جُرحُ الوحدةِ العاشقة
إني أعزمُ أن أستعيدَ عافيتي بالوسيلةِ نفسها التي اتّبعتُها من قبل: في عزلةٍ تامّة. لقد كان خطئي في العام الماضي أني تخلّيتُ عن الوحدة. فمن جرّاءِ احتكاكٍ لا ينقطع بالصورِ والعملياتِ الفكريّة صرتُ شديدَ الحساسيّة، حتى إن مخالطةَ أهلِ هذا العصر تُؤلِمني وتجعلني أتنازل عن أشياءَ لا تُصدَّقُ كثرتها؛ ثم إن ذلك - على آخر الأمر - يصير بي إلى القسوةِ والظلم: وباختصارٍ، لا يلائمني.
رسالة إلى فرانز أوفربِك، ٢٢ فبراير ١٨٨٣.
إذا كان ثمّةُ رجلٌ ذو شخصيّاتٍ كثيرةٍ متناقضة، ممزَّقٍ بين ثراءٍ فائضٍ وتناقضٍ لاذع، فهو بلا ريب «نيتشه»؛ ذاك الذي يُحَبّ ويُنبَذ، ويُنسى ويظلّ حاضرًا. لقد حُكم عليه في حياته بوحدةٍ هي أشدّ الوحدات قفرًا، ثم جرت كلماته مجرىً بالغ الأسى: أُمسِكت - إن صحّ القول - من شعورها، والتُزِم فيها حرفٌ ميتٌ لا روح فيه، وتناولها الأسوأون؛ أولئك الذين جمعوا الشروط التي كانت أبغضَ ما يكون إليه، أولئك الذين يمثّلون صوت الضواحي الإنسانيّة حيث لم تبلغ قطّ أخفُّ لمعةٍ من وضوح. أولئك الذين يزعمون أنهم «الإنسان الأعلى» لمجرّد أنهم لا يقدرون أن يكونوا بشرًا؛ وحين يتمرّدون على الإنسانيّ يسمّون أنفسهم باسم «الإنسان الأعلى» الذي اخترعه نيتشه في أحرّ حبّه للإنسان.
ويمثّل نيتشه اليوم، بعد موته، جلجلةَ الوحدة الممعنة إلى أقصاها، المشروبة بقسوةٍ رواقية، المسوقة إلى ما وراء كلّ حدٍّ منظور. لقد بقي وحده إلى حدٍّ أنه في طريقه انتهى إلى السير وراء كلّ أفق؛ هناك حيث لا يستطيع أن يتواصل مع أحد، وحيث لا يمكن لأيّ صوتٍ بشريٍّ أن يبلغه. لقد غاب في حياته، منفصلًا عن الناس بوحدةٍ جليديّة، مستريحًا - ربما - في حضن العدم، في مأمن حلمٍ بلا وعي؛ هو الذي مزّق ذلك الحلم لكثرة ما أدخل عليه من نور. يا لوحدةِ المثقّف الذي يفرّ من الناس! في نيتشه تتجلّى، في أنقاها وأوفاها، تلك الحال التي كثيرًا ما عُوتِب عليها المثقّف: ما يُسمّى «البرج العاجي»، الذي كان عنده فضاءً حرًّا على قممٍ وعرةٍ عالية، قممٍ من الكوكب توازي قممَ روحه. وهي أوضح عنده منها عند غيره، لأنه لم يحاول أن يستر وحدته، بل جعل منها فضيلةً وقوّةً تنبع منها قوّته الخلّاقة: الشرط الذي لا بدّ منه لكلّ عظمةٍ إنسانيّة.
إن القوة الجاذبة الكبرى في نيتشه أنه مرّ في العالم وهو ينتزع الأقنعة. عاشقٌ للحقيقة، يزيح الأستار التي كان لا بدّ أحيانًا من تمزيقها بكلّ عنف، وبسخريةٍ عنيدة. كان ينتزع الأقنعة ويخلقها. ذلك كان قدره. «كلّ ما هو عميق يحتاج إلى قناع». أفلم تكن وحدته - لعلّها - قناعَه؟ قناعٌ لشيءٍ لم يكن حياءٌ مفرطٌ يدعه يُظهِره؛ قناعٌ ليأسه. ولعلّ الوحدة حالت بينه وبين الانتحار، إذ حوّل النقصَ إلى شغف، والبترَ في حياته إلى هوى. وفيًّا لنفسه حتى الجنون، قبِل وحدته وحوّلها إلى فضيلةٍ وإلى قوةٍ خلاّقة. لكن أيَّ مسارٍ باطنيٍّ، أيَّ دربِ آلامٍ عميق، كان عليه أن يقطعه حتى يغوص تمامًا - كحبٍّ نهائيّ - في وحدته الطاهرة، وحدةِ رجلٍ مفكّر؟
لقد تجاوز نيتشه الانتحار؛ عبره واخترقه بقوّة قبوله الكامل لقدره. قدرٌ كان يعزله عن الناس في ذلك الحين. ذلك لأن قدر الإنسان من هذه الطبيعة يتجاوز الكائنَ البشريّ: قلبه وغرائزه، إذ تتحوّل عنده إلى أدواتٍ لإنجاز ذلك القدر. إن قدرَ رجلٍ ما يقع عليه، لكنه لا يولد منه، ولا يعتمد عليه، بل يظلّ بعده لأنه من شأن التاريخ. وشؤون التاريخ كثيرًا ما تكون أخطر الشؤون الفرديّة. ولعلّ أكبر خطأٍ في الفردانية - وربما خطؤها الوحيد - أنها ظنّت أن الفرد يستطيع أن يعزل نفسه عن التاريخ، متجردًا من الظروف المعيّنة التي تُشرف على حياته البائسة بإصرارٍ لا يرحم كإصرار النجوم؛ وأنه يستطيع، في المحصّلة، أن يجعل انفصال الفرد عن الوسط والنوع انفصالًا مطلقًا؛ وأنه يستطيع أن يحدّد نفسه بنفسه.
هذا الخطأ المثالي لم يكن، بطبيعة الحال، مما شاركه نيتشه؛ ولم تكن تلك إذن سبب وحدته شبه المطلقة. فالسبب لم يكن فكرةً، بل واقعًا رهيبًا: واقع الزمن والأمة التي عاش فيها. وفي العتاب - المحقّ في كثير من الحالات - الذي وُجِّه إلى المثقّف بسبب حلمه بالطهارة، متحرّرًا من مخالطة الناس، اختلطت أوضاعٌ مختلفة بما يكفي، مختلفةٌ بما يكفي بحيث يجدر بأحدٍ أن يحاول التمييز بينها.
إن وحدة نيتشه المروّعة، وقناع وحدته الذي كان يخفي به حبّه العظيم لـ«القاعدة» لدى عامة الناس عبر كلّ هجاءاته، يضيء لنا قليلًا هذه المسألة. لماذا كانت وحدة نيتشه؟ من الذي منعه أن يعيش بين الناس، مختلطًا بهمومهم ومخاطرهم، مشاركًا في المصير المشترك؟ إن الرجوع إلى كثرة مظاهر احتقاره لما يسمّيه «العامة وما هو عامّي» لن يفيدنا كثيرًا؛ إذ سنجد نصوصًا يظهر فيها نقيض ذلك حين يترك نفسه، وحين يبرز الشاعر ممزّقًا أسطورة فكره، وحين يختنق ويصرخ بحقيقته الباطنة في حبٍّ مهيبٍ، هائلٍ للإنسان. بعيدًا عن الناس ينتهي إلى أن يحلم بهم؛ ينتهي إلى أن يحلم بإنسانٍ مُصفّى، متّقد القوة، ممتلئ بكلّ ما هو إنساني، لا يستغني عن شيءٍ ويكون تجسيدًا للكلّ. إنسانٍ لا تعلو عليه فكرةٌ من الأفكار؛ إنسانٍ يتحدّى كلّ المثل ويجعلها شاحبة؛ ويجعل كلّ القواعد غير ذات جدوى. إن حبّه لواقع الإنسان جعله يحطّم كلّ القواعد الأخلاقية، وكلّ الأقنعة البائسة التي كان الإنسانيّ يختبئ فيها - في نظره - كالمسيحية، والتطهرية، والنفعية... لأنه كان يرى أن الإنسان أكثر من تعريفاته المزعومة، وأن كلّ أخلاقٍ إفقار.
حبّه للإنسان جعله يقفز فوق الخير والشرّ، تلك الحواجز التي تحبس واقع الإنسان الحيّ: «كلّ ما يُفعل بدافع الحبّ يُفعل فيما وراء الخير والشرّ». وهو لم يفعل شيئًا غير ذلك.
كلّ الأفكار الأخلاقية بدت له ضيّقةً عن الإنسان. والواقع الإنساني أوحى إليه بإيمانٍ يتجاوز الأفكار والقواعد. أما المفاهيم التي استخدمها نيتشه ليرفض القوى المُحدِّدة - «اجعل قلبك صغيرًا» - فقد كانت، ولا شكّ، وقد كانت فعلًا، موضع خطأ؛ لأنه في النهاية رجلٌ من زمنه، وكذا كان يعارض الأخلاق السائدة بأخرى اخترعها هو. كان التراث الفلسفي الأوروبي مغمورًا بالأخلاقوية إلى حدٍّ لا يكاد يسمح لفيلسوف - مهما بلغ من العبقرية - ألا يشارك فيها، فيقابل الأخلاق التي تغطي واقع الإنسان بأخلاقٍ له يستند إليها مؤقتًا.
ولم يكن ذلك ليحدث لو أن نيتشه امتلك، منذ اللحظة الأولى، حدسًا كليًا بالإنسان. لكن لا؛ فالإنسان كان ينكشف له تحديدًا في وحدته، بقدر ما كان يفكّك الأقنعة الأخلاقية، وبقدر ما كانت فطنته التي لا تكلّ تستقصي الزوايا الأشدّ خفاءً، وكانت جرأته بلا حدود تحلّل كلّ ما كان يُجعل غير ملموسٍ وموقّرًا... وبقدر ما كانت وحدته تمتلئ بصورةٍ يصنعها ولعُه. حينئذٍ كانت أخلاقه القديمة - ما يمكن أن نسمّيه أخلاق العزلة المتوحّشة، وازدراء المتوسط، والتوق اللامحدود إلى الطهارة - تبهت أمام الرؤية المتلألئة للإنسان الجديد. وكان تمييزه بين «أخلاق المدرسة» و«أخلاق السادة» يتراجع ليظهر على حقيقته: أداةٌ لمهاجمة الأخلاق السائدة، وسندٌ عقليّ في نقده، وقاعدةٌ لجرأته.
لكن هذه الجرأة، وهذا الشغف المفرط بالحقيقة والصدق، وهذا نزع الأقنعة الدائم عن كلّ شيء، ما كان ليكون لولا أنه مسوقٌ بسوطِ حبٍّ هو أشدّ الحبّ وأحرّه وأحسمه. ما كان ليكون لو لم يكن نيتشه عاشقًا.
عاشقًا للإنسان، للناس الذين لم يستطع أن يعاشرهم؛ لأن حبّه المفرط لعيشِ جماعةٍ مطلقة كان يقلّص، يومًا بعد يوم، عدد الكائنات القادرة على إقامة مثل تلك الشركة الصعبة. ولكن إلى جانب هذه المطالبة العاشقة، ثمّة واقعٌ اجتماعي: أن كلّ معاشرةٍ إنسانيةٍ حتى الآن كانت تقوم على شيءٍ ما - على أخلاقٍ مشتركة، وعلى قواعد مشتركة، وعلى آلهةٍ تُعبد معًا، أو شياطين تُرفض في الوقت نفسه. لقد كان الإنسان مستورًا عن الإنسان، وممتلئًا بالمخاوف، ملبّد الجبين، أبكم القلب، حتى إنه بالكاد تجلّى مباشرةً لإنسانٍ آخر. إنما التقى الناس عبر الأفكار، والقواعد، والعبادات. وبهذا المعنى كانت كلّ جماعةٍ - في قدرٍ ما وبوجهٍ ما - مثاليّة. وكلما ازداد وعي الإنسان بواقعه، غدت العزلة الفردية أعجب وأعسر فهمًا، وظهر شهداء كلّ هرطقات الزمن. ومن تراكمهم وُلدت الثورات، التي لن يبقى لها سببٌ حين يلتقي الإنسان بحقيقته الباطنة، وحين يمكن للجميع أن يتواصلوا بها ويتأملوها في سكينة.
لم يدرك نيتشه تلك الأزمنة السعيدة. ففي زمنه كانت أفكارٌ سائدة، أفكارٌ صلبة في وطن الأفكار، كانت تقطعه عن كلّ تواصل، وتنكر عليه ما كان حبّه يطلب. فبدلًا من واقع الإنسان الحيّ كان يجد الأفكار الصلبة، والملابس المعتمة، والكلمات الثقيلة. واضطر أن ينزوي وحده مع حبّه... «لا تُرد أن ترسل إليّ اليوم رسلًا آخرين، فهم لا يعرفون أن يقولوا لي ما أريد».
إن الأفكار المتداولة، والأخلاق التي كانت تستر الحقيقة الإنسانية، حكمت على نيتشه أن يعيش في وحدةٍ مطلقة لا يعود منها. لكن في وحدته العاشقة هاجم بلا هوادة كلّ ما كان يفصله عن معاشرة الناس. أحبّ بلا توقف ولا راحة فوق أفكاره هو وتعاليمه هو. تلك كانت مأساته. أيمكن أن يُلام كائنٌ كهذا على عزلته؟ وهل لها صلةٌ بالفردانية المثالية؟ أليست في الحقيقة نقيض ذلك تمامًا - نقيضَ الفيلسوف الذي يلتفّ في تجريداته ليبتعد عن الشؤون الإنسانية، ويتخفّف من عبء المسؤولية، وينسى الناس وصراعاتهم؟ نحن نرى أنه كان فعلًا نقيض ذلك كله؛ كان نقيض «الوحدة العاشقة» للإنسان التي تمثّل أعظم مأساةٍ بشرية: أن يُبذل، لا الحياة، بل العقل حبًّا؛ وأن يبتعد المرء عمّا يحبّ وحده، عمّا يمكن أن يجلب لنا السعادة وحده. أن يبتعد عن الشعب، وهو المادة الوحيدة التي ترجُو أن تتجسّد فيها كلُّ نُبالةٍ وكلُّ عظمة.