الرومنطيقيُّ الأخير
قريبًا، قريبًا ستكون لي. حين تُطبِقُ الشمسُ عينَها الساهرة، حين ينتهي التاريخ وتبدأ الأساطير، لن أكتفي بأن أُلقي عباءتي على كتفيّ، بل سأُلقي الليلَ حولي كعباءةٍ ثانية، وأُسرِع إليك وأُصغي لكي أعثر عليك - لا أُصغي لوقعِ خطاك، بل لنبضِ قلبك.
سورين كيركغارد، «إما/أو».
لم يقرأ كيركغارد الإنجليزية قطّ، غير أنّه كان يحتفظ في مكتبته الخاصة بنسختين ألمانيتين من الأعمال الكاملة لبايرون، شاعر الرومانسية الإنجليزي. وكان اللورد جورج غوردون بايرون قد وُلِد سنة ١٧٨٨ وتوفّي سنة ١٨٢٤. وهو صورةُ الشاعر الرومنطيقي بامتياز: متهوّرٌ، لامعٌ، وسيمٌ، غزيرُ الإنتاج، لاذعُ السجال، وشابٌّ إلى الأبد في المخيّلة. وُلد بايرون في لندن لأمٍّ اسكتلندية هي كاثرين غوردون، ولأبٍ مفلسٍ لكنّه مُلقّبٌ، أرملٍ يُدعى الكابتن جون بايرون. وسرعان ما هجر الأبُ الساحرُ المتهوّر زوجته وطفله معًا. ثم مات سنة ١٧٩١ - ربما بداءِ السُّلّ أو بالسمّ - لكن ليس قبل أن يعيّن ابنَه وريثًا لإقطاعٍ غير موجود أصلًا.
أمّا بايرون الشاب، الذي درس في مدرسة هارو وجامعة كامبريدج، فقد ذاع صيته سريعًا بمزاجه العاصف المتقلّب وبمغامراته الصاخبة في مجونٍ مع الجنسين. ونُشرت مجموعته الأولى من القصائد، «ساعات البطالة»، سنة ١٨٠٧. وجلبت له الأناشيد الأولى والثانية من «أسفار شيلد هارولد» سنة ١٨١٢ شهرةً خاطفة. وفجأةً صار بايرون بطلاً وسيمًا، تُشيد به الأرستقراطية وتطارده نساءٌ لا يُحصَين. وهكذا وُلدت أسطورة بايرون.
ولا يمكن الاستهانة بدلالة ذلك. فمنذ سنة ١٨١٨ - أي قبل وفاة بايرون بستّ سنوات - كان الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (١٧٨٨–١٨٦٠) يقتبس مباشرةً من «أسفار شيلد هارولد» ويشير إلى بايرون بوصفه واحدًا من «عظماء البشر». وقالت الليدي كارولاين لامب (١٧٨٥–١٨٢٨) قولتها الشهيرة التي لا تُنسى: إنّ بايرون كان «مجنونًا، سيّئًا، وخطرًا أن يُعرَف». وكان عمل بايرون «القرصان» (١٨١٤) كذلك واسعَ الشعبية، ببطلِه الجسور الغامض وبمغامرة القراصنة المدهشة.
ونُشرت قصيدة «سجين شيلون» (وقد حاكاها ألكسندر بوشكين (١٧٩٩–١٨٣٧) - مدلّل الأدب الروسي - في «سجين القوقاز» (1822)، في العنوان والصورة المُدرجة للبطل) وكذلك نُشرت قصيدة «مانفريد» ذات النزعة الفاوستية سنة ١٨١٦. ونُشر «قابيل: سرٌّ تمثيلي» سنة ١٨٢١، بينما صدرت «دون جوان» - غير المكتملة والمعدودة تحفة بايرون - في أناشيدها المتسلسلة (ستة عشر نشيدًا في المجموع) في السنوات ١٨١٩–١٨٢٣. وفي عامه الأخير، التحق بايرون بثورة اليونانيين على الإمبراطورية العثمانية. ومات بحمّى في ميسولونغي، باليونان، سنة ١٨٢٤.
ضمن أعمال كيركغارد المنشورة، يُذكر بايرون في «إمّا/أو» (١٨٤٣) وفي «مفهوم القلق» (١٨٤٤). وليس مفاجئًا أن يحيل كيركغارد إلى بايرون في «إمّا/أو»، إذ قد يكون الشاعر الإنجليزي نموذجًا صالحًا لـ«الذوّاق/الجمالي» المصوَّر في الجزء الأول من ذلك الكتاب. وسأفحص الآن المواضع التي يُسمّى فيها بايرون صراحة. ففي تأمّلات «أ» حول «دون جيوفاني» لموتسارت، يعلّق قائلًا:
إنّ بايرون كان، من وجوهٍ كثيرة، موهوبًا على نحوٍ خاص لتمثيل دون جوان - وهذا مؤكَّد بما فيه الكفاية - ولذلك يمكن الجزم أنّ تعثّر تلك المحاولة لم يكن بسبب بايرون، بل بسبب شيءٍ أعمق بكثير: لقد تجرّأ بايرون على أن يُوجِد دون جوان 'لنا'، وأن يقصّ علينا طفولتَه وشبابَه، وأن يبنيه خارج السياق ضمن علاقات حياته المحدودة. غير أنّ دون جوان، بذلك، غدا شخصيةً تأملية تفقد المثالية التي كانت له في الصورة التقليدية.
وبعد صفحتين، يستخلص «أ» النتيجة التالية عن «دون جوان» لبايرون: «إذن ينبغي اعتبار دون جوان لبايرون إخفاقًا لأنه يُطيل الأمر إطالةً مُتمدّدة…».
وفي الجزء الثاني من «إمّا/أو»، في فصل «المشروعية الجمالية للزواج»، يعلّق الاسم المستعار القاضي وليام على بايرون أيضًا: «إنّ ما أقوله هنا لا ينطبق على مُغوٍ واحد يطوف في العالم كوحشِ فريسة فحسب. كلا، إنه يليق بجوقةٍ كبيرة من أناسٍ كثيرًا ما يكونون شديدي الموهبة، وليس بايرون وحده من من يصرّح بأنّ الحبَّ سماءٌ وأنّ الزواجَ جحيم». وبعد ثمانيةٍ وعشرين عامًا، يذكر القاضي وليام بايرون للمرة الثانية والأخيرة: «أمّا مَن يتأمل زمنيًّا، فالقبلة الأولى - مثلًا - ستغدو ماضيًا (كما قال بايرون في قصيدة قصيرة)؛ وأمّا مَن يتأمل أبديًّا فستبقى هناك إمكانيةٌ أبدية». ومن هذه الإشارات يمكن الجزم بأن كيركغارد قرأ - على الأقل - بعض «دون جوان» وبعض أعمال بايرون الأولى، أي «ساعات البطالة».
أما بقيةُ الإشارات الجوهرية إلى بايرون عند كيركغارد فتوجد في اليوميات والدفاتر. ففي ما يمكن تسميته «المرحلة الفاوستية» لدى كيركغارد (١٨٣٦–١٨٣٧)، يُذكر بايرون ثلاث مرات في اليوميات. وفي هذه المرحلة يستكشف كيركغارد جماليات «دون جيوفاني» لموتسارت، ومفهوم السخرية، وفكرة الأسطورة، وفاوست لغوته. ويظهر بايرون أول مرة على صلةٍ بقراءة كيركغارد لدراسةٍ مقارنة وضعها كارل إرنست شوبارت (١٧٩٦–١٨٦٠) بين فاوست لغوته ومانفريد لبايرون؛ إذ يكتب كيركغارد:
إنه [أي شوبارت] يبيّن أن بعضهم لم يفهم القصيدة إلا بوصفها شكوى من أنه حُرِم أعلى لذّات الحياة، وأن اللورد بايرون قد أعاد إنتاج المسألة ومضمونها في مانفريد من هذا المنظور.
ثم يذكر كيركغارد بايرون ضمن «الشعراء العظام»، زاعمًا أنّ قطعة بايرون الدرامية «قابيل» «فهمت الشيطان من زاوية أخرى».
ولا يزال يقرأ شوبارت عن فاوست ومانفريد، فيدوّن بعد أيام قليلة في مدخلة أخرى: «لعلّ مانفريد لبايرون هو فاوست من غير مِفستوفيليس غوته المُهذِّب/المُعلِّم».
أما آخر ذكرٍ لبايرون في يوميات كيركغارد فيأتي بعد أربعة عشر شهرًا: «إنّ من يرغب أن يستمتع بالحياة على نطاقٍ عظيم (كاللورد بايرون، مثلًا) قد يرغب - حقًا - أن يُشفَى؛ لكن لا على شرط أن يموت للعالم مرةً وإلى الأبد».
ويختتم القسم الأخير من تتبّع أعمال بايرون وأسطورته في كتابات كيركغارد بتفسيراتٍ لمكانتهما داخل مشروع كيركغارد. وسأذكر بإيجاز خمسةَ وجوهٍ في كتابات كيركغارد تدعو إلى تفسير استعماله لبايرون: استعماله مانفريد إلى جانب فاوست، ودور الشاعر وصورته، وصناعة «المُغوي» ونقده، ونقد دون جوان، وأخيرًا مقالة «مداورة المحاصيل».
كما ذُكر، بدأ اهتمام كيركغارد ببايرون خلال مرحلته الفاوستية. ففي يوميات تلك الفترة يشير إلى مانفريد وقابيل. واهتمامه بقابيل يرجع إلى تصوير لوسيفر، في حين يُشبَّه مانفريد بفاوست من غير مِفستوفيليس. ثم إنّ اهتمام كيركغارد وتدويناته الكثيفة حول النسخ المختلفة لقصة فاوست وتأويلاتها يخبو بعد أن نشر معلّمه السابق هانس لاسِن مارتنسن (١٨٠٨–١٨٨٤) مقالةً مطوّلة عن فاوست ليناو.
غير أنّ في مانفريد جوانب تُشبه كيركغارد ومشروعه حول فاوست. فصدرُ القصيدة مأخوذٌ من هاملت - وهو، بلا شك، أحد أحب الشخصيات المتخيلة إلى كيركغارد. ويمكن وصل مانفريد وقابيل بفاوست من جهة المضمون؛ ويتضح ذلك من قراءة كيركغارد لشوبارت ومن محاولات فاوست نفسه تجاوز التصور الكلاسيكي للخير والشر. والوجه الثاني لحضور بايرون في كتابات كيركغارد يمكن أن يُرى في الصورة والأسطورة المحيطتين بهذا الشاعر الآسر، وفي تصوير كيركغارد نفسه المتواصل والمعقّد لاستعمال «كون المرء شاعرًا» وإساءة استعماله. وهذه الصورة انعكاسٌ لتلقي بايرون خارج إنجلترا، في أوروبا القارية. ومن الصور المؤثرة صورةٌ ذات طابع نابليوني: لا تستحضر ساحةَ معركة وفتحًا فحسب، بل تُقيم تحيةً للفنّ ذاته ولانتصار المرء على إلهه. ونيتشه - مثلًا - يحيّي مانفريد لبايرون على النحو التالي:
ينشأ خطرٌ من أن ينزف الإنسان حتى الموت من معرفة الحقيقة. وقد عبّر بايرون عن هذا في بيتٍ خالد:
'الحزنُ معرفةٌ؛ والذين يعلمون أكثر،
لا بد أن ينوحوا أعمق على الحقيقة القاتلة؛
وشجرةُ المعرفة ليست هي شجرةَ الحياة'.
وصورٌ أخرى لبايرون عند الناس هي: الثائر المقاتل، والمُغوي العظيم، والشاعر الجبّار لليأس، والمتشرّد القَلِق الذي لا يهدأ.
لقد كان بايرون نصيرًا لمنظمة إيطاليا الثورية «الكاربوناري» التي قاتلت ضد النمسا، وكما ذُكر، قاتل ضد الأتراك في حرب استقلال اليونان. وتنتشر في أعماله قصائدُ إطراءٍ لكثيرٍ من النساء، من ماريون إلى ليزبيا، ومن إيمّا إلى كارولاين، ومن إليزا إلى آني؛ فضلًا عن المراثي الإيروتيكية لكل أولئك الواردين في دون جوان. وقصيدة «أسفار شيلد هارولد» وحدها كافية لتكوين صورة الشاعر الجوال القَلِق، كما يمكن تلمّس العذاب واليأس في كتاباته من «روحي مظلمة» إلى «الظلام»، ومن «باريسينا» إلى مانفريد. ومن هنا يبدأ المرء في رؤية التفاوت بين بايرون (وصورته) وكيركغارد؛ وهذا يمنحنا قرينة على صراع كيركغارد الدائم حول ما ينبغي أن يكون عليه الشاعر.
وحين يصل المرء إلى «إمّا/أو» بسؤاله الافتتاحي: «ما الشاعر؟» يجد جوابًا ينطبق على الصورة النمطية للشاعر الرومنطيقي: «إنه رجلٌ شقيّ يخفي في قلبه كمدًا عميقًا، غير أنّ شفتيه مُصاغتان بحيث إنّ الزفرات والصرخات إذا عبرت عليهما بدت كأنها ألحانٌ جميلة».
يجسّد بايرون - في نظر كيركغارد - الرجلَ الجماليَّ المُعذَّب، ذلك المُغوي، وذلك الكائن الذي يتجاوز حجمَ الحياة، في الجزء الأول من «إمّا/أو»؛ وهذه الصورة انعكاسٌ لعبادة بايرون التي كان أهل الأدب الفرنسيون والألمان والروس آنذاك يغذّونها. وبقراءةٍ كيركغاردية، يظل بايرون عبدًا للجمالية ويأسًا متحدّيًا. يعاني الشاعر - كما تعاني الشخصية الشعرية في «إمّا/أو» - كي يُسكّن معاناته: يضيع في تحفة موتسارت الحسية، وفي إغواء النساء وقهرهنّ. وقُبيل نهاية «مراحل على درب الحياة» يوضح فراتر تاكيتورنوس التمييز الذي كان كيركغارد يحاول أن يصنعه: «البطل الجمالي عظيمٌ بالفتح، أمّا البطل الديني فعظيمٌ بالألم». وهذا الشطر الأول يوجز، بإيجازٍ خاطف، «الطريقة البايرونية» في العيش.
وفي «المرض طريق الموات»، تُعرَض صورة الشاعر المتألم بوصفه شاعرًا دينيًّا بصورةٍ أشد مباشرةً على يد أنتي-كليماكوس. وفي النص نفسه، تُواجَه الشخصية البايرونية التي يتعاطف معها كيركغارد في القسم المعنون «اليأس بوصفه تحدّيًا»، وهو المرحلة الأخيرة والأشد قوةً من اليأس. وفيما يلي أمثلةٌ قليلة من يأس مانفريد المتحدّي، من منظورٍ كيركغاردي:
غُصتُ عميقًا،
لكن، كموجةٍ آيبةٍ في الجَزر، قذفتني الارتدادةُ
إلى هوّة فكري التي لا يُدرَك قعرها...
... أنا أقيم في يأسي -
وأحيا - وأحيا إلى الأبد.
لقد هَوَيتُ أمام يأسي العقيم، وركعتُ
أمام خراب نفسي.
لا قوّة في الرجال الأتقياء.
ولا سحرَ في الدعاء، ولا طُهرَ في هيئةٍ
من توبةٍ، ولا في مظهرٍ خارجي، ولا في صوم،
ولا في عذاب - ولا، أعظم من ذلك كلّه،
في العذابات الفطرية لذلك اليأس العميق،
الذي هو ندمٌ بلا خوفٍ من الجحيم.
إنّ أوصاف أنتي-كليماكوس للشخصية الواقعة في يأسٍ متحدٍّ تعكس الكيفية التي تُدرك بها شخصياتٌ مثل مانفريد وقابيل ودون جوان، بل وبايرون نفسُه - تحسًّا وشعورًا وسلوكًا - إذ يقول: «إنّ الذاتَ سيّدةُ نفسها، سيّدةٌ مطلقةٌ لنفسها - كما يُقال؛ وهذا بعينه هو اليأس، وهو كذلك ما تراه لذّتها ونعيمها». وكان يمكن لأنتي-كليماكوس أن يتكلّم بلسان قابيل بايرون حين يهجر قابيل كلَّ ما يحبّ لكي يوافق لوسيفر في تحدّيه للرّب، ذاك الذي يراه قابيلُ قد ألحق العارَ بأُسرته. وهنا يبدأ اليائسُ المتحدّي عند أنتي-كليماكوس أن يفهم أنه يسلك طريقًا بالغَ الخطر، ومع ذلك يمضي فيه باندفاعٍ أشدّ وغضبٍ أعظم:
الآن - حتى لو عرض عليه الرب في السماء وجميع الملائكة أن يُعينوه على الخروج من ذلك - كلا! إنه لا يريد. لقد فات الأوان. كان من قبلُ يودّ - بكل سرور - أن يبذل كل شيء ليتخلّص من عذابه، لكنهم أبقوه منتظرًا؛ أمّا الآن فقد فات الأوان، والآن يفضّل أن يثور على كل شيء، وأن يكون الضحيةَ المظلومةَ للعالم بأسره وللحياة كلها؛ وله عندئذٍ أهميةٌ خاصة أن يتأكّد من ألا ينتزع أحدٌ ذلك منه - لأنه إن انتُزع فلن يقدر أن يُظهر لنفسه ويبرهن لها أنه على حق.
ويُظهر صديقُ بايرون ومعاصرُه برسي بيش شيلي (١٧٩٢–١٨٢٢) تصوّرَه الخاص لهذا التحدّي الشيطاني وهذا الغضب المتجسّد في الصورة البايرونية، في مقطعٍ من ثلاثة أسطر كُتب لبايرون ونُشر بعد وفاة شيلي:
يا عقلًا جبّارًا، في مجراك العميق يرتجف هذا العصرُ
كقصبةٍ في العاصفة الغافلة،
لِمَ لا تكبح جماحَ قدسيتك…
إنّ مقابلةَ مقطع شيلي بتحليل كيركغارد لليأس المتحدّي في «المرض طريق الموات» تتيح لنا فهمًا أدقّ لبايرون ضمن صورة الشاعر المفعم بالإبداع، والتحدّي، والغضب. غير أنّ بايرون يُوصَف في «مفهوم القلق» - إلى جانب شيلي وشكسبير - بوصفه واحدًا من قلّةٍ من الشعراء القادرين على أن «يكسروا الصمت». وهذا الصمت يقترب منه كيركغارد عادةً بمزيجٍ من الرهبة والفزع، ولا سيما في «خوف ورعدة» و«مفهوم القلق». ومع ذلك فإنّ كلًّا من الشاعر والمُغوي يمتلكان القابلية لأن «يكسرا» هذا الصمت. لكنّ الصمت - على أي حال - سيظلّ الكلمةَ الأخيرة: سواءٌ كان ذلك في إيمان أغنيته الصامت إزاء رجل البحر الآسر في «خوف ورعدة»، أو بوصفه واحدًا من «المرشدين الثلاثة» في خطاب الزنبقة والطيور سنة ١٩٤٩.
ويمكن العثور على استعمال كيركغارد الثالث لبايرون من خلال خلقه ونقده للاسم المستعار «أ» ولشخصية المُغوي في «إمّا/أو». ففي الجزء الثاني من «إمّا/أو» يربط القاضي وليام كاتبَ الجزء الأول (المشار إليه بـ«أ») ببايرون في موقفه من الالتزام بالزواج والنساء عمومًا، وفي كونه عبدًا للحب الرومنطيقي لا غير. ويُلمّح القاضي وليم إلى قصيدة بايرون «إلى إليزا»، التي تقول:
وإن تكن النساءُ ملائكةً، فإنّ الزواجَ هو الشيطان.
ثم يُقارَن «أ» ببايرون مرةً أخرى من جهة أولوية القبلة الأولى، ومن جهة الخفوت البطيء لأولِ هزّات الحب. يكتب بايرون:
هبْ لي شعاعَ النَّظرة اللطيفة التي تُنفِسُ الروح،
أو نشوةً تقيم على القبلة الأولى للحب.
فهل يُفسّر القاضي وليام بايرون تفسيرًا صحيحًا؟ عند بايرون تبدو القبلة الأولى للحب أعظم من «الملهمة» ذاتها:
إنّ الذكرى الصادقة ستكون آخر ما يبقى،
وأعذبُ تذكارٍ لنا: القبلةُ الأولى للحب.
وكان القاضي وليام قد كتب: «أمّا من يتأمّل أبديًّا، فستكون هناك إمكانيةٌ أبدية.» وتوحي أبيات بايرون بأن القبلة الأولى أبدية بمعنى أنها ستُذكَر دائمًا، وبذلك تظلّ رنّانة الأثر. ما دام المرء يتأمّل القبلة الأولى فثمّة «إمكانية أبدية». وهذه نقطة يغفل عنها القاضي وليام. وتكشف القصيدة عن نفَسٍ دينيّ يسري في الشاعر الحق، حتى لتُساوَى القبلة الأولى بالمجال الإلهي:
ما زال في الأرض بعضُ نصيبٍ من الفردوس؛
فما عسى الرؤى أن تكون، إذا قيست بأوّل
قبلةٍ للحب؟
ومثل بايرون، يتحدّث المُغوي في «إمّا/أو» (الجزء الأول) أيضًا عن قبلةٍ إلهية: «قبلةٌ ليست كقبلةٍ بشريةٍ تنتقص شيئًا، بل هي قبلةٌ إلهيةٌ تهب كلَّ شيء».
وأخيرًا يستدعي المُغوي الصورةَ الأدبية لمصّاص الدماء، وهي صورةٌ تعيد إلى الذهن بايرون أو «البايروني» النموذجي. إذ يبدو البطل كأنه نوعٌ من مصّاص دماء، يقيم في ظلال شوارع المدينة، ويتحرّك بمهارةٍ داخل الجموع وخارجها، وعينه الساهرة لا تنام. والإحالات إلى هذه الصورة كثيرة: «العيش في مملكةٍ من ضباب»، و«عيونٌ في عباءة»، و«أظلّ أبحث عن فريستي». ومن خلال توظيف العباءة/الرداء على امتداد المقال، تُستحضَر بوضوحٍ شديد «عالم الظل» الذي يعيش فيه المُغوي.
بعد ذلك، ينبغي ذكرُ نقد «دون جوان» لبايرون الوارد في المقال عن «دون جيوفاني» لموتسارت ضمن «إمّا/أو» (الجزء الأول). فبالنسبة إلى «أ» ذي الاسم المستعار عند كيركغارد ، تُعدّ «دون جوان» لبايرون إخفاقًا لأنها لا تتعامل مع دون جوان بوصفه «مثالًا/مثاليةً»، بل تقدّمه إنسانًا وُلد، وكانت له طفولة، ونشأت له علاقات. وحجّة «إمّا/أو» هي أنّ دون جوان حين يُفَسَّر موسيقيًّا ينكشف البهاء الحقيقي للشخصية: «اللا-نهاية الكلية للشغف»، و«القوة اللامتناهية التي لا يقاومها شيء»، و«النَّهَم الوحشي للرغبة»، و«الظَّفَر المطلق لهذا…» فالموسيقى تمثّل دون جوان بوصفه قوةً لا بوصفه فردًا. وهنا يمكن وصلُ تأويل «الجمالي» عند كيركغارد بقوة تدينٍ هاوٍ سحيق: سحيقٍ لأن «شيطانيته» (إذ يُوصَف دون جوان بأنه «شيطانيّ القدرة») من طبيعتها ألا تضع دون جوان في صراعٍ مع العالم، بل أن تجعله ضائعًا إلى الأبد في اللانهاية. ويؤكد «أ» هذه النقطة: «إذا فُسِّر دون خوان بوصفه فردًا، صار في صراعٍ مع العالم حوله».
وأخيرًا، قد يُعزى الإطار الذي يقوم عليه مقال «مداورة المحاصيل» في «إمّا/أو» إلى أحد أبيات النشيد الثالث عشر من «دون جوان». وأنا أنقل المقطع كاملًا:
إن سخرياتِنا تُحفَظ في الخلفية -
مضحكةٌ بما يكفي، لكنها مملّةٌ أيضًا؛
والحِرَفُ كذلك لم تعد تُوجَد
حِرَفًا حقًّا؛ ولا شيء يُلتقط
من ثمرٍ نافِع؛ فمع أن حمقاكم كثيرون،
فهم عُقمٌ لا يستحقّون عناء اقتلاعهم.
لقد صار المجتمعُ الآن قطيعًا مصقولًا،
مكوَّنًا من قبيلتين عظيمتين: المُمِلّين والمُضجرين.
إنّ خاتمة الأبيات بذكر «المُمِلّين والمُضجرين» (كما جاءت مشوَّشة) تُحيل بقوةٍ إلى «مداورة المحاصيل» عند كيركغارد . فـ«الجماليّ» عند كيركغارد يكاد يكرّر الفكرة نفسها:
إن كلمة 'المُمِلّ' يمكن أن تدلّ بالقدر نفسه على شخصٍ يُملّ الآخرين كما تدلّ على شخصٍ يملّ نفسَه… ما أعجبَ هذا: إنّ الذين لا يملّون أنفسَهم يُملّون الآخرين في الغالب؛ أمّا الذين يملّون أنفسَهم فيُسلّون الآخرين. وبوجهٍ عام فإنّ الذين لا يملّون أنفسهم يكونون مشغولين في العالم على نحوٍ أو آخر؛ لكنهم - لهذا السبب بعينه - أشدّ الناس مللًا على الإطلاق، وأشدّهم لا يُحتمل… أمّا الصنف الآخر من البشر، المتفوّقون، فهم الذين يملّون أنفسهم.
وبالفعل: إنّ كثيرًا من «دون جوان» يستحضر عالمًا يمشي فيه معظم الرجال والنساء نيامًا خلال الحياة، يملأون أوقاتهم بأحاديث فارغة لكي يغطّوا هوّة الوجود «المتحضّر». وهذا هو منظور «الجمالي المتفوّق» في «دون جوان» و«إمّا/أو» معًا. فالشاعر الذي يتحرّك في «إمّا/أو» يكون تارةً متألّمًا بفنّه الرنّان، وتارةً مُغويًا منتصرًا على النساء، وتارةً متجوّلًا في المقابر، وتارةً أرستقراطيًّا سئِمًا. وفي خيال كيركغارد الحيّ، تجسّد هذه الوجوه كلّها - على نحوٍ كامل - الشاعرَ الرومنطيقي، اللورد بايرون.
وفي المقطع نفسه من «دون جوان» يمكن أن نرى كذلك أثرًا من - أو على الأقل موازاةً لـ - فاوست لغوته، الذي يدين له كلٌّ من بايرون وكيركغارد. فعندما يكتب بايرون: «لقد صار المجتمعُ الآن قطيعًا مصقولًا»، أتذكّر كلام مِفستوفيليس في مشهد «مطبخ الساحرة» من فاوست: «إلى جانب ذلك، فإنّ الحضارة - التي تُملّسنا جميعًا الآن - قد علّمت الشيطانَ نفسه حِيَلًا».
إن اسم بايرون لا يُذكر إلا مراتٍ معدودة في أعمال كيركغارد المنشورة، ومع ذلك فقد ترك أثره بوصفه واحدًا من «الشعراء الحقيقيين» في كتابات كيركغارد - ولا سيما من خلال أعمال بايرون «الشيطانية»، «قابيل» و«مانفريد»، ومن خلال حكايته عن مُغوٍ هو «دون جوان». ومع أنّ بايرون لم يحتل مكانةً جوهريةً بقدر ما احتلّ شكسبير في كتابات كيركغارد، فإنّ يأس «الشعراء الحقيقيين» أمثال بايرون هو - في نظر كيركغارد - يأسٌ ينبغي مواجهته في الرحلة نحو المجال الديني. وليس الأمر مجرّد كليشيه أن نضع بايرون في دور المُغوي الذي نظنّ أننا نفهمه؛ بل إن المرء ليُفتَن بالمُغوي المضطرب، ذلك الذي تتسرّب قوته إلى المجال الديني في فكر كيركغارد النافذ. وبكلمات الفيلسوف نفسه:
من لم يقدر أن يُغوي الناس، لا يقدر أن يُخلّصهم أيضًا. هذه هي أهلية الانعكاس.
_on_shore_of_Hellenic_sea_by_Giacomo_Trecourt_(1812-1882)_-_(MeisterDrucke-1414087).jpg)