قمرٌ آفلٌ وبجعةٌ تُغنّي
إنَّ أبهجَ يومٍ من أيّامِ عُمرِنا هو أوّلُ ما يتفلّتُ ويطير.
جياكومو ليوباردي، «كانتي، آخرُ نشيدٍ لسافّو».
لم يَبقَ لنا من المعطياتِ السِّيريّة عن سافّو - وهي واحدةٌ من قلائل الشاعراتِ اللاتي عُرِفنَ اليوم من عصورِ القِدَم - إلّا النزرُ اليسير؛ وقد غذّتْه - في معظمِه - الأسطورةُ أكثرَ ممّا غذّتْهُ الوقائعُ التاريخيّة. يذكرُ معجمٌ بيزنطيٌّ من القرن العاشر، في أوّلِ مدخلَيه، أنّ سافّو وُلِدَت في جزيرةِ لسبوس، نحوَ سنة ٦١٢ ق.م؛ وهي سنةٌ تؤيّدُها، من جهةٍ أخرى، شهاداتُ بعضِ الكتّابِ المعاصرين لها ومن تلاها بقليل.
وعلى خلافِ ما يقعُ عند غيرِها من المؤلّفين، لا تتعلّقُ حياةُ سافّو تعلّقًا وثيقًا بعملِها، ومن العسيرِ أن نستنيرَ بتفاصيلَ أوفى إذا اقتصرنا على قراءةِ الشذراتِ التي وصلتنا. غير أنّ من أبرزِ الرُّقاعِ التي تلمعُ - والتي لا ريبَ أنّها أثّرت في موضعِها داخل التاريخ - حديثُها عن إدارتِها دائرةً خاصّةً من الفتيات. إنّ طبيعةَ هذه الدائرة وغرضَها الدقيقَ ليسا معلومَين تمامًا، وقد أفضيا إلى تفسيراتٍ لا تُحصى؛ وأرجحُ الظنّ أنّ سافّو كانت تقودُ جماعةً ذات طابعٍ ثقافيّ، مؤلّفةً من فتياتٍ يافعاتٍ من أرستقراطيّة الجزيرة، وكانت المعلّمةُ - على الأرجح - قد أقامت معهنّ علاقاتٍ عاطفيّة. وهو أمرٌ - من ناحيةٍ أخرى - كان شائعًا على نحوٍ واضح بين الأوساطِ الأرستقراطيّة اليونانيّة، ذكوريّةً كانت أم أنثويّة. وقد استُخدِم هذا القدرُ الضئيل من الخبر لبناءِ صورةٍ مُلتبِسةٍ وغامضةٍ منذ زمنِ معاصريها. وهكذا، مثلًا، في كوميديّاتِ أريستوفانيس، بعد قرابةِ قرنين، كانت نساءُ جزيرةِ لسبوس - ومنهنّ بالطبع سافّو - يُعرَفنَ أكثرَ بنهمِهنّ الجنسيّ وبعلاقاتِهنّ المِثليّة، لا بأيّ خبرٍ آخر.
ومن ثمّ ينبغي أن نضعَ في الاعتبارِ تعدّدَ «السّافوات» اللاتي عبرنَ إلينا: فإزاءَ سافّو الرقيقةِ الرزينة، تلك التي رأى أفلاطون في «فيدون» أنّها «جميلة» لأنّها اقتربت من فكرةِ «الجمالِ في ذاته»، تتحرّكُ سافّو أخرى أقربُ إلى الخيال منها إلى الواقع؛ تُلهِبُها رغبةٌ جنسيّةٌ متّقدة، وتنهضُ عليها الشائعاتُ التي نفخَ فيها بعضُ كتّابِ الكوميديا، ومنهم أريستوفانيس المذكور. ولا شكّ أنّ هذه الأخيرة كانت أخصبَ للكوميديا ولمخيّلةِ العصر من شخصِ سافّو الحقيقي. وإلى جانبِ هاتين السافّوين المتقابلتين، وُلِدت حول الشاعرةِ أسطورةٌ كانت - في الواقع - أوسعَ ذيوعًا منذ العهدِ الكلاسيكي، وامتدّ ظلُّها إلى ما بعد منتصف القرن التاسع عشر. ففي المعجمِ البيزنطيّ المذكور من القرن العاشر، يظهرُ اسمُ سافّو في مدخلين: يذكرُ الأوّلُ المعطياتِ السيريّة التي قد عرفناها، بينما يشرحُ الثاني:
هذه، وقد استبدَّ بها حبُّ فاونَ المِتيليِّني، ألقت بنفسِها من صخرةِ ليوكادا إلى البحر.
ويختمُ بقوله:
وكتبَ بعضُهم أنّ لها أيضًا شعرًا غنائيًّا.
كان ذلك «الفاون» ملاّحًا أسطوريًّا منحتهُ أفروديتُ الشبابَ والجمالَ مكافأةً وشكرًا، فانتهت سافّو - بحسبِ الأسطورة - إلى الوقوعِ في حبّه. ولم يكن اليونانيّون أنفسُهم يدرون كيفَ التقى هذا الشخصُ الأسطوريُّ بالشخصِ الواقعيّ، غير أنّ ذيوعَ هذه الرومانسيةِ المتخيَّلة انتشر بسرعةٍ وقوّةٍ فاقت أيّ شائعةٍ أخرى عن الشاعرة. ووفقًا للأسطورة، قاد ذلك الحبُّ المستحيل سافّو إلى موتها، فاندفعت إلى البحر من صخرةٍ في جزيرةِ ليوكادا - غربَ الساحلِ اليوناني، قريبةً من أكتيوم وبحرِ أمبراسيا. لقد كان هذا الانتحارُ العِشقيُّ أكثرَ الحكاياتِ خصبًا؛ إذ قامت كلُّ حقبةٍ بتطويعه وفقَ أفكارِها وتصوراتِها الجماليّة. وهكذا يرويه أوفيد، الشاعرُ اللاتيني، في «الرسائل البطوليّة» التي كُتبت في أواخرِ القرنِ الأوّل قبل الميلاد، حين تقتربُ حوريّةٌ مائيّة من سافّو وتحدّثها عن أسطورةٍ قديمة:
لأنّ نارًا ظالمةً تحرقُكِ، فعليكِ أن تقصدي أرضَ أمبراسيا. […] من هناك ألقى ديوكاليون - وقد ألهبه حبُّ بيرها - نفسَه، ولم يُصَب جسدُه بأذى حين مسَّ المياه. ولم يلبث أن فرّ الحبُّ من صدرِ الغارق البطيءِ الاستجابة؛ فقد تحرّر ديوكاليون من ناره. تلك خصيصةُ ذلك الموضع. فبادري إلى ليوكادا العالية ولا تخافي أن تثبي من الصخرة!
وهكذا، بوصفها ضحيّةَ نارٍ غير عادلة، جُرّت سافّو بأمواجِ أسطورةٍ دامت ما يقاربُ سبعةَ عشرَ قرنًا، ولم تُوضَع موضعَ السؤال حتّى ظهرت أوائلُ الدراساتِ عن شخصها وعملها. ومن الفتراتِ التي أعادت صوغَ هذه الصورة وفقَ مفاهيمِها الجماليّة والحياتيّة - على نحوٍ بيّن - الأدبُ الرومنطيقيّ. فسافّو - التي لم يكن معروفًا من شعرِها آنذاك إلا شذرتان تقريبًا عبر اقتباساتِ مؤلّفين آخرين - جرّت وراءها أسطورتَها المشهورة، وكانت بطلةَ عدّةِ تمثيليّاتٍ مسرحيّةٍ وتركيباتٍ شعريّةٍ كتبتها نساء: جيرتروديس غوميث دي أفيلّانيدا، وكارولينا كورونادو، وماريا روسا غالفِث؛ كانت هذه بعضَ الأسماء الأبرز التي استعملت شخصيةَ سافّو تمثيلًا لهمومِها الخاصة. ففي مجتمعٍ رومنطيقيٍّ كان الدورُ النسائيُّ فيه محصورًا في المجالِ المنزلي، وكانت النساءُ يُنظَر إليهنّ بوصفهنّ موضوعًا للشعر لا صانعاتٍ له، استطاعت الكاتباتُ الرومنطيقيّات أن يجدنَ في سافّو مرجعًا يوازي فيرجيل أو أوفيد اللذين كان زملاؤهنّ يجلّونَهما.
«هكذا هو، ميّتًا، ومعه عشيقتُه أيضًا، بعد أن أنشدَ نشيدَه الأخير القاتل كنشيدِ البجعة، يرقدان على الأرض». بهذه البرودةِ اعترفَ أسخيليوس (القرن السادس–الخامس ق.م) بكلثمنسترا بجرمِها أمام جثّتَي أجاممنون وكاساندرا، اللتين لم يزل موتُهما طريًّا في الذاكرة. وكان الاعتقادُ شائعًا حينئذٍ أنّ البجعة، قبل موتِها، تُنشد أجملَ ما لديها من غناءٍ توديعًا نفيسًا. هكذا يكون النفسُ الأخيرُ: عميقًا وخاطفًا، كحياةِ الجميلِ الآفل.
هذا «النشيجُ القاتلُ كنشيدِ البجعة» يرنُّ منذ العنوان في قصيدة «آخر نشيدٍ لسافّو»، وهي التاسعةُ من «الأناشيد» (Canti) لجياكومو ليوباردي (١٧٩٨–١٨٣٧). كان ليوباردي، العالمَ المبكِّرَ بالثقافة الكلاسيكيّة، على معرفةٍ تامّة بما كان متاحًا يومئذٍ من أخبارٍ قليلة عن حياةِ سافّو وعملِها، فاستطاع أن يُكيِّفها مع تصوّراته وهمومِه الجماليّة. والقصيدةُ نشيدٌ يائسٌ يضعه الشاعرُ الإيطالي على لسانِ سافّو: ضحيّةٍ مظلومةٍ لأسطورةٍ ظلت تجرُّها وراءها قرونًا طويلةً جدًّا، ويرى فيها الناطقةَ باسم شعرٍ متوازنٍ، بطوليّ، وقبل كلّ شيءٍ: قديمٍ:
ليلةٌ وادعة، وشعاعٌ محتشمٌ
من قمرٍ آخِذٍ في الأفول […]
آه، ما أطيبَ تلك الصورَ وما أعزَّها،
ما دامت الإرينّياتُ والقدرُ مجهولَين لديّ،
ذكرياتٌ لعينيَّ!؛
لكنّ المشاهدَ الرقيقةَ لا تبتسمُ بعدَ اليوم
للمشاعرِ اليائسة.
ينفتحُ النشيدُ بنداءٍ إلى الليل: هشٍّ ولطيف، غير أنّه بعيد؛ مشهدٌ رقيقٌ يأبى أن يستجيبَ لاضطرابِ مشاعرِ صوتٍ يستنجدُ به. إنّ الذاتَ الشعرية - ذلك «الأنا» الجديد الذي ارتفع في «الأناشيد» - طلبتْ في يأسٍ شكلًا شعريًّا جديدًا لم يكن معروفًا قبل ذلك، وطالبتْ بمقامٍ لمشاعرِها - التي كثيرًا ما تكون جامحةً - وهو مقامٌ لم يكن الشعرُ الكلاسيكيُّ السائدُ آنذاك قادرًا على أن يمنحَه إيّاها. تمضي الطبيعةُ في مجراها: ثابتةً، لا مبالية؛ وليس لسكانها إلّا أن يتأمّلوها. وذاتُ ليوباردي واعيةٌ بذلك:
جميلٌ رداءُك، أيّها السماءُ الإلهيّة، وجميلةٌ
أنتِ أيتها الأرضُ النديّة. آه، من هذا
الجمالِ اللامتناهي لم يمنحِ الآلهةُ والقدرُ الآثمُ
أيَّ نصيبٍ لسافّو البائسة.
ويزدادُ الألمُ أمام العجزِ والوعي:
إلى ممالكِكِ المتكبّرة،
أيتها الطبيعة، ضيفةً حقيرةً ثقيلةَ الوطأة،
وعاشقةً محتقَرة، أمدُّ القلبَ والعيونَ عبثًا
إلى هيئاتِكِ الدالّة، متضرّعًا.
تتابعُ الطبيعةُ طريقَها: ثابتةً لا تكترثُ للتحوّلات. إنّ اللانهائي لا يحتملُ المُحدَّد، والجسدُ يفنى:
نسلٌ مُهمَلٌ
وُلِدنا للبكاءِ، والعقلُ يقيمُ
في أحشاءِ الآلهة.
ذلك هو وجعُ صوتٍ فانٍ أمام أبديةٍ تطوّقه. أو هكذا يريدُ أن يُقنعنا؛ لأنّ هذا البكاء، الذي تنشده سافّو - بصفتها ممثّلةً للشعر القديم - قبل موتها، قد يكون تقطيعًا جديدًا للصوت، ومطالبةً بشكلٍ مجهول: غايتُه رفعُ العاطفة، والتوقيرُ الصادقُ للسامي: المتقلّب، الفاني. يتقدّم ليوباردي بوصفه راوِيَ خطابِ طبيعةٍ خالدةٍ قاسية، تمنحُ - على سبيلِ المفارقة - حيواتٍ فانية. ويتّخذ سافّو ممثّلًا أعلى لما يملكُ قابليّةَ الموت، ويقدّمُ نفسه شاهدًا على حبٍّ غير متبادَلٍ للأبدي، وعلى نشيدِ بجعةٍ بالغِ الجمالِ خاطفِ الأثر، يُلقي توسّلاتٍ في هواءٍ لا مبالٍ وهو يتلاشى؛ ولا يبقى في مواجهته جوابٌ غيرُ الصمت:
وإنّ الذهنَ الجسور
تقودُه ربّةُ الآخرة،
والليلُ الداجي، والشاطئُ الصامت.