نصٌّ يتهجّى ذاته

لم تكن الحركاتُ الفنّيّة والأدبيّة في منتصفِ القرنِ التاسع عشر مجرّدَ اعتراضٍ على الرمزيّةِ الاجتماعيّة التي كرّست قيمَ البورجوازيّة، بل كانت، من جهةٍ أخرى، ثورةً على المنهج الأكاديميّ الرتيب، ذلك المنزعُ التأمّليُّ المفرطُ في التنظير، الذي استبدَّ بالنقّاد حتى غدا سيّدَ مقارباتهم. ففي عام ١٨٥٥ نشر شارل بودلير «قصائد صغيرة بالنثر»، لا ليُدهِش بمبتدعاته، بل ليدحض نظرية الأجناس الأدبية، ثم ألحقها بعد أعوام بـ«أزهار الشرّ»، متوخّيًا - إلى جانب مقاصد أخرى - زعزعةَ طرائقِ فهم الفنّ والأدب حين يُصاغان في قوالبَ مجرّدة. وفي «رسّام الحياة الحديثة» بسط هذه الهواجس من خلال تأمّلاته في الفنون التشكيلية، مؤكّدًا أنّ كلّ رسّام قديم قد عَرَف حداثته الخاصة، المتجلّيةِ في زيٍّ فريدٍ يكسو الصورة، أو في تصفيفِ الشعر زمنئذ. وهذه الخصوصيات - على رقّتها - لا يجوز الاستهانة بها، ولا يمكن القفزُ فوق «عنصرها العابر، الخاطف»، إذ إنّ إغفالها يفضي إلى «فراغ جمالٍ مجرّدٍ لا تُدرَك ماهيّته». إنّ فنون الأزمنة الماضية لا تُفهَم عبر التعالي المجرّد، لأنّ عناصر الابتكار فيها سوف تُسْتتبَع إذّاك بمقولاتٍ جامدة. فالحداثةُ - وهي العنصر الجديد في كلّ عصر - خُلُقٌ عابرٌ سريعُ الانطفاء، ولا بدّ من إدراكها على هذا النحو. وبهذا الاتساق مع بودلير، سنرى - مع خواتيم القرن التاسع عشر وبدايات العشرين - كثيرًا من الأدباء والفنانين يجتهدون في فضح لعبة العقلانية التصنيفيّة التي توهّمت أنها تُمسك بمقاليد فهم الفنّ.

ولم يكن الفنانون وحدهم من جابهوا هذه النزعات التنظيرية التي طغت على التعبيرات الفنيّة؛ فبعض المفكّرين نهضوا هم أيضًا لمساءلة الميتافيزيقا التي أرادت - بوهمٍ وثقةٍ زائفة - أن تقيم نظريّاتٍ منسجمةً للواقع. وسيشكّك نيتشه في اليقينيات العلمية، محتجًّا بأنّ ما ندعوه عالمًا ليس غير حزمةٍ من أوهامٍ ميتافيزيقية وخيالاتٍ تُنتجها الخطابات التوحيدية التي تصنعها العقلانية. فالتصدّعات التي دبّت في جسد العالم البورجوازيّ الرأسمالي هشّمت هذه الخطابات الكلّيّة التي عجزت عن حمل حلم الوحدة القائمة على العقل ومنطقه، ومن ثمّ على العلم. وهكذا تهاوى مشروع تحرير الإنسان الذي بشّرت به الأنوار، وانبثقت من شقوقه موجةٌ متنامية من تَعلْمُن الحياة وبيروقراطيتها.

وحين بدت الميتافيزيقا سرابًا، والفلسفةُ قاصرةً عن الإحاطة بعالَمٍ يغرق في تناقضاته، ولمّا تبيّن - حتى للمقاربات النقدية الفلسفية كطرح هوركهايمر وأدورنو - أنها غير كافية، برزت بعضُ التعابير الفنّيّة والأدبيّة، بما فيها من استراتيجيات زلزالية تهدّ أركان اليقين، كبديلٍ لا لبناء صورٍ جديدة للعالَم - إذ تلك صورٌ أخرى من الوهم - بل لخلخلة الصور السائدة وتفكيكها. ومع قلّة حيلة اللغة الفلسفية في بلوغ عَلِيّاتِ التناقضات التي كانت تعصف بالعالم، مال أدورنو إلى الفنّ؛ لأنّ الفنّ قادرٌ على أن يُظهِر العالم ويُجسّده، إذ إنّ ماهيّته الأولى مفارِقةٌ تنطوي على التوتّر. فالأعمال الفنّية الأصيلة - كما كتب - هي التي تدفع بالتناقض بين المصنوع والمُتَمثِّل إلى أقصاه، وهي التي تخلو من القصدية المباشرة، وتكشف للعالَم خلوَّه من المعنى.

وليس من الهيّن أن نلخّص، في سطور معدودات، المشهدَ المتشابك لفنّ القرن العشرين. وحسبنا أن نقول إنّ تيارات الطليعة وما بعد الطليعة، وكذلك بعض الاتجاهات الموصوفة بما بعد الحداثة، قد نقضت نظريات الأجناس الأدبية وقوّضت مفاهيم الشخصيّة والراوي، بل وحتى مفهوم الأدب نفسه وسائر الفنون. وهذه السمة - التي نبّه إليها أدورنو - ستستمر بأشكالٍ شتى وأوضاعٍ مختلفة. فمنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر أخذ الفنّ يصدّع «السرديات الكبرى» المكرّسة مؤسسيًّا. وكان أدورنو يرى أن فنون ما بعد الطليعة فقدت قوّتها التحريرية بعد أن خضعت لمنطق الصناعة الثقافية. وعلى الرغم من وجاهة هذا الرأي، نضيف أنّ العالم - بعد الحرب الثانية ومع تطوّر تقنيات الاتصال - ازداد تعقيدًا، وكذلك عمليات الخلق والإنتاج والتداول الفني، مما يجعل التمييز بين ما هو نقديّ وما ليس كذلك أمرًا عسيرًا، ولا بُدَّ - من ثمّ - من دراسات دقيقة للسياقات والظروف لبلوغ بيّنة أوضح.

ومنذ عقود، نهض إلى جانب الفنانين والكتّاب نقّادٌ وباحثون من آفاق شتّى - مثل ميشيل فوكو وجاك دريدا وجوليا كريستيفا - ليمتحنوا البُنى النظرية واليقينات المفهوميّة والخطابات التي أسّست «المؤسسة» الفنية والأدبية. وبعد مرحلته البنيوية، لم يكتف رولان بارت بأن يشترك في هذا المسعى، بل صار واحدًا من أبرز مفكّري التيار ما بعد البنيوي الذي اشتغل على تفكيك الخطابات التي قامت عليها الدولة الحديثة. ففي «النقد والحقيقة» (١٩٦٦)، يعترض بارت على نمط الممارسة النقدية الغارق في النزعة العلمية والمؤسسية، ويقترح نقدًا يقوم على كتابة نصٍّ ثانٍ يتولّد من النص الأول الأدبي ذاته. ثم سيعلن في «موت المؤلف» (١٩٦٨) أنه متى صار الحدثُ موضوعًا للسرد، «ولا وظيفة له إلا مباشرة الرمز، تقع القطيعة، وتفقدُ الصوتُ أصلها، ويدخل المؤلفُ في موته». وليس هنا متّسعٌ لعرض ما كتبه بارت في تفكيك مفاهيم الأدب، بل فكرة الأدب ذاتها، ونكتفي بالنصّ الذي يشكّل مدار هذه المقالة: «رولان بارت بقلم رولان بارت». وهذا الكتاب، الصادر سنة ١٩٧٥، يستعصي على التصنيف، لأنه ينسف الحدود الأجناسية: فلا هو سيرة ذاتية، ولا مذكّرات، ولا يوميّات، ولا مقال. بل إنّ محاولة ضبطه بمفهوم «التخييل الذاتي» - الذي نحَته الكاتب الفرنسي سيرج دوبروفسكي عند صدور روايته «ابن» (١٩٧٧) لتمييزها من السيرة - لا تكاد تستقيم، إذ يتشوّش المصطلح نفسه، مما يؤكّد أنّ بارت دفع بالتمييزات - قديمةً كانت أم جديدة - إلى أقصى مدًى.

وقد يُخيَّل لِمَن يقرأ عنوان الكتاب قراءةً عَجْلى: «رولان بارت بقلم رولان بارت» أن المؤلّف يكتب عن ذاته: فاسم الكتاب «رولان بارت» واسم المؤلف «رولان بارت». لكنّ التمعّن يفضي إلى غير هذا، إذ يظهر أنّ بارت انتقى هذا العنوان بحِنكةٍ لينطوي - إلى جانب الإشارة إلى الذات - على مقصده الفكريّ الأشمل: تفريقُ الدلالة وتفتيتُها. ففي العنوان لعبة لغويّة دقيقة تُولّد حالةً من «اللاتعيين» بتعبير دريدا. فحرف «par» في الفرنسية - الذي نترجمه بـ«بـِ» أو «على يد» - يمكن أن يُفهَم بوصفه علامةً على مبنيٍّ للمجهول حُذِف فعله: أي أنّ كتاب «رولان بارت» كُتب «على يد رولان بارت». بيد أنّ هناك تأويلاً آخر يجعل هذا الحرف مِفصلًا يصل بين «رولان بارت» و«رولان بارت» آخر، وهو تأويل أقرب إلى روح الكتاب. وهكذا نواجه تركيبًا يعمل عنوانًا واسمَ مؤلفٍ في آنٍ واحد.

ويمتدّ هذا الالتباس في العنوان ليشمل البناءَ كلّه: أسئلةً عن التصنيف الأجناسيّ، وعن الموضوع، وعن البنية، وعن الصوت والسارد والزمن والمكان والهوية. ونحن هنا نمعن النظر في الجوانب التي جعلت هذا الكتاب كيانًا مُلتبسًا من جهة الجنس الأدبي.

للبحث في مسألة السيرة الذاتية، نستند إلى أحد أبرز دارسي هذا الحقل في القرن العشرين، الباحث الفرنسي فيليب لوجون. وما جعل تفكيره مهمًّا، ليس مساهماته الأولى فحسب، بل أيضًا مراجعاته المتواصلة التي كشفت صعوبة ضبط السيرة الذاتية تصنيفًا، خصوصًا في القرن العشرين. وكما لاحظ بول جون إيكن ولوجون نفسه، فإنّ تعديلات الرجل على نظرياته كانت، أحيانًا، متعارضة. وبعض الأسئلة التي دفعته إلى مراجعاته أثارها - تحديدًا - كتاب رولان بارت هذا.

في «السيرة الذاتية في فرنسا» (١٩٧١)، يرى لوجون أنّ السيرة الذاتية ظاهرةٌ غربيّة، وأنّ بدايتها الحقيقية تعود إلى ١٧٨٢، مع صدور الكتب الستة الأولى من «اعترافات» روسو. ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر وُلد في فرنسا - وفي أوروبا عمومًا - نمطٌ كتابيّ جديد غيّر جوهر التواصل الأدبي. ورغم إمكانية رصد كتاباتٍ ذاتيّةٍ في العصور القديمة الإغريقية والرومانية، يؤكّد لوجون أنّ القرن الثامن عشر شهد ظهور: تاريخٍ حقيقي للشخصيّة، وشعورٍ بالفرادة، وتمييزٍ بين السيرة الذاتية والبيوغرافيا بوصفهما مفهومين حديثين. وقد عرّف السيرة الذاتية بأنها: «سردٌ استعاديّ، نثريّ، يكتبه المرء عن وجوده الخاصّ، واضعًا التركيز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيّته».

وبعد ملاحظاتٍ على هذا التعريف، أصدر لوجون في ١٩٧٣ كتابه الأهم «الميثاق السيرذاتي»، معدّلًا ومضيفًا أبعادًا براغماتية جديدة. فصار التعريف: «سردًا نثريًّا استعاديًّا يكتبه شخصٌ حقيقيّ عن وجوده، مركّزًا على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته». ويشرح أنّه وضع تعريفه من موقع القارئ الذي يحاول التمييز بين النصوص التي تشترك في أنّها «تحكي حياة أحدهم». ويقرّ بأنّ تعريفه محدود بقرنين (من ١٧٧٠) وبالأدب الأوروبيّ وحده. ويخلص إلى أنّ السيرة الذاتية تتطلّب تطابقًا بين المؤلف والراوي والشخصية، مع تصريح المؤلف بأنّ ما يرويه وقائعُ من حياته. وفي «أنا آخر» (١٩٨٠)، سيُدخل لوجون حالات السيرة بضمير الغائب والمؤلف المُتعدّد، التي أهملها سنة ١٩٧٣.

ثم أصدر سنة ١٩٨٢ «الميثاق السيرذاتي (الملحق)»، وفيه يُراجع معظم مبادئه السابقة: التعريف، والمصطلحات، وفكرة «الميثاق»، بل ومفهوم الهوية ذاته - وهو ما يعنينا هنا. فقد كان لوجون قد وضع في «الميثاق السيرذاتي» مصفوفة تُظهر علاقة الميثاق بالأسماء (اسم المؤلف، الراوي، الشخصية)، وترك خانتين فارغتين، إحداهما تلك التي سيملؤها سيرج دوبروفسكي. لقد استبعد لوجون - ضمنًا - أن يتوقّع القارئ في روايةٍ ما تطابقًا بين المؤلف والراوي والشخصية. لكنّ دوبروفسكي، بنشر روايته «ابن» (١٩٧٧) وصكّه مصطلح «التخييل الذاتي»، فتح هذا الاحتمال: أن تقوم روايةٌ تُوافِق فيها الأسماءُ اسمَ المؤلف، لكن من دون إحالةٍ إلى واقعٍ مرجعيّ.

وقد لاحظ لوجون أنّ اقتحام دوبروفسكي لهذه الخانة زاد من التباس المشهد النظري، وساقه إلى سؤال: «تحت أيّ ظرفٍ يمكن لاسم المؤلف أن يكون - في نظر القارئ - تخييليًّا أو ملتبسًا؟». ومن هنا نشأ «اللامحدَّد» الذي يُربك الحدود بين الرواية والسيرة.

ولئن بدت «التخييل الذاتي» زلزلةً لنظريات السيرة والرواية معًا، فإنّ رواية دوبروفسكي لم تكن الأولى في هذا الباب، إذ تسبقها أعمال هزّت يقينيات لوجون بقوّة، مثل «عمر الإنسان» لميشيل ليريس (١٩٣٩)، و«رولان بارت بقلم رولان بارت» (١٩٧٥). وقد رأى لوجون في كتاب ليريس انقلابًا على البنية الزمنية التقليدية للسيرة، إذ جعل البنية الدلالية أمًّا للزمنية. ويقول إنّ ليريس حقّق «الحلم الخفي لكلّ سيرة ذاتية»: أن يعكس ميزان الزمن والمعنى. أمّا في كتاب بارت، فقد وجد لوجون قطيعةً حادّة مع السيرة الذاتية، لأنّ الكتاب يُفكّك - على امتداده - الأسس النظرية للسيرة نفسها. وفي خاتمة «الميثاق السيرذاتي (الملحق)» يعترف بقوله: «ولا ريب أنّ النقد الذاتي - كالسيرة الذاتية - مشروعٌ مستحيل…».

كُتِبَ «رولان بارت بقلم رولان بارت» بين السادس من غشت سنة ١٩٧٣ والثالث من شتنبر سنة ١٩٧٤، وهو مؤلَّف يجمع بين الصُّوَر والنصّ المكتوب. في الربع الأوّل من الكتاب تظهر خمسٌ وثلاثون صورة: بعضها لأمِّ بارت وجدَّيه، وبعضها له طفلًا، ثم شابًّا، فطالبًا، فمدرِّسًا. وفيه كذلك صورٌ لأماكنَ أقام بها أو جال خلالها، مرفقةً بتعليقات موجزة. وتلوح صورةٌ لتوقيعه وأخرى لبطاقة المستشفى. أمّا الأرباع الثلاثة الباقية، فهي مقسّمة - على نحوٍ يغلب عليه الترتيب الأبجدي، لا التزامًا مطلقًا - إلى مئتين وخمسة وعشرين مقطعًا، تتبدّى فيها تأمّلاتٌ مكتوبة على هيئة شذراتٍ وأقوالٍ مقتضبة، عن الكتابة، والسيرة الذاتية، والذات والكاتب، وسواها من المسائل، وفي بعض الفقرات تُذكر خبراتٌ شخصية بإيجاز. وتظهر في هذه الأقسام أيضًا صور قليلة.

غير أنّ هذا التقسيم، وإن كان ممكنًا على المستوى المادّي، فإنّ الاقتصار عليه يحجب عنّا كيفية اشتغال الصور في علاقتها بالنصّ؛ إذ إنّ القسم الذي يغلب عليه حضور الصور متشابكٌ مع القسم الذي يغلب فيه القول. وهذه العلاقة بين الجزأين تفضي إلى تفكُّك الدلالة وتشتُّتها، بحيث يستحيل الوصول إلى تركيبٍ يؤلِّف «قصة حياة» قائمة على تتابُعٍ سببيٍّ للأحداث. هذا اللعب ينتج منطقةً مُلتبِسة: نصٌّ هو - في آنٍ واحد - سيرةٌ ذاتية وتفكيكٌ لهذه السيرة. فالصُّوَر ليست رسومًا توضيحية، بل شظايا مغروسةٌ في حاملٍ آخر هو الكلام، تُحدثُ طيّاتٍ في المعنى داخل «قصة الحياة» التي تُروى على نحوٍ مُقتضبٍ ومفاجئ. أي إنّ التفكُّك لا يصدر من تنظيم النصّ اللفظي وحده، بل من انغراز تلك الصور - ومن النصوص الصغيرة المدرجة تحتها - بما تثيره من انشقاقاتٍ متتالية في الدلالة وانحرافاتٍ في المعنى.

في مقدّمةٍ موجزةٍ كُتبت بعد الفراغ من الكتاب، يشرح بارت سبب إدراج الصور وعلاقتها بالكتابة. يقول في مطلعها: «بدءًا، إليكم بعض الصور: هي حِصّة اللذة التي يمنحها المؤلّف لنفسه بعد أن أتمّ كتابه». وهذه الإشارة للقارئ ذات شأن؛ إذ فيها يفسّر بارت إدخال صورٍ من أطوار حياته المختلفة، لا من طفولته وحدها. ووفقًا لما بسطه في «لذّة النص» (١٩٧٣)، فإنّ الكاتب يتيح لنفسه فرصةَ اختبار اللذّة، تلك المتعة التي تشبه «التذوّق الخياليّ لـ'الواقع'»، في مقابل «النّشوة» (jouissance) الذي هو «لذّةٌ مُجزَّأة». فصور الطفولة توقظ الهَناء، وصور الكهولة تنتمي إلى حيّز اللذّة. ولنبدأ بالأُولى.

يبدو أن إدراج صور الطفولة يجد تفسيره - على نحوٍ ما - في نظرية «مرحلة المرآة» عند لاكان. ولا سبيل للجزم بأنّ بارت استند كلّيًّا إلى هذه النظرية، ولا إلى نفي العلاقة عنها؛ فقد نبّه المعلِّق البارز على أعماله، ستيفن أونغار، إلى أنّه وإنْ كان بارت يصرّح بأنّه لم يستخدم نظرية لاكان إلا في «شذراتٍ من خطاب في العشق» (١٩٧٧)، فإنَّ ملامحها بادية في «س/ز» (١٩٧٠)، بل في مقالات أواخر الستينيات. وكما نعلم، يرى لاكان أنّ الطفل ينظر في المرآة فيتعرف صورته في الآخر، فينشأ عنه ابتهاجٌ داخليّ. ويصرّح بارت في هذه الملاحظة بأنّ ما يسحره ويوقظ فيه الهَناء إنما هي صور طفولته وحدها:

إنها لذةُ افتتانٍ (ولذلك فهي أنانيّةٌ بعض الشيء) […]. والحقّ أنّ عليَّ الاعتراف بأنّ صور طفولتي وحدَها هي ما يسحرني». «وحين تصنع التأمُّلُ (أو الذهول) من الصورة كيانًا منفصلًا، شيئًا يُستمتع به فورًا، فإنها تكفّ عن أن تكون تأمُّلًا - ولو حالِمًا - في الهوية.

فخيالُ الصورة الطفولية يضع الكاتب في صلةٍ مع «ذلك الشيء»، الآخر في جسده، الذي لا يملكه، ولا يملكه غيره:

إذ يشملُ التّخيل كلَّ الحقل العائلي، يعمل عملَ وسيطٍ يقرِّبني من 'ذلك' في جسدي؛ ويثير فيَّ نوعًا من حلمٍ بليد، عناصره: أسنان، شعر، أنف، نحول، ساقان في جوارب طويلة… لا يخصّني، ولا تخصّ أحدًا غيري: فأجدني في حالةٍ من الألفة المقلقة: أرى صَدْع الذات (وهو ما لا يمكن قول شيءٍ عنه). ومن ثمّ، فصورة الطفولة فاضحةٌ جدًّا (لأنها تكشف جسدي من قفاه)، وكثيرةُ التحفّظ في الوقت نفسه (إذ لا تتحدث عن 'نفسي').

لذلك لا نجد هنا إلا تمثّلاتٍ ممتزجةً بـ«الرواية العائلية»، تمثّل «ما قبل تاريخ الجسد»، جسدٍ يشقّ طريقه إلى العمل وإلى لذة الكتابة. وهذا هو المعنى النظري لهذا القصر: إذ يعلن أنّ زمن الحكاية (زمن الخيال التصويري) ينتهي بطفولة الذات: «لا سيرة إلا للحياة غير المنتجة. فإذا أنتجتُ، وإذا كتبتُ، جرّدني النصّ نفسه (لحسن الحظ) من مدّتي السردية». فذلك الطور الأوّل من الحياة - الطفولة - لا يمكن عرضه كتابةً كما وقع، ولذا يلجأ بارت إلى الصور؛ أمّا الحياة المنتجة، كما يسمّيها، فلا يمكن عرضها إلا كتابةً.

لكن إدراج صور الشباب والكهولة، وصور الأمكنة والوثائق، لا يفسّر بـ«مرحلة المرآة»، وهو ما يُبيّن أن بارت لم يَخْضع كلّيًّا لهذه النظرية. ويبدو أنّه كان - في هذا الكتاب - يبشِّر ببعض ما سيُفصّله لاحقًا في «الغرفة المضيئة» (١٩٨٠)، من أنّ ما يكمن خلف الصورة هو الموت؛ فالصورة تُمحِي المرجع، وتقتل المصوَّر. إنها لا تُظهر ما «لم يعد»، بل ما «كان»: «أمام الصورة، لا تسلك الوعيُ دائمًا سبيل الحنين إلى الذكرى، بل - في كل صورةٍ قائمة - سبيل اليقين: فجوهر الصورة هو تثبيت ما تُثبتُه».

ومِن وراء غلاف «رولان بارت بقلم رولان بارت» صورةٌ أخرى: أشبه بالسلبيّة، كُتب عليها: «ينبغي النظر إلى كل شيء هنا كما لو كان صادرًا عن شخصيةٍ روائية». إنها صورةٌ نصّية - ونصٌّ صُوَري - تعمل في الحاملين معًا، اللفظيّ والبصريّ. وإذا صحّ ذلك، فإنّ مجموعة الصور كلّها صادرة عن «شخصية تخييلية». ويذكر بارت أنّ عتبة الحياة المنتجة - أي عتبة الكتابة وطورها الرمزي - تبدأ بخروجه من المصحّة، وله نحو عشرين عامًا:

سيتوقّف الخيالُ المصنوع من الصور عند عتبة الحياة المنتجة (وكانت - بالنسبة إليَّ - الخروج من المصحّة)، وحينها يظهر خيالٌ آخر: هو خيال الكتابة. ولكي ينطلق هذا الخيال (وذلك قصد الكتاب) من غير أن يُحتجز أو يُبرَّر بصورة فردٍ مدنيّ، ولكي يكون حرًّا تجاه علاماته غير التصويرية، سيمضي النصّ بلا صور، إلا صورة اليد التي تخطّه.

في هذا الخيال الجديد - خيال الكتابة - يفكّك بارت جميع مسلّمات السيرة التقليدية: لا سردٌ زمني، ولا بدءٌ بالطفولة، ولا تعاقب أحداث؛ بل شذراتٌ تفصلها كلمة أو تركيب، على هيئة مدخلٍ معجمي. وهذه الكتابة المقطّعة كتابةُ من ينشد الهَناء، لا اللذّة، من خلال تصديع اللغة وتشويه سطوحها. وفي هذا التقطيع لا مكان لذاتٍ تُشيّدها اللغة، بل لموت هذه الذات. فاللغة وصور الراشد كلاهما مواضعُ يموت فيها «الفاعل». وفي المقطع الأول، ينبّه بارت إلى أنّ النصّ يكتب في نمطين: «فعلٌ/انفعال»:

فيما يكتبه نصّان: نصٌّ أوّلُ انفعاليّ، تُحرّكه سُخْطات وخوفٌ وردودٌ داخلية وشُبهُ هواجس ودفاعاتٌ ومشاهد صغيرة. ونصٌّ ثانٍ فعليّ، يُحرّكه اللذّة. لكن هذا النصّ الأول، ما إن يُكتَب ويُصحَّح، ويخضع لفِرْية الأسلوب، حتى يغدو فعليًّا هو الآخر؛ فتسقط عنه جلده الانفعالية، فلا تبقى إلا لطخاتٌ صغيرة.

فالكتابة من الذات تولّد نصًّا انفعاليًّا، لكنّه سرعان ما يتحوّل إلى نصٍّ فعلي، لأنه أسلوبٌ فحسب، كتابةٌ فحسب. فلا ذات، ولا مؤلّف، ولا «عمل»؛ إنما نصٌّ وأسلوب. وهكذا يستحيل القول بوجود «كاتب» للسيرة بمعناها التقليدي، لأنّ الموجود هو النصّ وحده. ومنذ هذه اللحظة تتبيّن استحالة السيرة الذاتية بالمعنى المتوارث.

وفي المقطع السابق نفسه تُستعمل صيغة الغائب: «فيما يكتب»، أي «فيما يكتبه هو»، وهذا يصدّع وحدة الصوت الممكن للكاتب، ويولّد غموضًا. وليس الأمر حيلةً بسيطة: ليست سيرة بضمير الغائب وبلُعَب الأسماء RB؛ بل نصّ يقول: «أكتب نصًّا وأسميه RB»: والباقي هو النصّ، وهو RB. فاستعمال ضمير الغائب، والاسم المختصر RB، وأحيانًا المخاطب، لا يراد به «تعدّدٌ» للذات، بل «تشويه» لها. وتأتي صيغة المتكلّم - أحيانًا - متداخلة. والمقطع الآتي بالغ الدلالة؛ إذ لا يكتفي بذكر استعمال الضمائر، بل يصف ما يحدث حين «أكتب عمّا كتبتُ»:

حين أتبرأ من وهم الكتابة على ما كتبتُ آنفًا، يحدث محوٌ لا بحثٌ عن حقيقة. لا أسعى إلى أن أُسخِّر تعبيرًا حاضرًا لحقيقة ماضية (كما كان سيُقدَّس ذلك قديمًا باسم الأصالة). أتنصّل من مطاردة بقايا نفسي القديمة، لا أسعى إلى ترميمي (كما يُرمَّم الأثر). لا أقول: 'سأصف نفسي'، بل: 'أكتب نصًّا وأسميه RB'. أستغني عن المحاكاة (الوصف)، وأتّكل على التسمية. أأجهل أنّه - في حيّز الذات - لا مرجع؟ فالحدث - سواء أكان حياتيًّا أم نصيًّا - يُمحى في الدالّ، إذ يتماهى معه مباشرةً […] أنا رمزيٌّ لنفسي، أنا القصّة التي تحدث لي: أدور حرًّا في اللغة، فلا شيء أقيس نفسي به؛ وفي هذه الحركة يغدو ضمير المخيّلة - 'أنا' - غير ذي معنى...

فالكتابة على المكتوب ليست سوى دورانٍ للعلامات؛ وما يُقال لا يعود إلى «قائل»، ولا وجودَ لذاتٍ خارج اللغة، ولا لفاعلٍ يمكن أن يكون «المؤلّف».

هذا الكتاب، الذي اتّخذ فيه بارت من السيرة الذاتية مادّةً سابقة على الكتابة، هو في آنٍ معًا عرضٌ لذاتيته، وتفكيكٌ لليقينيّات المفهومية التي كانت تسند هذا الجنس الأدبي حتى ذلك الحين. فمن الناحية الشكلية، ومن جهة فعل القراءة، لا يستجيب هذا النصّ لما بسطه فيليب لوجون من تأملات مُحكمة؛ ولهذا رأى المؤلف نفسه في «رولان بارت بقلم رولان بارت» المثالَ الأقصى لـ«نقض الميثاق». فإذا كان هذا النصّ ينسف اليقينيّات المفهومية للسيرة الذاتية، فهل يمكن عَدُّهُ تخييلًا ذاتيًّا؟ بالرغم من كثرة ما كُتِب حول مفهوم «الاستِفْجَان» (autofiction)، فإنّنا سنكتفي هنا لبسط التأمّل بالمعنى الأوليّ للمصطلح، ذاك الأقرب إلى الوصف منه إلى تأسيس جنسٍ نظريّ جديد. ففي الغلاف الخلفي لروايته «ابن» الصادرة سنة ١٩٧٧ كتب سيرج دوبروفسكي: «سيرةٌ ذاتية؟ كلا، فذلك امتياز محفوظ لكبار هذا العالم، حين يهبطون في خريف العمر، ويكتبون بأسلوبٍ جميل. أمّا هنا فهي فِعْلُ تخييلٍ لأحداثٍ ووقائع حقيقية تمامًا؛ أو إن شئت، فهي استِفْجان، ما دمتُ قد ائتمنتُ لغةَ المغامرة على مغامرة اللغة».

وبعبارة أخرى: الناس العاديّون، مَن لم يبلغوا «سنّ النضج»، لا يملكون حقّ كتابة سيرتهم الذاتية. فكيف نُعرِّف إذن نصًّا كهذا؟ جواب دوبروفسكي: الاستفجان، وهو مصطلح يستخدمه آنذاك استعمالًا اسميًّا أكثر منه نظريًّا. وبحسب هذا المنظور، ليس «رولان بارت بقلم رولان بارت» - بيّنًا - قصة رجل بلغ من العمر ما يتيح له كتابة حياته؛ ومن ثَمّ يمكن القول، مبدئيًا، إن الكتاب أقرب إلى الاستفجان منه إلى السيرة. ويجوز أيضًا القول بأن الكتاب ينسجم مع الفكرة الحاضرة في نص الغلاف نفسه: «استفجان، إن شئت، لأنها ائتمنت لغةَ المغامرة على مغامرة اللغة». أي إنّ الكتابة هنا تخلّت عن «الخطاب المنطقي-الزمني» لصالح تيهٍ شعري، ولفظٍ مرسلٍ بلا مقصد ثابت، حيث تغدو الكلماتُ أسبقَ في المقام من الأشياء.

ووفق هذا التصوّر ينضمّ دوبروفسكي إلى القائلين بأن كتابة الأنا ليست إلا تشكيلًا لقناعٍ من الذات، أمّا ما تبقى ففراغٌ وغياب؛ وبهذا تفارق السيرةَ الذاتية، وتفسح المجالَ لاستكشاف الطاقة التعبيرية للّغة، مستخدمةً مادّةً من حياة الكاتب نفسه. ولم يقِف الكاتب عند هذا الحدّ، بل زاد روايته تعقيدًا آخر؛ ففي مقاله «سيرة ذاتية/حقيقة/تحليل نفسي» (١٩٨٠)، يصرّح بأن بنية «ابن» تماثل خبرة التحليل النفسي؛ غير أنّها - خلافًا لتلك المقاربات التي تقوم على «إعادة البناء» بعد العلاج - ليست إلا الجلسة نفسها.

من جهة أولى إذن، يمكن القول إنّ «رولان بارت بقلم رولان بارت» أقربُ كثيرًا إلى الاستفجان منه إلى السيرة الذاتية: فهناك تطابقٌ اسميٌّ بين المؤلف والراوي والشخصية - ممثّلًا بالأحرف RB - وهناك تخييلٌ لوقائع واقعية صرف، وهناك، أيضًا، ذلك الشرط الذي ذكره دوبروفسكي: «ائتمان لغة المغامرة على مغامرة اللغة». بل يمكن إضافة أنّ العبارة الشهيرة التي تلي صفحة الغلاف مباشرة: «يجب النظر إلى كل هذا كما لو أنه صادرٌ عن شخصية روائية»، تؤكّد الطبيعة الاستفجانية للعمل. ثمّ إن هذا الكتاب لا يدّعي الانتماء إلى «خطاب الإخلاص» الذي صبغ السيرة الذاتية منذ روسّو في اعترافاته، وهو ما يقربه أكثر من الاستفجان وفق دارييوسّيك. وقد لاحظ بعضهم أيضًا أنّ الكتاب، شأن «ابن»، يستدعي النظرية التحليلية، لا سيما «مرحلة المرآة» عند لاكان، بل ويستعير - في ترتيب مقاطعه - مسارًا ينتقل من حقل المتخيَّل إلى حقل الرمزيّ.

ومع ذلك، نرى أنّ من التعسّف وصلَ كتاب بارت مطلقًا بما وصفه دوبروفسكي. ففي «ابن»، يحافظ الكاتب على التطابق الاسمي بين المؤلف والراوي والشخصية، ويورد طرائف من حياته، في صيغة المتكلم: «كما في السيرة الذاتية الدقيقة، فإنّ جميع مجريات الحكاية مأخوذة حرفيًا من حياتي. وقد جرى التحقّق وسواسًا من الأماكن والتواريخ. أمّا الجانب الروائي فيقتصر على منح إطارٍ وظروفٍ ليومٍ زائفٍ يصلح كصندوقٍ للفوضى التي هي الذاكرة». هنا، تُستقى النوادر من الحياة نفسها، ويشيّد الكاتب، عبر «مغامرة اللغة»، تخييلًا منضبطًا هو - في الوقت ذاته - عينُ الواقع. يقول دوبروفسكي: «إن كانت حقيقةُ أيّ ذاتٍ هي التخييل الذي تبنيه بدقة، فإن حقيقة التخييل متخيّلة. بل إنّ المتخيّل، عند الذات، هو عين النظام الواقعي». فالاستفجان هي التخييل الذي يقرّر الكاتب منحه لنفسه: هي تشكّله الذاتي، ونقده الذاتي، وتحليله الذاتي. ولذلك فهي تدفع اللاتعيين والغموض إلى أقصى حدّ، عبر آلية الانتحال.

وقد كتب مانويل ألبيركا، القائل بأن عقد القراءة في الاستفجان عقدٌ ملتبس، ما يلي:

الأنا الاستفجانيّ أنا حقيقي وغير حقيقي، مرفوض ومشتهى، ذات سيرية وذات متخيّلة… لا يتنازل عن شيء، إذ يظلّ مفتوحًا لكل تحوّل شخصيّ أو انتحال تخييلي، يجعله آخرَ من غير أن يكفّ عن كونه نفسه، أي من غير أن يجهل أنه هو/وليس هو.

وبحسب تحليل جينيت في «عتبات» (٢٠٠١)، قد يصحّ القول إنّ «ابن» سيرةٌ ذاتية مستترة تحت صورة «رواية» المدوَّن على الغلاف. غير أنّ ذلك - وإن صحّ - لا ينقص من الأثر الذي يتركه النص في القراء. فهذا الكائن الذي يكشف أدلّة ويطمس أخرى، ويعقّد صورته، يظلّ - في نظر القارئ - المؤلف/الراوي/الشخصية، الذي يقدّم حقيقةً مُتَخَيَّلة، لا صادقًا ولا مرائيًا، وإنما فاعلًا يُعيد تركيب ذاته في مرايا متعدّدة، يتيحها للقارئ ليصنع منها معنى. وفيما يتصل بكتاب «رولان بارت بقلم رولان بارت»، يرى جينيت أنّ العبارة الخطّية على ظهر الغلاف - «كلّ هذا يجب أن يُقرأ بوصفه كلامَ شخصيةٍ روائية» - تحمل طابعًا إنجازيًا يُشبه السلطة أو حتى الاستبداد. ونضيف نحن: إنها قد تُفضي إلى نقيض مقصودها؛ إذ قد تدفع القارئ إلى قراءتها وكأنها ليست تأجيلًا للمعنى، بل تقريرٌ لحياةٍ واقعية، مختلفةٍ تمامًا عن «حقيقة التخييل».

وعليه، فإنّ الاستفجان هي حالة «لا قابلية للحسم» بين السيرة الذاتية والرواية الذاتية؛ لأن التطابق الاسمي بين المؤلف والراوي والشخصية يترك القارئ في شكّ دائم، لا من جهة مقوّمات الجنس الأدبي، ولا من جهة الحقيقة أو الإخلاص، بل في مستوى وجوديّ محض. وكتاب «رولان بارت بقلم رولان بارت» هو أيضًا «لا-قابلٌ-للحسم»، يضع كل محاولة للتصنيف النظري في مأزق. وهو نصّ يفاجئ القارئ بقدرته على تفريق المعنى، بلعبه الدائم على التفكيك، وإسهامه الكبير في الفكر النقدي. ولعلنا هنا نتحدث عن عقود قراءة متعددة.

على الرغم من الأسئلة التي أثارها «رولان بارت بقلم رولان بارت»، يصرّ لوجون على أنّ النصّ يصبح، في النهاية، ما ينفيه: «فهو يبدو نقضًا كاملاً للميثاق، ولعبةً مدهشة من الوعي بأسس الخطاب السيرذاتي - لعبةً بالغةً من الدوَران تُقنع القارئ بأنّه لا يفعل ما يفعله في الواقع». وبحسب لوجون، زعزع هذا الكتاب أغلب المسلّمات النظرية حول السيرة الذاتية، لكنه - في الختام - يؤدي ما ينكره، أي إنه يُوجِدُ نفسه.

ونحن نتفق مع لوجون في أنّ الكتاب يفعل ما ينفيه؛ غير أنّ هذا لا يعني البتّة أنه سيرةٌ ذاتية، لا شكلًا ولا قراءةً. وقد أشرنا منذ البدء إلى أنّ عنوان الكتاب نفسه يلعب لعبة لغوية تخلق «لامفصومًا»: قد يتصوّر القارئ أنّ المؤلف يكتب عن ذاته؛ غير أنّ نظرةً أدقّ تكشف أنّ حرف الجرّ «par» يعمل بوصفه مفصلًا يؤجّل (diffère) المعنى. فيبدو رولان بارت فاعلًا يكتب عن بارت مفعولًا به؛ غير أن التطابق الاسمي التام بين الطرفين يقود إلى احتمالٍ آخر: أن يكون بارت فاعلًا ومفعولًا معًا، كاتبًا ومكتوبًا، وهو ما يفكّك البنية الاقتراحية ذاتها. والكاتب نفسه قال: إنّ «رولان بارت المرجعي» لا وجود له؛ الموجود هو «بارت النصّي». فالكاتب يموت، ولا يبقى إلا النص.

ومهما يكن الأمر، لا يمكن إنكار أنّ «رولان بارت بقلم رولان بارت »يتحدث عن أحدهم: عن مؤلف ما زلنا نذكره اليوم، ويجب ألا ننساه، وعلينا أن نتعلّم منه قدرته على تقشير صلادة اليقين حتى تنزف. فإذا كانت هذه الكتابة هي النصّ الذي هو RB، فإن القراء يعرفون أنّ تلك النصوص هي إرادة ورغبة، فكرٌ وشعور، لا لـ«أنا» بالمعنى الشخصي، بل لكائنٍ ما، لـ«مَن» أراد أن يقدّم نفسه - نصًّا - لآخرين: هذا هو «رولان بارت بقلم رولان بارت». وفي زماننا هذا، لا ينبغي أن نغفل ذكر رولان بارت، ولا غيره من أهل البصيرة الواسعة، لكي نظلّ نحدّق بنظاراتٍ تصدّع الأفهام الجاهزة، وتمنحنا أدواتٍ أعمق للتحليل والتأويل، وتعيننا - ما استطعنا - على العمل لأجل سلامٍ تقوم عليه العدالة.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق