يمينٌ خالدةٌ في قلبٍ مُنقَسِم
أحبُّ حتى أقصى حدودِ الكُره؛ وأغوصُ - حيًّا - في أعمقِ مهاوي الموت؛ وأُحدِّقُ من الداخل في نورٍ حادٍّ يَتكاثفُ ظلامًا؛ وأصرخُ بالحزنِ والمرارةِ في قلبِ البَهْجة؛ وحين تُعلَنُ الحرّيةُ، أحسُّ بأغلالِ العبوديّة.
من هذه الأحوال - على ما فيها من تناقضٍ لا يُخطِئه النظر - تُنسَجُ خيوطُ الحبّ وتُحاكُ شِباكُه. معاشرةٌ مفارِقةٌ، فلنُسلِّم، حين تستقرُّ في شخصٍ واحدٍ على رغمِ صفاءِ الإدراك أو منطقِ العقل، وعلى ضدِّ أبسطِ قواعدِ الاتّساق. معاشرةٌ يُقال إنّها مستحيلة. ومع ذلك فالتاريخُ مملوءٌ منها: حبٌّ يسيرُ مُصافِحًا للكُره، وحياةٌ تُجاوِرُ الموتَ جدارًا بجدار، ونشوةٌ مُعانِقةٌ لأقسى تشاؤم، وحزنٌ كئيبٌ إلى جانبِ فرحٍ مُعْدٍ، ونورٌ شديدٌ مُغمَسٌ في رداءٍ من ظلمات، وشعورٌ لا يُوصَفُ بالحرّية يقتحمُ أكثرَ السجونِ التواءً ومتاهة. تلك بعضُ مفارقاتِ العشّاق في كلِّ زمن: كأنّهم جانبا هُوَّةٍ لا بدّ لهم - حتمًا وقسرًا - من السيرِ على حافّتِها؛ وكأنّهم نهارٌ وليلٌ لا يملكان إلّا أن يتعاقبا؛ وكأنّ طريقَ الحبّ حبلٌ مشدودٌ فوقَ هاوية، مضطربٌ غيرُ مأمون.
والحقّ - إذا حصرنا الكلامَ في الحبّ وحدَه - أنّه لا يوجدُ كُرهٌ أعتى بين كائنين من ذلك الذي سبقته عاطفةٌ لا تقلُّ اشتعالًا. ففي النهاية، من الحبّ إلى الكُره - كما من الحياة إلى الموت - خطوةٌ قصيرة. ذلك بعينه أنشده الشعراء - شعراء الحبّ - منذ أقدم العصور. وعندنا، لعلّ الشاعر البرتغاليّ «كامويس» هو المثالُ الأشهر على هذه المفارقات:
الحبُّ نارٌ تَحترقُ ولا تُرى،
وجُرحٌ يؤلمُ ولا يُحَسّ،
ورِضًى ساخطٌ على رضاه،
ووجعٌ يَهيمُ ولا يوجِع.
هو ألّا تريدَ فوقَ أن تُحِبّ،
وأن تمشي وحيدًا بين الناس،
وألّا تشبعَ من الشِّبع،
وفِكرٌ يربحُ حين يَخسر.
وفي سونيتةٍ أخرى، أقلَّ ذِكرًا ولكنها لا تقلُّ بيانًا، تشتدُّ التناقضاتُ لأنّها تأتي بضمير المتكلِّم:
أنا في حالي على شكٍّ عظيم،
حتى إنّي في لهيبٍ حيٍّ أرتجفُ من برد؛
وبغيرِ سببٍ أبكي وأضحكُ معًا،
أضمُّ الدنيا كلَّها ولا أمسكُ شيئًا.
وكلُّ ما أحسُّه اضطرابٌ واختلال؛
من الروح تخرجُ نارٌ، ومن العين يفيضُ نهر؛
طورًا أرجو، وطورًا أرتاب،
طورًا أَهذي، وطورًا أُصيب.
يَظهرُ في المثال الأوّل صراعٌ مفارقٌ في لحظةٍ واحدةٍ وفي شخصٍ واحدٍ بين عواطفَ لا يجمعُها جامع؛ وهو لذلك من أتمّ نماذج المقابلةِ والجمعِ بين ضدّين في تركيبٍ واحد. أمّا المثال الثاني فيفتح - إلى جانب مفارقاتٍ قريبة - بابَ الكلمات التي قد تُفسِّرها: حالٌ غيرُ مستقرّ، واختلالٌ يهجمُ على النفس في العمق، وهذيانٌ يلتبسُ بالرشد. وليس من اللازم أنّ مقصد الشاعر تفسيرُ هذه التناقضات؛ غير أنّ حضورَ هذه الألفاظ في السونيتة يعكسُ سببَ وجود المفارقات التي تُظهرها هذه القصائد - كما تُظهرها قصائدُ كثيرةٌ غيرُها. وليس هذا في جوهره مختلفًا عمّا نجده عند شعراءِ الحبّ في كلّ العصور. والباروك، على وجه الخصوص، مثالٌ بيّن. غير أنّ العصور الوسطى، والنهضة، والأسلوب التكلّفيّ (المانيريّة)، والباروك - في هذا الباب وفي غيره - قد اغترفت من الميراث الكلاسيكي موضوعاتٍ وصيغًا للتعبير. وليست هذه الأهواء البلاغية ضربًا من المصادفة؛ إنّها بنتُ الأزمنة، أي إنّ الأدب والإنتاج الجمالي عمومًا ينهضان في سياقٍ محدّد، ويغرسُ فيه جذورَه، ومن ثمّ يجدُ فيه تفسيرَه.
فالمفارقة والمقابلة، والجمعُ بين ضدّين، والتقاطعُ اللفظي، والتوريةُ والتلاعبُ بالألفاظ، وسائرُ الصيغ البلاغية التي تُلبس الكلامَ ثوبًا مُزخرفًا متكلَّفًا - هي سماتُ أزمنةِ المفترقات، حين يعيشُ الإنسانُ في خصومةٍ دائمةٍ مع نفسه، يصيرُ ذاتًا وموضوعًا لبحثٍ لا ينقطع، وحين يبدو العالمُ فوضى أو متاهة. هكذا كان الأمرُ في أدبِ أواخر العصور الوسطى، ثم في المانيرية، كما كان - من قبل - في روما في السنوات الأخيرة من الجمهوريّة: أزمنةُ حدودٍ وتخوم. وطريقةُ الاحتفاء بالحبّ تُجسِّد بوضوحٍ المشاعرَ المفرطةَ التي تميّز تلك الأزمنة «الهاذية»، إذا استعرنا لفظَ كامويس الموحِي. تلك كانت سماتُ الحبّ في روما أواخر الجمهوريّة - أو هكذا صوّره لنا الشعراء الذين احتفلوا به: حبٌّ مُفرَط، عاصف، محكومٌ بالشغف، أي - بحكم التعريف - غيرُ عقلاني، متناقض، وسواسيّ، كأنّ الحبَّ وحده مشروعُ الحياة. ويشهدُ تيبّولوس، وأوفيد، وكاتولوس، وبروبرتيوس بأمثلةٍ كثيرةٍ على هذا الاختيار: التفرّغ للحبّ بلا حدّ، والاستعداد لاحتمال عذاباته العَذْبة ومشاقّه الساحرة، وتذوّق أفراحه المؤلمة. وانظرْ إلى أوفيد، يقول في المعنى:
عِشْ ودَعِ الحبَّ جانبًا! إن قالها لي إلهٌ، تضرّعتُ إليه؛ فما أحلى هذا الشرّ الذي اسمُه المرأة!
ويُقرّ الشاعرُ بأنّه يفضّلُ ليلةَ قلقٍ على ليلةِ نوم؛ فالأولى تتركُ بابَ الأمل مواربًا، أمّا الثانية فقرينةُ الموت. ومن هنا يختارُ تناقضات الحبّ، فيقول في المعنى:
دعْ كلماتِ حبيبةٍ مُخاتلةٍ تُضلِّلني حينًا - فإنّي بالأمل أُغذّي أفراحًا عظيمة - ثم لتهمسْ تارةً بالملاطفة، ولتنسُجْ تارةً الخصومة؛ كثيرًا ما أهنأُ بسيدتي، وكثيرًا ما أُطرَدُ عنها.
وهذا اللعبُ بالألفاظ، المنسوجُ من توازياتٍ إيقاعية وأحيانًا من توريةٍ وتلاعبٍ لفظي، ليس جديدًا؛ إنّه قديمٌ، وقد صُقِلَ على أيدي شعراءِ العقود الأخيرة من الجمهوريّة، المولعين بالزينة البلاغية: بالتقاطع اللفظي، والمبالغة، والمقابلة، وسائر الحِيَل الكلامية. وكان هؤلاء - بلغة اليوم - شعراء «الموضة»، كما كان ينظر إليهم معاصروهم الأكثرُ وقارًا وتجهّمًا. ومِن أبلغ الأمثلة: إسرافُ كاتولوس في طلب «ألفِ قبلة»، ثم ألفٍ أخرى، ثم آلافٍ تُزاد وتُضاعَف، حتى تغدو أكثرَ من رمالِ القفر. وكذلك التلاعبُ اللفظيُّ الذي يُحسنُه، حين يقول:
لا تستطيعُ امرأةٌ أن تدّعي أنّها أُحبَّت حقًّا مثلما أحببتُكِ أنا، يا لِسبيا. ولم تُعرَف أمانةٌ قطّ في عهدٍ من العهود مثل الأمانة التي حفظتُها لكِ في حبّي.
واللافت في هذا البناء أنّه يبدأ بنفيٍ قاطعٍ شديد، ثم لا يتّضحُ تمامُ معناه إلا في الختام، وأنّ عِظَم الحبّ يقوى بالمقارنة: «هذا القدر… مثل ذاك القدر»، ثم تُشدَّد الفكرة بتوالي النفي: «لا… ولا… قطّ… في أيّ عهد». وتتعزّز كذلك بمقابلةٍ حوارية بين «أنا» و«أنتِ»، حتى تكاد الأبياتُ الأربعة تدورُ في حلقةٍ محكمة حول كلماتٍ قليلة: الحبّ، الأبد، أنتِ، أنا، الوفاء، العهد. وكانت هذه تقنيةً قد صارت مدرسة. وبروبرتيوس - وهو من شعراءِ الانخطاف العاطفي - يحفلُ أيضًا بأمثلتها. فالمرثية السادسة من الكتاب الثاني تصفُ الغيرةَ وشكوكها وخوفها وتردّدها؛ حتى إنه يرى في أيِّ لمسةِ حنان - ولو كانت من أخٍ أو طفلٍ أو قريب - ظلَّ منافسٍ يتسلّلُ ليُعمي عليه صورته. ويلقي اللائمة على روما الفاسدة التي تسودُها الشهوةُ المنفلتة. ومع ذلك يعلن أن لا شيء يزحزحه عن ثباته:
لن تَجرَّني امرأةٌ قطُّ - زوجةً كانت أم عشيقة - بل أنتِ دائمًا عشيقتي، وأنتِ دائمًا زوجتي.
ثم يزدادُ التناقضُ حدّةً في موضعٍ آخر، فيقول:
هذه يميني الخالدة: أنا - في وحدتي عاشقًا - لا أنسحبُ فجأة، ولا أُقدِمُ طائشًا.
مثلُ هذه التصريحات المكرّرة عند شعراء أواخر الجمهوريّة تُبيّن كم ابتعدنا عن سكينةٍ أبيقوريّة عرفها شعرُ أزمنةٍ أخرى. فالحبُّ هنا عنيفٌ (لا بمعنى العنف الجسدي بالضرورة)، مُفرَطٌ مُشتعل؛ حبٌّ نارٌ يلتهمُ الشاعرَ العاشقَ بلهيبِه. وهكذا تُداسُ حدودُ الاتزان ويُمهَّدُ لمفارقاتٍ تكادُ تكون عبثيّة، كاجتماع الحبّ والكُره في نفسٍ واحدة. وفي هذه المفارقات كان كاتولوس بارعًا. من ذلك حين يحتفلُ بنشوةِ ليلةِ حبّ، ثم يُتبعُها بمقابلةٍ بين «الضوء القصير» و«الليل الأبدي»، فيقول:
نحنُ - إذا انطفأ الضوءُ القصيرُ مرةً - فلنا ليلٌ أبديٌّ واحدٌ ينبغي أن ننامَه.
وحتى فيرجيل - وهو الذي لم يغنِّ الحبّ بضمير المتكلِّم - يعترفُ بسطوته القاهرة، فيقول:
الحبُّ يقهرُ كلَّ شيء؛ فلنخضعْ نحنُ للحبّ.
غير أنّا لنعد إلى بروبرتيوس، ففي شعره قصةُ حبٍّ مشبَّعةٍ بالتناقض: مسارٌ يتعاقبُ فيه الحبّ والكُره مراتٍ متلاحقة، على نحوٍ يبدو فوضويًّا غيرَ منسجم، كأنّه يتحدّى القارئ أن يستخرج خيطًا ناظمًا - وربما لا خيط - أو كأنّه يدعوه إلى كشفِ عبث الشغف الذي نخَره وأكلَه. يتناوبه الشغفُ والخوف: شغفٌ بسِنثيا، سحرٌ لا يُقاوَم، موسومٌ بالرغبة والحسّية. لكن معها خوفٌ؛ فهي متعالية، سلطويّة، نزِقة، متقلّبة في ردودها وفي علاقاتها، مهيّأة لاندفاعاتٍ عاطفية جريئة كما لاندفاعاتِ غضبٍ عنيفة. وفي تلك اللحظات تصير جارفةً لا ترحم؛ وقد ذاق قوّةَ سخطها غيرَ مرة. ومع ذلك يخضع، ويطلبها، ويشتهيها، في انتظار قبسٍ من نورٍ أو ليلةِ جسد. وهكذا يتكوّن ثنائيٌّ من تناقضاتٍ بيّنة: هي غادرةٌ كاذبةٌ متصنِّعةٌ حانثة، وهو - على رغم ذلك - يتبنّى الثبات والوفاء والخضوع؛ ثم لا يلبثُ أن يرفضها ويُهينها، قبل أن يعود فيخضع لها خضوعًا لا يُقاوَم. هي باردةٌ حسابيّةٌ مُسيطرة، وهو عاطفيٌّ مستسلِمٌ لقوانين الحبّ التي أعلنها منذ فاتحة كتابه الأول.
مهما صنعتْ بكِ آلامي من خشونةٍ وجراح، فلن تبلغَ ثورتي حدًّا أكون فيه سببًا لغضبك الدائم، فتغدو عيناك قبيحتين منتفختين من كثرة البكاء والدموع.
وقد يتجاوز قبولُ العنف كلَّ حد. فمزاج بروبرتيوس المفارق - المريض، كما قد يُقال، لا بلا سبب - يرى الحبّ في العدوان، ويقرأ الحنان في الغضب، ويَلتذّ حين يتلقّى هجمات السخط. نعم، يكره؛ لكن كرهَه لا يلبث إلا ومضةً. وفي موضعٍ ما، كانت هي التي أفرطت في الشراب؛ فبان سُكرُها، وجاءت عواقبه: تهجم فتنتف شعره، وتترك أظفارُها خطوطًا في وجهه، وتمزّق ثيابَه قطعًا. يُهان العاشق ويُذلّ. ومع ذلك يراها «علاماتِ حرارة» ودليلَ حبّ، إذ لا تضطرب امرأةٌ إلى هذا الحدّ بلا عشق. ثم تتضح اهتزازاتُ الشاعر: تعرّجٌ عاطفي بين الشغف بها والرغبة في التحرّر منها. وكثيرًا ما يتراكب الإحساسان في قصيدةٍ واحدة: يبدأ بثورةٍ ولعناتِ غضبٍ لمن ضاق ذرعًا، ففسادُها معروفٌ لروما كلها، وغضبه يشبه عصفَ العاصفة؛ بل يقول: «إنّ تغيّر العشّاق الغاضبين بكلمةٍ أسرع من تقلّب الأمواج والغيوم أمام الرياح». غير أنّه، وهو يمضي نحو الخاتمة، يبوح: مهما عاش فلن يستطيع انتزاع صورتها من قلبه؛ تلك لعنته. ثم يختم بمقابلةٍ لاذعة:
سِنثيا في جمالها قويّة؛ وسِنثيا في كلامها خفيفة.
ولا يقول تيبّولوس بعيدًا من ذلك، وهو يشكو تقلّب «إله الحبّ» الذي يبتسم ثم يقسو، فيقول:
تُريني وجهًا لينًا، ثم لا تلبثُ أن تكونَ لهذا الشقيِّ قاسيًا غليظًا.
ويظل كاتولوس المثالَ الأوضح. فالتمزّقُ الذي يُصيبه يبدو في التلفّظ نفسه: يسكنه اثنان - واحدٌ يحبُّ بتهوّر الشغف، وآخرُ يفهمُ بعين العقل أنّ الأوانَ آنَ للانصراف ووضع حدّ لكلّ شيء. هذا الصوتُ الثاني، صوتُ الرشد، يدعوه: لِمَ تُعذّبُ نفسك أكثر؟ ثبّت قلبك وارتدّ، وكفّ - ولو خالفتْك الآلهة - عن أن تكون شقيًّا. لكن «الأنا» العاشق يجيب: إنّه عسيرٌ أن تُطفئ حبًّا طال زمانه دفعةً واحدة. ومع ذلك، لا مخرج إلا هذا: ذلك هو الخلاصُ الوحيد، وتلك هي الغَلَبة التي يجب إحرازُها - افعلْه، سواءٌ قدرتَ أم عجزت. ويمتدّ النصُّ في تردّدٍ دائم: مقاومةُ الحبّ، ثم - والمفارقة هنا مُرّة - مقاومةُ هذه المقاومة، في حوارٍ بين القلب والعقل، بين الشغف وبين كبرياءٍ مجروح. وحتى النهاية يبقى غيرَ واضحٍ أيُّهما سيغلب. وتأتي الخاتمةُ تضرّعًا يوحي بنوعٍ من الاستسلام: لم يعد يطلبُ أن تُبادله المرأةُ الحبّ، ولا - لأنه غير ممكن - أن تكون عفيفة، بل يطلبُ أن يبرأ وأن يُلقي عنه هذا الداءَ الكالح، ثم يناشدُ الآلهة أن تمنحه ذلك مكافأةً لتقواه.
ولم تكن تلك أوّل مرة يجرب فيها كاتولوس هذا الانشطار النفسي بين العقل والشغف. فقد وقع ذلك من قبل، ولكن بلا نجاح، في قصيدةٍ أخرى تُظهر - بما تبنيه بيتًا بيتًا من مقابلات - ما سيصير لاحقًا دِرَّةَ المفارقة: اجتماع الحبّ والكُره في نفسٍ واحدة. وهنا أيضًا تكون كلمة «الشقيّ» هي عنوان الحال، بها يبدأ نداءُ اليقظة: «يا كاتولوس المسكين»، ثم يأتي الحثّ: كُفَّ عن العبث، واحسبْ ما ضاع ضائعًا. ثم يرسمُ ماضيًا كان يلمع فيه «شمسٌ بيضاء» من نشوةٍ خالصة، حين كان يتبع محبوبته حيث تقوده، وكانت تقع بينهما لذائذُ كثيرةٌ: ما يريده هو ولا تأباه هي. ثم ينقلب الحاضر: هي لا تريد الآن، فليكن هو أيضًا - ولو عجز - لا يريد، ولا يطارد الهاربة، ولا يعيشُ في بؤس؛ بل ليصبر بعزمٍ صُلب.
ثم يعلن الوداع: وداعًا أيتها الفتاة! لقد اشتدّ كاتولوس، ولن يطلبها ولن يتضرّع إليها وهي كارهة. لكنه يلتفتُ إليها بسمٍّ مُرّ: ستتألمين حين لا يطلبك أحد؛ يا آثمة، ويلٌ لك، أيُّ حياةٍ تنتظرك! من سيأتيك الآن؟ لمن ستبدين جميلة؟ من ستُحبّين؟ لمن ستقولين: أنا له؟ من ستقبّلين؟ ومن ستعضّين شفتيه؟ ثم يعود إلى نفسه ختمًا: وأنتَ يا كاتولوس - وقد عزمت - فاثبت واشتدّ. ثم يعلّق النص على قوة مطلع القصيدة: كيف تتراكم الأفعال لتصنع صورةَ الحال وتؤسّس انطلاقَ الكلام: دعْ العبث، وانظر ما ضاع، فاحسبه ضائعًا. وكيف يُؤطَّر الماضي بذكر «الشمس» و«زمنٍ مضى»، فيكون ماضيًا مُضيئًا شديدَ البهجة. ثم يلمح إلى أنّ صوت العقل لا يبقى باردًا تمامًا، إذ يتدخل ضمير المتكلم عند ذكر الحب، كأنّ الرشد يتلعثم تحت وطأة الشغف، وربما لهذا أخفقت محاولةُ تقويم المسار. ويشير أيضًا إلى صراع الإرادتين: هو الطرف الفاعل المتحرك، وهي ليست سلبية، بل هي صاحبةُ السلطان لأنها «تأذن» أو «ترفض». وفي الحاضر يتحوّل ذلك الإذن إلى رفض، ومن هنا تأتي دعوةُ العقل للعاشق أن يُبدّل إرادته، وأن لا يطارد الهاربة، وأن لا يعيشَ شقيًّا، بل يصبر ويقسو على قلبه. ثم يبيّن أنّ الخاتمة تُصرّح بقطيعةٍ تُبنى على وداعٍ صريح، وعلى تحوّل النداء إلى تقرير واقع: لم يعد يُقال «اثبت»، بل «لقد ثبت». ويتحول المخاطَب أيضًا: بعد أن كان الخطاب للنفس، صار للمرأة، فتتضح القطيعة. والزمنُ هنا زمنُ المستقبل: لا عودة إلى الإرادة الأولى، بل انتقالٌ إلى الامتناع عن الطلب والسؤال.
هذه الإحلاليّة - فلنُقِرّ - موحيةٌ أشدَّ الإيحاء: ليست إرادةُ العاشقِ هي التي تنقطعُ، ليس «الاشتهاء» نفسُه هو الذي يخبو؛ بل إنّ الذي يزولُ - على التحقيق - هو أثرُ ذلك الاشتهاء وعاقبتُه. لا يزعمُ الشاعرُ أنّه كفَّ عن الرغبة، بل - لنقل - إنّه كفَّ عن التردّد والمضيّ إليها كلَّ حين. أمّا هي، فمن جهتها، فتمضي في امتناعِها، لا تُلينُه ولا تُجيبه. غير أنّ فعلَ «تتألّمين» يُدخِلُ انقلابًا في نبرةِ القول. فقولُه: «ستتألّمين» قد يُفهَم وعيدًا، ولكنه كذلك مبدأُ سلسلةٍ من الأسئلة البلاغيّة، على هيئةِ لعنٍ وتوبيخ، يجاورُ الاحتقارَ والكراهية. ومن هذه اللحظة على وجهِ القطع تختلطُ نبرةُ العقل بنبرةِ الشغف؛ فالعاشقُ هو الذي يتكلّم، ممزوجًا بالغضب والضغينة والشفقة؛ وهو - في الوقتِ عينه - «حُسنُ التدبير» الذي لا يكفُّ عن جرِّ الرجلِ المولَه إلى الرجوعِ على عقبيه.
