الجوقةُ تُنشد… والذاتُ تنكسر
يمنح هيغلُ المأساةَ منزلةً عليا، حتى يجعلها، على خُطى أرسطو، أرفعَ مراتب «الشعر»، سواء أكان بالمعنى الأدبي المحض، أم بمعنى الفنون كلّها. فهي عنده غايةُ الفنّ، إذ يتحقّق فيها المقصدُ الأسمى للفن. وهناك أيضًا «نهاية» أو «موت» الفنّ المشهور في فكر هيغل، كما عرضه في مقدّمة «علم الجمال».
لقد جعل تطوّرُ التفكير في حياتنا المعاصرة من الضروريّ، في إرادتنا وحكمنا معًا، أن نلوذَ بالاعتبارات الكلّية، وأن نُخضع الجزئيّ لها؛ فالأشكالُ العامة، والقوانين، والواجبات، والحقوق، والوصايا، هي التي تسود وتُوجِّه. غير أنّ اهتمامنا الفنيّ وإنتاجنا الجماليّ يطلبان، على العموم، حياةً تتجسّد فيها تلك الأشكال والوصايا، لا بوصفها مبادئ مُعلَّقة في الذهن، بل وهي متّصلة بالحسّ والشعور، كما يحتوي الخيالُ الكلّيَّ والعقليَّ حين يُؤلّفهما في صورةٍ حسّيةٍ متعيّنة.
يشير هيغل هنا إلى ما يُفترض أنّه اختفاءُ الفن، بوصفه تمثيلًا للمطلق، في زمانه هو. وليس هذا موتًا كاملًا للفن، بل هو موتٌ أو نهايةٌ لنمطٍ مخصوص من الفن، ذاك الذي يُجسّد المطلق في وحدة المبادئ الأخلاقية بالتجربة الفردية. فالفلسفة والدين كِلاهما يتجاوزان الفنَّ في تمثيل الروح، حين ينفصلان عن «التفكير الصُّوَري» المرتبط بالصور والمجازات. ويرى بعضُ شُرّاح هيغل أنّ اغتراب الفنان عنصرٌ مهم في «موت الفن»، غير أنّ هذا الاغتراب أثرٌ أكثر منه عِلّةٌ في موت الفن، إذ إنّ علّته هي تطوّر الفلسفة والدين، وربما بنية المجتمع نفسه بعد تجاوز التفكير الصُّوَري. ويرى هيغل أنّ الفنّ يحتاج إلى اللغة في علاقته بالذاتية، تلك الذاتية الواعية بذاتها والكلّية؛ ويظهر ذلك حين يدرك الفنان أنّ العمل الفنيّ ليس امتدادًا لذاته، بل قائمٌ بذاته، متحدٍّ لذات الفنان الأصلية.
فالربُّ الذي تكون اللغةُ عنصرَ صورته هو العملُ الفنيّ الملهم في ذاته، والذي يمتلك مباشرةً في وجوده الخارجيّ النشاطَ الخالصَ الذي كان، ما دام شيئًا، نقيضًا له. وبعبارة أخرى، فإنّ الوعيَ بالذات، في تَشييئ جوهره، يبقى حالًّا في ذاته مباشرةً.
إنّ الوجود الخارجيّ لهذا 'التفكير الصُّوَري'، أي اللغة، هو أقدمُ لغات الإنسانية، وهو الملحمة التي تحتوي مضمون العالم الكلّي، كلّيًا على الأقل بمعنى الشمول لا بمعنى الفكر المجرّد. والمُنشدُ هو الروحُ الفرديّ الفعليّ الذي يصدر عنه هذا العالم ويستند إليه. وليس 'الانفعال' لديه قوّة الطبيعة المذهِلة، بل 'منيموسين'؛ أي الذاكرة واستبطانها التدريجيّ، ذكرى الجوهر الذي كان حاضرًا مباشرةً من قبل. وهو الأداة التي تمّحي في مضمونها، ليبقى الاعتبارُ للمَلَكة الملهمة، للأغنية الكونية. والموجود حقًّا هو القياس الذي يصل طرفَي الكلّيّة، عالمَ الآلهة، بالفردية، أي المُنشد، عبر حدٍّ أوسط هو الجزئيّة: الأمةُ في أبطالها الذين هم أفراد كالمنشد، لكنّهم ماثلون في صورةٍ مثالية، فهم في الآن ذاته جزئيّون وكلّيّون، مثل الآلهة في سموّ كليّتهم.
كان الدينُ نفسُه، في السابق، متشابكًا مع الفنّ والتمثيل الصُّوَريّ في نظر هيغل. ويأتي الموتُ من عصر الأنوار، ومن تطوّر الفلسفة منذ كانط، ومعهما انفصالُ الدين عن الأسطورة. وفي تطوّر الفنّ، يشير هيغل إلى تحوّلٍ من الملحمة إلى الرواية، وهي عنده أقلّ شأنًا من الملحمة. فظهور الرواية نفسُه جزءٌ من موت الفنّ.
ويقود هذا الموقفُ هيغلَ إلى تقليلٍ كبير من شأن دون كيخوتي، إذ يرى فيه مجرّد تصوير للساخر والتهكّم على الفروسيّة، وعجزًا عن إدراك البعد الفلسفيّ والتشكيليّ للرواية. غير أنّ هذا ليس خطأً محضًا من هيغل، بل هو ثمرةُ تطبيقٍ صارم لمبدئه، تطبيقٌ يمنحنا، مع ذلك، مبادئ للنظر في الفن بعد موته الجزئيّ، ولا سيما في جانب استقلالية الفن. وفي فلسفة هيغل الجمالية، يُعدّ عنصرُ الواقعية الاجتماعية في الرواية عاملًا مُربكًا، لأنّه يربط الروحَ بنطاق هيمنة الروح بصورةٍ صارخة. والموت يتكرّر، كما يليق بفيلسوفٍ رأى التكرار سمةً من سمات التاريخ، وإن كان من المشكوك فيه أن يكون «موت الفن» المتجدّد منسجمًا مع فلسفة التاريخ لديه. وفي نظره، يمرّ الفنّ، ولا سيما الأدب، في كلّ مرحلةٍ جديدة، بمرحلةٍ جديدة من وحدة الخبرة الجزئية بالمبدأ الأخلاقي؛ وهذا بادٍ في الملاحم اليونانية، والمأساة اليونانية، وظهور الرواية.
ويموتُ جنسُ الملحمة كما تموتُ المأساة. فالمأساة تموت بوصفها شكلًا من أشكال الروح المطلقة مع «نهاية الفن»، لكنّها تموت قبل ذلك بوصفها مأساة قديمة (أسخيليوس، وسوفوكليس، ويوربيديس) في المأساة الحديثة. أمّا عند هيغل، فالمأساة القديمة هي المأساة الأثينية. ويرجع ذلك إلى أنّ أثينا وحدها منبعُ المأساة الإغريقية، ولأنّه يتجاهل مأساويات سينيكا الروماني. فالشعر الروماني عنده يغلب عليه الهجاء. والمأساة الحديثة عنده هي، قبل كل شيء، شكسبير، متجاهلًا إلى حدّ بعيد مارلو، وراسين، وكورنيّ، وكالديرون، وشيلّر. ولا يذكر كورنيّ وراسين بالاسم، ويعرض لكالديرون عرضًا سريعًا، وكذلك لشيلّر. ويضع فاوست لغوته بعد شكسبير، بوصفه ذروة المأساة الحديثة، وإنْ كان عملًا حدّيًا بميله الملحميّ وصعوبة تمثيله.
ويفترض أنّنا نفهم هذه المأساويات الحديثة على مثال شكسبير. ففي مأساة شكسبير يظهر الفردُ المنعزل المتأمّل في ذاته، لا المعبّر عن قوّةٍ كونيّةٍ جوهرية. ومع ذلك، فالمأساة دائمًا عند هيغل شأنٌ من شؤون التفريد، ولذلك يرى شكسبير امتدادًا ما للمأساة اليونانية. غير أنّ المأساة الأقدم تُعنى بصرامة القانون، وبفعل الفرد الذي يقف قبالته. ويظهر المُنشد، والملحمة، والمأساة في العالم القديم مع نشوء النظام الأخلاقيّ، بما فيه دولة المدينة الديمقراطية. وحين يغلب الهمّ الكلّيّ، كما في الرواقية ثمّ المسيحية، يبدأ الفنّ بالموت، ولا سيما الأدب، ويُكثر هيغل الحديث عن المأساة بوصفها الفنّ الذي يجد نهايته في هذا السياق. وتظهر أنتيغون بوجهٍ خاص بوصفها النصّ الذي يوضّح تكوّن القانون الإلهي، والتوتّر بين الملك بوصفه قاضيًا، والفرد الذي يحتجّ على قانون الدولة. وتُعدّ أنتيغون لحظة توتّر جوهرية، لكنها عابرة بإزاء صعود الكونية الرواقية-المسيحية. وهكذا تُحدّد المأساة موتَها الخاصّ في عالم القانون. ولا يوافق هذا الطرحُ رأيَ بعض الشُرّاح، بل يفترض أنّ هيغل يميل إلى إخضاع الذاتية للقانون، إخضاعًا يصاحبه النسقُ الرواق-المسيحيّ في العالم الروماني، وهو إخضاعٌ يطال بوجهٍ خاص الذاتيةَ الأنثوية.
وتنبثق المأساة من امتزاج طقوس ديونيسيوس بالديمقراطية الأثينية، وهما السبيلان اللذان يتشكّل بهما جسدٌ اجتماعيٌّ موحّد، وهو أصلُ الجوقة في المأساة. فأولى «وفيّات» المأساة عند هيغل ترجع إلى ما يراه من محدودية في الديمقراطية الأثينية. وكما في فلسفة الحق، يرى هيغل أنّ الحرية الأعمق تتطلّب نظامًا من المؤسّسات والقوانين، لا سيادة إرادة الأكثريّة. وفي «العالم اليوناني» من فلسفة التاريخ، يعبّر عن إعجابه بأثينا في عهد بريكليس، وعن اعتقاده بفساد الديمقراطية بعدها.
وفي تصوّره للعالم القديم، تسبق الملحمةُ المأساوية، والمُنشدُ - وهو هنا هوميروس - يجمع مادةً كونية تقف خارج الفرد. وتأتي الكوميديا لاحقًا بوصفها مرحلةً أخرى في بروز الفرد، لكن في سياق يضع الفرد تحت سلطان الكونيّ. ولا يُولد الشكل الأخلاقيّ إلا عبر الأدب، ثمّ يستبعد الأدبُ من الروح، إذ تُفسح الكوميديا الطريقَ أمام كونية الأخلاق والقانون. وهذا التحوّل جزءٌ من الانتقال من «دين النبات» إلى «دين الحيوان»، ثمّ إلى آلهةٍ مقترنة بالشعوب. وتُعدّ الملحمةُ أولى مراحل التجريد. وما يتجاوزه هيغل - متخطّيًا أنتيغون - هو إدراكُ التوتّر بين القانون بوصفه سيادةً للدولة، والقانون بوصفه مفهومًا فرديًّا للخير. كما يفوته عالَمُ الديمقراطية الأثينية بما فيه من مواطنةٍ ومساواةٍ وحرية قول. وكلّ ذلك ينبغي ضبطه عند هيغل، كما ينبغي ضبط الشكل الأدبيّ المنشغل بالفرد، وسوء الحكم، والصدفة، وانهيار الإرادة، وقسوة الآلهة والحكّام.
ويبدو أن الفنّ، عند هيغل، يبدأ بالموت بعد الكوميديا اليونانية، أو حتى أثناءها، بعد بلوغ قمّته في المأساة، ويستمرّ موته في أجواء القانون الروماني والرواقية والمسيحية. فالمأساة هي المنظور الذي تتّسع فيه الفردية حتى تُصبح كونيةً وجوهرية، فتتجاوز نفسها نحو القانون الروماني.
فالروحُ توجد أوّلًا للوعي الذاتيّ بوصفه قانونًا له كينونةٌ جوهرية؛ وقد صارت الكونيةُ المتعلّقةُ باختبار القانون، كونيةً شكليةً محضة، لا جوهرية.
وعلى ظاهر الأمر، لا يتناول الفينومينولوجيا المأساة إلا قليلًا. غير أنّها حاضرة بقوّة في بحث «العالم الأخلاقيّ» و«الفعل الأخلاقيّ» في قسم «الروح»، وفيه إشارتان إلى أنتيغون لسوفوكليس. ويكتب هيغل لاحقًا مطوّلًا عن المأساة في علم الجمال. ويأتي بحثه لها في ختام المحاضرات، بما ينسجم مع ذكره «نهاية الفن». ويجعل هيغل المأساة أعلى أشكال الفنّ، ومَناطَ بلوغِه. وسأوجز بعض الأفكار دون عزوٍ أكاديميّ.
إنّ قسطًا كبيرًا من منزلة المأساة الأخلاقية. والأخلاق هنا بمعنى «سيرورة الشعب وعاداته»، لا الأخلاق النظرية. وقد جُدّد هذا التمييز لاحقًا عند برنارد وليامز، وإنْ مع ابتعادٍ كبير عن نصوص هيغل. فالفترة التي يظهر فيها التفكير الأخلاقيّ النظريّ هي نفسُها الفترة التي تولد فيها المأساة وتموت. والميلادُ يكاد يقترن بالموت في نظر هيغل؛ إذ لا تكون المأساة خالصة إلا عند أسخيليوس وسوفوكليس. ويُعدّ يوربيديس بدايةَ الانحطاط، وهو رأيٌ يوافقه نيتشه لاحقًا في «مولد التراجيديا».
ويظهر أوّلُ تفكيرٍ أخلاقيّ نظريّ في زمن سوفوكليس ويوربيديس، عند أفلاطون ثمّ أرسطو، وكلاهما يستند إلى سقراط وإلى السوفسطائيين. ويوحي طرحُ هيغل بأنّ المأساة تنتمي إلى لحظة نهاية الأخلاق الخالصة، لحظةِ ولادة الأخلاق النظرية. ففكرة الأخلاق بوصفها «قانونًا إلهيًا» سابقًا على التفكير الإنسانيّ حاضرةٌ في المأساة، لكنّ المأساة نفسها تزعزعها. فهي تُعلن الشكَّ في المسلّمات الأخلاقية التقليدية، ولا سيّما في تناقضاتها: بين القوة والحكمة، بين النية الفردية والخطيئة، بين سلطة الإله والدولة.
إنّ أبطال المأساة الإغريقية يواجهون ظروفًا يثبتون فيها أنفسهم على واحدٍ من الـ'باثوس' الأخلاقيّ المطابق لطبيعتهم، لكنهم يصطدمون حتمًا بقوةٍ أخلاقية مضادّة لا تقلّ شرعية عنها. أمّا الشخصيات الرومانسية، فهي منغمسةٌ منذ البدء في شبكة حوادث وظروف عرضية تجعل أفعالها ممكنة على وجوهٍ شتّى.
ويرى هيغل «أوديب ملكًا» مثالًا على انقسام الأخلاق التقليدية على نفسها، إذ يعيش أوديب وفقًا للفرص دون تفكير، ويقترف الخطيئة دون وعي - فيقتل أباه لايوس دون معرفته، ويتزوّج أمّه يوكاستا دون أن يدري. وتُظهر الحياة الطبيعية الخاضعة للأخلاق التقليدية تلقائيًا أنّها تُفضي إلى الخطيئة، ومن ثمّ تنقلب على ذاتها كما يوضّح هيغل في الفينومينولوجيا. فالمأساة عنده صراعُ وجهات نظر تقوم عليها آلهةٌ تتنازع فيما بينها، على نحو ما تُظهره المأساويات الإغريقية، التي تُعزى فيها الأحداث المروّعة إلى صراع الآلهة وأهوائها.
كما نرى في «أوديب»، فإنّ الصراع عند هيغل يمكن أن يقوم بين الجانب الطبيعي في الأخلاق والجانب الأقلّ طبيعية منها، أي بين الفعل قبل التفكير، والفعل القائم على التأمّل والمعرفة.
إنّ الفعلية تخفي في باطنها ذلك الجانب الآخر الغريب عن هذا الوعي، فلا تُظهر لوعي الفاعل حقيقتها كاملة. فالابن لا يعرف أباه في الرجل الذي ظلمه وقتله، ولا يعرف أمَّه في الملكة التي اتّخذها زوجة. وهكذا تُطبق قوّة تنفر من نور النهار على الوعي الأخلاقي، قوّة لا تنفجر إلّا بعد وقوع الفعل، وتقبض على الفاعل ساعة الفعل نفسه. فإنّ الفعل المعلوم هو إزالة التناقض بين الذات العارفة والواقع القائم أمامها.
فالفقرة ٤٦٩ من «فينومينولوجيا الروح» تشير بوضوح إلى مسرحية «أوديب ملكًا»، وإنْ لم تُسمِّها، وهي تُظهر تقديرًا أكبر للتعقيد الأخلاقي في المسرحية ممّا نجده في الإشارات اللاحقة المختصرة في «علم الجمال».
ويصبح هذا ذاته هو الصراع بين القانون الإنساني والقانون الإلهي في «أنتيغون».
قد يكون الحقّ الكامن في الانتظار غير ظاهر للفاعل في صورته اللائقة، بل قائمًا ضمنيًّا في الذنب الداخلي للعزم والفعل. إلا أنّ الوعي الأخلاقي يكون أكمل، وذنبه أقلّ قابلية للعذر، حين يكون عالمًا مسبقًا بالقانون والقوّة اللذين يُعاندُهما، حين يراهما عنفًا وظلمًا، ويُخطئ أخلاقيًّا من باب المصادفة، كما فعلت أنتيغون التي ارتكبت الجريمة وهي تعلم. غير أنّ الفعل المنجَز يبدّل منظورها كلّيًا؛ فمجرد إنجازه يصرّح بأنّ ما هو أخلاقي يجب أن يكون واقعيًا، لأنّ تحقيق الغاية هو غاية الفعل نفسه. والفعل يعلن مباشرة وحدة الفعلية والجوهر، ويُظهر أنّ الفعلية ليست عرضًا يلحق بالجوهر، بل متّحدة به؛ وبذلك لا يُعطى لأيّ حقّ ليس حقًّا حقيقيًّا أن يصبح فعلًا. ولأجل هذه الفعلية، ولأجل فعلها نفسه، ينبغي على الوعي الأخلاقي أن يعترف بنقيضه بوصفه فعلِيّته، وأن يعترف بذنبه.
وربّما لم يدرك هيغل أنّ مسرحيات سوفوكليس الثلاث الخاصة بطيبة - ومنها «أوديب في كولونُس» إلى جانب المسرحيتين المذكورتين - كانت أجزاءً من ثلاثيات مختلفة كتبت في أزمنة متباعدة، ولم تُجمع إلّا بعد ضياع سائر مسرحيات تلك الثلاثيات.
هيغل يقدّم خلفيّة سابقة لـ«أنتيغون» في رؤيته لتطوّر الأخلاق اليونانية قبل سقراط والسفسطائيين. وتتردّد في طياتها نغمات «فيكونية» واضحة، كما في مواضع أخرى من كتاباته، لكن ربّما بالمصادفة، إذ لم يناقش فيكو مباشرة. فالأسرة تدفن موتاها، وبذلك تُثبت - وفي الوقت نفسه تُقيّد - حضور الأرض والموت، وما يرتبط بهما من القوى الإلهية. ودفن الموتى، والكيفية التي يُحفظ بها الموتى في الذاكرة، أساسٌ لقيام الأسرة، التي هي بدورها أساسٌ لوجود سائر المؤسّسات الأخلاقية.
ومسألة «أنتيغون» تبدأ حين يمنع كريون الجميع من رثاء بولينيس أو دفنه، لأنه هاجم المدينة ليستولي عليها من أخيه. فتدخل أنتيغون، أخت بولينيس، في صراع معه حول هذا الأمر، فيحكم عليها بأن تُوضَع حيّة في قبر. وهذا متّصل اتصالًا وثيقًا بما ورد في «فينومينولوجيا الروح» بشأن علاقة الأسرة بموتاها، حيث تكون المرأة عنصرًا محوريًّا. فالنساء حارساتٌ للجوانب الأكثر مادّية وعنصرِيّة وعرفيّة في الأخلاق، والحارسات لحياة الأسرة نفسها، وفي هذا الدور يُصان الموتى من الشهوانية (كأن تأكلهم الحيوانات أو يعبث بهم البشر).
إنّ علاقة المرأة بأخيها - وهو الذي لا تربطها به رغبة جنسية، ولا هو ثمرة اتحادٍ جنسي هي طرف فيه - هي في ذاتها بعدٌ أخلاقي من أبعاد الأسرة، وهو بعدٌ ضروري لتكون الأسرة ذات معنًى أخلاقي، ولتكون جزءًا من الحياة المدنية. أمّا الكلّية والحياة الوطنية فمرتبطة بالرجال، وهو ما يمكن ربطه بالكريون، حاكم طيبة في «أنتيغون». وتمثّل أنتيغون مناشدةً للكونية من حيث ضرورة دفن أفراد أيّ جماعة بشرية، ولكن من زاوية العرف في مواجهة التعسّف في السلطة المدنية.
لم تكن هذه القوانين من أمس ولا من اليوم، بل هي أبديّة،
ولا أحد يعرف من أين صدرت.
أنتيغون، السطور ٤٥٦-٤٥٧.
هي كذلك. فإن أنا بحثتُ عن أصلها وحبستها في النقطة التي نشأت منها، كنتُ بذلك قد تجاوزتها؛ إذ أصبحتُ أنا الكلّي، وصارت هي المحدودة المشروطة. وإن كان ينبغي المصادقة عليها ببصيرتي، فإنّ ذلك يعني أنّي أنكرتُ وجودها الأصيل الثابت، ورأيتُها شيئًا قد يكون صحيحًا بالنسبة إليّ وربما لا يكون.
ورؤية هيغل لانتقال العالم من عالم «أنتيغون» إلى عالم القانون الروماني هي في حقيقتها انتصار كريون عبر التاريخ، وإنْ لم يصرّح هيغل بذلك.
فالمسرحية تنتهي بالمصالحة، كما هو شأن المأساة عند هيغل. وهو يشير إلى كيفية إدراك كريون خطأه وتعرّضه لسخط الآلهة، ولكن بعد فوات الأوان؛ إذ تنتحر أنتيغون، ثم ينتحر ابن كريون الذي كان خطيبها، ثم تنتحر زوجة كريون. امرأتان وشابّ يُضحَّى بهم ويبقى كريون في السلطة. وفي لحظة حاسمة من تاريخ هيغل، تتبع مصالحة «القانون الإلهي-الأنثوي» مع «القانون الإنساني-الذكوري» نهايةَ المسرحية خطوةُ الانتقال إلى الأخلاق الرومانية القائمة على الفرد المعزول تحت قانون الدولة المنظَّم.
إنّ تضحية أنتيغون تمثّل نهاية التراجيديا
ونهاية المدينة اليونانية القائمة على المشاركة، لتحلّ محلّها الدولة الرومانية حيث
الأفراد غير السياسيين يعيشون تحت سلطة القانون. ولا يمكن للقانون المدني أن يحتوي
التزام أنتيغون الأحادي بأخيها، وبالقانون الإلهي، وبقوى الأرض والموت.
إنّ الذات الأكثر تطوّرًا، التي تنهض لتصبح كائنًا لذاتها، تصبح سيّدة على 'الباثوس الخالص' للجوهر، على موضوعية نور الفجر، وتعرف تلك البساطة الحقيقية بوصفها وجودًا أصيلًا لا يأخذ شكل الوجود العرضي عبر خطاب غريب، بل تعرفه بوصفه القانون الثابت غير المكتوب للآلهة، ذلك القانون 'الأبدي الذي لا يعرف أحد من أين جاء'.
وأذكر هنا أنّ الاقتباس الذي يذكره هيغل دون عزو هو من السطرين ٤٥٦-٤٥٧ من المسرحية، وهما جزء من المقطع الطويل الآتي:
شريعتك… لا شريعة السماء.
فالآلهة التي تحكم بين الموتى لم تُصدر مثل هذا الأمر.
لا يستطيع الإنسان أن يمحو الشرائع غير المكتوبة،
ولا أن يبدّل القوانين التي لا تتبدّل،
قوانين السماء؛ الأبدية التي تتجاوز حدود الزمن،
وتتجاوز اليوم والأمس، بل تتجاوز الدهر كله.
كانت شرائع الآلهة قبل ميلاد الإنسان.
أأخافك أنت أكثر من خوفي الآلهة؟
أعلم أنّي سأموت؛ فالموت قد قُدّر عليّ
قبل أمرك هذا.
ولكي أغادر عالمًا يعجّ بالشر،
فكلّما سارعتُ إلى الموت كان الربح أعظم.
أُرحّب بالموت بلا دمعة ولا حسرة.
أمّا أن أترك جسد أخي، ابن أمّي، بلا دفن،
نهبًا للشمس تمزّقه، فذلك هو الألم الحقّ.
تسمّيني حمقاء؟ أنت… الأحمق
يا مَن تدعوني حمقاء!
ويقوم أساس الأخلاق في العالم الروماني على القانون المدني، وهو انتصارٌ لكريون الذي يمثّل الكلّيّة التي يريدها هيغل في الأخلاق والمأساة. فالمأساة عنده يجب أن تسمو فوق الدوافع الذاتية، والتعاطف مع الألم (الذي يربطه هيغل بـ«نساء المقاطعات») والفردية. وهذا كلّه ارتقاء فوق الأنثوي، وتوكيد لضرورة التضحية بأنتيغون من أجل النظام الأخلاقي للدولة الرومانية.
أمّا موت المأساة في اليونان فيرتبط بزوال العالم اليوناني. غير أنّ الفحص الدقيق يكشف أنّه يشير في الحقيقة إلى ما يراه فشلًا في الديمقراطية الأثينية. ويرى أنّ روما أقلّ عرضة لهذا «الانتحار الديمقراطي»، ويعزو ذلك إلى الدور الذي يلعبه القانون في روما، بما في ذلك مفهوم «الشخصية القانونية». وهو أقلّ اهتمامًا بشكل السيادة، لكنّه على الأرجح ينظر إلى الجمهورية الرومانية بوصفها مزيجًا من الملكية والأرستقراطية والديمقراطية وفق رؤية بوليبيوس وشيشرون.
ويتحدّث هيغل أيضًا عن أهمية المؤسّسات القانونية في أثينا عند مناقشته نشوء محكمة «الأريوباغوس» في ثلاثية «الأوريستيا» لأسخيليوس، باعتبارها مزجًا للآراء المتصارعة حول القانون. لكنه يرى أنها لا تزال ممزّقة بين العنصر العرفي (الطبيعي-الإلهي) والعنصر المدني السياسي. وفي رأيه تُظهر مأساويات أسخيليوس وسوفوكليس عالمًا من الأخلاق الخالصة المنفصلة عن السياسة الأثينية، عالمًا تُحدّد فيه الشخصيات أفعالها وفق ردود أخلاقية فورية لا تعكس معرفة ولا وعيًا انعكاسيًّا. وهذه الردود تقود - في نظر هيغل - إلى التباس أخلاقي، لأنّ الأفعال تتصادم، وتتفسّر بإحالات أخلاقية متباينة تظهر خلال صيرورة الفعل والصراع.
ويصل العالم الروماني بالقانون إلى ما يتجاوز الاستقطاب في «أنتيغون»، عبر مفهوم «الشخصية القانونية» في مدوّناته. ففي روما نجد تفريدًا يحول دون نشوء صراع مأساوي، إذ تصبح العلاقات بين الأفراد خاضعة للقانون، بدلًا من الصراعات اللامحلولة. ويبدو أنّ هيغل أغفل الصراع بين الأفراد والسلطة السيادية، أي الدولة، أو الصراعات التي صارت سياسية وعنيفة في التاريخ الروماني. والتبرير هو أنّ الدولة الرومانية - في رأيه - تعترف بالفردية بطريقة تمنع نشوء صراعات كتلك التي ظهرت في تراجيديات أثينا؛ وضعٌ يراه هيغل «بورجوازيًّا». وهو يستخفّ بإيجاز بمسرحيات سينيكا ويرى أنها فاشلة، وربما كان ذلك صحيحًا في جانب الأداء المسرحي، لكنّه غير صحيح من حيث القراءة أو من حيث احتمال إلقائها في زمن سينيكا نفسه. وهيغل يزدري الإلقاء المسرحي عمومًا، وربما كان ذلك موجّهًا إلى سينيكا، لكن لا يوجد ما يدلّ صراحة على ذلك. وهناك من الباحثين من يرى أنّ مسرحيات سينيكا كُتبت أصلًا للإلقاء الخاص لا للعرض العلني، ولا تكاد توجد محاولات في العصر الحديث لتمثيلها. ومع ذلك يبقى سينيكا كاتبًا عظيمًا، وقد كتب مأساويات. وهذه الغفلة من هيغل تعود إلى حاجته إلى أن يرى المأساة مسألة يونانية محضة، نابعة من صراع بين الطبيعي أو الإلهي وبين القانون المدني، صراع يراه منحلًّا في القانون الروماني.
كما رأينا، فإنّ المأساة خارج إطار الإغريق القدماء شيء هزيل في نظر هيغل. فهو يقارن بين المأساة القديمة والمأساة الحديثة، ويرى الفارق بينهما شديداً، ولا يجد من الشعراء المحدثين من يرقى إلى مصافّ العظماء الأثينيين سوى شكسبير. تُبتلى المأساة الحديثة بذاتية الشخصيات وتردّدها، وبما يلتفّ حولها من شواغل حياتية متعدّدة تظهر في المسرحيات وفي الشخصيات معاً. ولا ينجو من هذا الوهن إلا شكسبير، لأنه يسكب في شخصياته الرئيسية خصلةً جامعة تحدّدها، وترفعها فوق التشتّت. ويرى هيغل أنّ الثقافة الدرامية الألمانية موسومة برغبةٍ مفرطة في الإصغاء إلى الجمهور، ومجاراة تعدّد الاهتمامات والعواطف. وكما رأينا، فإنّ العطف في نظر هيغل استجابة وضيعة إن توجّه نحو الألم لا نحو المبادئ التي تتحرك بها الشخصية المأساوية. أمّا المأساة الفرنسية فتبدو أقلّ ميلاً إلى هذا الانحراف، وإن كان هيغل لم يعطها كبير عناية. وعلى كلّ حال، فقد ماتت المأساة في عالمٍ تكثر فيه المصالح وتتناسل فيه الغايات. إنّ هيغل يواجه عالماً يزداد بُرْجَوازيةً، ويمضي قدماً في سبيلٍ يتضخم فيه سلطان القانون. ومرة أخرى، فإنّ القانون والفردانية البورجوازية هما نهاية المأساة، وفي هذا الموضع أيضاً نهاية الفن. تقوم نظرة هيغل إلى المأساة على كونها صراعاً بين وجهات نظر ذاتية متعارضة، لكنها مع ذلك تغرس الذاتية في تربة الكلّي عبر صوت الجوقة.
فالجوقة هي الجوهر الفعلي للحياة الأخلاقية ولأفعال الأبطال أنفسهم؛ وهي بإزاء هؤلاء الأفراد الشعبُ، التربة الخصيبة التي ينبتون منها (كما تنبت الأزهار والأشجار الشاهقة من تربتها)، والتي يشرطها طابع تلك التربة. ولذلك فالجوقة ملائمةٌ على الخصوص في عصرٍ لا يمكن فيه مواجهة التعقيدات الأخلاقية بقوانين محدّدة تتصف بالعدالة والاعتراف العام، ولا بعقائد دينية راسخة، بل حيث لا يظهر النظام الأخلاقي إلا في حضوره المباشر الحيّ، ويبقى مجردَ توازنٍ للحياة المستقرّة المحمية من الاصطدامات الرهيبة التي لا بدّ لقوى الأفراد، حين تتعارض، أن تقود إليها.
غير أنّ هذه الصياغات لمفهوم المأساة تنزع في اتجاهات متباعدة. فإذا كان الأمر صراعاً بين مواقف ذاتية، فما الذي يكفل للجوقة أن تكون صوت الكلّي، لا مجرد طرف آخر في جدلٍ بين ذواتٍ جزئية؟ إنّ الادّعاء بالكلّية ينبغي له أن يستوعب جميع وجهات النظر في المسرحية.
لم يكن هيغل ميّالاً إلى الجانب التنافسيّ في دول الإغريق القدماء، أي ذلك الطابع الذي يجعل المسابقات وإظهار التفوّق الشخصيّ في صميم الثقافة. ويمكن لنا أن نرى الثقافة القانونية الأثينية القديمة في الضوء ذاته. ومن العسير على هيغل أن يفهم الكيفية التي يمكن بها للقانون أن يعمل داخل ثقافة تقوم على التنافس والجدل، لا فقط باعتباره سلطة تعلو على ذلك الصراع. وبذلك لا يمكن أن يمنح توتّرات المأساة المقام الأعلى في فلسفته، وهو ما توضّحه عناصر من كتاب أصول فلسفة الحق.
وما يخسره هيغل حين يتجاوز المأساة القديمة بعد ما يراه صورتها الأخيرة في أنتيغون هو الوعي بالتوتر بين القانون بوصفه قراراً تتخذه سيادةُ الدولة، والقانون بوصفه رؤيةً فردية للخير. كما يفقد العالم الديمقراطيّ الأثينيّ بما فيه من مواطَنة ومساواة وحرية قول. فكلّ هذا يجب أن يُحاصَر عند هيغل، شأنه شأن كلّ شكلٍ أدبيّ يعالج الفردانية والخطأ والصدفة وضياع الإرادة وقسوة الآلهة والحكّام. تعتمد فلسفة هيغل على الأدب في بيان كيفية تطور الروح، لكنها تحتاج كذلك إلى رفض الأدب من أجل صون العناصر الكلّية، العقليّة، الحتميّة، الموحدة، الشفافة لذاتها، والسلمية في الجدل.
وعليه، فلا بدّ للدراما أن تظهر لنا، كيفما كان الأمر، الفعل الحيّ لضرورةٍ تستقرّ في ذاتها، وتحلّ كلّ صراعٍ وتناقض.
والشعر الأصيل هو ما يرفع الشخصية وفردية الواقع المباشر إلى عنصر الكلّي المصفّى، ويجعل هذين الجانبين في تناغم. وعندها نشعر، في مستوى العبارة، أننا - دون مغادرة أرض الواقع وملامحه - في عالمٍ آخر، أي في عالم الفنّ المثالي.
إنّ موت الفن المتكرر لدى هيغل، بما في ذلك موت المأساة، ضرورة من ضرورات فلسفته؛ إذ إنّ فكرة تضارب القيم أو وقوف الإنسان الفاضل على الضدّ من نظام العالم أمر يريد هيغل تجاوزه، كما يتجاوز الوعي الشقيّ والروح الجميلة في فينومينولوجيا الروح، وكما يتجاوز شرّ الأخلاق الذاتية في فلسفة الحق. فإذا كانت أعلى مراتب الفلسفة تتجاوز التمثيل، فتمثيلات الفن لن تستطيع مصاحبة الفلسفة في أوجها. ولهذا أيضاً يستبعد هيغل مفهوم السموّ من أساسيات علم الجمال، لأنه - في نظره - ذو طبيعة ذاتية. وقد رأى بعض الباحثين أن السموّ يعود متخفّياً في مواضع من فلسفة هيغل، مثل دور «الخيال» (Fantaisie). أمّا الفن والأدب بعد هيغل فغاصّان بصراعات الفرد والعالم، وبالتجربة السامية للفردية الخالصة، وبالسعي إلى تمثيل ما يستعصي على التمثيل. وكذلك الفلسفة اللاحقة لهيغل محكومة باستحالة المعرفة المطلقة التي تحدّث عنها في فينومينولوجيا الروح، أو باستحالة الوجود الخالص في علم المنطق.
إنّ التقدّم من فينومينولوجيا الروح إلى نصوص هيغل اللاحقة غالباً ما يتسم بزوال التوترات والحدود القصوى التي وسمت النصّ الأول. فالعلاقة بين الأخ والأخت التي تكتسب في فينومينولوجيا الروح أهمية خاصة، لارتباطها بالدور العامّ للعائلة، وبالانتقال التاريخي من العالم اليوناني إلى الروماني، تختفي في فلسفة الحق وفلسفة التاريخ، حيث كان من الطبيعي أن تُبحث باستفاضة. إنّ فينومينولوجيا الروح مشدودة إلى روحٍ مأساوية تنبع من الفجوة بين الذاتية والمعرفة المطلقة، وإلى روحٍ من التساند بين وجهات النظر في إثبات الواقع بوصفه كُلاً متصلاً - أي، بتقريبٍ ما، مزاوجة بين باسكال وسبينوزا. غير أنّ التوتّر بين هذين الطرفين يعيد في ذاته تأكيد الطرف الأول، بينما تدفع مؤلفات هيغل اللاحقة نحو القضاء عليه، دون أن تمحو أثره تماماً. إنّ المزيج من باسكال المأساوي وسبينوزا الإثباتي، والصراع المأساوي بينهما، ينقلب في النهاية إلى وحدانية سبينوزية. وهي صورة مختزلة جداً عن هيغل، لكنها ذات قدرة تفسيرية واسعة، وقد حاول هذا المقال أن يُظهر ذلك.
