سؤالٌ بحدِّه: هل تُصانُ الكرامةُ إلّا بقرارٍ؟

 

يُعَدّ الانتحارُ، أو ما يُسَمَّى «الموتَ اختيارًا/الفِعلَ الحرّ» (Freitod)، قتلًا للذات، وهو يمثّل الحدَّ الأخير من حدود حرّية الفعل الإنساني، ومن ثَمَّ الحدَّ الأقصى للأخلاق العمليّة في علاقة الإنسان بنفسه. فما الذي يجوز للإنسان؟ إذا كان الإنسانُ حقًّا - وهو في تمام امتلاكه لقواه الجسديّة والعقليّة-النفسية والأخلاقية مثل الإرادة والعقل - هو الحدَّ الذي يحدّد فعله، فإنّ سؤالَ تبرير قتل النفس لا ينهض أصلًا، لأنّه مبرَّرٌ بمجرد القدرة الطبيعيّة لدى الإنسان على اقترافه. غير أنّ تقرير المصير ليس فقط لبَّ الأخلاق في الفلسفة من العصور القديمة إلى ما بعد الحداثة، بل هو - بحسب فولكر غيرهارد - «من الفئات المركزيّة في الحضارة الإنسانيّة»، وهو ما يجعل مساءلة «الموت اختيارًا» حالةً خاصّة ضمن جدل الاستقلال الذاتي. أمّا فلاسفةُ الرِّواق مثلًا، فليس «الموت اختيارًا» عندهم مجرّدَ عقلٍ عمليّ يطبّق ذاته على ذاته، بل هو كذلك إمكانٌ لصون الكرامة في حال الضرورة القصوى. وعلى نحوٍ أخصّ، يعارض المفكّر سينيكا (٤–٦٥م) بأفكاره المستندة إلى دوافع إرادويّة حول «الموت اختيارًا» - بوصفه وسيلةً مشروعة قائمة على الإرادة لحفظ الكرامة - فلاسفةَ عصره الذين كانوا شديدي النقد لفكرة تقرير المصير في أقصى حدودها. وظلّ أثرُه يلمع عبر فضاءات الإحالة على امتداد القرون - إلى يومنا هذا، حيث يتوقّع بعضُهم «بعثًا ثانيًا للفكر السينيكي». ولكن هل تظلّ أطروحةُ سينيكا اليوم مقبولةً من حيث البنية النظريّة؟

كان «الموت اختيارًا» في العصور القديمة ممارسةً يقبلها المجتمعُ في حدودٍ معيّنة، وقد يكون تعبيرًا عن الكبرياء: فنبيلٌ رومانيٌّ كان يفضّل شقَّ شرايينه على أن يقع في الأسر ويصير عبدًا. ونرى صورةً من هذه القناعة الفلسفيّة عند الكاتب الروماني بترونيوس أربيتِر (١٤–٦٦م)، الذي يصوّر في لوحته الأخلاقية الغريبة «ساتيريكون» من العصر القيصري كيف يطعنُ أحدُ نبلاء الروم نفسه ليفلت من عار الأسر. ولم تكن صيانةُ الشرف في روما وحدها، بل ظهرت كذلك في آسيا في الانتحار الطقوسي لمحاربي الساموراي اليابانيين - وهو بالمناسبة لا يُسمّى «هاراكيري»، بل «سيبوكو» - بوصفه دافعًا وجزءًا من «البوشيدو»، أي ميثاق الشرف الأخلاقي. لقد عُدَّ الانتحارُ مخرجًا مشرِّفًا من حياةٍ تُتلف الكرامةَ، وكان ذلك سائدًا في مواضع كثيرة بين الثقافات، ولا يزال عند بعض الناس إلى اليوم يُنظر إليه بوصفه آخرَ فعلٍ مستقلٍّ لإنقاذ الشرف.

ومع ذلك، فإنّ الانتحارَ بدافع السأم أو المرض أو اليأس من الحياة لم يكن - في ضوء تاريخ الأفكار الأوروبي وغير الأوروبي - مستنكرًا فلسفيًّا على نحوٍ مطلق. فالفلسفة الرواقية لدى الروماني سينيكا لا ترى في قتل النفس معضلةَ تبريرٍ أخلاقيًّا، أيًّا كان الدافع، بل تراه تعبيرًا عن تقرير المصير. وبهذا يلتزم سينيكا التزامًا تامًّا بمفهوم الرِّواق الذي يقوم أساسُه الأخلاقي على ضبط النفس، والذي إذا مُورس بطمأنينةٍ قاد إلى سكون الروح («أتاراكسيا»). أمّا من صارَت الحياةُ عنده عبئًا يفسد سكينةَ روحه، فالأَوْلى أن يتناول سمًّا أو حبلًا أو سكينًا ويضع حدًّا، لأنّ للحياة مدخلًا واحدًا، ولكن لها مخارج كثيرة يمكن اختيارها.

يوجد أيضًا ممّن ينتسبون إلى الفلسفة مَن يرفضون أن يُنهوا حياتهم بالعنف، ويعدّون ذلك خطيئةً أن يكون المرء قاتلَ نفسه؛ ويقولون: ينبغي انتظار نهاية الحياة التي تعيّنها الطبيعة. ومن يقول هذا لا يدري أنّه بذلك يسدّ على نفسه طريق القرار الحرّ. ما من عطيةٍ أفضل منحَنا إيّاها القانونُ الأبديّ من أنّه جعل لنا مدخلًا واحدًا إلى الحياة، وجعل لنا مخارج كثيرة. أأنتظر حقًّا قسوةَ مرضٍ أو قسوةَ إنسانٍ، مع أنّ بوسعي أن أخرج وسط كلّ العذابات إلى فضاء الحرّية وأتخلّص من كلّ الشدائد؟ إنّ هذا هو الشيء الوحيد الذي لا يحقّ لنا أن نشكو منه في الحياة: أنّها لا تُمسِكُ أحدًا.

هكذا يكتب سينيكا في الرسالة السبعين إلى لوكيليوس: يمرُّ سريعًا على فلاسفةٍ آخرين يرون ممارسة «الموت اختيارًا» خسّةً أخلاقيًّا، ثم يؤكّد أنّ الانتحار قد يكون - على العكس - موقفًا رفيعًا أخلاقيًّا. وحُجّتُه هنا - ضمنًا - مزدوجة: الأولى أنّ «الموت اختيارًا» مشروعٌ أخلاقيًّا لأنّه يفتح مخرجًا من وضعٍ حياتيٍّ مخزٍ، أو من مرضٍ، أو من تهديدٍ ينال من الكرامة. فالخيرُ الأعلى في موازنة القيم الأخلاقية هو كرامةُ الإنسان، dignitas homini، التي تُصان باستعمال المرء لوسائل القتل في حقّ نفسه حين تكون مهدَّدةً لولا ذلك. وفي هذا يقف سينيكا في خطّ تفكير روما القيصريّة، حيث كانت الطبقةُ العليا ترى الشرف أهمّ من الحياة مجرّدةً، لأنّ حياةً بلا اعتبارٍ تُعَدّ وضِيعة.

أمّا الحجّة الثانية فتتعلّق بحرّية الاختيار لدى الإنسان، المعَبَّر عنها بإرادته وبقدرته على أن يختار لنفسه هدفًا عن وعي. فـ«الموت اختيارًا» هو إذن أسمى وأقصى تعبيرٍ عن ممارسة حرّية الإرادة وتقرير المصير الإرادي، وهو - في ذاته - جزءٌ من كرامة الإنسان. وهكذا تكتمل الدائرةُ الحجاجية التي يرسمها المفكّر الرواقي: إذ يجعل الكرامةَ وحرّيةَ الإرادة - مرتبطتين على نحوٍ نسقي - في قلب تلك الحجّة التي ترى أنّ «الموت اختيارًا» ليس غير أخلاقيٍّ بالضرورة، بل يمكن تبريره أخلاقيًّا.

وليس المقصود هنا إثارةُ السؤال عمّا إذا كان مفهوم «تقرير المصير» «حديثَ العهد جدًّا» في تاريخ الأفكار الأوروبي، كما يقول فولكر غيرهارد على نحوٍ صائب، بل المقصود التنبيه إلى أنّ روحَ تقرير المصير - فوق التأويلات التاريخية-الاصطلاحية للمفهوم - كانت تهبُّ بالفعل في البرهنة الرواقية لدى سينيكا المؤيِّدة لحرّية القرار. بل يلوح حتى ذاك الخاطرُ الاستفزازيّ: أن «الموت اختيارًا» قد يكون في بعض الحالات فعلًا أرفعَ أخلاقيًّا من البديل الوجوديّ له، الذي قد يعني مواصلةَ العيش في شروطٍ مُهينة.

ترى الرِّواقية - وخاصة فلسفة سينيكا - في «الموت اختيارًا» مخرجًا يختاره المرء من حياةٍ لا تُطاق لأسبابٍ تتعلّق بتقييد الكرامة، ومن ثم ترى فيه فعلًا مشروعًا أخلاقيًّا، بل قد يكون سليمَ النزاهة الأخلاقية، بوصفه ممارسةً لـ«القرار الحر». وما كان لدى سينيكا صلاحيةً مطلقةً بوصفه استقلالًا عمليًّا للإنسان، صار في أوروبا المسيحية في العصور الوسطى تجديفًا على الإله. صحيحٌ أنّ تعاليم الرِّواق دخلت كثيرًا إلى اللاهوت المدرسي المسيحي، ولا سيما في التصوّف الرايني ذي النزعة الزهدية القويّة، حيث كان سينيكا من «المعلّمين الوثنيين» الذين عُدّوا - إلى جانب الكتاب المقدّس - مرجعًا. غير أنّ فكرةَ الاستقلال الذاتي في موضوع «الموت اختيارًا» كانت مستثناة من ذلك؛ إذ إنّ الحقبة بين ٤٠٠ و١٤٠٠ كانت تفهم الحياة أساسًا بوصفها عطيةً إلهيةً، وتدين «الموت اختيارًا» وصاحبَه بوصفه مجترئًا على نظامٍ أراده الإله. ولم يكن يُدفن المنتحرون رسميًّا في المقابر الكنسيّة، وكان يُصادَر مالُهم ومتاعُهم ويُدنَّس ذكرُهم؛ بل كانت تُنفَّذ أحيانًا عقوباتٌ جسدية علنية على الجثامين للردع.

لقد كان مفهومُ كرامة الإنسان في أخلاق العصور الوسطى المسيحية مفهومًا حصريًّا مرتبطًا بالتقي. وبينما رأى سينيكا في «الموت اختيارًا» وسيلةً محتملة لحفظ الكرامة، كان المنتحر في العصور الوسطى يُجرَّد من الكرامة لأسبابٍ دينية - في نظر المجتمع اللاحق، وغالبًا كذلك في نظر أهله وذويه. ويبرّر توما الأكويني (١٢٢٥–١٢٧٤) في عمله الرئيس «الخلاصة اللاهوتية» (Summa theologiae) لماذا يُعدّ «الموت اختيارًا» فعلًا لا تبرير له بأيّ وجه، ومن ثَم يستحقّ هذا النبذ من الكنيسة والدولة، ومن المؤسّسات الدينية والاجتماعية:

أن يُنزل المرءُ الموتَ بنفسه ليتخلّص من سائر بؤس هذه الحياة، معناه إذن أن يتناول الشرَّ الأكبر لتجنّب الشرِّ الأصغر.

فالأبُ الكنسيّ يرى أنّ كلَّ حياة - ولو كانت أليمة - خيرٌ من موتٍ يختاره المرء بنفسه. ويزيد من جهةٍ لاهوتية أنّ «الموت اختيارًا» خطيئةٌ لا توبةَ لها ولا كفّارةَ تُدرك بعد وقوعها، فهي خطيئةٌ مميتة لا سبيل إلى إصلاحها. والخطيئةُ التي لا يمكن أن تُقابَل بجزاءٍ ولا تُمحى بتوبةٍ هي عند الأكويني تعبيرٌ عن هتكٍ كامل للنظام الإلهي. ويضاف إلى ذلك أنّ حجّة سينيكا القائلة بالفرار من «قسوة إنسان» تُسقِطُها وصيّةُ محبة الأعداء في الموعظة على الجبل؛ وكذلك نصيحته بالفرار من المرض بالموت، لأنّ الصحة كانت تُدرج في خانة spiritualia، أي ضمن سلطة الكنيسة أساسًا. عند توما الأكويني إذن نرى تقويمًا أخلاقيًّا يربط الإنسان مباشرةً بأساس الوجود المفهوم بوصفه إلهيًّا، ولا يَعدّ «الموت اختيارًا» - كما في الرِّواق - تعبيرًا عن إرادةٍ حرّة تحفظ الكرامة، بل يراه تمرّدًا على الإله.

ولا يقتصر الأمر على اللاهوتيين؛ فالأدباء أيضًا يكادون يتّفقون على أنّ المنتحرين «موجوداتٌ هالكة» لا تستحقّ الشفقة - حتى دانتي أليغييري يدين المنتحرين في «الكوميديا الإلهية» ويضعهم في الدائرة السابعة من الجحيم، حيث تلتهمهم الهاربيات الوحشيّة. ويُظهر الشاعر إلى أيّ حدّ كانت الثقافة الأوروبية في القرن الرابع عشر - الذي يقول غونتر منشنغ إنّه «كان في جوهره حداثةً بالفعل» - لا تزال تتغذّى من منابع مدرسية-مسيحية، رغم أنّ أفكار سينيكا نفسها - كما تلاحظ كاتيا فوغت - ألهمت عصر النهضة بعد ذلك بقليل.

وإذا نظرنا إلى الدينامية النسقية للحجاج الذي اتّخذه موضوع «الموت اختيارًا» في النقاش الفكري من العصور القديمة إلى ما بعد الحداثة، برزت لنا ملاحظةٌ هي ازديادُ التسييس. والمقصود بهذا التسييس انتقالُ مجال النقد الأخلاقي من الخاصّ إلى العام. ففي فلسفة ما بعد الحداثة حتى منتصف القرن العشرين لم يعد الانتحار يُنقل فقط من حيّز الخاص إلى حيّز العام كما حدث عند توما الأكويني، بل صار العامُّ كذلك منتدى لا للدين، بل للفلسفة التي كان يُفترض أن تحلّ تدريجيًّا محلّ المؤسّسات الدينية في الدولة المستنيرة. وكلّما ابتعد المرء عن التصوّرات الدينية ازداد إمكانُ إقامة تبريرٍ فلسفيٍّ للانتحار.

وقد استشهد مونتسكيو (١٦٨٩–١٧٥٥) في «الرسائل الفارسية» بسينيكا صراحةً وامتدحه بوصفه الفيلسوف الذي قدّم للغرب المثالَ الأكمل للتفكير في «الموت اختيارًا»:

إذا نزل بأوروبيٍّ شقاءٌ ما، ظنّ أنّه يجد لنفسه مخرجًا بأن يفتح كتب فيلسوف يُدعى سينيكا.

وقد صار الرواقيُّ عند مونتسكيو وغيره في المرحلة الانتقالية إلى التنوير نموذجًا يُحتذى في ممارسة الحياة باستقلال، وملاذًا من مصادرة الإنسان دينيًّا. وفي عصر التنوير نفسه بدأ فلاسفةٌ مثل ميشيل دي مونتين، وفولتير (أرويه)، وجان جاك روسو، وديفيد هيوم يدافعون - بروحٍ إرادويّة - عن تشريع الانتحار، وعن عدم ملاحقته قضائيًّا، وعن تبريره في حالاتٍ استثنائية، كأن تكون هناك عِلّةٌ لا شفاء لها ولا مخرج، ويغدو السعادةُ في الحياة متعذّرة؛ وهو مضمونٌ قريبٌ من موقف سينيكا الرواقي. غير أنّ تاريخ هذا الجدل يكشف أيضًا اتجاهين معارضين للنزعة الرواقية-الإرادوية المؤيّدة لـ«الموت اختيارًا» في التنوير: تعاظم «تسييك» (Psychologisierung) الانتحار في التبرير العام، ورفعُ دافع «الموت اختيارًا» ليغدو سابقةً معياريةً لتبرير الأخلاق عامةً.

يقدّم لنا المفكّر الدنماركي سورِين كيركغارد (١٨١٣–١٨٥٥) مثالًا على هذا «التسييك» الحديث للانتحار في الفلسفة في كتابه «المرض طريق الموات»، إذ يصف الموتَ المختار - سلبيًّا وعلى نحوٍ مناقض للرِّواق ومعادٍ للتنوير - بوصفه هروبًا من جرحٍ نرجسيّ:

إذا أردتَ أن تتصوّر شيئًا يكون موضوعًا للجدّ حقًّا، فسمِّ الموت. وقد قال وثنيٌّ من قبل: لا ينبغي أن يخاف المرء الموت، 'لأنّي إذا كان الموتُ موجودًا لم أكن موجودًا، وإذا كنتُ موجودًا لم يكن الموتُ موجودًا'. هذه مزحةٌ يضع بها الناظرُ الماكرُ نفسَه خارجَ المسألة؛ لا يفكّر إلّا في الموت، لا في نفسه داخل الموت؛ يفكّر فيه بوصفه مصيرَ النوع، لا بوصفه مصيره هو. وهنا بالضبط يكمن الجدّ […]. الجدّ هو أن تفكّر الموتَ حقًّا، وأن تفكّره إذن بوصفه مصيرَك، وأن تفعل بذلك ما لا يقدر الموتُ نفسه عليه: أن تكون أنت موجودًا وأن يكون الموتُ كذلك موجودًا.

والـ«وثني» الذي يذكره كيركغارد في سياق التأمّل في الموت على نحوٍ تحقيريّ هو الفيلسوف أبيقور الساموسي (٣٤١–٢٧٠ق.م)، الذي كان قد عرّف الموت بالفعل بوصفه خارج التأمّل الإنساني (outhen pro hemas)، ومن ثَم بوصفه موضوعًا غير فلسفيّ لا يعنينا.

غير أنّ ما يفعله المفكّر الدنماركي بعد هذا الرفض السريع هو تحويلُ وجهة الحجاج من الأخلاقي إلى النفسي: فمناقشة «الموت اختيارًا» هي تثبيتٌ لشرط الوجود الإنساني، الذي يقوم معيارٌ مهمّ فيه على معرفة الموت - فالإنسان هو الكائن الحيّ الذي يعلم أنّه سيموت. ولذلك فإنّ المناقشات الفلسفية حول الموت والانتحار بوصفه موتًا يختاره المرء ليست هامشيةً، بل هي مركزيةٌ لفهم الإنسان لذاته. لكنّ من ينتقل من النقاش النظري إلى الفعل ويُنجز «الموت اختيارًا» عمليًّا، يضيف كيركغارد، لا يثبت أرفع مثاليات الإنسان، بل يثبت فشله الخاص فيها:

اليائسُ ييأس من شيءٍ ما. هكذا يبدو الأمر لحظةً، لكنّها لحظة فقط؛ ففي اللحظة نفسها يظهر اليأسُ الحقيقي أو اليأسُ في حقيقته. إذ يئس من شيء، فقد يئس في الحقيقة من نفسه، ويريد الآن أن يتخلّص من نفسه. فإذا كان المتسلّطُ، الذي شعاره: 'إمّا قيصر أو لا شيء'، لا يصير قيصرًا، فإنه ييأس من ذلك. ولكن هذا يعني شيئًا آخر: أنه لأنّه لم يصبح قيصرًا، لا يطيق أن يكون هو نفسه.