ستُّ مسائلَ بلاغيّة في ثلاثة أسطرٍ لا غير، كلها على بنيةٍ واحدة: ضميرٌ موصولٌ يعودُ على الشاعر، وفعلٌ في المخاطبة، هي فاعلتُه. وهكذا يكتسبُ الخطابُ إيقاعًا لاهثًا كإيقاعِ الفرار، يُفصح عن ضغطٍ وإكراه، ويتركُ مع ذلك شَكًّا: أحقًّا كانت القطيعةُ واضحةً حاسمة؟ كأنّ الوعيدَ هنا يلبسُ هيئةَ رجاء؛ وكأنّ توالي الأسئلة ليس تهديدًا بقدر ما هو نداء. ثم إنّ القصيدة - مع ذلك - تُختَمُ بصيغةِ الأمر. ففي خصومةِ الصوتين: صوتِ الرشد وصوتِ الهوى، اندفع هذا الأخير إلى حملةٍ من الأسئلة على الحبيبة، لعلّه يرجو أن يُرقّق قلبَها ويثنيها. ولم يبقَ لصوتِ الرشد إلا أن يُكرّر الإلحاح، بالصيغة نفسها التي استعملها من قبل: «اشتدَّ واصبر!» لكن الشاعرَ العاشق لا يُجيب. وينغلق النصُّ على نداءٍ معلَّق… بلا جواب. وليس هذا - كما هو بيّن - هو مفارقةَ «الحبّ/الكراهية» ذاتَها؛ غير أنّه يُنذرُ بها ويُمهِّدُ لها ويكشفُ منطقَ نشأتِها.
وهذه الذبذبةُ بين الانفعالاتِ القصوى، التي تُفضي من الحبّ إلى الضغينة، ومن الشغف إلى البغض، ومن الخضوعِ العاشق إلى الرفضِ الجذري - هي ظاهرةٌ مشتركةٌ بخاصّةٍ بين كاتولوس وبروبرتيوس. ويجمعُهما - في الواقع - الطرازُ نفسه من المرأة. وقد كُتبت هذه الكلمات في وصفِ سنثيا، حبيبة بروبرتيوس، وهي تكادُ - بلا كبيرِ تعديل - تنطبقُ على لِسبيا عند كاتولوس:
إنّ الإلهةَ العفيفةَ الأبولونيّةَ للغاباتِ والينابيع، التي تعكسُ عيناها الصافيتان بلّورَ المياه ونبضَ خُضرةِ الشجر، هي كذلك الإلهةُ الليليّةُ الملتبسةُ التي تُبدِي ضوءَ القمر وتُخفيه؛ وهي هيكاتُ الكئيبةُ من عالمِ الموتى، تُنبئُ عنها رَعشةُ الأرض ونباحُ كلابِ الجحيم؛ وهي ثلاثيّةُ المفارقِ الهائمة، رفيقةُ الخديعة، تهجمُ وتخنقُ عند حدِّ الظلمة. سيّدةُ الليل حرّةٌ لا تُروَّض في الحبّ - لكنّها تُروِّض عاشقَها وتُخضعُه، الذي لا ينبغي أن يَبقى إلّا لها.
فلهذا بدت قصائدُ كاتولوس وبروبرتيوس - إذا نُظِر إليها في جملتها - تعبيرًا «متّسقًا» عن مفارقة الحبّ والكراهية، إن كان للاتّساقِ مكانٌ في هذا القدر من اختلالِ الرشدِ وغلَيانِ اللاعقل. وهي مفارقةٌ تتمّ وتتجسّد، لا في كيفيّةِ احتفالهما بالتسليمِ الكلّي فحسب، بل كذلك في كيفيّةِ إنشادهما للقطيعة والانفصال. وأمّا أوفيد، ففي هذا الباب، فيسيرُ قريبًا من المثالِ الكاتولي (نسبةً لكاتولوس). كأنّ الحدّ عنده قد بَلغ مُنتهى الاحتمال؛ وكأن طاقةَ تحمّل الإهانات والخيانة قد نَفدت. لم يبقَ موضعٌ لمزيدٍ من المكاره ولا متّسعٌ لمزيدٍ من الإذلال. بل إنّ أوفيد - أوضحَ من كاتولوس، إن صحّ القول - يُعلن القطيعة منذ مطلع القصيدة؛ ويُنبئ من البيتِ الأوّل بنهاية الحبّ وبانفراطِ تلك الصلة التي تختبئ وراء اسمه. ويأتي المطلعُ في اختصارِه شديدَ الدلالة: بنيانٌ محكم، تقوم قوّتُه على لعبةٍ خفيّةٍ في الألفاظ، وعلى علاقةٍ جدليّة بين شِقَّي كلِّ بيت، تلامسُ المقابلةَ مسًّا رفيقًا:
حملتُ كثيرًا وطويلًا. فهُزِمتِ المُسامَحةُ أمام الرذائل.
انصرفْ عن قلبٍ أرهقَه العناء، يا حبًّا قبيحًا.
وانظرْ شبكةَ المراسلات: «حملتُ» تستدعي «المُسامَحة»، وتؤكّدها «كثيرًا وطويلًا»؛ و«الرذائل» تُلاعبُ «الهزيمة» في تجانسٍ صوتيّ مصنوع؛ و«القلبُ المُرهف» يقابلُ - في رفق - «الحبّ القبيح». بل إن «الحبّ القبيح» في ختام المطلع يريد أن يكون تفسيرًا لما تقدّم: للرذائل، وللمسامَحة المقهورة، وللقلب المُنهك. وهكذا تُغلَّظ الإهانةُ وتُفخَّم الفاحشة. ثم إنّ «المُسامَحة» ترتبطُ بـ«الإنهاك» كما ترتبط «الكثرة» بـ«طولِ الزمان». ثم تأتي «العلّة» - أو وصفُ العلّة - حيث يقلب أوفيد، مرّةً أخرى، ترتيبَ كاتولوس في «الرجوع عن القول»: يسلّم أوّلًا بحصولِ القطيعة كأنّها أمرٌ مبروم، ثم لا يلبثُ أن يُحرّض نفسَه على إنفاذِها. وهو، من جهة المنطق، ضربٌ من التقدُّم المتأخّر - أو لنقل - شيءٌ غيرُ عقلانيّ على وجهٍ ما. ويُعلَنُ الانتهاء بضمير المتكلّم: «خلَّصتُ نفسي» «فررتُ». ولا بدّ من التنبيه إلى أنّ الفعلين كليهما يرسمان معنى التحرّر، ولا سيّما الثاني، إذ يجعل موضوعَه «الأغلال» - أغلال الحبّ - التي تحرّر منها بقرارٍ صارم.
لكنّه يعودُ بعد ذلك إلى الفعل الذي افتتح به القصيدة: «حملت»، غير أنّه يربطه الآن بمعنى الحياء والخزي. ويصوغ ذلك في بناءٍ مرصَّعٍ بالتأنّق، مستعملًا تقاطعًا لفظيًّا مزدوجًا مرتبطًا بالمقابلة: «لا أخجل» تُقابِل «أخجل»، وليس الانقلابُ في ترتيب الكلمات وحده هو المقصود، بل انقلابُ علاقتها الداخليّة أيضًا: من ماضٍ فحاضر إلى حاضرٍ فماضٍ. ولا تنتهي المراسلات هنا: فقولُه «لقد انتصرنا» في مطلع بيتٍ تالٍ يصدّى لصدى «هُزِمت» التي كانت تُغلق البيتَ الأوّل؛ غير أنّ المبنيَّ للمجهول صار مبنيًّا للمعلوم، والفاعلُ «أنا» يطالب بالنصر والتحرّر. والحبّ الذي كان مُصوَّرًا بالأغلال صار هو نفسُه مَقهورًا مُدانًا مُذلّلًا، حتى يُطأ بالأقدام.
لقد نجوتُ وفررتُ من الأغلال، وما لم أستحِ من احتمالِه يَستحيي منه اليومَ قلبي إذ يتذكّره. لقد غلبتُ، ودُستُ الحبّ تحت قدمي بعد أن قهرتُه.
ومن أشدّ مواضع الأدبِ اللاتيني عنفًا في هذه المعايشةِ المفارِقة بين الحبّ والكراهية: ملحمةُ «الإنيادة» لفيرجيل، في خاتمة مأساة ديدو. غير أنّ المقابلة هناك لا تَجلو في الألفاظ بمقدار ما تتجلّى في الوقائع؛ أي إنّ التضادّ لا يظهر بقدرِ ما يظهر في زخرفِ البلاغة، بقدر ما يظهر في ترتيب الحدث وبنيةِ السرد. فلنقف عند نهاية النشيد الرابع. إنّياس عازمٌ على مغادرة قرطاج، لأنّ الآلهة قد قضت عليه بذلك. وقد ألزمه مِرْكُوريوس - بأمر جوبيتر - أن يُبحر؛ كانت تلك وصيّة جوبيتر. وحاولت ديدو عبثًا أن تُثنيه، بإلحاحٍ متتابع، وتضرّعاتٍ لا تنقطع، ونداءاتٍ لما كان بينهما من وشائج. لكنّ إنّياس لا بدّ أن يمضي. يمضي مُستكرِهًا، نعم، غير أنّه يمضي. ويقول - في معنى قوله - : «لستُ طالبَ أرضِ إيطاليا عن طوعٍ واختيار». وفي أعماقه تنساب الدموع سدى. أمّا الوجه فيتستّر على الاضطراب الذي يهجم عليه؛ والقلب يبقى كأنّه لا يتحرّك:
إنّ النفسَ ثابتةٌ لا تتزعزع، والدموعُ تسيل عبثًا.
أو: القلبُ لا يضطرب، والدمعُ يجري سدى.
وأمّا الملكة فليس شأنُها كذلك. إن طبيعة الشغف الذي استولى عليها منذ البدء - لا عقلانيّتُه - تظهر عارية. ومع انطلاقِها في اليأس تتراكض العواطف المتناقضة كالإعصار. الكراهية والرغبة في الثأر تمنحانها عزمًا وقوّةً في اللحظات الأخيرة. غير أنّ هذه الكراهية وهذا الثأر إنما وُلدا من الحبّ والشغف، فلا يقدران أن يستُرا أصلَهما. كلُّ كلمةٍ من ديدو - في الضغينة والمرارة والغضب والبغض والانتقام - تكشفُ، على وجه المفارقة، شغفًا لم ينطفئ. ثم إنّ الثأر الذي تُدبّره يريد - كما تُصرّح هي - أن يكون صورةً من صور عدم تركه، وإلزامِه إلى الأبد بذكرى اسمها، وبذكرى الموقد الذي تُعدّه لإحراق نفسها. ومعنى مقولتها - في هذا المقام - على هذا الوجه:
لستُ أحبسُك، ولا أجادلُك في أقوالك. امضِ، واتّبع إيطاليا حيث تسوقُك الرياح، واطلب مُلكَك فوقَ الأمواج. إنّي لأرجو - إن كان للآلهة الصالحين قدرة - أن تجرع العذاب بين الصخور، وأن تنادي اسمَ ديدو مرارًا. سأتبَعُك - وإن غبت - بنيرانٍ سوداء، وإذا انتزعتْكِ الموتةُ الباردةُ من هذا الجسد، حضرتُ لك في كلِّ موضعٍ طيفًا. وستلقى - أيها الفاجر - جزاءَك.
وإلى جانب المفارقة التي تسيطر على ختام مأساة ديدو - تعاقد الحبّ والكراهية عقدًا باطنًا - تلوحُ مقابلاتٌ موضوعةٌ برفقٍ في اللعنة الأخيرة، في صيغة نبوءةٍ مشؤومة: فكونُها «غائبة» يقابل «سأتبعك»، كما يقابل - في موضعٍ لاحق - «حضرتُ لك». و«النيران السوداء» تُشبه جمعًا بين ضدّين إذا اعتُبر ميزانُ الألوان؛ كما أنّ «الموت» و«الروح» في اقترانهما يشيان بذلك على مستوى آخر. إنها تعبيراتُ اللاعقل والهذيان؛ وهي المواطن التي ينبت فيها التناقضُ المفارقُ أسرعَ إنبات.
وفي الانتحار تختار ديدو صورةَ الثأر الأعلى (وقد يكون كذلك - في نفسٍ مضطربة - صورةَ الحب الأعلى). وهكذا تختار القطيعة النهائية التي لا رجعة بعدها. وعلى خلاف إنّياس الذي رحل مُكرهًا يخفي في وجهه عصفَ قلبه، تُعلن ديدو - في فعلٍ يجمعُ من الرشد قدرًا ومن الهذيان قدرًا - الانفصالَ الحاسم. وعلى خلاف إنّياس الممزّق بين عواطفَ متضادّة، تلتمس ديدو قرارَها في الضغينة والغضب - وهما ابنا الشغف - ثم تتبنّاه في كبرياء: «هكذا، هكذا يطيبُ لي أن أمضي إلى مملكةِ الظلال». في الموت تختار ديدو الانتقام؛ فتحوّلت عاطفةٌ مفرطةٌ لا عقلانيّة - هي الشغف - إلى ضدّها، لا أقلّ إفراطًا ولا أقلّ لا عقلانيّة: الكراهية.
وهكذا يقع لكاتولوس، ويقع لأوفيد - على الأقل مرة - أيضًا. فقد يُنشد هذا الأخير العداوة والبغض ممتزجين بالحب، كأنما هو زواجٌ على خلافِ الطبيعة، قائمٌ على مفارقاتٍ متتابعة، وعلى تمرينٍ بلاغيّ تكثر فيه المقابلات والجمع بين الضدّين. يتعايش البغض والحبّ في روحٍ متردّدةٍ لا ترضى، في جرأةٍ شكليّةٍ ومفاهيميّة سبقَ أن صاغها كاتولوس قبل سنين صياغةً سامية. يتصارع البغض والحبّ في تردّدِ نفسٍ كأنها أنهكها التعب؛ غير أنّ الحبّ - على ما يبدو - ينتهي إلى الغلبة. وإذا حلّلنا هذه المرثية مقرونةً بما يسبقها في الديوان - إذ لا انفصال بينهما - بدت لنا حركةٌ مألوفة: يبدأ الأمرُ بالإعياء والملال، ثم يُستحضر الماضي بما فيه من إخلاص الشاعر العاشق ليُشدّد على مقدارِ خيانة المعشوقة، ثم ينتهي إلى قطيعةٍ لا لَبْس فيها. وهناك - في مطلع القسم الثاني - يبدو الحبّ كأنه يهمّ أن يتنحّى للبغض، فيُقال - في معنى الأبيات - هذا القول:
يتجاذبُ قلبي الضعيفُ قوّتان متضادّتان:
من هنا حبّ، ومن هناك بغض؛ غير أنّي أظنُّ الحبّ هو الغالب.
سأكرهُ إن استطعت؛ فإن لم أستطع، أحببتُ على كُرهٍ منّي.
الثورُ لا يحبّ النِّير؛ لكنه - مع ذلك - يحملُ ما يكره.
أفرُّ من الفجور؛ فتردّني إليه - وأنا الفار - البهاء.
أمقتُ جرائمَ الخُلُق؛ وأحبُّ الجسد.
وهكذا لا أستطيعُ أن أحيا لا معك
ولا من دونك، وكأني لا أدري ما أريد.
ليتَكِ كنتِ أقلَّ جمالًا أو أقلَّ خبثًا؛
فما يليقُ بجمالٍ عظيمٍ خُلُقٌ دنيء.
أفعالُك تستوجبُ الكراهية، ووجهُك يستنزلُ الحبّ.
ويحَ نفسي! إنّها لتغلبُ بعيوبها عيوبَها!
ارفقي بي - بحقِّ سريرٍ اقتسمناه، وبحقِّ الآلهة
كلِّهم الذين يهبونك مرارًا قدرةَ خداعهم،
وبحقِّ وجهك الذي أراه كظهورٍ لقوّةٍ إلهية،
وبحقِّ عينيك اللتين سلبتا عيني!
أيًّا ما كنتِ، فستبقين لي. فاختاري - على الأقل - أتريدين
أن أحبّكِ بمحضِ إرادتي، أم أن أحبّكِ مُكرهًا؟
لأن أُطلق الأشرعةَ للرياح الحاملة خيرٌ من أن
أُجبَر - وإن لم أُرِد - على أن أريدَ حبَّك.
والتقابل الجدلي بين البغض والحبّ بيّنٌ أشدَّ البيان بوصفه القوّة المحرّكة للقصيدة كلها: ففي عشرةِ ثنائيّاتٍ شعريّة، تتكرر ألفاظُ حقل «الحبّ» ثماني مرّات، وألفاظُ حقل «البغض» خمس مرّات. وهذه المعارضة، التي تتبدّى منذ فاتحة القصيدة في صورة «تجاذبٍ نحو المتناقض»، تتحوّل - على مستوى الصياغة البلاغيّة - إلى توالٍ من المقابلات والمفارقات: حبّ من جهة وبغض من جهة؛ سأكره… سأحب؛ يحب… يكره؛ يفرّ… فيُردّ؛ أمقت… وأحب؛ خلق… وجسد؛ لا من دونك ولا معك؛ خُلُقٌ سيّئ… وجمالٌ حسن؛ أفعال… وجه؛ كراهية… حب؛ لا أريد… فأريد. إنّها مقابلاتٌ كثيرةٌ في مساحةٍ قصيرة، لا يخطئها نظرٌ ولو كان على غفلة. وتطوّر هذه الصيغ المتقابلة لا يخرج عن المألوف في نهج أوفيد. تفتح المرثية بإعلان المفارقة التي ستكون خيطَها الناظم: «حبّ/بغض». ثم يُعلن سريعًا مآلُ الخصومة: الغلبةُ للحب.
غير أنّ هذه «المفاضلة» بين طرفَي التضادّ لا تنبع من الإرادة؛ لأن الإرادة تنطقُ بالبغض: «سأكره إن استطعت». غير أنّ الشاعر يعلم منذ البدء أنّ ذلك ممتنع، فيُبرز الإكراه: «أحبُّ على كُرهٍ منّي». وهنا يبرز معنى النِّير والخضوع، وهو أقربُ إلى شعراءِ آخرين - كبروبرتيوس وكاتولوس، بل وتيبّولوس - منه إلى أوفيد. وهو ما تؤكده استعارةُ الثور الذي لا يرضى بالنير، لكنه يُكره على حمله. ومن هناك تنشأ سلسلةٌ أخرى من المقابلات تُريد أن تُفسّر سرَّ التردّد: دناءةُ الخُلُق وفسادُ النفس في مقابلةٍ واضحة مع الجسد والجمال. الذي يَقذُرُه الشاعر هو العيبُ الأخلاقيّ والخللُ السلوكيّ؛ أمّا الذي يجذبه - وهو أوفيد شاعر الحسّ والجسد - فهو الجمال والبدن: «أمقتُ قبائح الخُلُق، وأحبّ الجسد… أفرّ من الرذيلة فتردّني الفتنة… أفعالُها تستوجب الكراهية ووجهُها يستنزل الحب».
صحيحٌ أنّ ثقلَ الخبث والدهاء يبدو أكبرَ حضورًا: «إنها أقوى بعيوبها». لكنه ليس كافيًا ليمنع غلبةَ الحب: «الحبّ هو الغالب… وسأُجبَر على الحب». والتحليل الدقيق للبناء البلاغي يقودنا أبعدَ من ذلك: فهذه الذبذبة الجدليّة لا تقتصر على المعاني، بل تتجسّد حتى في النَّغَم وفي الصياغة النحويّة. فتردّد الزمن بين الحاضر والمستقبل، أو تعاقب الأسلوب الخبري والإنشائي، ظاهر: أخبارٌ تُقرّر، ثم وعودٌ واشتراطاتٌ واختيارات، ثم خاتمةٌ تميل إلى صيغ التمنّي والإرادة والإكراه. والتلاعب بالألفاظ شائع، لا يقتصر على ثنائي «الحب والبغض». يكفي أن ترى تكرار جذر «الفرار» في «أفرّ… والفارّ يُردّ»، أو تكرار البنية في «لا من دونك… ولا معك»، ونحو ذلك. وفي بيتٍ بعينه تتجاور أصواتُ الألفاظ في تكرارٍ مقصود، تزيده قوّةً تعبيرية: «أفرّ… والفارّ… والفتنة» - تتوالى الفاءات كأنها أنفاسُ مطاردٍ يلهث.
ويُثبت النصّ - على الجملة - تأنّقًا أسلوبيًّا باديًا، وهو في أدبِ العصور كلّها (وكذلك في جماليات المانيرية) أنسبُ ما يكون لتصوير الاضطراب الداخليّ والتشظّي والاختلال. فجُمَلٌ قصيرة، ومقابلاتٌ ومفارقات، وتلاعباتٌ اشتقاقيّة متكلّفة، وتكراراتٌ صوتية… كلها تُعلن روحًا قلقةً لا تستقر. وفي هذا المعنى يكون أوفيد سابقًا لخياراتٍ جمالية ستتكرّر عند كامويس وفي شعر أواخر عصر النهضة. غير أنّ التعبيرَ الأسمى عن هذه المعايشة المفارِقة بين البغض والحب - ومن ثم عن تناقض الشاعر الباطن وهو غارقٌ في شغفٍ مفرطٍ مريض - هي قصيدة كاتولوس الخامسة والثمانون.
أكرهُ وأحبُّ. ولعلّك تسأل: لِمَ أفعل ذلك؟
لا أدري. غير أني أحسُّ أنه يحدث… فأتعذّب.
إنها - مع فرط إيجازها - قصيدةٌ ذاتُ أثرٍ عجيب. فالمفارقة في المطلع: «أكرهُ وأحبُّ» ليست فقط أوضحَ عبارة عن اجتماع الأضداد، بل إن حدّةَ العبارة، وانغلاقها على نفسها، وقِصرها الحاسم، يزيدانها وخزًا وطعنًا. ثم انظر: في البيتين ثمانيةُ أفعالٍ، ولا اسمَ فيهما إلا ضميرٌ واحد، وما بقي أدواتُ وصلٍ وربطٍ لا تحمل معنى مستقلًّا. وهكذا يتحدّد حالٌ نفسيّ مضطرب، متناقض، منقسم، متردّد. وتُفصح الأفعالُ - بدورها - تارةً عن الحيرة: «لا أدري»، و«لعلّك تسأل»، وتارةً عن الشعور: «أحسُّ»، و«أتألّم». وبهذا الإيجاز ترمز القصيدة إلى مسار صاحبها عاشقًا؛ كما ترمز كذلك إلى مسار شعراءِ ذلك الزمن - كاتولوس وبروبرتيوس وتيبّولوس وأوفيد - مسارٍ من تذبذباتٍ تُحرّكها الأيام، وتستفزّها انفعالاتٌ سريعةٌ قويّة.