدم»؟ يقترح زرادشت أن الحبر الذي يخطّ وجودَ الكلمة المكتوبة في النص الجدير، ينبغي أن يكون دماً: ذلك السائل الباطني الذي لا تقوم حياة الجسد إلا به، ولا يَظهر إلا بخرق اللحم وتعدّي حُرْمته. وهذه الخبرة الجسدية القريبة - خبرة التعدّي العنيف المؤلم - ركنٌ كبير في فلسفة نيتشه، حين يبسط إرادة شوبنهاور ويعيد تسميتها بالديونيسية؛ إذ «الديونيسي هو الدافع إلى تجاوز الحدود، وإذابة الفواصل، وتحطيم الفردانية، والإفراط». وهذه الممارسة - أعني تجاوز الحدود لاستنزال الدم من أجل الكتابة - يمكن تتبّعها على وجهٍ أوسع عبر قراءةٍ تأويلية لنيتشه عند نيتشويٍّ فرنسيٍّ آخر، هو جورج باتاي، في مفهومه للتجربة الباطنة.
وغايتي هنا أن أحتجّ بأن الكتابة بالدم ممارسةٌ لكتابةٍ تكشف التجربةَ الباطنة، وهي مشدودةٌ شدّاً لا فكاك منه إلى قراءةٍ ذاتيةٍ متميّزة لنيتشه عند كل فرد. فلا تُتصوَّر الكتابة بالدم بلا اشتباكٍ شخصيّ مع فلسفة نيتشه بوصف المرء وارثاً لها. وسأتتبع هذه الممارسة من خلال قراءة باتاي لنيتشه، وهي قراءةٌ تسوقه إلى انحلال الذات عبر التجربة الباطنة. ثم إن تفسير فوكو لنيتشه قد يمدّنا بسياقٍ يبيّن كيف تتصل قراءة باتاي بقراءة فوكو وتفترق عنها افتراقاً منتجاً.
ويرث باتاي عن نيتشه سوء ظنه بأهل «الأنظمة»؛ فتأتي نصوصه معتمةً كذلك، تأبى الاندراج الواضح في أي تحليلٍ منطقي. وفي عمل باتاي جوانبُ لا بدّ أن تبقى غير قابلة للوصف. ولأن هذه المقالة مكتوبةٌ في قالبٍ أكاديمي، فهي لا تستطيع هي نفسها أن تُكتب بالدم.
ومع أن باتاي يدوّن قراءته الخاصة لنيتشه في كتابه عن نيتشه، فإن ذلك نادراً ما يكون واضحاً مفهومَ المراد. وهذا نتيجةٌ مقصودة لمحاولة الكتابة بالدم. إذ يهتف باتاي: «كتب نيتشه "بدم"؛ ولكي ننتقده - أو بالأحرى لكي نمتحنه - يجب أن ننزف بدورنا». وعليه، فإن عن نيتشه مزيجٌ من هيجانٍ عاطفي، وتدوين يوميّات، وصراعٍ معذَّب مع أفكار نيتشه. ومثال ذلك أن باتاي يصرخ بأن كلمات نيتشه «تطلب انفجاراتٍ بهيّة للذات، وهذا الإحساس بالجلال، يزداد اضطراباً بضحكٍ مجنون… حتى إنني أموت منه».
على أن طريقاً أشدَّ اتساقاً - على نحوٍ مفارق - للدخول إلى «نيتشه باتاي» هو المرور عبر «باتاي فوكو». ففي مقال «تمهيد إلى التجاوز»، وهو نصٌّ كتبه فوكو تأمّلاً في باتاي بعد موته، يبرز فوكو أهمية فكرة نيتشه عن موت الإله بوصفها حادثةَ تحريضٍ أولى لدى باتاي. يقول فوكو: «إذ يحرمنا موتُ الإله من حدِّ اللامحدود، فإنه يقود إلى تجربةٍ لا يعود فيها شيءٌ يعلن خارجيةَ الوجود؛ ومن ثمّ إلى تجربةٍ هي باطنة». فالتجربة الباطنة عند باتاي تنبثق - في نظر فوكو - من قراءته لموت الإله.
وفي الحكمة الشهيرة التي يعلن فيها «مجنون» نيتشه موتَ الإله، يهتف المجنون سائلاً: «أليست جسامةُ هذا الفعل أعظم مما نحتمل؟ ألسنا نحن أنفسنا مضطرين أن نصير آلهةً كي نبدو جديرين به؟» فبغير المطلق الإلهي لا يبقى للإنسان معنى يبرّر به الوجود. فإذا كان على الذات الإنسانية أن تصير إلهاً لتؤكد حياتها بغيره، فأيُّ حملٍ ثقيل ينبغي أن تنهض به؟ يجيب نيتشه: «أثقل الأثقال»، وهو عنوان الحكمة التي يقدّم فيها أنطولوجياه المفصلية: «العود الأبدي». وهذه قضيةٌ رابطة يقرؤها باتاي، فيصل بها موت الإله بالعود الأبدي بوصفه نتيجته. فالعود يطلب من المرء أن يقبل حياته كما عاشها واختبرها، على أنها دورةٌ تتكرر إلى الأبد، وأن يظلّ - مع ذلك - يقول لها نعم.
وقبول العود يوافق فكرة نيتشه عن سيادة الذات على نفسها: فمن أراد أن يتولى الأمر - حتى في شأن حياته - «وجب أن يصير قاضياً ومنتقماً وضحيةً لشرعه هو». فثمرةُ موت الإله أن الإلهي يُمارَس الآن من الإنسان، وعليه يقع أثرُه. وحين يموت الإله تستقر مسؤولية تقلّبات حياة الإنسان - بما لا يُقاس - في يدي الإنسان نفسه.
وهذه الفكرة عظيمةُ الشأن عند باتاي؛ إذ يرى أن من يقبل العود الأبدي، فيصير بذلك «إلهاً»، ينبغي أن يفهم أن الإله لا يمكن أن يكون إلا نقصَ وجودٍ، فراغاً. فالذات التي تقبل العود «تلتمس في داخلها ما يمكن أن يُفنيها ويجعلها شبيهةً بالإله، شبيهةً بالعدم». وفي العود يُتجاوَز الحدُّ الذي هو الإله بموت الإله داخل الذات. وتأويل العود والقول به نعم هو إثارةٌ رجعية لصدمات الماضي: أن يستدعي المرء آلاماً عاشها، ويعيد تنشيط جراحها. وهذا تعدٍّ على الذات، على الألم الذي عاشتْه. ويربط فوكو بين «نعم» نيتشه وبين «تجاوز» باتاي: «التجاوز لا يحمل شيئاً سلبياً؛ بل يؤكد وجوداً محدوداً - ويؤكد اللامحدودية التي يقفز إليها، إذ يفتح هذه المنطقة للوجود لأول مرة».
واللامحدودية التي تصف التجربة الباطنة التي لا تُنطَق عند باتاي تنشأ من ألمٍ جرى تقديسه في فعل قبول العود على نحوٍ ينطوي على تعدٍّ على الذات. وينشد زرادشت:
الألمُ أيضاً فرح، واللعنةُ أيضاً بركة، والليلُ أيضاً شمس - فتنحَّ، وإلا تعلّمتَ: الحكيمُ أيضاً أحمق.
هل قلتَ يوماً نعم لفرحةٍ واحدة؟ آه يا أصدقائي، إذن قلتَ نعم أيضاً لكل ألم. كلُّ الأشياء موثَّقة، متشابكة، متعاشقة.
إن هذه الكلمات تبيّن على وجه الدقة أن قول «نعم» لفرح العود هو في الوقت نفسه قول «نعم» لألم العود. وقد عانى نيتشه طوال حياته من اعتلال الصحة ونوبات صداعٍ مُقعِدة، وكان لهذا الألم أثرٌ بالغ في حاجته إلى تأكيد الحياة رغم العذاب. وهذا هو أن يكون المرء «لا يقول إلا نعم!» وأن يتخذ ما يسميه نيتشه «حبّ القدر» (amor fati). وفي «هو ذا الإنسان» (Ecce Homo)، سيرته الذاتية الساخرة التي كتبها قبيل انحداره إلى الجنون، يصرّح نيتشه بأن «في تلك السنوات التي بلغت فيها حيويتي أدنى نقطة، كففتُ عن أن أكون متشائماً».
ويرى باتاي أن هذا الالتحام الذي لا ينفك بين ألم العود وفرحه يتجسّد أبلغ ما يكون في لقاءات الجسد الحسية، حيث يصير الوجع واللذة متلازمين حضوراً. وهو يعرّف «العنصر الغالب في الإيروسية» بأنه ينهض من القول إن الذوات الإنسانية «كائنات منفصلة»، وأن الموت يتيح لنا بلوغ «استمرارية الوجود» التي كانت قبل أن نصير، عبر الخلق الجنسي. و«استمرارية الوجود» هي إرادة نيتشه الديونيسية: أصلُ الجنس والموت معاً، تقذف الحياة إلى العالم لتموت وتُذاب من جديد في الوحدة الأولى. ويتبدّى هذا في «مولد التراجيديا» حيث يصوّر نيتشه لحظةَ هذا الاضطراب: «نصير واحداً مع اللذة الوجودية البدئية اللامقيسة… لا أفراداً، بل ذلك الكائن الحي الواحد الذي اتحدنا بشهوته التناسلية».
وتقوم الديونيسية عند نيتشه في مقابلة الأبولّونية: دافعٍ نحو نظامٍ عقلانيٍّ متفردٍ، أقامه البشرُ دفاعاً من واقعٍ مُفزع. وحجة نيتشه المركزية في «مولد التراجيديا» أن تماسّ الوجود الديونيسي - الذي يذيب الذات - لا يُنال حقاً إلا عبر الفن، وبخاصةٍ في ممارسة المسرح المأساوي الإغريقي الأَتّيكي. ففي المسرح المأساوي يُكشف الممثلُ الذي يجسد الذاتَ الأبولّونية الفردية بوصفه غير متصل، ثم يُشقّ عند مفاصله، لينفجر إلى الخارج في استمرارية الديونيسي الخالصة.
ويرث باتاي عن نيتشه قوله إن الفن هو السبيل الوحيد إلى اتصالٍ بالمغايرة: فإذا أريد تبليغ التجربة الباطنة بالكتابة، وجب أن تكون الكتابة في جوهرها جمالية. لذلك يكتب باتاي بهذا القدر من الإبهام، وقد يهجر المنطق إلى ما لا يُقال شعراً. ويدلّ على ذلك قوله إن من أراد أن يحمل العود الأبدي وجب أن يرفض «العقل، والفهم، والأساس الذي يقف عليه». إن ترك صلابة المعرفة المريحة يفتح السقوط الحر إلى التجربة الباطنة: لحظةَ إفناء الذات، التي يصفها باتاي بأنها «قعر الرعب، الحدُّ الأقصى الذي ينهار عنده».
غير أن باتاي يقرّ باستحالة تجاوز حصار اللغة وخنقها الدلالي وذاتية المنظور تجاوزاً تاماً. فهو يكتب: «تقف الفلسفة في مأزق؛ فبغير انضباطٍ لا تقدر أن تُنجز شيئاً، ومع ذلك - إذ لا تستطيع أن تعانق أقصى موضوعها، أقصى الممكن كما أسميته، أقصى حدود الحياة الإنسانية - فهي محكومة بالفشل». وهذه الخلاصة - أن التجربة الباطنة القصوى تنقض الخطاب، وأن الخطاب في الوقت نفسه ينقض التجربة الباطنة - تردّد تناقض العود الأبدي. فتغدو الكتابة بالدم مفارقةَ ممارسةٍ لا تُمارَس.
ويمكن بناءُ قضيةٍ رابطة بين عزم باتاي على التقدم نحو انحلال الذات عبر التجربة الباطنة، وبين مفهوم نيتشه عن «الهبوط» النبيل. فالهبوط هو تضحيةٌ بالنفس تدفع المرء نحو ركنٍ آخر من أنطولوجيا نيتشه: أسطورة «فوق الإنسان»، تطور الإنسان المقبل. يقول زرادشت:
أحبّ من يجعل من فضيلته شهوته وقدرَه: فبسبب فضيلته يريد أن يحيا، وألا يحيا بعد ذلك.
أحبّ من كانت روحه فائضةً حتى ينسى نفسه، وتصير الأشياء كلها فيه: فتصير الأشياء كلها هبوطَه.
والجدير بالذكر أن هذا المسار مربوطٌ بالحاجة إلى أن «ينسى نفسه» كي يهبط، بما يدلّ على بقاء الذات جسداً، بينما يدخل وعيُها فضاءً من اللاوجود. ويكتب باتاي عن نسيان الذات بوصفه مفتاحاً لبقاء ممارسة الكتابة بالدم: «إن هذه التجربة تُزحزحنا وتقصينا عن التأمل الهادئ، إذ إن جوهرها أن تضعنا "خارج أنفسنا"».
وتظهر ثنائيةُ الوجود التي يواجهها المرء في العود الأبدي في «الهبوط»، في الرغبة «أن يحيا» ومع ذلك «ألا يحيا». فلو انحلت الذات بالموت الجسدي حقاً، لما بقي بعد الموت من يختبر فعل التعدي على حدّ الحياة. ونيتشه - ومن بعده باتاي - لا يدعوان إلى الانتحار. إن العاقبة المحسوسة للغوص الخطِر في المغايرة الذي هو «الهبوط» ليست الموت، بل الجنون. والجنون ردٌّ معقول على استحالة العيش على مقتضى فلسفة نيتشه.
وفي خاتمة «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، ذلك التشريح الحاد الذي أجراه فوكو لعلم أنساب الطبّ النفسي، يقرأ فوكو انحدار نيتشه المأساوي إلى الجنون في أواخر حياته بوصفه حالةً ناشئةً من طبيعة فلسفته نفسها، وأنها ذات أهميةٍ فيها. يكتب فوكو أن «صرخة نيتشه الأخيرة، معلِناً نفسه المسيح وديونيسيوس معاً… هي ذاتها إفناءُ العمل الفني… لقد سقطت المطرقة من يد الفيلسوف». ويسمّي فوكو فلسفة نيتشه «العمل الفني» لأن شكلها شعريٌّ حكميٌّ شذري، يضعها وراء نمط الجدل البرهاني، في معارضةٍ صافية للنموذج التشخيصي الذي يفرض ثنائية العقل/اللاعقل على «موضوع» الطب النفسي في «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي». فجنون نيتشه ذروةُ عمله، لكنه ينتزع منه القدرة نفسها على مواصلة العمل. وهذا هو الجنون الحق: يهدد مشروعية الخطاب الإنساني، ويمزّق «صدعاً بلا مصالحة، يُضطر فيه العالم أن يسائل نفسه».
وفي ملاحظة، يتأمل باتاي في كيفية انحلال جنون نيتشه على خطى عمله: «إن غرق عقله في جنون العظمة كان بمثابة تأكيدٍ لوحدةِ قبر؛ وقد اتخذت تضحيةُ العقل الشكلَ الأثقل معنى». ومأساةُ هذا المصير هي ضياع السلامة والوقار على نفس السكة التي جرت فيها الأفكارُ الأكثر شغفاً عند المرء في حال صحوه. وهو جنونٌ مقلقٌ محرج، يبدو كأنه يسلب الشرعية من أعمال المرء في أعين من يعيشون داخل أسوار الخطاب الإنساني. فلماذا يخاطر المرء بهذا المآل الفادح؟
إن شهوة الطريق إلى الحقيقة تضطرب في نيتشه وتدفعه نحو خراب الجنون. حتى في مقالته المبكرة «في الحقيقة والكذب بمعنى غير أخلاقي»، يثور نيتشه على دعوى الموضوعية. ويتأسف لأن إثبات «حقيقةٍ خالصة» تجريبية وراء ذاتية الإنسان مستحيلٌ باللغة، بل يسميه «غير مرغوب فيه أصلاً». فالأكاذيب الصريحة التي يبثها الخطاب الإنساني المتمحور حول الذات كافيةٌ لأن تغري باتاي بأن يخاطر بنفسه «بعد نيتشه» عبر التجربة الباطنة، وأن يحمل فوكو حربه الأنسابية.
وممارسة فوكو مشبعةٌ بالازدراء تجاه عرض التاريخ بوصفه كليّاً موضوعياً محتوماً نحو التقدم؛ فأنسابه «ستزرع التفاصيل والحوادث التي تصاحب كل بداية؛ وستكون دقيقةً إلى أقصى حد في مكرها الصغير». ويفتح نيتشه لفوكو منفذاً للهروب من أنظمة الخطاب حين يبرهن أن هذه الأنظمة يمكن كشفها بوصفها غير موضوعية بتتبع أصولها الاعتباطية. وفي مقال «نيتشه، الأنساب، التاريخ»، يستشهد فوكو بسطر من الفجر لنيتشه لتأييد هذا المعنى: «إن عالم التاريخ الفعّال لا يعرف إلا مملكةً واحدة بلا عنايةٍ ولا علةٍ غائية، حيث لا شيء إلا يدُ الضرورة الحديدية تهزُّ صندوق النرد الذي اسمه الصدفة».
ومع أن فوكو يعمل في أنسابٍ يغلب عليها طابع العقل، فإن إفناء ذات الكاتب عبر واجب نسيان الذات يظلّ لازماً عنده بوصفه «الدرس الأساسي الذي تعلمته من هذين الكاتبين [نيتشه وباتاي]». فهو يشدد على ضرورة أن يتصور كتابته «خبراتٍ مباشرة "تمزقني" مني، لكي تمنعني من أن أبقى دائماً على حالٍ واحدة». وبطريقته التي تميل إلى محو نفسه، يصف فوكو كتبه الناشئة عن هذا المنهج بأنها «مملةٌ وغزيرةُ العلم»، وهو نقدٌ قد يبدو واضحاً عند المقارنة المباشرة بين فوكو وبين الهياج الشدادي الذي يستولي على باتاي. غير أن باتاي يبرر قيمة التفلسف الأقرب إلى الخطاب والعقل على طريقة فوكو، إذ يشرح بأسى:
حين وافقتُ أن أُنافس [في الفلسفة] شعرتُ أن من الضروري أن أقبل صعوبات الطريقين معاً: طريق التجاوز وطريق العمل… نحن - لا محالة - أمام المستحيل.
لا يستطيع المرء أن يتجنب البنى الخطابية تجنباً تاماً ما دام يكتب. إن «طريق العمل»، أي طريق كتابة الخطاب، يمكن ربطه بقوة بقراءة فوكو التأويلية لنيتشه، حيث يقدّم الصرامة البرهانية على محاولة الانخراط في تجربة باطنةٍ صوفية بنفسه. وعلى النقيض، تُؤثر قراءة باتاي «طريق التجاوز»، مع إقراره بأن «طريق العمل» ضروريٌّ أيضاً، لأنه لا ينفصل عن الفكر. وبموقفٍ يكاد يكون تبادلياً، لا يستخف فوكو بقراءة باتاي لنيتشه ولا ينفيها، وإن اختلفت عن سلّم قيمه.
الكتابة بالدم مُطالبةٌ عسيرة، ممارسةٌ لا تُنال، تفلت من الوصف والفهم الواضحين. وهي تطرح سؤالاً مُرعباً عن جسامة الخطر الذي تقتضيه، ومع ذلك يبقى فيها إمكان التحرير؛ إذ يؤكد فوكو أن إحداث «امتحانٍ للحدود التي يمكننا أن نتجاوزها» هو أن نعمل ونكتب «أنفسنا على أنفسنا بوصفنا أحراراً».
ولما كان باتاي يضطرّ على الدوام في محاولاته لصوغ ما لا يُتصوَّر،
فإنه يكتب بالدم. وفي الموضع الذي يصرح فيه بهذا المقصد، يعلن أن «الذين يقرؤون [نيتشه]
أو يُعجبون به يهزؤون به»، ثم يسأل متردداً: «إلا أنا؟». وعلامةُ الاستفهام تغني عن
البيان. إن مغامرات باتاي الشديدة والأصيلة في تجربةٍ تتجاوز تضييق الخطاب تنجح في
أن تكون منافيةً حتى لفكرة تفسيرٍ واحدٍ كليٍّ لنيتشه. ومع ذلك فإن أوفى قراءةٍ نيتشوية
يستطيع باتاي أن يختبرها هي قراءته هو؛ وفي النهاية لن يكون لزرادشت أتباع.