فالمفكّر الدنماركي لا يمنح - كما سينيكا - للموت المختار إمكانَ الإنقاذ من اليأس، بل يراه، على العكس، فعلَ يأس. ثم يوضّح في مسار حجّته أنّ المنتحر لا ييأس من الحياة، بل - على نحوٍ أدق - من ذاته؛ وأنّ «موته اختيارًا» إقرارٌ بفشله عن بلوغ مثالياتٍ لا يستطيع - ضعفًا أو جبنًا أو عجزًا - أن يحققها: من لا يقدر أن يكون قيصرًا لا يريد أن يكون شيئًا أصلًا. لقد أعاد كيركغارد تأويلَ دافع سينيكا - الموت المختار بوصفه فعلًا أخلاقيًّا رفيعًا لحفظ الكرامة - إلى محاولةٍ طفولية عنيدة لعدم الاعتراف بالهزيمة.

وأبعدَ من هذه «النفسيّة السلبية» تمضي الفلسفة الوجودية التي أثّرت، بعد كيركغارد بمئة عام تقريبًا، في تيارات واسعة من تاريخ الفكر الأوروبي. فالإجابة عن سؤال الفلسفة الأخلاقية: هل الانتحار جائز أم لا؟ تُجيب - بحسب موقف وجوديٍّ مشهور - عن أسئلةٍ أخرى في الأخلاق العملية والتمييز والحكم وحدود المعرفة الإنسانية. وهكذا يغدو الانتحار - فوق مستوى تسييكه/تَمرِيضه عند كيركغارد - سابقةً أخلاقيةً بامتياز، بل موضوعَ الأخلاق.

فألبرت كامو (١٩١٣–١٩٦٠) يجادل في كتابه «أسطورة سيزيف» بأنّ «الموت اختيارًا» هو القضية المركزية في الفلسفة:

لا يوجد سوى مشكلة فلسفية جدّية واحدة: الانتحار. إنّ تقرير ما إذا كانت الحياة تستحقّ أن تُعاش أم لا يجيب عن السؤال الأساسي للفلسفة. […].

يزعم كامو هنا أنّ «الموت اختيارًا»، بوصفه إمكانًا وحدًّا للحرّية الإنسانية في الفعل، هو المشكلة الفلسفية الوحيدة التي تستحقّ الجدّ، وأنّه لذلك يصبح معيارًا لاتخاذ القرارات في الفلسفة الأخلاقية عمومًا: فإذا أمكن تأسيسُ تبريرٍ واضح يبيّن أنّ الإنسان ليس قادرًا عمليًّا فحسب، بل مُخوَّلٌ أخلاقيًّا وفق العقل أن ينهي حياته بإرادته، فإنّ سائر الأسئلة الفلسفية تكون قد حُلّت بوصفها مشتقّةً من ذلك؛ لأنّ سواها «لعبٌ».

ومن حيث البناء النسقي، تقوم هذه الحُجّة ذات النبرة الأخلاقية القوية على تسلّلٍ بطيء إلى الخطاب حول مشروعية «الموت اختيارًا» بفرضياتٍ ميتافيزيقية مستترة؛ إذ من دون افتراض أساسٍ وجوديّ غير إنساني يطلب التبرير، لا يمكن تصورُ توترٍ منطقي يقتضي شرعنة «الموت اختيارًا». وعلى حين غفلة، تصير أطروحة كامو - ذات الأثر البالغ - كما يقول فولكر غيرهارد، صنعًا لـ«مِزاجٍ ضد تقرير المصير»، وإرجاعًا للجدل حول الاستقلال الذاتي - الذي مهّد له الرِّواق - إلى الوراء. وهكذا تُعيد «أشباحٌ لاهوتية» في إلحاد الوجودية المُسمّى «إلحاديًّا بالافتراض» إحياءَ المدرسية من جديد.

إنّ الحِجاجَ الرُّواقيَّ الإرادويّ المؤيِّد لـ«الموت اختيارًا» بوصفه الفعلَ الأقصى لتقرير المصير الإنسانيّ وضبطِ النفس، يَثبتُ في ما بعد الحداثة أمامَ خطاباتٍ كثيرةٍ سابقةٍ على التنوير أو مُعاديةٍ له، وهي - من حيث هي كذلك - مُعاديةٌ للرِّواق؛ إذ إنّ التشكيكَ في مشروعية العقل والإرادة في استعمالهما الذاتيّ، مع افتراضِ إمكانِ احتياج الفعل إلى تبريرٍ ميتافيزيقيّ، يُفضي إلى ضياعِ فكرةِ الاستقلال الرُّواقي. وإنّ الروحَ الرجعيّة في (ما بعد) الحداثة - التي انتقدها جورج بولِنبيك من قبل - تتجلّى في «تمنّياتٍ نظاميّة سلطويّة»، تقترن برفض تقرير المصير الإنساني، ومن ثَمّ برفض موقف سينيكا من الموتِ الذي يختاره المرء بنفسه. وعلى الرغم من أنّ مفكّرين مثل ميشيل فوكو قد استلهموا سينيكا في نقدهم لما بعد الحداثة، كما تشير كاتيا فوغت بحقّ، فإنّ نزعةً أصيلةً في ثقافة تبريراتنا الراهنة تنفرُ من هذا النوع من النقد. فما الذي يحدّد، من منظورٍ نسقيّ، وضعَ ما بعد الحداثة في مطلع القرن الحادي والعشرين فيما يتّصل بثقافة التبرير؟ إنّ ما بعد الحداثة اليوم موسومةٌ بثلاث سماتٍ ثقافيّة كبرى: إعادةُ لاهوتة التبرير العمومي، والتقعيدُ الدوغمائيّ - الخفيّ أو الصريح - لخطابات التحرّر السابقة، وأخيرًا وليس آخرًا عبادةُ الشخصيّات على نطاقٍ جماهيريٍّ ومتعدّد الوسائط. وهذه المظاهر الثلاثة تُسهم في إعادة طرح موضوع «الموت اختيارًا» طرحًا جديدًا - وأحيانًا ضدّ التنوير وضدّ الرِّواق - على نحوٍ إشكاليّ.

أمّا إعادةُ لاهوتة التبرير العمومي - التي انتقدها، في جملةٍ من انتقاداته، رودولف بورغر -  فإنّها تُرى اليوم في جميع الدول الغربيّة في ازديادٍ ملحوظ للحُجج الدينيّة السابقة على التنوير. وهذا أمرٌ لا يختصُّ بموضوعٍ دون موضوع، بحيث لا يكون «الموت اختيارًا» هنا إلا واحدًا من موضوعاتٍ كثيرةٍ أُعيدت - بعد ٢٢٠ عامًا من وفاة إيمانويل كانط - إلى دائرة الإشكال الديني. إنّ «تطابق العقل والسلطة» - الذي يعدّه غيرهارد غام الهدفَ المعياريّ للتنوير -  يُعاد تعريفُه اليوم على نحوٍ متزايد بوصفه تطابق الإيمان، والعقلِ الموافق للإيمان، والسلطة. غير أنّ أكثرَ الأديان في العالم تُجرِّم الانتحارَ أو تُوصِمه؛ وليس إلا الإسلامُ الجهاديّ المتطرّف - بصيغه الاحتجاجيّة في قتل النفس - والهندوسيّةُ المحافظة - بممارسة إحراق الأرملة في الموت الطوعي - هما ما قد يرى، في ظروفٍ ما، شيئًا «مشرّفًا» في الموتِ الاختياري. غير أنّ هذه الأمثلة ليست من ممارسات تقرير المصير الإنساني، أو - بلغة سينيكا - ليست «خروجًا إلى الفضاء الحرّ»، بل هي تعبيراتٌ فاقعةٌ عن عقائدَ دينيةٍ ترى أنّ على الفرد أن يضحّي بنفسه لأجل الجماعة: الأسرة، أو مجتمع المؤمنين. فمثلُ هذه «الموتات البطولية» المزعومة لا تُحاجُّ بحُجّة الاستقلال، بل بحُجّة التبعيّة لغير الذات. أمّا الحججُ الدينيةُ الرافضة للانتحار خارج تلك الأفعال التي تُسمّى بطولية، فهي تتشابه في بنيتها بين الأديان: إذ تحضر دائمًا ثلاثيّةٌ كلاسيكيّة من الأدلة كانت، منذ توما الأكويني في «الخلاصة اللاهوتية»، في تمام الفاعلية: أوّلًا أنّ الانتحار يُنافي مبدأَ الحياة في ذاته (واجبَ حفظ النفس)، وثانيًا أنّه يخرق حقَّ الجماعة الإنسانيّة والتزامَ الفرد تجاهها، وثالثًا أنّه اعتداءٌ على الإلهيّ الذي وحدَه يحقّ له أن يمنح الحياة أو ينزعها. وهكذا تقف الحتميّةُ في مواجهة حرّية الإرادة كما يتصوّرها الرِّواق. وعلى الصعيد العالمي، يَرِدُ الاعتراضُ الحتميّ على «الموت اختيارًا» على نحوٍ قريبٍ ممّا يرد عند المنتحر كيريلوف في رواية دوستويفسكي (١٨٢١–١٨٨١) «الشياطين» المنشورة سنة ١٨٧١:

إن كان الرّب موجودًا، فكلّ إرادةٍ هي إرادتُه، ولا أستطيع أن أفعل شيئًا خارج إرادته؛ وإن لم يكن موجودًا، فكلّ إرادةٍ هي إرادتي، وأنا مُلزَمٌ أن أُثبت إرادةً مستقلّة متفرّدة.

إنّ تقرير المصير، لدى العدد المتزايد عالميًّا من المؤمنين على اختلاف أديانهم، ينتهي عند إرادة الرب؛ غير أنّ التعرّف إلى هذه الإرادة أصلًا مشكلةٌ منطقيّة. أمّا رِواقُ سينيكا فلا يرى مثل هذه العقد النفسيّة الباطنيّة: فإرادةُ المرء أن يضع حدًّا لحياته لعدمِ وجود بدائلَ أفضل لا تحتاج إلى مزيدٍ من التثبّت الميتافيزيقي ولا إلى تبريرٍ فوق-إنساني. ليست المسألة، عند سينيكا، هي السؤالُ الأونتو-لاهوتيّ عند دوستويفسكي: هل «كلّ إرادةٍ هي إرادتي» أم لا؛ بل السؤال: هل هذه الإرادة - إرادةُ الانتحار الآن - هي إرادتي أنا، وهل تحفظ لي كرامتي؟ غير أنّ السؤال يبقى: هل يمكن نقل الرِّواق في تركيبه العميق وراديكاليّته المتعدّدة الأوجه إلى المتديّنين بلا تناقض؟

وأمّا «تقعيدُ» خطابات التحرّر السابقة على هيئة دوغمائيّة - خفيةً كانت أو صريحة - فإنّ «الارتدادَ إلى الخلف» الذي صنعه وجوديّو كامو في تاريخ الأفكار الأوروبي، عبر «تأخْلقته» الضمنيّة لأسئلةٍ دنيويّة، قد أعاد الجدلَ حول «الموت اختيارًا» إلى أنماط تفكيرٍ ما قبلَ التنوير. إنّ منظور كامو، الذي يرى «الموت اختيارًا» حدًّا إشكاليًّا لكرامة الإنسان وحرّيته الإرادية في استعمال الذات لذاتها، قد يكون من أفكار الوجوديّة المركزيّة؛ لكنه ليس إلحادًا خالصًا. ذلك أنّ تبرير «الموت اختيارًا» لا يمكن، نسقيًّا، أن يتمّ إلا أمام جهتين: أمامَ البشرِ الباقين (ذوي المنتحر وخلفائه)، أو أمامَ كيانٍ غير إنساني. لقد رفض الوجوديّ جان-بول سارتر (١٩٠٥–١٩٨٠) في عمله التأسيسي «الوجود والعدم» (١٩٤٣) أيّ تصوّرٍ لاهوتيّ للرب، بينما يظلّ كامو - المفكّر الأخلاقي - في موضوع العبث يطرح أسئلةً تفتح أفقَ معنىً ميتافيزيقيًّا محتملًا، وإن لم تُثبته. ومن ثمّ فإنّ تشديد كامو على إشكاليّة «الموت اختيارًا» لا يقوم على أساسٍ إذا انطلقتَ من وجوديّةٍ صِرفة: فحيث لا إله، تكون أفعال الإنسان في إمكانها وتحقّقها هي الواقعَ الأخير الذي لا يحتاج إلى تبريرٍ وراءه. ولا يبقى، حتى من منظور وجوديّ، إلا سؤالُ «الخلفاء» بوصفه سؤالًا جائزًا للنقاش، لكنه ليس سؤالًا فلسفيًّا بالمعنى الدقيق، بل سؤالٌ نفس-اجتماعيّ يتعلّق بإدارة الحزن والخسارة.

إنّ الدلالةَ الفلسفية لـ«الموت اختيارًا» لا تُتصوَّر منطقيًّا إلا من توتّرِ التبرير بين الإنسان وبين كيانٍ غير إنسانيّ له حقُّ طلب الشرعيّة - ولو أنّ صحّةَ هذا التقرير المنطقي قد تكون مُحرجةً لبعض أتباع الوجوديّة المتأخّرين:

إنّ السؤال عن أحقّيّة الإنسان في أن يُسرِّح نفسه من الحياة، هو - كما قيل - في جوهره سؤالٌ عن حدود ما يجوز للإنسان أن يستخدم فيه قواه، أو عمّا يمكن أن يضع حدودًا لتفتّحه، وقد كانت هذه القوّةُ المحدِّدة تُعرّف قديمًا، على نحوٍ تقليديّ، تعريفًا خارج-إنسانيًّا أو فوق-إنسانيًّا.

لقد أراد الوجوديّون هذا الخطابَ أصلًا بوصفه خطابَ تحرّر؛ غير أنّ الوجوديّة - على الأقل عند كامو - تتكشّف حجاجيًّا بوصفها استعادةً مدرسيةً للتوتّر بين الإله والإنسان، وهو التوتّرُ الذي يرى هانس بلومنبرغ في «شرعيّة العصر الحديث» أنّ تجاوزه هو ما يمنح الحداثةَ مشروعيتَها أصلًا. وإنّ طرائقَ عصرنا في مساءلة «الموت اختيارًا» بمطالبٍ أخلاقيّة مُحاكِمة تبدو - على نحوٍ مماثل - سابقةً على الحداثة، من غير أن تعي تناقضها الذاتي. وعلى الضدّ من ذلك، تتّخذ الرِّواقُ موقفًا آخر: فبلوغ الحكمة عبر ضبط النفس، لا الانتحار، هو عند سينيكا السؤالُ المركزيّ في الأخلاق؛ أمّا الانتحار فليس إلا نتيجةً عمليّة بين نتائج كثيرة، عندما تُحاصر سكينةُ الروح على نحوٍ يغدو فيه الحبلُ والسمّ مخرجًا أرجح. فهل يمكن لرباطة الجأش الرواقية لدى سينيكا أن تجد مكانًا في المناخِ الهستيريّ المُستنفَر غالبًا الذي تصنعه اليومُ ثقافاتُ الجدل الدوغمائيّ؟

أمّا عبادةُ الشخصيّات الجماهيريّة والمتعدّدة الوسائط في زمننا فهي ظاهرةٌ جديدة تاريخيًّا؛ إذ تتيح لأول مرة بناءَ أصنامٍ عالميّة. وهنا يلوح اتجاهٌ نحو اتخاذ «الموت اختيارًا» سببًا للتقديس لا رغمًا عنه بل بسببه - وخاصةً في ثقافة الشباب وعالم النجوميّة الكونيّة. جانيس جوبلين، وجيمي هندريكس، وجيمي موريسون، وكورت كوبين، وإيمي واينهاوس - أعضاء ما يُسمّى «نادي الثمانية والعشرين» - أمثلةٌ على موتٍ مبكّرٍ سبّبه صاحبه، يمكن أن يقود إلى تحويل الشخص إلى أيقونة. إنّ «الموت اختيارًا» في سنٍّ شابّة - بوصفه نتيجةً غير مقصودة لتعاطي المواد أو بوصفه فعلَ يأسٍ مقصودًا - تسمّيه بعضُ المدارس النفسيّة «انتحارَ الحصيلة/الموازنة» (Bilanzselbstmord). وهنا تقترب النفسانيّة الحديثة من حُجّة كيركغارد في «المرض طريق الموات»، حيث كان حكمه قاطعًا: من لا يقدر أن يكون قيصرًا يفضّل ألا يكون شيئًا. إنّ افتراض كيركغارد بأنّ الدونيّةَ النفسية-الشخصية هي دافع «الموت اختيارًا» - لا «تفوقٌ روحيّ-نفسيّ» ممكن كما عند سينيكا - ظاهرٌ هنا.

ويُقال اليوم كذلك: إنّ من يُنهي حياته لأنه لا يستطيع أن يفي بتوقّعاته أو بتوقّعات الآخرين، وكان إلى ذلك شابًّا مشهورًا، يُطلق أثرين ديناميّين: جدلًا معياريًّا عموميًّا وتعاطفًا اجتماعيًّا. أمّا الجدلُ المعياريّ العموميّ فيتبع تقليد التنوير في جعل الخاصّ شأنًا سياسيًّا، وينشأ هنا من إسقاطات الجمهور وإمكانات نقد المجتمع التي يستفزّها موتُ شابٍّ يجعل منه، بفعل موته، «وكيلَ استفزاز» (agent provocateur) للنقاش. وأمّا التعاطفُ الاجتماعيّ فينبع من «تأبيد» الجمال والشباب على نحوٍ مصطنع، لأنّ المحتفى به بعد موته يُنتزع، كما لو كان، من أحكام الأجيال الآتية.

غير أنّ ضبطَ النفس الرُّواقي - الذي قد ينتهي في أقصى الحالات إلى تمكين الذات من ذاتها عند القبض على سلاح الموت - يتحوّل في عبادة النجوم إلى كِتشٍ فادح: يُرَوَّج له عبر نقدٍ سطحيّ للسير، يُزاحمه - ثم ينساه - نقدٌ اجتماعيّ سطحيّ بالقدر نفسه. إنّ موقف سينيكا الرُّواقيّ الإرادويّ من «الموت اختيارًا» لا يجد في الحاضر إلا صدى ضعيفًا، في ليلِ إعادة اللّاهوتة السابقة على التنوير، وفي دوغمائيّة ثقافات الجدل في المجتمع والفلسفة، التي تريد أن تُعيد الإنسان إلى الوصاية من جديد؛ وفي الوقت نفسه، تبرق فوقها عواصفُ الفلاشات لطقوس الإعلام الجماهيريّ التي لا تطرح الأسئلةَ الجوهرية أصلًا. فمن يُنهي حياته اليوم قد ينال شهرةً عابرة، غير أنّ قراره لا يُرى بوصفه تعبيرًا إراديًّا عن ضبط النفس، ولا بوصفه فعلَ سيادةٍ على الذات في وجه حياةٍ بلا كرامة؛ بل يُختزل إلى كونه فعلًا لا عقلانيًّا من اليأس العاطفي أو «فعلَ حصيلة» حسابيًّا. وبذلك يُغلَقُ فضاءُ التأمّل الفلسفيّ العميق، ويُشَكَّكُ، على نحوٍ إسقاطيّ، في الاستقلال الذاتي بقوّة العقل، ثم يُعاد دفعُ موضوع «الموت اختيارًا» - على نحوٍ مضادّ للتنوير - من السياسيّ إلى الخاصّ.

وهكذا يُنتزعُ من تقرير المصير، مرّةً أخرى، «وضعُه بوصفه المرجعَ الأوّل والأخير»، لصالح خطاباتٍ رجعيّة. وإنّه لَموكولٌ إلينا نحن فلاسفةَ الحاضر أن نعيد فتح هذا الفضاء من جديد، من أجل مناقشةٍ لا دوغمائيّة، حديثةٍ حقًّا ومستنيرة، يمكن فيها أيضًا أن يقف سينيكا - براديكاليّته المتعدّدة الأبعاد -  شاهدًا وكفيلًا بأخلاقِ حكمةٍ عمليّة تُعيننا.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق