نياتٌ تتقنُ لعبتَها

 

«يُدَمِّرونَ فَصيلَتَهُم»، هكذا يصرِّح لاروشفوكو مفسِّراً «علاقة كثير من الناس بالكلاب». يسرد لاروشفوكو قائمة طويلة من السلوكيات الحيوانية التي تُقارَن صراحةً بالسلوكيات البشرية، ويعمد إلى وصف ما تنطوي عليه من نقائص مدمّرة، وخداع، ونهب. هكذا يُصوَّر البشر سَعاليق ومفترسين في آن واحد: يعيشون على حساب الآخرين، ويتغذَّون على لحمهم، ويعرفون كيف يكونون خُوّانين حين يشاؤون. والاتهام لاذع:

كم من الناس يعيشون على دم الأبرياء وحياتهم: فمنهم من هم كالنمور، أبداً فَتّاكون وأبداً قُساة؛ ومنهم كالأسود، يحافظون على شيء من ظاهر السماحة؛ ومنهم كالدببة، غلاظٌ شرهون؛ ومنهم كالذئاب، خاطفون لا يرحمون؛ ومنهم كالثعالب، يعيشون بالحيلة، ومهنتهم الخداع!

إن الوحشية لا تتجلّى إلا في علاقتها بالآخر: فالحيوانات اللاحمة التي تشكّل الجزء الأكبر من هذه المقارنة، لا تعيش إلا من الجوهر الحيوي لضحاياها. فهي لا تقوم إلا بوجود الآخر، وبفضل ضعفه. يُدقّق لاروشفوكو ويُلطّف مقارنته بالوحشية الحيوانية بأن يمنح لبعض الحيوانات الخداع نفسه الذي يميز البشر. فهذه الحيوانات، كالبشر، ترتدي أقنعة تُضلِّل المراقب والضحية معاً. وعلى الرغم من المظاهر الخادعة، فإن معظم حيوانات لاروشفوكو لا تريد إلا أن تُخضع الآخرين لقانونها المُدمّر. في هذا العالم من الظلم، حيث لا يسود إلا قانون الأقوى، يكون المرء مُسَيطرًا أو مُسَيطرًا عليه، خادعًا أو مخدوعًا.

ومع ذلك، يحرص لاروشفوكو على إبراز تنوّع السلوكيات وتعدد الأنواع الحيوانية. فبعض هذه الحيوانات–البشر لا يريد أن يفترس بعضه دائماً. فمنها - كطيور الهجرة والنحل - ما يعيش في سلام. ومنها - كالأرانب والخُزز - ما هو جبان بطبعه. إن المجتمع الذي يصوّره في هذه التأملات عالمٌ تُحدده علاقات القوة بين الأفراد. وهذا الاضطراب لا يرجع، في نظره، إلى تنوّع الأنواع والسلوكيات بحد ذاته، بل إلى عدم الاستقرار الذي يخلقه رغبة كل فرد، تقريباً، في العيش على حساب الآخرين، إذ تتضاعف قسوة الطبيعة بفعل العلاقات الاجتماعية.

أمام هذا الاضطراب، يرفض لاروشفوكو أن يعرض حلاً جذرياً واسع النطاق، أو نظاماً قادراً على إعادة النظام. إن التوازن الذي يدعو إليه مؤسَّس على الإقرار بالفوضى، وعلى ضرورة العلاقة مع الآخر، وعلى واجب المسافة التي يقوم عليها احترام الفوارق. وكما يقول جان ستاروبنسكي، فهو يدعو البشر إلى «إيجاد الطريقة المثلى لترتيب علاقاتهم». فغايتُه الأولى تقريب الناس من بعضهم بعضاً، وتشجيعهم على تنظيم الفوضى، وذلك باتباع مثالٍ من النزاهة. ولاروشفوكو لا يرضى بأن يبقى وصّافاً يكتفي بالملاحظة؛ فإلى نظرته التشاؤمية يُضيف عزماً راسخاً على حثِّ البشر على إصلاح ما أمكن من اختلالات مجتمعهم المدمِّرة.

لا يرى صاحب «الحِكَم» نظاماً في المجتمع؛ فهو فاسد لا إصلاح له بسبب حب الذات الذي يستولي على كل فرد. و«الناس جميعاً مُضادّون لنا، إمّا لحسدهم، أو لاشغالهم بأنفسهم، أو لقِلّة نور عقولهم» («الحِكَم» ٢٦٨). وحتى لو لم يكن الجميع قُساة، فكل إنسان يريد أن يثبت قوته على الآخر ويخضعه.

وإن كان البشر، عند لاروشفوكو، قساة، فذلك أولاً وقبل كل شيء في علاقاتهم الاجتماعية: «قليل من الناس يتصفون بالقسوة من باب القسوة، ولكن كل البشر قساة وغير إنسانيين من باب حب الذات» («الحِكَم» ١٧٦). وهكذا تُنسب القسوة إلى الجماعة، لا من باب الطبيعة، بل بسبب حب الذات. وبوحشيته هذه تُجرّد الجماعة من إنسانيتها. فتُرَدّ إلى حال الحيوان. وقد عبّرت الحكمة ١٧٤ من الطبعة الأولى عن ذلك بصياغة أصرح: «إن الوحشية الطبيعية تصنع قساة أقل مما يصنعه حب الذات» («مخطوط ليانكور» ١٧٤). وقد حُذِفت لاحقاً ربما لأن أثر حب الذات المهين بدا فيها شديد الوضوح. إلا أن لاروشفوكو، وإن خفّف العبارة لاحقاً، لم ينقض معناها. ففي «الحِكَم» يُغفل فكرة القسوة الفطرية، وإن كانت الحكمة ٢٣٠ تُبرز «خبث طباعنا». لكنه يركّز على العقل الحسابي - ولو في اللاوعي - والاستحالة التي يخلقها حب الذات في تعامل كل فرد مع غيره. غير أنّ القسوة الطبيعية - وهي مقتصرة على بعض الأفراد - تخلق فروقاً: فلكل إنسان قاسٍ ومُتَحَنِّث آخرُ كريمٌ وإنسانيّ. أما القسوة التي يُدخلها حب الذات فإنها تُنتج تماثلاً مدمّراً للعلاقات الاجتماعية. فالبشر جميعاً، وقد أصابهم الداء نفسه، يتشابهون.

ويُلخّص مطلع تأملاته «في المجتمع» المشكلة كلَّها، مشكلة النظام والفوضى الجماعية، المتولدة من التفاضل أو من التماثل. فهو يتصدى هنا للحديث «فقط عن التعامل الخاص الذي يجب أن يكون بين أهل النزاهة». وهذه الوصفات تسبقها خلاصة موجزة لحالة العلاقات الاجتماعية المرضية:

لا حاجة بنا إلى بيان مقدار حاجة الناس إلى المجتمع: فالجميع يرغبونه ويطلبونه، ولكن القليل جداً يعرفون كيف يجعلونه مُسْتَساغاً ودائماً. كلُّ واحد يريد أن يجد لذّته ومصلحته على حساب الآخرين؛ وكلٌّ يفضِّل نفسه على من يعيش معهم، ويُشعرهم أبداً بهذه الأفضلية؛ وذلك ما يُفسد المجتمع ويُدمِّره.

وبخلاف ألكست، من «مُبغض البشر» لموليير، يجيب لاروشفوكو بأن المجتمع في ذاته غير مذموم البتة. فهو يذكّر في «الحِكَم»: «من يظن أنه يستطيع أن يجد في نفسه ما يُغنيه عن جميع الناس فهو مخطئ جداً» (٢٠١)، ثم يقول: «ومن الحماقة العظمى أن يريد المرء أن يكون حكيماً وحده» (٢٣١). فالإنسان كائن اجتماعيّ بالماهية، يعترف بذلك: فهو يريد المجتمع ويبحث عنه. ومع ذلك، فهو يُعرِّض الحياة الجماعية للخطر. فالمجتمع - في نظره - مهدّد بالزوال. ومن الممكن جعله «لطيفاً» و«ميسوراً». ولكن وجوده ليس أبديّاً: فلا بد من «أن نُطيل مدته». إذ ثمة ما «يقلقه و… يُدَمّره»، يُدخل الفوضى المهلِكة. وفي أصل هذه الفوضى، نجد حب الذات ونجد الجماعة نفسها. فالأسماء النكرة في الفقرة الثانية التي نقلناها، تُظهر الانتقال من الفوضى التي يُحدثها الفرد وحده («كلُّ واحد») إلى تلك التي تُحدثها الجماعة («الناس»). فالذنب ينتقل من الفرد إلى الجماعة. إذ يريد كلُّ واحد أن يعيش «على حساب الآخرين»، ويريد أن يتميّز عنهم («نفضِّل أنفسنا دائماً على غيرنا»)، فتُمحى الفوارق بسبب تماثل السلوك. جميعهم - بلا استثناء - يُشبهون بعضهم بعضاً. ولا يعود ما يميزهم. فـ«الناس» يصبحون «واحداً»، «واحداً» نكرة، هو «الجماعة المتماثلة».

وكما في التراجيديات اليونانية التي درسها رينيه جيرارد (خاصة «أوديب ملكاً»)، حيث نجد نموذجاً ثقافياً كلياً، «كل واحد… يلجأ إلى الأساليب نفسها، ويستخدم الوسائل نفسها، ويقصد تدمير خصمه بالطريقة نفسها». إن النظام الثقافي مهدَّد بانهيار الفوارق. فكما يقول جيرارد، «الفروق هي التي تمنح الأفراد هويتهم، وتمكّنهم من تحديد مواقعهم بعضهم بالنسبة إلى بعض». وعند لاروشفوكو، كما عند جيرارد، البشر «أعداءٌ إخوة»، لا يشغلون الموقع نفسه في اللحظة نفسها، بل يشغلونه تبادلياً. وفروقهم سطحية. فهم «يردّون الكرة» دائماً بالطريقة نفسها.

ففي هذا المجتمع، كما يقول جيرارد: «لا شيء يكون في أحد طرفي النظام، إلا ويظهر في الطرف الآخر إن صبرنا قليلاً... وكلما تسارعت الضربات، اتضح ألا فرق البتّة بين الذين يتبادلونها بالتناوب». وفي لاروشفوكو تبدو الفروق بين الأفراد ناشئة من عناصر خارجية عن السياق الاجتماعي، كالمواهب الطبيعية أو الحظ. ولكن هذه الفروق تزول أوّلاً في العلاقات الاجتماعية. فالمشكلة الأساسية - مشكلة اختفاء الفروق التي تهدد النظام - تنبع من التشابه الذي تصنعه الأهواء وحب الذات في كل فرد.

وخلاصة القول، إن البشر يشبه بعضهم بعضاً تشابهاً عجيباً. فالفروق بين الأبطال وعامة الناس محدودة نسبياً. ففي الطبعة الأولى من «الحِكَم»، كان السمو يُقاس «بعظمة المقاصد»، لا بقلة الأهواء أو زيادة الفضائل. وجاءت حكمة أخرى لتؤكد التشابه بين الأبطال وسائر البشر، رغم مواهب الطبيعة. فالعامل المفرِّق - في هذه الحكمة - خارج عنهم: فالأبطال تُصنعهم الظروف، لا الطبيعة: «مهما عظمت عطايا الطبيعة، فليست هي، بل الحظ، من يصنع الأبطال». أما الصيغة النهائية فقد خفّفت العبارة: «فليست هي وحدها، بل الحظ معها...». ومع ذلك، فالأبطال في الحالين سلبيّون، قابلون لأن يُسوّى بينهم وبين سائر الناس لولا الظروف الخارجية.

وتمنح الحكمة ٢٤ الأبطال تمييزاً ضئيلاً من البداية. فالأبطال يملكون طموحاً يفوق طاقتهم، وإن كانت الشجاعة والبأس قد يوجدان أحياناً. وهذا الطموح هو ما يساعدهم على احتمال محنهم الطويلة. لكنه أيضاً يُسوّي بينهم وبين غيرهم: فإذا رأيناهم «ينهارون تحت ثقل محنهم الطويلة»، فلا بد من الاستنتاج: «عظمة الغرور وحدها هي ما يفرّق بين الأبطال وسائر الناس» (٢٤). فالأهواء العظيمة متشابهة في الجميع، لا يفرق بينهم إلا السياق. فـ«الكبرياء واحد في جميع الناس، ولا تختلف إلا وسائل إظهاره».

وفي الحقيقة، «عدد أنواع البشر بعدد أهوائهم السائدة». لكن القاسم المشترك هو التعلّق المتفرّد بكلِّ فرد بذاته وبتفوقه المزعوم. ويختبئ حب الذات وراء الفضائل التي يُظهرها كل فرد. فأياً كانت مظاهر اللطف، فإن كل شخص يحاول السيطرة على الآخر حفاظاً على صورته. ويولد من وحدة الرغبة في السيطرة اضطرابُ العلاقات الاجتماعية. إذ يسعى كل إنسان إلى إظهار تفوقه، وإخفاء نقصه، وحفظ ذاته. وللتغلّب على الآخر كل الوسائل مشروعة. فاللطف وسيلة من الوسائل لبلوغ الغاية:

يبدو أن حب الذات يُخدَع باللطف، ويُنسى نفسه حين نعمل لمنفعة الآخرين. لكنه في الحقيقة الطريق الأضمن لبلوغ غاياته؛ فهو إقراضٌ بربحٍ تحت ستار العطاء؛ وهو في النهاية وسيلة دقيقة لامتلاك الناس أجمعين. («الحِكَم» ٢٣٦)

وكذلك «التواضع غالباً ليس إلا خضوعاً مُفتعلاً نستخدمه لإخضاع الآخرين» (٢٥٤). والوفاء «وسيلة لرفعنا فوق الآخرين، وجعلنا أمناء على أهم الأمور» (٢٤٧). والشجاعة العسكرية بدورها تُعزى إلى «الرغبة في خفض الآخرين» (٢١٣). أما «فضول الكبرياء» فهو «نابع من رغبة في معرفة ما يجهله الآخرون» (١٧٣).

وأفضل طريقة لإظهار التفوق، وصون الذات، هي التستّر. ففي التستّر مَغنم النجاح - أي رضا حب الذات. إذ «ما كان الناس ليعيشوا طويلاً في مجتمع لو لم يكونوا خَدَعَةً بعضُهم لبعض» (٨٧). وهذه الحكمة - التي لم تظهر إلا في الطبعة الأخيرة - تُبرز الخطر الذي يتهدّد المجتمع لو لم تكن الخديعة متبادلة، كما تُبرز الحركة الدائرية في العلاقات. فالاسم «خَدَعَة» مع عبارة «بعضهم لبعض» يُظهر الدور المتعاقب لكل فرد: فكل إنسان يكون المخدوع والخادع بالتناوب.

وهكذا يغدو كلُّ ما هو أحادي الجانب في العلاقات الإنسانية متبادلاً لا محالة. «نحن نحب دائماً من يُعجب بنا» (٢٩٤) - فلا شيء بلا مقابل. وبالمديح يتبادل الجميع اللعبة نفسها: «لا نمدح في الغالب إلا لِيُمدَحنا الآخرون» (١٤٦). ومن دون إعجاب الآخر لا نستطيع مدحه: «لا نمدح بصدق إلا من يُعجب بنا» (٢٥٦). والمَدائح تكشف عن قلة اعتبار المادح للآخر؛ فغاية المادح أن يتلقى المقابل:

في الحقيقة، نحن نعظّم فضائل الآخرين أكثر مما تستحق لا لأننا نُعلي من قدرهم، بل لأننا نُعلي من تقديرنا لأحكامنا. (١٤٣)

والدافع واحد لدى الجميع. والمديح «نقد زائف لا يسري إلا بفضل غرورنا» (١٥٨). والمروءة «أشرف الطرق لنيل المديح» (٢٨٥). بل إن كل شيء - حتى أنبل المشاعر - إنما هي طموح. فـ«النفور من الكذب غالباً ما هو إلا طموح خفي لجعل شهادتنا معتبرة، ومنح كلامنا حرمةً دينية» (٦٣). وهكذا تصير المصلحة الشخصية وحب الذات قانونين عامّين يجعلَان المدائح كرة تتقاذفها الأيدي، يريد كلٌّ أن تعود إليه، في تبادل لا ينتهي. وفي الظاهر، قد يرضى كل شريك بما يختلف عن الآخر. ولكن الطرفين متساويان في الشعور بالتفوق: فهذا يرى المديح مكافأة لاستحقاقه؛ وذاك يوزّعه ليُظهر عدله وتمييزه (١٤٤). والمعاملة تظل تبادلية أبداً. فالرحمة نفسها ليست سوى «إحساس بمصابنا في مصاب غيرنا... نعين الآخرين لنُلزمهم أن يعينونا... فهذه الخدمات التي نؤديها لهم ليست إلا إحساناً نُقدِّمه لأنفسنا سلفاً (٢٦٤). ويستخدم لاروشفوكو صورة «التجارة» قصد الإيحاء بأن العلاقات الإنسانية ضربٌ من المتاجرة. والاعتراف بالجميل يعمل عملَ المديح: فلا يُبذل إلا ليُستعاد:

حال الشكر كحال أمانة التجار: بها يقوم السوق؛ ولسنا نُوفي ديوننا لأن العدل يقتضي ذلك، بل لنعثر بسهولة على من يُقرِضنا. (٢٢٣)

ومع ذلك، فليس كلُّ تعامُلٍ بالضرورة مجرّدَ تبادلٍ لبِرٍّ أو خدماتٍ حسنة يقوم على احترام اختلاف الآخر. فكثيرًا ما تكون التجارةُ بين الناس تجارةً في العلاقات الاجتماعية، يسعى فيها كلُّ فردٍ إلى أن يبيع أو يشتري بما يحقق له الربح. فالصداقة «تجارةٌ يقصد فيها حبُّ الذات دائمًا أن يربح شيئًا» (٨٣). وهامش الربح في هذا التبادل يُرضي حتمًا حبَّ الذات عند من يريد أن ينتفع بأفعاله. وكلُّ شيء محسوبٌ حسابًا خفيًّا. وهكذا نلحظ هوّةً مماثلة بين المظهر والواقع في موقف مَن يُسدي النصح ومن يطلبه:

ما من شيء أقلُّ صدقًا من طريقة طلب النصيحة وإسداء النصيحة. فمَن يطلبها يبدو وكأنّ له احترامًا لمشاعر صديقه، مع أنّه لا يريد سوى أن يُقرَّ له بآرائه ويجعله ضامنًا لسلوكه. أمّا مَن يُسدي النصيحة، فيُكافئ الثقة التي تُمنح له بحماسةٍ ظاهرة وغيرةٍ متجردة، على الرغم من أنّه لا يبتغي في الغالب من النصائح التي يقدّمها إلاّ مصلحتَه أو مجدَه. (١١٦)

إنّ تماثل البناء التركيبي يوحي بعدم التمايز الذي يُحدثه حبّ الذات. فالأسماء الموصولة المتتابعة («الذي») الواقعة في صدر كلتا الجملتين الاستدلاليتين تُبرز التماثل التام بين طالب النصيحة ومانحها. وتأتي جُملتا التنازل، المصدَّرتان بـ«مع أنّ» و«على الرغم من أنّ»، والمتموضعتان في آخر كلّ جملة لتأكيد الحجّة، فتُعزّزان هذا التوازي. وهاتان البنيتان تُبيّنان أنّ حبّ الذات لا يجد إشباعه إلاّ داخل علاقةٍ متبادلة. إنّ التبادل القائم بين الناصح والمستنصح هو الشرط الذي لا يُستغنى عنه لرضا كلٍّ منهما. وغايتهما لا تكاد تميّز أحدهما عن الآخر؛ فكلٌّ منهما يلتفت إلى مصلحته الخاصّة، كما يدل على ذلك تكرار الضمائر والصفات الملكية، ولاسيما كلمة «إلا» في نهاية الفقرة. ومع ذلك، فإنّ لاروشفوكو لا ينكر فضائل التجارة الإنسانية، بل إنّه يؤسّس مجمل أخلاقه الاجتماعية على ضرورة الحفاظ عليها. فالصداقة ليست إلا «شركةً وتدبيرًا متبادلًا للمصالح، وتبادلًا للخدمات الحسنة» (٨٣). ولكنّها تجارةٌ منظّمة، تُهيَّأ فيها المعاملة بالمثل على الرغم من حضور حبّ الذات:

لا نستطيع أن نحبّ إلا ما كانت له علاقةٌ بنا، ونحن لا نتبع إلاّ ذوقنا ولذّتنا حين نفضّل أصدقاءنا على أنفسنا؛ ومع ذلك فإنّ هذا التفضيل وحده هو الذي يجعل الصداقة صادقةً وكاملة. (٨١)

فالصداقة وحدها تعرف كيف تقيم توازنًا دقيقًا في العلاقات؛ إذ، من غير أن يُلغى المرء مصلحته، يستطيع مع ذلك أن يراعي مصلحة الآخر المناقضة لمصلحته. أمّا النزاعات، فتنشأ من غياب التنازل. ويُلمح لاروشفوكو إلى أنّ الفرد إذا سعى إلى التوافق مع غيره أدرك المسافة الفارقة التي تفصل بينهما. أمّا حين يستعرض حبَّه لذاته، فإنّه يُحدث اختلالًا يُطلق نوعًا من الاضطراب الاجتماعي الذي لا مفر منه. وهكذا فمَن يخدع ينبغي أن يتوقّع أن يُخدع: «لا يُخدَع أحدٌ بسهولةٍ مثل الذي يفكّر في خداع الآخرين». (١١٧)

ومن ثَمّ، فإنّ عدم استقرار المجتمع أصله حبّ الذات. وعلى الرغم من أنّ لاروشفوكو يستعمل الشرط في تلك المقولة المشهورة المحذوفة حول حبّ الذات («… لجعلهم طغاةً على الآخرين»)، فإنّه يرى بوضوح، في «في المجتمع»، أنّ حبّ الذات هو أصل الفوضى والاختلال الاجتماعي. ولئن كان «أعظم فضلٍ» في المجتمع أنّه يشبه الصداقة (استطرادات، ١١)، فإنّ لاروشفوكو يبني مشروعه لإصلاح الفوضى على هذا النموذج بالذات، لأنّ التجارة في الصداقة تبادلٌ منظمٌ للغاية (٨٣، استطرادات ٢)، يظهر فيه أنّ حبّ الذات غير مُلغى، ولكنّه يبدو مضبوطًا.

وحبّ الذات، «أعظم الممالقين» (٢)، و«أمهر من أمهر الناس» (٤)، جزءٌ من الطبيعة البشرية، يسيطر على كلّ شيء، حتى في الحبّ (٢٦٢، ٥٠٠). وهو مخرّبُ السكينة، لا يُعرَّف ولا يُمسك، ومع ذلك «يوجد في جميع أحوال الحياة وفي جميع الطبقات؛ يعيش في كل مكان، ويقتات من كل شيء، ويعيش من لا شيء». وهو يعيش كذلك على حساب مضيفه، «لا يقف عند الأشياء التي ليست له إلا كما تقف النحلة على الزهر، لتأخذ منه ما يعود عليها». وبالجملة، فحبّ الذات يملك كل صفات الطفيلي. وكالكائن الحيّ، له وجوده الخاص، ويمنحه لاروشفوكو، في المدوّنة المحذوفة، وجودًا أشبه بوجود الإنسان: «في أعظم مصالحه… يرى، ويحسّ، ويسمع، ويتخيّل، ويَشُكّ، ويَنفذ، ويُخمّن كل شيء». وهو يشبه في ذلك طفيليَّ ميشيل سير، ويعمل عمله نفسه:

فعلُ الطفيلي أن يتوجّه إلى العلاقة. يذهب غريزيًّا إلى الوسائط ويحتلّها. إنّه يُدبّر المؤامرات. هذا الثالث، لا بدّ من قوله، هو مُضمَّن. يضمّنه السيد في منزله، وهو مُضمَّن توزيعيًّا في كل علاقة. إنّه يقطع كل الروابط بين كل الأمكنة. إنّه يستولي على التدفقات. إنّه الثالث المضمَّن.

ويُظهر جان لافون بوضوح أنّ «حبّ الذات… هو تلك المعطى المباشر، المنقوش في كياننا البيولوجي نفسه، الذي يصنعنا أفرادًا». فحبّ الذات طفيليّ يسكن كلَّ فرد، بل يولد معه؛ ولهذا لا يمكن التخلّص منه: «إنّه طبيعيٌّ فينا أكثر من أن نستطيع التخلص منه». ولو كان هذا الطفيليّ قد أفسد نظامًا قائمًا بمجرد دخوله، لكانت إزالته تُعيد هذا النظام. غير أنّه ما دام منقوشًا في كيان الفرد والمجتمع، فهو يكاد يكون معادلًا لعنصرٍ وراثي، «ثالثٍ لا يمكن أبدًا استبعاده» على حدّ عبارة سير. إنّه مُضمَّن ولا يُستبعد. ولذلك فالسؤال عند لاروشفوكو ليس سؤالَ استعادة النظام، بل سؤال تنظيم الفوضى.

إنّ استقرار العلاقات الإنسانية يجب أن يقوم على كبح حبّ الذات. ومن دون هذا الكبح، يعيش الناس في حربٍ دائمة تُشبه الحالة التي دانها توماس هوبز، كما تُشير إليها الحكمة ٨٨ في الطبعة الأولى - التي حُذفت في الطبعة الثانية - ونصُّها الطويل في «مخطوط ليانكور»:

إنّ العدالة ليست إلا خوفًا حادًّا من أن يُنتزع منا ما نملك؛ ومن هنا يأتي ذلك الاعتبار والاحترام لمصالح الغير، وذلك التحرّز الشديد من إلحاق أيّ ضرر به. ولولا هذا الخوف الذي يردّ الإنسان إلى حدود الخيرات التي منحتها له الولادة أو الثروة، إذ هو مدفوعٌ بغريزةٍ عنيفة للحفاظ على نفسه، كما لو بجوعٍ مسعور، لسار على الناس سَطوًا متواصلًا. (ليانكور ١٠٩)

وأمام هذه الوحشية الحيوانية في البشر الذين تسوقهم غريزة البقاء وحدها، يرى لاروشفوكو أنّ حلًّا واحدًا ممكنًا «للمحافظة على المجتمع» (استطرادات ٢): وهو أخلاق فردية تقوم على إخفاء حبّ الذات إخفاءً واعيًا إراديًّا:

ينبغي على الأقل أن نعرف كيف نخفي هذا الميل إلى التفضيل، إذ هو طبيعيٌّ فينا أكثر من أن نتخلص منه؛ وينبغي أن نفعَل لذّتنا ولذّة الآخرين، وأن نراعي حبّهم لذواتهم وألاّ نجرحه أبدًا.

وفي وجه اللاتمايز الذي يصنعه الطفيليّ في الجماعة، تكون الاستجابة فردية. فالتجارة المثلى بين «أهل الأدب» عند لاروشفوكو تقوم على فنّ للعيش (الحصافة) وحفظ المجتمع.

وكان هوبز يرى أنّ إقامة «سلطة مشتركة»، يبلغها البشر حين يُفوِّضون «كلّ قوتهم وكلّ قدرتهم إلى رجل واحد، أو إلى جماعةٍ من الرجال، تُخضع كلَّ إراداتهم، بأغلبية الأصوات، لإرادةٍ واحدة»، هي السبيل الوحيد للخروج من الفوضى. فإذا تنازل كل واحد عن سلطته الفردية نوعًا من الوكالة، استُحدث السلام الاجتماعي. فلا تبقى إلا الوحدة: «إنّ هذا أكثر من الموافقة أو الانسجام؛ إنّه توحّدٌ حقيقيٌّ لهم في شخصٍ واحد، صنعه عهدُ كلّ إنسانٍ مع كلّ إنسان». وعلى المنوال نفسه يتصور لاروشفوكو تنظيم المجتمع بوصفه التزامًا شبهَ تعاقديّ ينبغي لكل فردٍ أن يخضع له ليحسن سير الجماعة، فلهذه الانسجامات الداخلية والخارجية للفرد ما يقابلها في انسجام العلاقات الإنسانية.

ولبلوغ هذا التنظيم للفوضى، ينبغي لكل فردٍ أن يُخفي حبَّه لذاته، وأن يحاول التخفف من طغيان «الأنا». ولأنّ المرء لا يستطيع أن يُلغي حبّ ذاته، فعليه أن يحاول «إرضاء نفسه وإرضاء الآخرين». فالعلاقة بالآخر تحتاج إلى أن تُضبط بالعلاقة بالنفس، كما يدلّ عليه نموذج الصداقة (٨١). ويُمارس ضبط حبّ الذات بإقامة حدود تمنع الإفراط. وهكذا «الملاطفة ضرورية في المجتمع، ولكن لا بدّ لها من حدود؛ فهي تصبح عبودية إذا هي أفرطت». والثقة - وإن كانت ضرورية لـ«تجارة أهل الأدب» لأنها «تُرضي دائمًا من يتلقّاها» - إلا أنّها أيضًا ينبغي أن تضبط ضمن تخوم حكيمة، إذ «ليس الأمر يتعلّق بنا وحدنا، ومصالحنا تمتزج غالبًا بمصالح غيرنا». فيقول لاروشفوكو:

لست أقصد بما أقول أن أهدم الثقة، وهي الضرورية بين الناس، لأنّها رباط المجتمع والصداقة، بل قصدي أن أضع لها حدودًا وأن أجعلها شريفةً وأمينة. أريدها دائمًا صادقةً ودائمًا حصيفة.

وكما ردّ فيلينت على مرارة ألكست: «العقل الكامل يفرّ من كلّ إفراط». كذلك يدعو لاروشفوكو إلى الاعتدال. فهو يشجّع الناس على التحرّر من كلّ تبعيةٍ مفرطة، وحفظ استقلالهم: «لجعل المجتمع ميسورًا، لا بدّ لكلّ واحدٍ أن يحفظ حريته». فالمجتمع «يُضبط ويُحفظ… بالاعتبارات الواجبة بين الأشخاص الذين يريدون أن يعيشوا معًا». ولا يمكن تلافي النشاز إلا ببذل الجهود الفردية «لجعل المجتمع مريحًا»:

يمكن أن يسلك الناس طرقًا مختلفة، وأن لا تكون لهم الآراء نفسها ولا المواهب نفسها، بشرط أن يُعينوا على متعة المجتمع، وأن يحافظوا فيه على الدقة نفسها التي ينبغي للأصوات المختلفة والآلات المتباينة أن تحافظ عليها في الموسيقى.

ويبرز هذا السلوك المطلوب في جرعةٍ موزونة، تُظهرها الاستطرادات، ولاسيما في الاستطراد الثاني، بما فيه من عبارات «ينبغي…» المقيّدة دائمًا باستدراكات مثل «لكن» أو «من غير أن…»: «ينبغي أن نقدر على الافتراق من غير أن يغيّر هذا الافتراق شيئًا… وينبغي أن نُسهم… في تسلية من نريد العيش معهم؛ ولكن لا ينبغي أن نكون دائمًا…» (استطرادات ٢). والأساس في الصداقة، وبالقياس في كلّ علاقة اجتماعية، هو «أن نُبقي على كثيرٍ من الاعتدال» (استطرادات ٢). وهذا الاعتدال امتدادٌ للحصافة التي تتيح دفع الأخطار وتحفظ احترام الآخر من غير أن تُعطيه مجالًا مبالغًا فيه. فالاعتدال يحمي من الإفراط ومن دون تضحية بالمصلحة. فالرجل الأديب هو الذي «لا يتشبث بشيء» (٢٠٣)، لا تهزّه الأمور - ولا حتى الصداقة والوفاء. والأدبيةُ هي اجتماعُ طريقةٍ حذرةٍ في ضبط النفس مع إرادةٍ صادقة في احترام الذات:

فالرجل الأديب… ينبغي له ألاّ يقتصر على الاحتراز في كلامه ونبراته، بل عليه أيضًا أن يحتاط في ظنونه، وألاّ يظهر في كلامه ولا في ملامحه ما يحوّل أفكار الآخرين نحو ما لا يريد قوله.

إنّه، بإرادة التخفف، يتخلّص من النزاعات السطحية. ويعرف كيف يضبطها بالمحافظة على المسافة، مما يساعده في الوقت نفسه على حفظ صميم كيانه:

وكما ينبغي أن نحفظ مسافةً لرؤية الأشياء، ينبغي أن نحفظ مسافةً أيضًا للمجتمع: فلكلّ واحدٍ وجهةٌ يريد أن يُنظَر إليه منها…

لكن الأهم أنّه يتجنّب العنفَ المحاكاتيّ الذي يحكم العلاقات الاجتماعية ويُفسد المجتمع. «إنّه خطرٌ أن يريد المرء أن يكون دائمًا سيّد الحديث، لأنّه، بذلك، يضع نفسه فوق الآخرين. فيتأذّى محاوره في حبّ ذاته، ولا يستطيع إلا أن يقلّده في سعيه إلى السيطرة على الحديث بدوره. ومن هذه الرغبة المحاكاتية المشتركة، ومن إرادة السيطرة عينها لدى الجميع، تنشأ اللامتمايزية التي تُحدث الفوضى. والمشكلة في عدم استقرار العلاقات الاجتماعية أشدُّ تعقيدًا لأنّها ليست قابلة للحلّ بإلغاء حبّ الذات إلغاءً نهائيًّا، لأنّ هذا الإلغاء مستحيل أصلًا. فكما أنّ حبّ الذات لا يوجد إلاّ على حساب مضيفه، وهو «لا يعنيه إلا أن يوجد»، كذلك الإنسان لا يكون ولا يوجد إلاّ في علاقته بالبناء الاجتماعي الذي ينتمي إليه. وحبّ الذات لا يكون إلا بعلاقته بمضيفه:

وله ميولٌ مختلفة بحسب اختلاف الطباع التي توجّهه، فينصرف مرّةً إلى المجد، ومرّةً إلى الثروة، ومرّةً إلى اللذات؛ وهو يتبدّل بتبدّل أعمارنا وثرواتنا وتجاربنا.

والإنسان يجد علّة وجوده في علاقته بالمجتمع. والعقبة الكأداء أمام حسن سير المجتمع وسلامته إنّما تكمن أوّلًا في «أنّ كلّ واحدٍ يريد أن يجد لذّته ومصلحته على حساب الآخرين».

ولهذا يسعى لاروشفوكو إلى أن يُشجّع الأفراد على ألّا يعيشوا على حساب غيرهم، وأن يُوجدوا «من غير تبعية»، أي أن يحاولوا الإفلات من الدائرة الجهنمية التي تمثلها الرغبة المحاكاتية التي لا فكاك منها، فضلاً عن حاجة الإنسان - لتغذية حبّ ذاته - إلى علاقته بالآخرين. فبألاّ يتكلم «أبدًا بنبرة السلطة»، وبألا يجرح مشاعر غيره، وبأن «يظهر لمن يثقون به دائمًا صادقًا في خصاله الطيبة وفي عيوبه أيضًا»، يستطيع الرجل الأديب أن يرفض أن يكون ندًّا يعيد الكرة نفسها التي تُلقى إليه. إنّه يحترم حبّ ذات محاوره (أي رغبتَه في أن يكون)، ويحترم حبَّه لذاته كذلك. وبهذا وحده، وبفضل مساهمته الفردية المتواضعة، يملك القدرة على إعادة التناسق في الاختلافات، وعلى تنظيم الفوضى في العلاقات الإنسانية.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق