أوتارٌ تُعاد شدّها بعد ألفيّة
تخيّل، لوهلةٍ، أنّ ثمانيةً فقط من مسرحيّات شكسبير الثماني والثلاثين قد وصلت إلينا سالمةً مكتملة - أيُّها كنت لترجو بقاءه؟ وكيف كان سيتبدّل تصوّرنا لشكسبير تبعاً لاختيارك ذاك؟ هذا هو تقريبًا الوضع الذي نقف فيه أمام يوربيديس (نحو ٤٨٥–٤٠٦ ق.م)، الذي لم يَبقَ من أعماله إلا ثماني عشرة مسرحية - سبع عشرة مأساة ومسرحية ساتيرية واحدة، وهي نوع من الهزل الأسطوري - من أصل نحو تسعين مسرحية. (والحال أسوأ لدى أسخيليوس وسوفوكليس، سائرَيْ كبار كتّاب المأساة في أثينا الكلاسيكية، إذ لم ينجُ من أعمال كلٍّ منهما سوى أقل من عُشرها). غير أنّ عبارة «تقريبًا» هذه ذات شأن مهمّ، لأنّ أنواعًا متعدّدة من الأدلة تُلقي ضوءًا على المسرحيات الضائعة: كالمُلخّصات القصصية مثلاً، أو الشذرات القصيرة التي يقتبسها كتّابٌ قدامى آخرون. غير أنّ هذه الاقتباسات تميل غالبًا إلى إبراز المقاطع المتفخّمة الوعظية التي لا تُخبرنا بالكثير عن روح الدراما كلّها.
لذلك يُعدّ اكتشافُ برديّةٍ مجتزأةٍ تضمّ مقاطع واسعة (سبعةً وتسعين سطرًا باليونانية) من مسرحيتين ليوربيديس حدثًا جللاً في عالَم الدراسات الكلاسيكية. فالنصّان، اللذان لم يكونا معروفين إلا معرفةً هامشية، ينتميان إلى مسرحية «إينو» - وهي حكاية غيرةٍ وانتقامٍ وقتلٍ وانتحار - وإلى «بوليدوس»، مسرحية البعث المعجزيّ والاحتفاء. وهذا هو أهمّ اكتشاف لنصّ «جديد» من المأساة الإغريقية منذ نحو أربع وستين عامًا.
وقد استخرج فريق من وزارة الآثار المصرية هذه البرديّة من جبّانة فيلادلفيا القديمة جنوب القاهرة في ١٩ نوفمبر ٢٠٢٢، نُشرت في أواخر أغسطس ٢٠٢٤ وصُنّفت باسم P. Phil. Nec. 23. ولافتٌ أنّها ذات مصدرٍ شرعيّ، في زمنٍ كثرت فيه الفضائح في المتاحف وقطاع الآثار - ومنها حقل البرديات - حيث كُشف عن شخصيات مشبوهة تتاجر بنصوص وقطعٍ منهوبة. وقد عُثر على البردية في قبر يعود إلى القرن الثالث للميلاد، يحوي مومياء امرأة يتراوح عمرها بين الأربعين والخامسة والأربعين، ومومياء طفل. وهذا الموقع بذاته ذو دلالة: إذ إنّ أكثر من ٧٠٪ من البرديات «الأدبية» - أي تلك التي تحوي نصوصًا أدبية قديمة لا مجرد قوائم أو فواتير - ونحو نصف ما يخصّ يوربيديس، تأتي من مزابل «أكسيرينخوس»، وهي مستوطَنةٌ تبعد ١٠٠ ميل جنوب القاهرة، سكنها أحفاد المهاجرين اليونانيين الذين استعمروا مصر بعد غزو الإسكندر الأكبر سنة ٣٣٢ ق.م. أمّا هذه البردية فقد دُفنت ولم تُنبذ، مما يوحي بأنّ صاحبتها كانت متعلّمة قارئة، وشغوفة بالمأساة.
تضمّ البردية سبعةً وثلاثين سطرًا من «إينو» وستّين من «بوليدوس». ورغم كثرة برديات يوربيديس - إذ نملك نحو ١٧٠ - وهي كثرة تعكس شعبيته الهائلة في سائر الأزمنة القديمة (يحتلّ حاليًا المرتبة الثالثة من حيث تواتر البرديات بعد هوميروس بـ ١٦٨٠ بردية، وديموسثنيس بـ ٢٠٤) - فهذا هو الظهور الثالث فقط لإينو على البرديات، والأوسع بمراحل، والثاني فقط لبوليدوس. وهاتان المسرحيتان مختلفتان تمامًا، وتنوّعهما يكشف مدى اتّساع وتحرّك المأساة الإغريقية بوصفها جنسًا أدبيًا قادرًا على أن يحتوي النهايات السعيدة المبهجة مثل «بوليدوس»، كما يحتمل المؤامرات الدموية المفعمة بالعنف والرثاء مثل «إينو».
فكيف تُثري النصوصُ المكتشَفةُ رؤيتَنا للمسرحيتين؟
في «إينو» (كما نعرف من مُلخّصٍ قديم)، تعود البطلة إلى بيتها بعد فترة طويلة من طقوس العبادة الديونيسية المفعمة بالنشوة، لتكتشف أنّ زوجها أثاماس قد تزوّج امرأة أخرى تُدعى «ثِميستو»، وقد أنجبت له توأمين. متنكرةً في هيئة خادمة منزلية، تعلم إينو أنّ ثميستو - وهي نموذج زوجة الأب الشريرة - تُدبّر لقتل ولدي إينو: ليرخوس وملكيرتس. فتأخذ إينو بثأرها عبر تبديل الأطفال في اللحظة الأخيرة، لتقتل ثميستو طفليها هي، ثم تنتحر. وبينما هو في رحلة صيد، تدرك أثاماسَ نوبةُ جنونٍ فيقتل ابنه ليرخوس؛ وتُلقي إينو نفسها وملكيرتس في البحر حزناً، فيتحولان كلاهما إلى آلهة بحرية.
وكانت بردية أُخرى من إينو قد ظهرت في أكسيرينخوس، نُشرت عام ٢٠١٢ (P. Oxy. 5131)، تحتوي مقطعًا من المشهد الذي ينهار فيه كلٌّ من أثاماس وإينو حين يُعرض جثمان ليرخوس على الخشبة. أمّا البردية الجديدة الأطول من فيلادلفيا فتأتي من موضع أسبق في الأحداث، حيث تُعرب إينو، بسخريةٍ منتشية، عن نشوة انتصارها أمام ثميستو المفجوعة، بعدما دبّرت مقتل طفليها. تقول إينو: «إني أمقتك»، ثم: «يا لِطيب الغنيمة حين نغلبُ في قضية عادلة»، في إشارة إلى إنقاذها - مؤقتًا - ولديها من مخطط ثميستو. ويمنحنا هذا السيل من التبجّح الأخلاقي والهجاء اللاذع منظورًا جديدًا على رسم شخصيتها، بينما يدرك الجمهور أنّ انتصارها لن يدوم، فتغدو كلماتها المنتشية مشوبة بأعلى درجات السخرية. وفي «فن الشعر» ينصح هوراس الشاعر الروماني بأن يحافظ الكاتب المسرحي على الصفات التقليدية للشخصيات الشهيرة: «لتبقَ ميديا متوحشة لا تُقهر، ولتبقَ إينو بكّاءة»، لكن البردية الجديدة تُظهر لنا إينو أكثر نشاطًا وتعقيدًا وإقلاقًا، امرأةً تُنقذ (مؤقتًا) أبناءها، لكنها تتسبّب في مقتل أبناءٍ أبرياء آخرين.
أمّا «بوليدوس»، فهي إعادة تخييلٍ لأسطورة كريتية يُجبر فيها الملك مينوس والملكة باسيفاي العرّاف «بوليدوس» («كثير المعرفة»، اسمٌ ناطق بصفته) على العثور على ابنهما «غلوكس» وإعادته إلى الحياة بعد أن غرق في جرّة عسل (إذ وقع فيها وهو يلعب الكرة). وكان هذا الخبر الغريب موضوعًا لمسرحيات مفقودة لأسخيلويس («نساء كريت») ولسوفوكليس («الأنبياء»)، كما ألّف أريستوفانيس كوميديا بعنوان «بوليدوس» قد تكون محاكاة ساخرة لنسخة يوربيديس. (وإن صحّ ذلك، دلّ على أنّ مسرحية يوربيديس تركت أثرًا قويًا في ذاكرة الجمهور).
وتحتوي البردية الجديدة مشهدًا يتجادل فيه مينوس وبوليدوس حول طلب الملك إعادة غلوكس إلى الحياة. يهاجم بوليدوس كبرياء مينوس، ويُفصّل مخاطر الثراء الفاحش وسخط الآلهة:
لأكوننّ أحمق إن خالفتُ شرائع الآلهة. إنك تتصرّف بغطرسةٍ لا ضابط لها، وغناك هو سبب ذلك. أنت ثريّ، لكن لا تَحسب أنك تفهم ما وراء ذلك. ففي الرخاء تنشأ البلاهة، أما الفقر فله من جرّاء الضيق نصيب من الحكمة. واعلم جيدًا: كل ما تنبته الأرض لا بد أن يحيا ويموت، فبمرور الزمن ينمو كل شيء ويعود أدراجه. وكل إنسان يكون فتىً ثم شيخًا، ولا يعيش مرتين بل مرةً واحدة.
ورغم مواعظ بوليدوس المتعالية، فإنّ المسرحية تنتهي نهاية سعيدة، تُركّز على السحر والبعث لا على حدود البشر وفنائهم كما هو مألوف في المآسي. وعلى خلاف ما يحدث عادةً في المأساة، حيث يؤدي العناد والكبرياء إلى السقوط، يفضي إصرارُ الملك هنا على استعادة ابنه إلى اجتماع العائلة بسعادة، ومحصولٍ وافرٍ من المكافآت لبوليدوس.
إنّ اكتشافات البرديات الجديدة كهذه ذات قيمة بالغة وإلهام كبير. فهي تُرينا، مثلاً، «إينو» بعيدةً عن صورة المرأة الخاضعة الباكية، امرأةً يشي سلوكها - في أحسن الأحوال - بعلاقةٍ مُربكة بالأمومة؛ كما تُرينا «بوليدوس» في مواجهة رغبةٍ أبوية مهووسة باستعادة الابن المفقود. وعلى نحوٍ أعمّ، تُسهم نصوصٌ جديدة بهذا الحجم والأهمية في زعزعة الافتراضات العلمية التي تضيق أفق المأساة بقواعد مظنونة، بُنيت على عيّنة ضئيلة من الأدلة. (فلنذكر أنّ ما نملك من نتاج المسرح المأساوي الأثيني في القرنين الخامس والرابع لا يتجاوز ١٪ من الأصل). إنها تتيح لنا أن نُقدّر مهارة الكتّاب المبتكرة، وأن نتلمّس كذلك سعة المأساة الإغريقية وتنوّعها اللامحدود. لقد كانت دائمًا أرجوحةً عاطفية، لكنها قد تقود إلى الفرح والظفر كما تقود إلى الخراب والموت. وإنّ اتّساع معطياتنا حول المسرحيات المفقودة قادرٌ على زعزعة تصوّراتنا المسبقة، وأن يُنعش فهمنا لأعرق أجناس الأدب الأثيني، ولأحد أكثر الأشكال الأدبية تأثيرًا في التاريخ القديم.
