الكاتبُ جلّادًا والقارئُ شاهدًا

 

من بين جميع الشعراء، كان كافكا أعظمَ خبيرٍ بالسلطة. لقد عاشها وصاغها في كلّ وجوهها.

إلياس كانِتي، «المحاكمة الأخرى».

إنّ تحليلَ معايشة السلطة وصياغتها يندرج ضمن الثوابت الكبرى في دراسات كافكا. وهذا يصدق كذلك على قصة «في مستوطنة العقاب». فالبحوث ذات المنحى الأدبي-السوسيولوجي والسياسي، التي تتناول عاملَ السلطة، ترى في القانون والمحكمة في النصّ موازياتٍ لقوانين المجتمع الصناعي الحديث أو لتصوّراته عن الحقّ؛ وتناقش مشكلةَ الطاعة العمياء وبُنى الهيمنة السلطوية، وتؤكّد الصراع بين العقلانية والتنوير والإنسانية من جهة، وبين اللاعقلانية والتعصّب والفاشية من جهة أخرى. غير أنّه لأمرٌ كاشفٌ أنّ دراسات كافكا، التي تُعنى بتحليل بُنى السلطة، لم تُولِ عنايةً كافيةً لجانبٍ وثيق الصلة بالسلطة والاعتماد - وأعني به الرقابة. فالرقابة، بوصفها وسيلةً شائعةً للقمع والإقصاء، تغيب موضوعًا عن الأدبيات الثانوية الخاصة بـ«مستوطنة العقاب» عند كافكا. والحال أنّ هذه القصة بالذات تتيح، على نحوٍ بليغ، أن تُدرس أيضًا من زاوية دور الرقابة.

فالرقابة، بحسب الرأي الشائع، تدخلٌ من خارجٍ في نظام الأدب. وحين يُفكَّر في «الرقابة» تنهض في الذهن ابتداءً اقتراناتٌ سياسية، سوسيوتاريخية، بل ونفسية أيضًا. يُستحضَر غاليليو، وهاينه، أو سلمان رشدي؛ وتُستحضر طبعاتٌ «منقّاة» من النصوص ولجانُ الكتب المدرسية، ومحاكم التفتيش وفهرسُ الممنوعات، والإباحيةُ على الإنترنت أو «المقصّ في الرأس». وكلّ ذلك صحيحٌ، بالطبع. غير أنّ هذه الجوانب التي هي - في المقام الأول - خارجُ أدبيةٍ للرقابة، والتي تتركّز عليها أيضًا دراسات الرقابة، تحجب النظرَ عن حقيقةٍ مفادها أنّ الرقابة في السرد الحديث لا تظهر فقط موضوعًا لنقد الأوضاع السياسية، بل تُستعمل كذلك وسيلةً جماليةً في التشكيل. الرقابة - وهذه أطروحتي - يُصار إلى توظيفها وظيفيًا في الخطاب الجمالي. وسأبحث فيما يلي كيف يجري هذا الترميز الجمالي للرقابة، وما الوظائف التي يؤدّيها داخل النصّ.

وترى منشوراتٌ متخصّصة أنّ الرقابة فعلُ فحصٍ للمضمون، يقع على قولٍ (شفهيٍّ أو مكتوب)، تقوم به مؤسساتٌ بيدها سلطةُ السماح بذلك القول أو حظره. والمعاييرُ التي تُطبَّق في هذا السياق تقوم على مفهوم «خرق المعيار»، سواء أكان سياسيًا أم دينيًا أم أخلاقيًا. وإلى جانب هذه الرقابة التي يمارسها الآخرُ، ينبغي ذكرُ الرقابة الذاتية لدى الفرد، إذ يفحصُ القولَ ليتحقّق من موافقته للمعايير - وهذا هو مظهر «الرقابة الذاتية». ويمكن، على سبيل التعميم، القولُ إنّ الرقابة تدور حول التحكم بالمعلومة والتلاعب بها - سواء في ما يتصل بالمرسِل أم بالمتلقّي. وهذا ما تؤكّده أيضًا تعريفاتُ الرقابة في Intellectual Freedom Manual، التي تقوم على مفهوم الحرية الفكرية وتؤكد أهميةَ النفاذ الحرّ إلى المعلومات.

وتُبرز الأدبياتُ البحثية الواسعة حول الرقابة الأدبية: طابعَ الرقابة القمعي، فتبحث إمّا الشروطَ التاريخية-السياسية والبُنى الإطارية التي كان على الكاتب المُلاحَق بالرقابة أن يكتب تحتها، أو تُحلّل النصوصَ التي نشأت في ظلّ تلك الشروط من حيثُ ما تُحيل إليه خارجَ النصّ من طبقاتٍ نقدية للنظام. أمّا سؤالُ ما إذا كانت الرقابة، التي تُتَّخذ موضوعًا في هذا النصّ أو ذاك، يمكن أن تكون كذلك وسيلةً تشكيليةً داخل-أدبية، فلا يُطرح - ولا حتى في أحدث الأدبيات4 ولكن ماذا لو تناولنا الرقابة على نحوٍ مغاير، فلم ننظر إلى وظيفتها بوصفها إحالةً إلى واقعٍ اجتماعيّ خارج النصّ فحسب، بل درسنا دورها المحايث للنصّ؟

أودّ أن أذهب إلى أنّ عالم «مستوطنة العقاب» المحكَم، المغلق، الذي يضعه كافكا، لا يستبين معناه حقًا إلا إذا قُرئ قراءةً «شعرية-نظرية» (بوِيتولوجية). فـ«مستوطنة العقاب» نصٌّ ميتا-أدبيٌّ إلى أبعد الحدود، وإحاليٌّ على ذاته. وموضوعُه هو النفاذ إلى النصّ - إلى النصّ المحرّم، المُراقَب، الذي لا ينفتح على الغريب غير المُبادَر، والذي يبني هذا الانغلاق عمدًا ويُبقيه قائمًا. وهنا تُوظَّف الرقابة توظيفًا مزدوجًا: فهي، من جهة، تعبيرٌ ورمزٌ للكيفية الميتا-أدبية للنصّ؛ وهي، من جهة أخرى، تُستعمل وسيلةً مما سمّاه بارت «الشفرة التأويلية»، أي لإنتاج بنى التوتر والأحجية.

قد تبدو الأطروحةُ القائلة إنّ الرقابة تؤدي دورًا مهمًا في «مستوطنة العقاب» ادعاءً شديدَ الإشكال للوهلة الأولى. فالضابط، الذي تتمثل مهمته في تنفيذ إعدام المحكوم عليه، يكاد لا يطيق صبرًا حتى يشرح للرحّالة الغريب إجراءات الإعدام. وإذا كانت قنواتُ التواصل بين هذين الاثنين تتعطّل، فذلك بسبب عدم اكتراث الرحّالة في البداية، لا بسبب حظرٍ معلوماتيّ مفروضٍ من أعلى يمكن عدّه رقابةً بالمعنى التقليدي. ثم إنّ الرحّالة قد دُعي من القائدِ الحالي إلى حضور الإعدام. إنّ الطابعَ الشيطاني-المروّع للسرد إنما ينبثق بالذات من التوتر بين اجتهاد الضابط الصادق في أداء الواجب، وبين طريقة الإعدام اللاإنسانية التي يتعلّق بها حماسُه، والتي يندّد بها القارئ بعيني الرحّالة الخارج عن النظام: «إنّ جورَ الإجراء ولا إنسانيةَ الإعدام كانا بلا شك»، يحكم الغريب.

غير أنّ التدقيق يكشف عن ظواهرَ تواصلية تحمل سمات الرقابة. فالإطارُ المؤسسيُّ اللازم قد أنشأه القائدُ السابق، الذي يبدو أنّه صمّم المستعمرة كلها بوصفها نظامًا مغلقًا (ومن ثمّ غير قابلٍ للولوج من الخارج). ويُراد لانغلاق النظام أن يحمي المستعمرة من التغيير، أي من تدخل الآخرين. ووفقًا للتعليمات والرسوم التي «ورّثها» القائدُ القديم للضابط، لا يزال العمل جارياً. وقد استبطن الضابطُ توجيهاتِ القائد القديم إلى حدّ أنّ حضور الأخير في المستعمرة لم يعد ضروريًا - ويمكن وصف العلاقة بأنها علاقةُ سلطةٍ رمزية.

وأشدُّ أهميةً لتكوّن بنيةٍ يمكن أن تُمارَس الرقابة ضمنها هو تشكّلُ جماعتين اجتماعيتين مختلفتين: الرحّالة والضابط من جهة، والمحكوم عليه والجندي من جهة أخرى. وهذه البنية لا تعكس فحسب تباينَ مواقع القوة - «أصحاب السلطة» في مقابل «الخاضعين للسلطة» - بل هي أيضًا نتاجٌ لطريقة التواصل التي يعتمدها الأقوياء. فهم يتفاهمون بلغةٍ غريبةٍ على التابعين: «كان الضابط يتكلم الفرنسية، والفرنسية لا يفهمها يقينًا لا الجندي ولا المحكوم عليه». وبينما يشرح الضابطُ للرحّالة الإجراء، يُقصى الجندي والمحكوم عليه من التواصل إقصاءً تامًا. إنّ الضابط يُدخل الزائر في دائرة الثقة، يشرح له كل شيء بالتفصيل، فيجعله - إن لم يكن شريكًا - فعلى الأقل من «المُبادَرين»، من أهل الداخل.

أما الشخصيتان الأخريان فموسومتان بوضع الخارج، الذي يُنزل هذين المشاركين المكرَهين منزلةَ بيادقَ جاهلةٍ في اللعبة. ومحاولاتُ المحكوم عليه أن يفهم الجهاز وأن يفكّ رموز شروح الضابط باللسان الأجنبي تبوء بالفشل، بل تكتسب طابع فضولٍ متطفل؛ حتى إنّ الزائر يظنّ أنها قد تكون مجرَّمة. إذ حين يتفحص «المِسَنَّنة» (Egge) ويريد العودة إلى كرسيه، يلاحظ بفزَعٍ أنّ المحكوم عليه - مثله - قد لبّى دعوة الضابط إلى النظر عن قرب في تجهيزات المِسَنَّنة. لقد جرَّ الجنديَ النعسان قليلًا من السلسلة، وانحنى هو أيضًا فوق الزجاج. وكان يُرى كيف يبحث بعينين مضطربتين عمّا كان السيدان قد راقباه تَوًّا، لكنّ الأمر لم ينجح له، إذ لم يكن يملك الشرح. كان ينحني يمنةً ويسرةً، ويُمرّر عينيه مرارًا على الزجاج. أراد الرحّالة أن يطرده، لأن ما يفعله - على الأرجح - مُعاقَبٌ عليه.

وهكذا أدرك الغريبُ أن شروح الضابط هي ما هي عليه حقًا: خطابُ سيادةٍ خاصٌّ بالمُبادَرين، مُحصَّنٌ عن غير المأذون لهم. وسعيُ المحكوم عليه إلى فكّ شفرة هذا الخطاب لا بد أن يُعدّ، ضمن الشروط القائمة، مخالفةً وتطفلًا وتهديدًا باقتحام مجال الهيمنة. ومن جملة ما يندرج تحت الاستبعاد الذي يمارسه الضابطُ عمدًا بحق تابعيه من التواصل مع الرحّالة، أنه لا يمنح المحكوم عليه فرصةَ الدفاع فحسب، بل يحجب عنه كذلك التهمةَ والحكم. إذ يقول الضابط: «سيكون من غير المجدي أن أبلّغه ذلك. فهو يعرفه على جلده». ويشرح الجلّاد للضيف أيُّ أمرٍ سيُكتب على جسد الجاني: أيُّ الأمر الذي خالفه.

ويستفسر الرحّالة الآن بمزيد من الدقة عن إجراءات القضاء المطبَّقة في المستعمرة، وقد حفّزه - جزئيًا - مظهرُ تساؤل المحكوم عليه. «لقد كان الرحّالة يريد أن يسأل أشياءَ شتى، لكنه، في مواجهة الرجل، لم يسأل إلا: 'هل يعرف حكمه؟'». وإذ يجيبه الضابط بإيجازٍ بالنفي، يعيد السؤال غير مصدّق، وكاد يرضخ صامتًا لمنطق ذلك النظام الغريب، غير أنّ تجددَ نظره إلى السجين يدفعه إلى مزيد من الاستفهام:

كان الرحّالة يريد أن يصمت، غير أنّه أحسّ بأنّ المحكوم عليه يحدّق فيه؛ كان كأنه يسأل: هل يمكن أن يَعدّ هذا الإجراء مقبولًا؟ لذلك انحنى الرحّالة، وقد كان اتكأ إلى الوراء، إلى الأمام من جديد وسأل: 'لكنّه - على الأقل - يعلم أنه قد حُكم عليه، أليس كذلك؟'

هنا تقع، إذن، مراسلةٌ لا لفظية بين الرحّالة والمحكوم عليه، الذي فهم أنّ الضابط لن يشرح له شيئًا على الأرجح، فعلق آماله على الغريب بوصفه وسيطًا ممكنًا. إنه يريد، على الأقل، إشارةً تفيد بأن الإجراء مقبول، وإن ظلّ غير مفهومٍ لديه. والتنظيمُ الهرمي-العسكري في المستوطنة لا يسمح له أن يستفهم من الضابط مباشرة عمّا ينتظره. إنّ الامتناع عن التواصل جزءٌ لا ينفصل عن نظام العقاب. وهكذا يعلم الرحّالة أنّ المحكوم عليه لا يعرف أنه قد أُدين، وأنه لم يُدافَع عنه، ولا سُمِح له أن يدافع عن نفسه. ويقول الضابط للغريب: «المبدأ الذي أحكم بمقتضاه هو: الذنب دائمًا لا شك فيه»، ثم يعلّل كيف يجعل هذا المبدأ عمله «سهلًا جدًا»:

لو أنني استدعيت الرجل أولًا واستجوبته لوقع تشويشٌ لا غير. كان سيكذب، ولو نجحتُ في كشف أكاذيبه لاستبدلها بأكاذيب جديدة، وهكذا دواليك. أما الآن فأنا أمسكه ولا أفلته.

فالمرافعة/الاستجواب يبدو للضابط ترتيبًا زائدًا لا يولّد إلا تعقيدًا في الإثبات والإدانة. وفي نظامٍ تُعدّ فيه تهمةُ المتهم ثابتةً سلفًا، يغدو التأخير بالفعل مضيعةً للوقت. غير أنّ وراء مبدأ «الذنب اليقيني» لا تقف فقط - في نظر الضابط - تلك «التشويشات» المزعجة التي قد تنتج عن التواصل المباشر، والتي تبرّر إبقاء الجاني في الظلام؛ لأن عدمَ فهم المحكوم عليه يؤدي وظيفةً مهمةً في منطق النظام العقابي، إذ ينبغي للسجين أن يدرك معنى العقوبة بنفسه - أي دون معونة خارجية - خلال عملية العقاب. لذلك تكون جهالتُه بالتهمة والحكم شرطًا لتنفيذ عقوبة الموت تنفيذًا «سليمًا»: فممارسةٌ قضائية تتضمن تواصلًا حول الجرم من شأنها أن تسلب الجاني «الفرصة» كي يختبر «التنوير» كاملًا أثناء تنفيذ الحكم، وأن «يفهم» حكمه. وهكذا فإن التلاعب بالمعلومة بقصد إقصاء المحكوم عليه عن خطاب المعرفة هو جزءٌ أصيل من النظام الموصوف؛ وهو فعلُ رقابة.

ويرفدُ استرجاعُ الضابط لممارسة الإعدام في «الأزمنة الجميلة القديمة» هذا الموضوعَ ويُعمّقه، إذ يعكس تشكيلَ الجماعات على أساس المعرفة واللا-معرفة. فمعرفةُ السلطة بالحكم يمكن، حتى في حضور الجموع التي كانت تفد سابقًا متفرجةً على الإعدام، أن تُصان وتُستعمل لتكوين جماعاتٍ مُمتازة - وبالتالي لتأمين السيطرة. والمفارقةُ أنّ الإعدامات لم تكن - ولا تكون - سرّية. على العكس: في عهد القائد السابق يُقال إنّ جموعًا من المتفرجين كانت تحضر، والضابط نفسه يبدو شديد الخيبة من ضآلة الاهتمام - إن لم نقل من اللامبالاة الرافضة - التي ظهرت في عهد القائد الجديد. فالإعدام، من حيث المبدأ، علنيّ - ومع ذلك يظلّ فيه سرٌّ يتعذّر على الجمهور العام فكُّه. وهكذا تُنوَّع مرةً أخرى ثيمةُ انشطار الشخصيات إلى أهلِ داخلٍ وأهلِ خارج، إلى مبصرين ومتفرجين، إلى فاهمين وعديمي الفهم - وذلك في وصف الضابط لطريقة الإعدام السائدة تحت قيادة القائد السابق. فمع أنّ كلّ إعدامٍ في تلك الحقبة كان يكاد يأخذ طابعَ مهرجانٍ شعبي، لم يكن يُتاح إلا لقلةٍ أن تكون قريبةً من المحتضر، فتلمح أثرًا من «تعبير التجلّي على الوجه المعذَّب»، وأن تُدفئ «وجناتها في نور هذه العدالة المتحققة أخيرًا والمتلاشية سريعًا». إنّ استعارةَ الدفء هنا - ذلك النور الذي يذكّر بنارٍ يتدفّأ المرء بها - تُضمِن إقصاءَ أكثرية المتفرجين. ويظهر أنّ الأمر لم يكن اعتباطيًا. فمع أنّ «قبل الإعدام بيومٍ واحد [...] كان الوادي كلّه يغصّ بالناس» الذين يأتون جميعًا «لمجرّد أن يروا»، كان شغلُ «مقاعد الصدارة» محصورًا بالموظفين القائمين على الإدارة:

في الصباح الباكر ظهر القائد مع سيداته؛ أبواقٌ أيقظت المخيّم كلّه؛ قدّمتُ التقرير بأن كل شيء جاهز؛ وانتظمت الجماعة - لم يكن يجوز أن يغيب أيُّ موظفٍ كبير - حول الآلة؛ وهذا الحشدُ من كراسي القصب إنما هو بقايا بائسة من تلك الأزمنة. [...] وأمام مئات العيون - وكان جميعُ المشاهدين يقفون على أطراف أقدامهم حتى هناك عند المرتفعات - وُضع المحكوم عليه تحت المِسَنَّنة بيد القائد نفسه. ما يُسمح اليوم لجنديٍّ وضيع أن يفعله كان يومئذٍ عملي أنا، رئيس المحكمة، وكان ذلك يشرفني.

تتسم مستوطنة العقاب بوجود مجتمعٍ من طبقتين: قومٌ يقفون «على أطراف أقدامهم حتى هناك عند المرتفعات» وسط الزحام، وقومٌ يجلسون على الكراسي قريبًا جدًا من موضع الحدث، كمن يجلس في مقاعد الأوركسترا أمام خشبة المسرح. وضيقُ المكان يقتضي تنظيم المتفرجين:

كان مستحيلًا أن تُلبّى رغبةُ الجميع في المشاهدة عن قرب. فأمر القائد، بحكمته، أن تُراعى قبل كل شيء مصلحة الأطفال؛ أما أنا فكنتُ، بحكم وظيفتي، حاضرًا دائمًا؛ وكثيرًا ما كنتُ أقرفص هناك، وطفلان صغيران عن يميني وعن يساري في ذراعي.

إذن، لم تكن تلك العملية الوحشية للتسلية فحسب، بل كانت فعلَ كشفٍ يكاد يكون ذا قيمة تربوية. فمع أنّ الجميع كانوا يعلمون - بحسب الضابط - «إنّ العدالة تتحقق الآن»، لم يكن يتأكد من «تجلّي» المحتضر في وجه العدالة إلا أولئك «المُمتازون» بقربهم المكاني من آلة الإعدام.

إنّ إقامةَ بنيةٍ ثنائية للجماعات وفق معيار النفاذ إلى المعلومات تُنتج أمرين: أولًا، إنها تُرمز وتُعزّز فوارقَ القوة اللازمة بين أصحاب السلطة والخاضعين لها، والتي لا قيام للمستعمرة ونظامها العقابي دونها؛ وثانيًا، إنّ الرحّالة، بأسئلته وملاحظاته، يصنع انكشافَ الفظاعة تدريجيًا، فتبدو للقارئ بعيني هذا الغريب. وبناءً عليه يرتّب الضابط معلوماته ترتيبًا يرفع التوتر ويُحكم بناءَ شروحه، محاولًا استبقاءَ اهتمام الرحّالة بعباراتٍ مثل: «ستفهم ذلك بعد قليل»، «أريد أولًا أن أصف الجهاز، ثم أدع الإجراء نفسه يُنفّذ»، «ستعرف الغاية من ذلك لاحقًا»، و«سأعود إلى غايته». وتمتاز هذه الجمل بكثرة الجزيئات الزمنية التي تؤدي وظيفةً استباقية، أي إنها تُحيل إلى المستقبل فتُشيّد الترقّب. كما أنّ اعتماد الضابط على هذه الوسائل البلاغية لصوغ تفسيراته في هيئةٍ مُستدرّة للانتباه يُظهر مدى ازدياد اعتماده على مستمعه. فالرحّالة غدا أيضًا أداةَ شرعنةٍ لازمة بنيويًا لانكشافات الضابط المعزول، الذي يحتاج في النهاية إلى محاور.

تتجلّى وظيفةُ المعلومة المحجوبة، المُراقَبة، بأوضح ما يكون في المبدأ القائل إنّ المحكوم عليه ينبغي أن «يعرف» حكمه بنفسه، وبالمعنى الحرفيّ: «على جلده»، أي إنه لا يُبلّغ به لفظًا. وتتحقق عمليةُ المعرفة المقصودة هذه بواسطة التعذيب. يصف الضابطُ ما يحدث:

كم يصير الرجل هادئًا عند الساعة السادسة! يفهمُ حتى الأبلَهُ. يبدأ الأمر حول العينين. ومن هناك ينتشر. منظرٌ قد يغري المرءَ أن يستلقي هو أيضًا تحت المِسَنَّنة. لا يحدث شيءٌ آخر؛ إنما يبدأ الرجل فحسب في تهجئة الكتابة، يضمّ شفتيه كأنه يصغي. لقد رأيتَ أنه ليس من السهل تهجئة الكتابة بالعينين؛ ولكن رجلنا يتهجّاها بجراحه. إنه عملٌ كثير؛ يحتاج إلى ست ساعات ليتمّه.

إذن فـ«النقش في الجلد» نوعٌ من «الكتابة السرّية»، شِفرةٌ لا يعرفها لا المحكوم عليه ولا المتفرجون. ويقرّر الضابط: «إنّ غيرَ المُبادَر لا يلاحظ خارجيًا فرقًا بين العقوبات». وليس ذلك بمستغرب، إذ إن الكتابة ملتفّةٌ إلى حدّ أن الرحّالة لا يستطيع قراءتها حتى من الرسم الأصلي للقائد السابق، الذي يحفظه الضابط كما لو كان كنزًا ويُريه له. فالرحّالة لا يرى إلا:

خطوطًا متشابكةً متقاطعةً على هيئة متاهة، تغطي الورقةَ بكثافة حتى لا يُرى البياضُ بينها إلا بمشقة. 'اقرأ'، قال الضابط. 'لا أستطيع'، قال الرحّالة. 'لكنها واضحة'، قال الضابط. 'إنها شديدة الصنعة'، قال الرحّالة مراوغًا، 'لكنني لا أقدر أن أفكّها.' 'نعم'، قال الضابط، وضحك وأعاد الحافظة إلى جيبه، 'إنها ليست خطًّا جميلًا لأطفال المدارس. ينبغي أن تُقرأ طويلًا. وحتى أنتَ، لا بد أنك ستعرفها في النهاية. ولا يجوز طبعًا أن تكون كتابةً بسيطة؛ لأنها لا ينبغي أن تقتل فورًا، بل - في المتوسط - بعد اثنتي عشرة ساعة؛ وقد حُسبت الساعة السادسة لتكون نقطة التحوّل. ولذلك لا بد أن تُحيط بالكتابة الحقيقية زخارفُ كثيرة كثيرة؛ أما الكتابة الحقيقية فلا تطوّق الجسد إلا في حزامٍ ضيق؛ وسائر الجسد مخصصٌ للزينة'.

كلُّ هذه الأوصاف تشير إلى فرط التزيين والزيادة التعقيدية ذات البعد الجمالي في الكتابة: فهي «متاهية»، «متقاطعة»، «شديدة الصنعة»، «ليست خطًّا لطلاب المدارس»، «تحتاج إلى قراءةٍ طويلة»، «لا يجوز أن تكون بسيطة»، وتستلزم «زخارف» و«زينة» كثيرة. ثم إنّ عمليةَ النقش برمتها تكتسب بُعدًا جماليًا إذا اعتُبرت تماثُليتها الزمنية: ست ساعات مرتين، يفصل بينهما «نقطةُ تحوّل». وهذه لفظةٌ يمكن عدُّها أدبيةً بامتياز، ومن هذا المنظور يذكّر سيرُ التعذيب بسير المأساة الكلاسيكية: عرضٌ وتمهيد، فتصاعدُ فعل، فقمةٌ ونقطة تحوّل في منتصف العمل، يعقبها هبوطُ الفعل مع الكارثة (موت البطل) بوصفها الذروة والختام.

ويلفت النظر إقامةُ علاقةٍ تناسبيةٍ شبه-منطقية بين مقدار التزويق من جهة، وبين مدة الإعدام وفاعليته النسبية من جهة أخرى. وتُنشأ هذه العلاقة أساسًا باستعمال أدواتٍ مثل: «طبعًا»، و«إنما»، و«فقط»، و«إذًا». فالكتابة لا يجوز «طبعًا» أن تكون بسيطة، لأنها «إنما» لا ينبغي أن تقتل فورًا، بل «فقط» بعد نحو اثنتي عشرة ساعة، ومن ثم «إذًا» لا بد من زخارف كثيرة. وعلى نحوٍ ضمني تُستخلص نتيجةٌ تبدو مفارِقة: كتابةٌ غيرُ مزخرفة ستقتل الضحية فورًا، في حين تحتاج الكتابةُ المزخرفة اثنتي عشرة ساعة. ومن المعقول أنّ «الزينة» تحتاج وقتًا كي تُنقش، غير أنّه لا يتضح لِمَ كانت كتابةٌ بسيطة - يمكن نقشها بسرعة نسبية ولا تمتد إلا في «حزامٍ ضيق» - يجب أن تقود كذلك إلى موتٍ أسرع. وهذه المفارقة إحدى الإشارات الكثيرة التي تنبّه القارئ إلى ألا يأخذ الوصف بحرفيته. فالقراءةُ الوحيدة المنطقية تخلص إلى أنّ كلَّ نقشٍ محسوب بحيث تكون تمامُه على جسد المحكوم عليه هو نفسه لحظةَ موته. وهذا ينسجم أيضًا مع وصف الضابط، حيث يقع تمامُ النقش وتهجئته من قِبل المحتضر وموتُه في آنٍ واحد. فبعد ست ساعات من تهجئةٍ تنتهي بموت المعذَّب، يحدث الآتي:

ثم تُدخل المِسَنَّنةُ أسنانها فيه إدخالًا كاملًا وتلقيه في الحفرة، حيث يرتطم بماءِ الدم والقطن. ثم تنتهي المحكمة، ونأتي نحن - أنا والجندي - فنردمُه.

إنّ العبارتين «يرتطم» و«نردمه» تُبدِيان مدى تفاهة الجثمان. فموتُ المحكوم عليه أثرٌ ملازم لا مفر منه في عمليةٍ محورها فكُّ شفرة كتابةِ التعذيب. فإذا اكتمل النقش وتحققت قراءته، فقد الفردُ - بوصفه وسيطَ المعرفة - كلَّ أهمية، وهو فقدٌ يُمثَّل رمزيًا بالأفعال المذكورة، التي تتناقض أسلوبيًا مع نبرة الضابط في سائر حديثه عن الإعدام، التي تتراوح بين الحياد الجاف والحماس المُتجلّي.

وعند وصف طريقة عمل الجهاز تبرز مصطلحاتٌ مُهوِّنة ذات مسحة أنسنةٍ. فالآلة تتألف من ثلاثة أجزاء: «السرير»، و«المِسَنَّنة» (Egge)، و«الرسّام/المرسِم» (Zeichner). ويُسمي الضابط هذه التسميات «أسماءً شعبية» نشأت بمرور الزمن؛ وبذلك يُزيح عن نفسه مسؤوليةَ المصطلح، ويجرّده من مؤلفٍ فردي. ومن الغريب أن أجزاءَ آلةٍ بهذه الأهمية، والتي لا يزال الضابط فخورًا بها إلى هذا الحد، لم يمنحها مخترعُها - القائد القديم - أيَّ أسماء رسمية.

والأسماء الثلاثة كلها ذات طابعٍ تلطيفي. فالـ«سرير» المغطّى «بالكامل بطبقةٍ من القطن» هو موضعُ استلقاء المحكوم عليه أثناء تعذيب الموت. وإنّ إيحاء الراحة الذي يستدعيه لفظ «سرير»، ولا سيما إذا كان لينًا مبطنًا، لا يصحّ إلا إذا أُخذت هذه المساحة على نحوٍ ساخر بوصفها «مثوى أخير». وهنا يقتبس كافكا، بسخرية، العرفَ الأدبي الذي يرى النوم أخًا للموت. أما الجزء الثاني، «المرسِم/الرسّام»، فهو بناءٌ يساوي السريرَ «في الحجم»، موصولٌ به بأربع قضبان من النحاس؛ ويبدو «السرير» و«المرسِم» «كصندوقين داكنين». وإذا تذكّرنا أنّ المحكوم عليه سيموت مستلقيًا بين هذين «الصندوقين»، فإن تشبيهَ البنية بتكوينٍ أشبه بالتابوت ليس بعيدًا. والجزء الذي «أُنيط به التنفيذ الحقيقي للحكم» هو «المِسَنَّنة»، المعلّقة بحبلٍ فولاذي بين «السرير» و«المرسِم». والمِسَنَّنة «على هيئة الإنسان» ومصنوعةٌ من زجاج، مُثبتٌ فيه «نوعان من الإبر في ترتيبٍ متعدّد»: «إلى جانب كل إبرةٍ طويلةٍ إبرةٌ قصيرة. الطويلة تكتب، والقصيرة ترشّ ماءً لتغسل الدم وتُبقي الكتابة واضحة دائمًا». وهذه الأجزاء الثلاثة - «السرير» و«المرسِم» و«المِسَنَّنة» - تغطي ثلاثةَ مجالاتٍ مختلفة من حياة الإنسان: فالسرير يُشبع حاجة الجسد الطبيعية إلى الراحة؛ والمِسَنَّنةُ أصلُها أداةٌ زراعية، ومن حيث الاشتقاق هي «أداةٌ ذاتُ سنانٍ/رؤوسٍ حادة»، وهي تمثّل عملَ الإنسان الجسدي نهارًا؛ أما «المرسِم» فيمثّل منجزَ الإنسان الثقافي.

من خلال ترتيب هذه الأجزاء المكوِّنة للآلة يتّضح كذلك ميزانُ التقدير النسبي بينها: فـ«المرسِم» (Zeichner) لا يقع مصادفةً في أعلى النسق؛ إنه، على نحوٍ ما، «رأس» الآلة، وفي جهاز تروسه يكمن المُحرِّكُ وآلياتُ انتقاء صيغ الأحكام المختلفة وضبطِها. وتستند هذه الصيغ الأخيرة إلى مجموعة الرسوم التي خلّفها القائدُ القديم عند موته. ومن ثمّ يمكن النظر إلى تلك الأوراق، التي يصفها الضابط بأنها «أثمنُ ما أملك»، على أنها إرثٌ ثقافيٌّ، وإن كان الطابعُ السلطوي للنقوش، ولا سيما غايتُها المقصودةُ سطحيًّا (تعذيبُ الموت)، كأنما ينهى عن هذا التصوّر. غير أنّ محاولةَ استحضار آلية الجهاز كما وُصفت بدقة تُبيّن أنّ هذه الآلة، من حيث المبدأ، غيرُ صالحةٍ للعمل؛ لأن الأحزمةَ العالقة تمنع التقليبَ الضروريَّ للدوران الذي لا غنى عنه من أجل «كتابةٍ» منتظمةٍ على الجلج. ثم إن القيود التي يُشدَّد عليها مرارًا تتلاشى فجأةً بعد موت الضحية كأن لم تكن، حين تدفع الآلةُ ضحيتَها إلى الحفرة بعد الفراغ من عملها. وهكذا تُرفَع كلُّ قسوةٍ جسديةٍ تبدو - على السطح - يقينية، أمام هذه «البنية العبثية»، إلى حقل الاستعارة. وبذلك تنفتح زاويةُ نظرٍ جمالية.

إنّ تلك الرسوم أعمالٌ فنية. وهذا، في تقديري، يُستخلص من النصّ على نحوٍ لا يدع مجالًا للشك. أولًا: يَمنح النصُّ القائدَ القديم منزلةً من منزلة الخالق؛ وهذه المنزلة لا يعلنها الضابطُ المتحيّز، بل يقرّرها الرحّالة نفسه. فحين يقول الضابط إنه يستطيع شرحَ أنماط الأحكام على خير وجه لأنه يحمل معه «رسومَ اليد الخاصة بالقائد السابق»، يرد في النص: «'رسومُ يد القائد نفسه؟' سأل الرحّالة: 'أكان قد جمع في نفسه كلَّ شيء؟ أكان جنديًا، قاضيًا، مُنشئًا، كيميائيًا، رسّامًا؟' 'نعم'، قال الضابط». وبذلك يصبح القائدُ القديم خالقًا - وربما في المعنيين معًا: الفنانُ والإله. ذلك أنّ هالةَ الخالق الغيبية تتغذّى أيضًا من امتناعه عن تفسير مخلوقاته؛ فالتأويلُ يُترك لأتباعه. ومن هنا لم يُسمِّ القائدُ القديم أجزاءَ الآلة، ولم يعلّق على وصاياه المرسومة. والحجةُ الثانية على فنية هذه الرسوم كامنةٌ في أن هذين البطلين الرئيسين يصفانها بألفاظٍ لا تلائم في مجموعها إلا عملًا فنيًا؛ إذ تنتمي هذه الأوصاف إلى حقلين دلاليين يرى أحدهما جوهرَ هذه الرسوم في صناعتها (كونها مُصنَّعة/مصنوعة)، ويرى الآخر جوهرَها في تعقيدها. فلا يكون الشيء «مصنوعًا بمهارة» و«مزدانًا» (أي: مُشكَّلًا ومُركَّبًا) وفي الوقت نفسه «متاهِيَ البنية» و«غيرَ بسيط» (أي: مركّبًا متعدد الطبقات) إلا إذا كان عملًا فنيًا. ثم إن الرسوم تنتمي إلى نوعين معًا - النصّ والرسم - وبذلك يتعزّز طابعُها الفني ضمنًا. فمفهوم «الرسم» في «مستوطنة العقاب» يغدو كائنًا هجينًا بين الكتابة والصورة: الضابطُ يُلحّ على دلالة الكتابة المزخرفة المرسومة، فيرى قبل كل شيء جانبَها النصّي؛ بينما يتلقى الرحّالة انطباعَ رسمٍ فوضويٍّ من خطوطٍ كثيفة التشابك، أرابيسكية الطابع، لا ينفتح معناها له.

أفهل يقوم هذان الخصمان غير المتكافئين بخدمة الفن؟ لا، لا بصورة مباشرة. إنهما لا يجسّدان إلا - كما يجسّدها السجين (وبصورةٍ أضيق الجندي أيضًا) - مشكلةً رأى كافكا نفسه أنها دالّةٌ في عمله: أعني البعدَ الشِّعري-النظري (البويتولوجي) في نثره، وهو ما يؤكّده مثلًا ملادِيك. وتوجد أقوالٌ لكافكا تبرّر هذا المنظور حقًا. ففي يومياته يرد التأمل التالي، المتصل بمحادثةٍ مع ماكس برود حول القدرة على الموت:

نسيتُ أن أضيف - وتركتُ ذلك لاحقًا عمدًا - أن أفضل ما كتبته إنما ينبع من هذه القدرة على أن أموت راضيًا. ففي كلِّ تلك المواضع الجيدة شديدة الإقناع يدور الأمر دائمًا حول أن أحدًا يموت، وأن الأمر يثقل عليه جدًا، وأن في ذلك ظلمًا له أو على الأقل قسوة، وأن ذلك يصير للقارئ [...] مُحرّكًا للعاطفة. أما أنا [...] فمثل هذه التصويرات لعبةٌ في السر؛ إنني أفرح بأن أموت في المحتضر، ولذلك أستغلّ بوعيٍ انتباهَ القارئ المتراكم حول الموت؛ وأكون في ذهنٍ أوضح بكثير منه، إذ أفترض أنه سيشكو على فراش الموت، ومن ثم تكون شكواي أكملَ ما يمكن، ولا تنقطع كما تنقطع الشكوى الحقيقية، بل تمضي جميلةً صافية. إنه كما كنتُ - أمام أمي - أشكو آلامًا لم تكن، ببعيد، بمقدار ما كانت الشكوى توحي. غير أنني أمام أمي لم أحتج إلى هذا المقدار من الصنعة كما احتجته أمام القارئ.

لكن كافكا لا يلعب «لعبته» مع انتباه القارئ وحسب، ولا يقتصر «الجهدُ الفني» على إشراك القارئ بدهاءٍ في الحدث المصوَّر عبر توليدٍ واعٍ للتوتر وإمكانات التماهي. بل إن كافكا يُدخل البعدَ البويتولوجي في نسيج الحكاية نفسها. وأبرزُ إيزوتوبيا (حقلٍ دلالي متكرر) تشير إلى هذا المستوى هي إيزوتوبيا «الفهم» أو «فشله».

إن هذا الحقل الموضوعاتي الخاص بالفهم يسمو، من حيثُ البنية، على سائر الحقول؛ لأنه ينظّم أفعالَ أهم الشخصيات ويحددها، كما لا يقتصر على أن يمسّ فعل القراءة لدى المتلقي، بل يوضحه كذلك في صورةٍ رمزية-استعارية. وعلى خلاف أولئك المفسرين الذين رأوا في فكّ شفرة الكتابة تعبيرًا عن خلاصٍ ديني، وفي القصة برمتها سردًا للخلاص، أريد أن أرى الصراعَ من أجل المعرفة والمعرفةَ ذاتها بوصفهما جهدًا لفهم النصّ.

فالرحّالة لا يستطيع أن يقرأ لا الحكمَ الذي خُصص لإعدام السجين، ولا الحكمَ الذي أنزله الضابط بنفسه على ذاته، بل يحتاج في القراءة إلى عون الضابط. ومن ثمّ فهو ليس «المستنير» الذي يراه فاخْلَر، بل - هو المستنار. أما المحكوم عليه فلا يُتاح له أصلًا أن يشرع بنفسه في تأويل الكتابة اللغزية. والجندي بدوره يبقى مُستبعَدًا. ولا أحد يملك النفاذَ المادي إلى رسم الكتابة، ويملك في الوقت نفسه القدرة على قراءتها، إلا الضابط. فهو، إذن، الشخصيةُ المركزية في تفكيك شفرة هذا الكريبتوغرام.

وعلاقةُ الشخصيات برسم الكتابة حاسمةٌ في تنظيمها داخل أدوارٍ تواصليةٍ مختلفة. فإذا حاولنا إسناد شخصيات قصة كافكا إلى مواقع نموذج الاتصال في النصوص الملحمية، تبين لنا أن كلَّ موقعٍ من هذه المواقع مشغول. غير أن «مستوطنة العقاب» تشهد تراكباتٍ لافتة بين بعض المواقع، بينما يفترض النموذج - بطبيعة الحال - تحقق كل موقع تحقُّقًا مثالياً منفردًا. وهذا النموذج يكشف من الخارج طبقاتٍ متزايدة من مواقع الإرسال والتلقي. فمن جهة جمالية الإنتاج يُميَّز بين المؤلف الواقعي (التجريبي)، والمؤلف الضمني «المثالي»، والراوي المتخيل؛ وتقع الشخصيات المتحاورة في مركز النموذج لأنها قد تكون مرسِلةً ومتلقِّيةً للإشارات التواصلية؛ وعلى مستوى جمالية التلقي يُثبت السامع المتخيل، والمتلقي الضمني «المثالي»، والقارئ الواقعي. وإذا طُبّق ذلك على قصة كافكا، فإن المؤلف الواقعي والضمني سيكون بالطبع كافكا، وستوجد وظيفةُ راوٍ عليم، وستأخذ الشخصيات كلها مواقعها كمتواصلين في قلب المخطط.

غير أنّ الصورة تتبدل حالما لا نتخذ القصة كلها إطارًا مرجعيًا، بل نتخذ العالمَ الحكائي نفسه إطارًا، وننظر إلى الرسوم والجهاز بوصفهما «عملًا». عندئذٍ تتحوّل الوظائفُ السردية: فالمؤلفُ الواقعي للرسوم سيكون القائدَ القديم، الذي لا يظهر ملائمًا في النص أصلًا، لكنه يُذكر بوصفه خالقَ الجهاز بما فيه الرسوم. والضابطُ - حارسُ هذا الميراث - الذي يمسك بخيوط الفعل كلها، وهو وحده القادر على تشغيل الجهاز وفكّ الكتابة، يشبه مؤلفًا تابعًا/مُقلِّدًا (إبيغونيًا) يطلق - عبر أحكامه - «المخلوقات» نفسها مرارًا، ويريد أن يقرّبها للرحّالة بوصفه راوياً. ويشعر الضابطُ بالتهديد من نظام القائد الجديد الذي يمكن وصفه - بوصفه ممثلًا لاتجاهٍ فني جديد - وبلغة بلوم - بـ«الشاعر القوي». فالقائد الجديد يريد تغيير القديم، وقد جمع بالفعل من حوله زمرةً من الأنصار - وهما علامتان مؤكّدتان على قوته الإبداعية. إنه يراهن على القطيعة مع التقليد، التي ترمز إليها انشغالاته المتكررة بإقامة «منشآت موانئ، دائمًا منشآت موانئ»، وهي منشآت هدفها تثبيت الموقع من جهة، وتمكين الانطلاق إلى شواطئ جديدة من جهة أخرى. في مقابل ذلك يريد الضابطُ إبقاء كل شيء على ما كان عليه. وهذا السعي بعينه يفصله سلبًا عن القائدين معًا؛ لأن كلا القائدين طالب في زمنه - بطريقته - بشيءٍ جديدٍ ودافع عنه، بينما الضابط عاشقٌ للاستمرار. لكن: «من يعيش بالاستمرارية وحدها لا يمكن أن يكون شاعرًا». وتحت ضغط العبقرية الجديدة يتحول الضابط من مُقلِّدٍ فخور ومحامٍ عن التقليد إلى متآمرٍ خائفٍ متوسل ضد القادم الجديد. وفي هذه المرحلة يُحطّ - على نحوٍ ما - من مقام المؤلف إلى مقام الراوي: يروي وظيفة الجهاز لكنه لا يحكمه إلا ظاهريًا؛ لأن تهالك الآلة وكثرة الأعطال يوضحان فقدانه المتزايد للسيطرة. ومن المنطقي أن يحكم على نفسه بالموت حين يدرك أن صنعه - حتى في المنظور الخارجي الذي يجسّده الرحّالة - لم يعد يلقى قبولًا. إنه الإبيغوني الذي يموت مع تقليدٍ تجاوزه الزمن، ولم يعد يؤدي وظيفةً إلا له وحده. وفي اللحظة التي يدين فيها الضابط نفسه، ينتقل من كونه فاعلًا إلى مفعولًا به؛ وتتماوج وظيفته السردية تدريجيًا من الراوي إلى «المروي عنه»، أي إلى شخصيةٍ يحدث لها شيء. ويتجلى ذلك أيضًا في أنه يصبح هو من يجب أن يخوض عمليةَ فهم. فبعد أن كان قد سأل الرحّالة أثناء وصف الإعدام: «هل تفهم الإجراء؟»، يرد بعد الرفض الأول المتحفظ من الغريب أن يدعم ممارسة الإعدام السائدة: «أفهمَ الضابطُ الأمرَ إذن؟ لا، لم يفهم بعد». وبعد «لا» القاطعة من الرحّالة ينقطع سيلُ كلام الضابط، الذي كان حتى ذلك الحين يعقّد التفاعلَ التواصلي - ومن ثم الفهم: «وبقي الضابط صامتًا». يدير ظهره ولا يصغي أيضًا. ومن الآن فصاعدًا تصبح عباراته قصيرة دقيقة. وجملته «إذن فقد حان الوقت» توحي بأن شيئًا قد وقع كان ينتظره منذ زمن. وليس في هذا الانتظار معنى سلبي فحسب، كما يبيّن وصفه المتحمّس لتجربة الظهور/الانكشاف (الإبيفانيا) التي كان يزعم أنه كان يراها في الإعدامات السابقة. إن ما يفتنه هو «الفهم» الذي يُكتسب عبر تجربةٍ حسية شخصية. ولهذا تحمل إدانته لذاته بعدين: بوصفه «شخصية-مؤلف»، فالانتحار نتيجةٌ منطقية لإبيغونيٍّ يواجه انهيار التقليد الذي تشبّث به نهائيًا؛ وبوصفه «شخصية مروية»، فالانتحار تعبيرٌ عن محاولةٍ للفهم.

أما الرحّالة فتقع عليه الوظيفةُ المركزية للحَكَم الفني - أو، بلغة نظرية السرد: القارئ المثالي. فهذا المخاطَب هو المقصود في النهاية بكل شروح الضابط ومراوداته، وكذلك بدعوة القائد الجديد إلى حضور الإعدام. ويبدو أن القائد الجديد واثقٌ من أن المتلقي، الذي هو أيضًا أشبه بحَكَم، لن يقدّر عنصر الابتكار في النظام الجديد حقَّ قدره إلا على أساس المقارنة مع المُستقرّ. وهنا تتجلى سيادةُ العظمة الفنية، الواثقة من معناها.

وللسجين وظيفةٌ مزدوجة: فهو «القارئ» الذي يُراد تشكيله، وهو في الوقت نفسه «المادة الوسائطية» التي تُعالَج. فبالنسبة إلى الضابط-المؤلف يمثل السجينُ، على نحوٍ ما، كائنًا مرغوبًا في تهذيبه وتنويره؛ كائنًا ينبغي أن يفهم العمل الذي يُنجز عليه وأن يقدّره. وبذلك يطالب الضابطُ الوسيطَ الفني بأن يتحرر وأن يتجاوز ماهيته. غير أنّ هذا المثال يتضح أنه غير قابل للتحقق.

صحيحٌ أنّ الضابط يستحضر بإعجابٍ إعداماتٍ سابقة يزعم أن مثل هذه «المجاوزة» قد تحققت فيها، لكن ذلك الاسترجاع يقع خارج الحاضر السردي، ويُروى فضلًا عن ذلك بلسان الضابط وحده في كلامٍ مباشر؛ أي إن موثوقية هذه الذاكرة موضعُ شكٍّ محتمل. إن العودة إلى أزمنةٍ ماضية، مقرونةً بالحضور السردي والجسدي للسجين المنتظر، تدفع القارئ إلى تماثلٍ استباقي بين الجاني وبين المحتضر. غير أنّ هذا التلازم يثبت - كما هو معلوم - أنه استنتاجٌ خادع؛ لأن المتلقي غير الراغب أو اللامبالي لا يمكن تبشيره - وهذا ينطبق على السجين كما ينطبق على الجندي. فالفهم يفترض إرادةَ الفهم، و«تعليقَ عدم التصديق» برضًا. وهذه ليست لقمةً سهلة - على خلاف عصيدة الأرز، غذاء الأطفال السهل الهضم، الذي لا يحتاج ابتلاعُه إلى تجاوز مقاومة، ولذلك كان المحكوم عليه يلتقط منه طوعًا وبسرعة. ويمكن تفسير ذلك على أن «المَلَكة الخفيفة» وحدها تُقبل بلا مقاومة، وأن المقاومة تنمو طرديًا مع تعقيد ما يُقدَّم للمتلقي.

وحين يطلق الضابطُ سراحَ السجين ويستلقي بنفسه تحت «المِسَنَّنة»، يُصرّ المُعتَق على أن تُشدّ الأحزمة أيضًا على الضابط. غير أنّ الضابط لا يحتاج قيودًا ولا إكراهًا خارجيًا، لأنه يبدّل موضعه مع الجاني طوعًا. وإصرارُ السجين على تنفيذ الطقس تنفيذًا صحيحًا شكليًا - مع أن معناه لا يمكن أن يتضح له إلى الآن - يثبت أنه قد استبطن قوانين الانضباط وأعاد إنتاجها في تبادل الأدوار، لكنه لا يفهم شيئًا من «فهم الفن» الذي يتطلب انخراطًا وتسليمًا. وكما الجندي، يبقى خارج عملية الفهم. ومن الدالّ أنه يتقيّأ حين كان الضابط قد «دسّ، لا دون عناء، قطعة اللباد في فم المحكوم عليه»، أي إن الرجل يقاوم اقتحام اللباد جسده. وهذا يختلف عن الضابط، الذي قيل عنه إنه لم يتردد إلا لحظةً قبل أن يذعن ويبتلع اللباد. كما يتجلى إقصاء السجين والجندي في خاتمة القصة، حين يريدان اللحاق بالرحّالة إلى السفينة، فيمنعهما. فيبقيان أسرى حدود عالمهما ولا يختبران - خلافًا للرحّالة - اتساعًا في الأفق. لذلك لا يستطيعان مغادرة الجزيرة.

وهكذا فإن المقاومةَ اللاإرادية المفهومة تمامًا في القراءة الواقعية - النفور من اللباد المقزز - تنقلب على السجين في منظورٍ بويتولوجي. إذ إن تمرده على إرغام إرادةٍ غريبةٍ عليه ذو حدّين، لأنه يُبقيه في وضع «اللامُدرك» الذي كان يحاول غريزيًا أن يثور عليه حين كان ينتظر مصيره أمام الآلة الغامضة. إنه يظل، بالمعنى الحرفي، «صفحةً بيضاء». بل إن الحكم الذي كان ينبغي أن يُكتب على جسده يمكن أن يُقرأ بوصفه تنبيهًا إلى ضرورة مراعاة التقليد الفني، أي الدخول في جدلٍ معه؛ لأن الأمر «أكرِمْ رؤساءك!» يطالب السجين بالموقف الاحترامي نفسه الذي يمثله الضابط في ولائه للقائد القديم حتى بعد الموت - أي ولائه للإرث الثقافي. لكن السجين يرفض. وبذلك تُستكمَل الحركة من الرقابة إلى الرقابة الذاتية؛ لأن ما كان في البدء معرفةً محجوبة يصير الآن معرفةً مُهملة.

أما النقش الذي حدّده الضابطُ لنفسه، وهو «كُنْ عادلًا!»، فيمكن رؤيته نداءً إلى الانفتاح حتى على التجديدات الفنية. بيد أن الجهاز - بوصفه نتاجًا لعصرٍ سابق - مشدودٌ إلى تلك الحقبة؛ ومن ثم فإن الضابط يطالب الآلة، في الجوهر، بتنفيذ أمرٍ يفترض تجاوزًا، أي تخطيًا للجمالية السابقة. لذلك ليس غريبًا أن يتحلل الجهاز نفسه وهو ينفذ هذه الوصية الأخيرة. فبعد أن كان الضابط قد «ابتسم مرةً أخرى ونظر إلى الكل في جميع أجزائه»، تنتهي الآلة أثناء إعدام سيدها «إلى حطامٍ واضح». ويموت الضابط بسرعةٍ لا تتيح أن يُرى عليه أثرُ تجربة الإبيفانيا التي كان يزعم أنه كان يقرأها على وجوه المُعدَمين سابقًا. فوجهُ الجثة - كما يقرر الرحّالة - كان «كما كان في الحياة؛ لم يُعثر على علامةٍ من الخلاص الموعود؛ وما كان الآخرون قد وجدوه جميعًا في الآلة لم يجده الضابط»، وكانت «قمةُ المِسمار الحديدي الكبير تشقّ جبهة الميت».

وقد سمّى ملادِيك هذا المسمار «أداة كتابةٍ وحشية»، ويقرر فاينشتاين: «آلة كافكا آلةُ كتابة». غير أنّ دلالة الآلة - على وضوح حضورها في القصة - لا ينبغي أن تُبالَغ. إنها في الحقيقة ليست سوى عضوٍ منفِّذ، منتجٌ خردةٌ لعقلٍ خالقٍ مات، يُبقيه تابعُه الوحيد حيًا بصعوبةٍ آلية. لذلك لا أوافق فاينشتاين حين يرى الآلة رمزًا لحلم الكاتب بتجاوز الهوّة بين الدالّ والمدلول، ويربطها بمفهوم فلوبير عن «الكلمة الدقيقة (mot juste) التي تُزاوج اللغة بالواقع على نحوٍ معجز». فالأمر هو نقيض ذلك تمامًا: إنه تعريةُ استحالة أن يتجاوز القارئ وضعَه بوصفه مُستبعَدًا، وأن يفهم النصّ كأنه من داخله، أو أن ينال من أي شخصٍ (سلطوي) تفسيرًا يُعوَّل عليه. وتستدعي «مستوطنة العقاب» هنا نصَّ كافكا القصير «استسلم!»، حيث يتأخر الراوي، ويغدو غير واثقٍ بالطريق في سيره بين الشوارع، فيطلب عونَ شرطي. والحوار معروف: يسأل الشرطي: «'أتريد أن تعرف الطريق مني؟' قلتُ: 'نعم، لأني لا أستطيع أن أجده بنفسي.' قال: 'استسلم، استسلم'، ثم استدار بحركةٍ واسعة، كما يفعل الناس الذين يريدون أن يخلوا بضحكهم وحدهم». من يأمل أن تُنقَل إليه المعنى من خارج، من سلطةٍ مثلًا، فقد خسر منذ البداية. والذين يعرفون ذلك هم الداخلون المُبادَرون، عالمين أن الأرض تنزلق من تحت أقدامهم على قدر ما يلتقطون من تعقيدات النصّ. إن الأدبَ نفسَه هو الذي يمارس دورَ الرقيب، ويمنع القارئ من النفاذ إلى داخله، مع أنه - كحارس الباب - ليس موجودًا في النهاية إلا من أجله. «الكتابة لا تتغير»، يرد في «المحاكمة». وهذا بالذات هو الشرط لنمطٍ من التلقي كالذي يمثله الرحّالة: أن يذهب القارئ، بالقراءة، إلى عالمٍ آخر - وأن يخرج منه أيضًا - متأثرًا بالغربة، بل وقد يكون جزءًا منها زمنًا، غير أنه لا يغيرها في النهاية تغييرًا حاسمًا. و«مستوطنة العقاب» تُجسِّد هذا النزاع حول شروط التأمل البويتولوجي وإمكانات فهمه.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق