«سِفْر أنساب الآلهة» لجيوفاني بوكّاتشّيو

 

لكتابةٍ جليلة رفيعة، يقول بوكّاتشّيو، في دفاعه عن الشِّعر الذي يختم به «سِفْر أنساب الآلهة»: «إنّه لزامٌ… أن تُعاين آثارَ القُدماء، وأن تُثبِتَ في الذاكرة تواريخَ الأمم، وأن تكون أليفًا بجغرافية البلدان المختلفة: البحارِ والأنهارِ والجبال»؛ وهذه الصورةُ للمعارف المطلوبة من doctus poeta، الشاعرِ العالمِ الجديد، تبدو كأنّها فهرسٌ لأعمال بوكّاتشّيو الإنسانيّة ذاتها. فـ«سِفر أنساب الآلهة»، و«في سيرِ النساءِ المشهورات»، و«في نوائبِ الرجالِ العِظام»، تُقدّم «الآثار» و«التواريخ» اللازمة، بينما يُجيب معجمُ بوكّاتشّيو الجغرافي جوابًا مطابقًا للحاجات المُعلَنة في كتبٍ معنونة: «في أسماءِ البحر» و«في الأنهار»، و«في الجبال»، وفي هذه المؤلَّفات كلّها - وخاصةً في  «الأنساب» - يُظهِر بوكّاتشّيو من العلم ما يُسوِّغ تتويجَه نفسَه واحدًا من «التيجان الفلورنسيّة الثلاثة» في بدايات عصر النهضة؛ غير أنّ غرضه المُصرَّح به هو أن يُعدَّ لِشُعراء المستقبل، الذين سيجدون عملَه - إذ يدرسون تذكارات القُدماء وبقاياهم - نافعًا.

وحقًّا وجدوه نافعًا، إنْ حَكَمْنا بعدد المخطوطات اللاتينيّة والطبعات، وبالترجمات العاميّة التي ظلّت تتدفّق من المطابع زمنًا طويلًا بعد أن تجاوزته «الميثوغرافيا» في القرن السادس عشر بوصفه عملًا علميًّا. وتنتشر التلميحات والاقتباسات في أدب القرنين التاليين انتشارَ النُّجوم في صفحة الليل. وكذلك رأى الباحثون المحدثون في الأنساب نفعًا بوصفها مُلخَّصًا لِمجازاتٍ لطيفة الطرافة، ودليلَ مرجعٍ إلى «المعاني الباطنة» التي قد تحملها الأساطير في شعر النهضة. غير أنّ نفعها نفسه بوصفها كتابَ مراجع قد أعمى أبصارَنا عن فضائلَ أخرى لها. فالمنفعةُ لم تكن مقصدَ بوكّاتشّيو الوحيد في العمل الذي شغلَه ثلاثين سنة، والذي كان هو ومعاصروه يعدّونه magnum opus، أي عملَه الأعظم، كما أنّ المنفعة وحدَها لا تُفسِّر قيمته عند قرّاء النهضة. فـ«الأنساب» - على خلاف كتابٍ مرجعيٍّ صِرف - تتقاطَع فيها التسوياتُ والصراعات: بين المنفعة والوحدة، وبين التوقير والسخرية، وبين الذنب والثقة، وبين الحنين والتقدُّميّة، وبين العَلمانيّة والأرثوذكسية. وقد بدا هذا التعارضُ لقرّائها الأوائل حتميًّا، وبدا ما ينتج عنه من تسوياتٍ مثالًا يُحتذى. ثم إنّ كِلَيْهما ينبثق تحديدًا من السمات التي لا تزيد الكتابَ نفعًا مرجعيًّا، بل لعلّها تُعيقه: أعني «الرحلةَ الاستعاريّة» الواردة في مُقدِّمات كلّ كتاب، وفكرةَ «الأنساب» ذاتها، أي المخطّط الذي يمنح نظامًا لفوضى الميثولوجيا القديمة، ولبنية كتاب بوكّاتشّيو. وليس من المُبالغة القول إنّ الأنساب تعرض - إلى جانب مادّتها الأسطوريّة - حبكتين، ومسارين تاريخيّين، يتدافعان نحو بعضهما في الزمن ولا يلتقيان. وفي هاتين الحبكتين يُدرْمي بوكّاتشّيو مساعيه بوصفه مُدوِّنَ أساطير، والقطيعةَ التاريخيّة أو التصدُّع الذي ينهض بتلك المساعي ثم يُحبِطها.

إحدى الحبكتين - وهي موضوعُ هذه المقالة - تتعقّبُ سلالةَ الآلهة في امتدادها من آلهةٍ بدئيّة أرضيّة (chthonic) إلى الأولمبيّين، ثم أنصافِ الآلهة والأبطال، ثم إلى مؤسّسي المدن الأسطوريّين وذريّاتهم من البشر. وأمّا الحبكةُ بوصفها فعلًا، فهي شديدةُ البساطة، لا تعدو أن تكون فعلًا واحدًا يتكرّر في عناوين الفصول، كتلك الواردة في نسبِ إينياس في الكتاب السادس:

الخمسون: في كابيس ابنِ أسّاراك، الذي أنجب أنخيسِس.

الحادي والخمسون: في أنخيسِس ابنِ كابيس، الذي أنجب هيبوداميا وإينياس.

الثالث والخمسون: في إينياس ابنِ أنخيسِس، الذي أنجب يوليوس أسكانيوس وسيلفيوس بوستوموس.

الرابع والخمسون: في أسكانيوس ابنِ إينياس، الذي أنجب يوليوس سيلفيوس وروما.

وهذا «التوالد» المتكرّر يُنتِجُ سلالاتٍ معقّدة؛ غير أنّ خيوطَ الحبكة النَّسَبيّة تبدأ في الانفراط داخل العصور القديمة نفسها، وتنقطع إلى الأبد مع مجيء المسيح. فالآلهةُ الوثنيّة «ليست مجرّد خاملةٍ أو نائمة»، كما يزعم بوكّاتشّيو؛ «بل لقد دُفِنت إلى الأبد، بما لا يترك إمكانًا لبعثٍ بعد ذلك، بتعليم المسيح المقدّس»؛ ومن ثمّ فإنّ ذُريّةَ الآلهة - أي الحبكة النَّسَبيّة في كتاب بوكّاتشّيو - تنقطعُ من غير نسلٍ حاضر. ولعلّ موتَ الآلهة الذي لا فِداءَ له يُريح ضميرَ المؤلّف المسيحي، غير أنّ اسمًا آخر له هو: انقراضُ الأسطورة - وهو بعينه النقصُ الذي يتصدّى بوكّاتشّيو لجبره، ويُصوِّره مرارًا على أنّه قيامةٌ وإحياء:

مَنْ ذا الذي يستطيعُ اليوم أن ينفذ إلى قلوب القُدماء؟ مَنْ يستطيعُ أن يُخرِج إلى النور والحياة من جديد عقولًا انتُزِعت بالموت منذ أمدٍ بعيد؟ مَنْ يستطيعُ استنطاقَ معناهم؟ إنّها مهمّةٌ إلهيّة، لا بشريّة!

وهؤلاء الموتى ليسوا الآلهة، بل شعراءُ العصور القديمة، الذين يريد بوكّاتشّيو أن يُحييهم لكي يُحيي الشِّعر نفسَه، وأن يُعيد تأسيسَ سلسلةٍ من الشِّعر تهبط من الكلاسيكيّات وتُشرِّعها. وهو يقصد أن تكون «أنسابُ الآلهة» العقيمةُ وسيلةً تُخدِم «أنسابَ الشُّعراء» المستمرّة؛ لكنّ العلاقة بين الوسيلة والغاية تظلُّ متوتّرةً غير مُستقرّة. فما انفكّ بوكّاتشّيو لا يُقنع نفسَه إقناعًا تامًّا بأنّه يستطيع استرجاع ميراث الأسطورة من غير أن يُحيي الآلهةَ الكاذبة. وخطرُ الرِّدّة كامنٌ ضمن الحبكة النَّسبيّة لكتابِه.

أمّا الحبكةُ الأخرى، ففيها ينهض مُدوِّنُ الأساطير برحلةٍ إبستمولوجيّة: يَخوض بحارَ الحقيقة والخيال لِيلتمسَ بقايا الآلهة القديمة. وهي رحلةٌ مصوغةٌ على مثال الرحلات الملحميّة القديمة والوسيطة، تُدشّن - بوعيٍ بذاتها - عصرًا بطوليًّا للمعرفة، وتغدو نموذجًا أصيلًا لرحلات الخيال العجيبة في سرديات عصر النهضة اللاحقة. غير أنّها - لأنّ موضوعها هو العصور القديمة ذاتها - تنقطع هي أيضًا من غير إيفاءٍ بالمطلوب. «مهمّةٌ إلهيّة، لا بشريّة!».

والإبحارُ الاستعاري في المقدمات يُضفي على عملِ التحقيق الغُباريّ مسحةَ الأسطورة، ويجعل لقاءً مباشرًا بموضوع الرحلة ممكنًا - ولو في الخيال وحدَه. لكنّ ذلك اللقاء المباشر، الذي يُستدعى أو يُلمَح إليه مرارًا، لا يقع قطّ. فإذ يتعقّب بوكّاتشّيو تِيهَ حبكته النَّسَبيّة، لا يُعاين إلا مشاهدَ موهومة: «جثثًا نصفَ مُلتهمة»، و«أطلالًا». وتصف بلاغةٌ مسدودة في جملةٍ من مقدّمة الكتاب الخامس مصيرَ الرحلة كلّها: «أبصرتُ - ولا أقولُ زُرتُ - أثينا؛ بل كنتُ إنما أحدِّقُ في أثرِها الضئيل، وقد كاد يُستهلَك ويَفنى». يوحي النحوُ بعلّيّةٍ كأنّ النظر هو الذي أنشأ الخراب، بينما يُحاكي الانقطاعُ النحويّ (anacoluthon) عنايةَ بوكّاتشّيو المتواترة بما بقي من أطلالٍ قائمة، أيًّا كانت الحالُ الممجّدةُ الأصلية التي قد تحفظها الآدابُ أو تُصوِّرها المخيّلة. ولولا حبكةُ «رحلة المُدوِّن» لما استطاع بوكّاتشّيو أن يقيس هذه الأطلال الحديثة فورًا على أمجادٍ قديمة، ولما استطاع أن يُقدِّم هذا القياس نوعًا من البطولة.

ومع أنّ الحبكتين في الأنساب تبدوان أحيانًا كأنّهما تتقاطعان، فإنّهما لا تتّحدان قطّ. فعلى خلاف رُواة «العَشرية» (Decameron)، أو «في نوائبِ الرجال العِظام»، أو «في سيرِ النساءِ المشهورات»، لا يستطيع «مُدوِّن الأساطير» البطولي عند بوكّاتشّيو أن يتجاوز إطارَ مقدماته ليمتزج بمادّته. وكذلك تنقطع مادّتُه عند الحدّ الفاصل بين الأسطورة والتاريخ، ببابٍ يشرح لماذا لا يُدرَج الإسكندرُ وسكيبيو ضمن أبناء جوف (Jove). وفي الفصول الأسطوريّة يُدلي بوكّاتشّيو بأحكامٍ بصيغة المتكلّم فعلًا، غير أنّ صوتَه يبقى مُتباعدًا، وما يلوح من السرد يبدو - على نحوٍ مُدهش - مُتكرّر الآلة عند مؤلّف. وهكذا تُقدِّم الحبكتان صورتين لمُدوِّن الأساطير: واحدةٌ بطوليّة، منخرطة، مُعرّضة للخطر؛ والأخرى دارسة، متباعدة، آمنة. وتظلّ الصورتان غير مُتصالحتين في الكتاب كلّه. وفي علاقتهما المضطربة - وفي علاقة الحبكتين اللتين تَنبثقان عنهما - تتجلّى الأنساب بوصفها ليست مجرّدَ مُلخَّصٍ للميثولوجيا، بل محاكاةً أدبيّة لما سمّاه أحد الباحثين «روايةَ الإنسانيّة المبكّرة.

وعلى أنّ نسبَ الآلهة عند بوكّاتشّيو لم يكن الأوّل، فإنّ التجميعات السابقة لم تكن غيرَ قوائم، ويجدر التشديد على غرابة استعمال «الأنساب» في بناء موسوعةٍ ضخمة. فقد قُسِّمت الأنساب إلى كتبٍ، يتناول كلٌّ منها فرعًا من العائلة الإلهيّة، ثم تُقسَّم الكتبُ إلى فصولٍ يتناول كلٌّ منها فردًا من أفراد الفرع على حدة. وبعد أن أخذ العملُ هيئتَه، ظلّ بوكّاتشّيو يضيف معلوماتٍ في الهوامش، وكأنّ الفصول الكثيرة التي لا تسجّل إلا اسمًا ونَسَبًا تدعو إلى مثل هذه الحواشي في المستقبل. وهذان الأمران يُشيران إلى اعتقاد بوكّاتشّيو أنّ بيانات الكتاب يمكن أن تُستكمَل أو تُصحَّح، وأنّ البنية النَّسَبيّة ستبقى قائمة. وفي المخطوطات تتكرّر هذه البنية مرّتين أخريين: في «الأشجار» التي تسبق كلّ كتابٍ وتُخطِّط محتواه، ثم في «جدول العناوين» الذي يجمع جميع رؤوس الأبواب.

وقد أثنى بوكّاتشّيو على هذا البناء النَّسَبي المُثَلَّث التكرار بوصفه «ملائمًا للعثور على ما تطلب، ولتثبيت ما تريد في الذاكرة تثبيتًا أفضل»، لكنه لا بدّ أنّه أدرك ما فيه من مشقّةٍ مرجعيّة، كما أدرك العلاجَ الواضح لها. فمعجمه الجغرافي مُرتَّبٌ أبجديًا، أمّا الأنساب فلم يكن لها فهرسٌ أبجديّ إلى أن - وبإلحاح من سالوتاتي - جمع دومينيكو بانديني فهرسًا ظهر في عدّة مخطوطات وفي الطبعات السبع الأولى. وفي تعليل جهده استشهد بانديني ببنية العمل غير الملائمة «بإطنابٍ مُفرِط، وبِهيكلةٍ تقوم على كثرةٍ لا تُستقصى من الأشياء»، لكنّ مقدّمة الفهرس في الطبعات المطبوعة تُفصح عن الأمر على نحوٍ أدقّ: «إنّ من العسير جدًّا على من يرومُ العثور على حكاية أو خرافة - حتى في العناوين - إلّا أن يقرأ أكثرَها كلّه تقريبًا». ومع ذلك آثر بوكّاتشّيو ألّا يقدّم فهرسًا أبجديًا، بل جدولًا للعناوين لا يزيد على أن يَسرد محتويات الكتاب. فاستعمال العناوين أو الأشجار يعني إعادة قراءة الكتاب واستخراج وحدته المُلخّصة، لا اختزالها إلى بديلٍ أكثرَ يسرًا. ويبدو أنّ «الوحدة» كانت عند بوكّاتشّيو جديرةً بثمن عدم الملاءمة.

بل لعلّ الوحدة كانت جديرةً بثمنٍ أكبر؛ إذ إنّ الأنساب التي يلاحقها بوكّاتشّيو بلا كللٍ تُفضي - وهذا من مفارقات كتابٍ مُكرَّس لجمع disjecta membra، الأعضاء المتناثرة للميثولوجيا - إلى تفتيت الأساطير الفرديّة وتبديد شخصياتها في سلالاتٍ متفرّقة. أفيمكنُ لفنّانٍ سرديٍّ بمهارة بوكّاتشّيو ألّا يُحِسّ بما نحسُّه من التشظّي حين، مثلًا، يقسم قصّة ديدو وإينياس بين فصلين تفصل بينهما خمسةُ كتب، أو حين يُفرّق ميدوسا وبرسيوس وبيغاسوس - الذين استُشهد بهم مثالًا للأسطورة - على ثلاثة فصولٍ في كتابين؟ إنّ أبولودوروس وفولغنتيوس وهيجينوس و«أساطير الفاتيكان» جميعًا صاغوا مادّتهم في وحداتٍ منفصلة، لكنهم حفظوا كذلك سلامة الأسطورة بوصفها حكاية. وهذان العيبان الواضحان - مشقةُ الرجوع وتهشيمُ المادة - يُبرزان غرابةَ اختيار «الأنساب» لترتيب موسوعةٍ ضخمة. فإذا كانت الأنساب تُوحِّد جسد الأسطورة القديمة، فأيَّ نوعٍ من الوحدة تمنح؟ وكيف تكون تلك الوحدة جديرةً بتكاليفها؟

حين استخدم بوكّاتشّيو الأنساب لإعادة جمع «البانثيون» الأسطوري، كان يعود إلى المبدأ الذي وحّده في الأصل. فقد استخدم هِسيود «الأنساب» ليُزاوج بين آلهة هوميروس وخليطٍ فوضويّ من عباداتٍ محليّة وتقاليد، وليضيف من عنده صناعةَ أسطورةٍ تأمُّلية. ثم أدرك اليونانُ اللاحقون النتيجة بوصفها «بانثيونًا أولمبيًّا» شبهَ منظّم. وهوميروس وهِسيود «علّما اليونانَ أجيالَ الآلهة»، على قول هيرودوت، «وأعطياهُم أسماءها، وحدّدا وظائفها وفنونها، وصوّرا أشكالها». تنظّم أنسابُ هسيود الآلهةَ في هرميّةٍ وتاريخ، غير أنّ أعمال وأيّام - بأسطورتها عن العصور الأربعة - لا تُشدّد على انحطاطٍ تاريخي؛ ولا تُفضي في أيٍّ من القصيدتين فكرةُ التراجع التاريخي أو وهنُ الأنساب إلى «نزع أسطرة» الآلهة أو التشكيك في ألوهيتها. أمّا عند هسيود، فالمراتبُ والنَّسَب يعبّران مجازًا عن نظام الكون الواحد المتكامل.

غير أنّ أنسابَ بوكّاتشّيو - مع أنها تُنظّم البانثيون وتُوحّده - تعمل على خلاف أنسابِ هسيود في غير ذلك. فبوكّاتشّيو يعامل نسبَ الآلهة لا بوصفه «صورة» للنظام الإلهي، بل بوصفه حقيقةً تاريخيّة؛ وتغدو الألوهيّة مجازًا. و«اليوهميريّة» (Euhemerism) - أي عقلنةُ الآلهة القديمة باعتبارها بشرًا عظامًا أُلّهوا بالشِّعر - ليست حيلةً متواترةً في الفصول المفردة فحسب، بل هي كامنةٌ في الطريقة التي يستخدم بها بوكّاتشّيو «الأنساب» لتشييد العمل كلّه. فبعد أن تُنزَع الأسطورة عن الآلهة وتُختزَل إلى خيالاتٍ شعريّة تُشير إمّا إلى رجالٍ عظام، أو إلى حقائقَ في الطبيعة، أو إلى فلسفة الأخلاق، يمكن إدراجها ضمن التاريخ بوصفه إنسانيًّا وعَلمانيًّا، بل يمكن إقرارها ضمنه.

وهذه الهموم المزدوجة - إعادةُ توحيد البانثيون، وكشفُه أثرًا إنسانيًّا - تتجسّد، بل تُدخَل في صلب النص، في مواضعَ عدّة تُنمّي استعارة «الكتاب جسدًا». فـ«المَتن» (corpus) - بوصفها استعارةً كتابية لوحدة الكنيسة - تُوحي بقوة إلى كُلٍّ موحَّد ذي أعضاء كثيرة. وفي العصور القديمة كانت «المَتن» تعني عادةً «مجموعةً جامعة» أو «مختصرًا» أو «موسوعة»، غير أنّ بوكّاتشّيو يُحيي الاستعارة المدفونة في هذا الاستعمال المألوف. وتظهر فكرةُ الكتاب جسدًا أول مرة في المقدّمة، حين يؤكّد بوكّاتشّيو استحالة الإحاطة بجميع صور الوثنيّة، ويعتذر عن حصر مادته في اليونان وروما. ويُسوّغ تضييقَ النطاق بأنّ الوحش الذي هو الوثنيّة كان ذا جسدين: جسدٌ بربري، وجسدٌ يوناني-لاتيني «فليكنْ لهذا المسخِ جسدانِ اثنان: أحدُهما بربريّ، والآخر يونانيّ ولاتينيّ». وسيظلّ جهدُ بوكّاتشّيو - مع بقائه بطوليًّا - غيرَ عقيم، إذ يمضي يفتّش في كلّ مكان عن بقايا الآلهة الأمميّة، المبعثرة كأشلاء حطامٍ عظيم:

هذه البقايا، الموزّعة في مجلّداتٍ تكاد لا تُحصى، المنكمشة بفعل القِدم، نصفَ مُستهلكة، تكاد تُمحى - سأجمعها في مَتنٍ واحدٍ من الأنساب [in unum genelogie corpus] على قدر ما أستطيع...

وسيضمّ هذا المَتن الواحد أحدَ جسدي الوحش الأصليين، وسيكون له من الوحدة ما للجسد، وإن كان بوكّاتشّيو يُحذّر راعيه هيو ملك قبرص ألّا يتوقّع الكثير: «فلو قام بروميثيوس آخر [Prometheus alter] من جديد وظهر، أو ظهر الرجلُ نفسُه الذي - كما يقول الشعراء - صنع البشر من طين، لما ظننتُهما يفيان بهذه المهمّة، فكيف بي!». ومن ثَمّ لا ينبغي لهيو أن ينتظر عملًا مكتملًا، ...مَتنًا محكمًا. ثم، في أواخر المقدّمة، يغدو جسدُ الكتاب - المشوّه ولكن الواحد - أسطوريًّا وإنسانيًّا معًا. فإذ يستنصر بالرّب، يتأمّل بوكّاتشّيو مهمّته:

إنّي لأعي تمامًا هذا العناء الذي التزمتُه: هذا الجسد الضخم من آلهة الأمم وذريّاتهم [corpus deorum procerumque gentilium]، الممزّق عضوًا عضوًا، المتناثر في مواضع الوعورة والقفر من العصور القديمة، وفي أشواك الكراهية، الذابل، الهابط حتى يكاد يصير رمادًا؛ وها أنا ذاهبٌ إلى جمع هذه الشذرات - هاهنا وهنالك - وإلصاقها بعضها ببعض، كأنّي إسكولابيوس آخر يُعيد هيبوليتوس إلى الحياة.

وفي بروميثيوس وإسكولابيوس - وهما بشرٌ عوقبوا لتعدّيهم حدودَ القدرة الإلهيّة - يُظلّل بوكّاتشّيو غاياتِ مشروعه وأخطارَه، كما يظلّل مساعي الإنسانيين اللاحقين، ثم إنّ بوكّاتشّيو - حين ينتقل من إنكار كونه Prometheus alter إلى تصوير نفسه Aesculapius alter - يجعل جسد الأسطورة القديمة يغدو إنسانيًّا، لا وحشيًّا: ناقصًا مبتورًا في البدء، ثم مُستعادًا أخيرًا على صورة هيبوليتوس. وفي تخلّق الصورة الإنسانية لـ«متن الأساطير» تُشير المقدّمة إلى هدفي الكتاب المزدوجين: استعادة وحدة الأساطير القديمة، وكشف الحقائق الإنسانية العَلمانية الكامنة فيها.

غير أنّ السؤال ينهض سريعًا: أليست هذه «الصورة الإنسانية» لمادّته قد تحقّقت بسهولةٍ زائدة؟ ويأتي هذا السؤال في قسمٍ تمهيديّ لاحق عنوانه: «مَنْ كان يُعَدّ بين الأمم الإلهَ الأول؟» فباستخدام النوع نفسه من الاستعارة المُستعادة التي وحّدت الآلهة القديمة في جسدٍ واحد، يُمثّل بوكّاتشّيو الإلهَ الأول رأسًا لذلك الجسد. لكنّ القُدماء اختلفوا في شأن «الإله الأول»، فـ«لم يجعلوا هذا الوحش [الوثنيّة] شبيهًا بسربيروس ذي الرؤوس الثلاثة فحسب، بل - وهو أسوأ - حاولوا وصفه وحشًا [monstrum] ذا رؤوسٍ كثيرة». إنّ تعارض السلطات القديمة يهدّد بأن يُعيد الجسد الأسطوري إلى هيئة الوحش، وأن يُشوّه هيئة كتاب بوكّاتشّيو أيضًا. ففي بحثه عن الإله الأول، يبحث بوكّاتشّيو كذلك عن بداية كتابه، وأصل أنسابِه، وجذر أشجاره - وهذه كلّها معانٍ تدخل في الحقل الدلالي لكلمة «فُصيل» (caput). وحين ينتهي - بعد استعراض السلطات القديمة - إلى الثيودونتيوس الغامض وإلى إلهه البدئي ديموغورغون، يعود إلى صورة الوحش ذي الرؤوس المتعدّدة:

فإذن، بعد أن تُؤخَذ هذه الأمور كلُّها بالحسبان، وبعد أن تُقطَع هذه الرؤوس الأخرى - بل الزائدة - وتُعادُ مرّةً أخرى أعضاءً وحسب، وإذ نتخيّل أننا وجدنا بداية رحلتنا… فسندخل الطريق الوعر، هابطين إلى أحشاء الأرض عند تاينارون أو إتنا.

عاد الجسدُ إلى رأسٍ واحد، وعاد الكتابُ إلى بدايةٍ واحدة، وفي الوقت نفسه يُلَمِّح بوكّاتشّيو - بخفاء - إلى نفسه على مثال أعظم الأبطال الأسطوريّين: هرقل، قاهر «الهيدرا» كثيرة الرؤوس، ومُروِّض سربيروس، والذي دخل العالمَ السفلي عند تاينارون بالذات، حيث يقترح بوكّاتشّيو الآن أن يبدأ سعيه النَّسَبي. وسيغدو هرقل لاحقًا نموذجًا أكثر التباسًا لأعمال بوكّاتشّيو؛ أمّا هنا - بوصفه «قاهر الوحوش» - فإنه يُكمل نماذج بروميثيوس وإسكولابيوس السابقة. وعلى مُدوِّن الأساطير ألّا يكتفي بتشكيل مادته الغُبارية المبتورة على صورة إنسان، بل عليه كذلك أن يتغلّب على وحشيّتها، ويَشُدّها في قيودٍ من صَلْدِ الألماس، وأن يُخرجها من جديد إلى الضوء.

وتعود صورةُ الأنساب بوصفها جسدًا مرّةً أخيرة في الكتاب الخامس عشر - والأخير - حين يتوقّع بوكّاتشّيو نقدًا لشكل العمل. فبعض القرّاء «سيشيرون قبل كل شيء إلى عيبٍ في البناء: صدرٌ عريضٌ يبرز من القفا، وساقان من الصدر، وقدمان من الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه الرأس». وقد يشبه بوكّاتشّيو جامعَ تماثيل قديمة يجمع عددًا صحيحًا من الأجزاء البشرية، ثم لا يُخرِج إلا مسخًا. وفي الدفاع لا يدّعي إلا أنه بذل وسعه ليكشف «الرأسَ الأقدم» ويُلحِقه تباعًا بالصدر وسائر الأعضاء. «فإن كانت أنسابٌ أخرى أصدق أو أحسن ترتيبًا»، فهو لا يعرفها. وإن كان قد قلّب مجلّداتٍ كثيرة، فلا يعرف نظامًا أفضل تُركَّب فيه أعضاء «جسدٍ بهذا الاتساع». وفي هذا الموضع يُكيّف بوكّاتشّيو مطلع «فن الشعر» لهوراس، الذي يحضّ على الوحدة الفنية ساخرًا من رسّامٍ قد يصل رأسَ إنسان بعنق فرس، وينثر ريشًا ملوّنًا على أعضاءٍ مُلتقطةٍ من هنا وهناك، «وقد لُمَّت أجزاؤه من كلِّ صوب». فبالاستدلال والتلميح معًا، يُصرُّ هذا الظهور الأخير لفكرة «الكتاب جسدًا» على وحدة الأساطير وعلى مقياسها وشكلها الإنسانيين.

وقد كتب بترارك آيةً من مزمور ٩٥ في الفولغاتا على هامش الإلياذة اللاتينية التي تلقّاها من بوكّاتشّيو: أي «جميعُ آلهة الأمم شياطين» (Omnes dei gentium demonia) إنّ إنسانيّة بوكّاتشّيو في الأنساب تُواجه هذه الأرثوذكسية المُحبِطة، لكنها تُواجه كذلك نزعةً عارضة في أواخر العصور الوسطى إلى الاعتقاد بأنّ كلّ «خرافة» قد تُخفي - أو على الأقل تُبلّغ - حقائق العقيدة المسيحيّة. وتأويلاتُ «الأناغوجيّا» نادرةٌ جدًّا في الأنساب، والقراءاتُ الرمزية تُفضي إلى حقائق في الأخلاق أو فلسفة الطبيعة، لا إلى عقائدَ مخصوصة بالمسيحيّة. ولكن، في الوقت نفسه، يفصل بوكّاتشّيو الميثولوجيا عن الديانة الوثنيّة بتجنّبه أيَّ ذكرٍ للطقوس والعبادات. وهكذا - بعد «تعقيمها» من الإيمان، وردّها باليوهميرية إلى تاريخٍ إنساني - تبدو الأساطيرُ سجلاتٍ شعريّة لحضارةٍ عَلمانيّة.

ولم تكن هذه «العَلمَنة» جديدةً كلّ الجِدّة؛ فقد فعل فولغنتيوس ما يشبهها. غير أنّ ابتكار بوكّاتشّيو كان بنيويًّا؛ فما يميّز الأنساب من «الميثوغرافيات» السابقة هو أنّ بنيتها تُجسِّد انخراطًا في مادتها - بل تُجسِّد، في الحقيقة، الشعورَ بالقطيعة التاريخيّة الذي يُعرِّف النهضة المبكّرة. فحيث إنّ الساتورناليا - بحواراتها مع الموتى - تُحاكي الاستمرارية والإحياء لمقاومة إحساس مكروبيوس بالتأخّر والانحدار (Kasler)، تُحاكي الأنساب - بحبكتَيها المبتورتين ونَسَبها المُغلق - إحساس بوكّاتشّيو بالانقطاع، وباستحالة الحوار مع العصور القديمة. غير أنّ دلالة بنية الكتاب تتجلّى أوضح ما تتجلّى حين تُقابَل بقصيدتين موسوعيتين لأوفيد. ولعلّ هذه المقابلة كانت مقصودة؛ إذ لعلّ بوكّاتشّيو رأى نفسه «أوفيدًا جديدًا»، كما رأى في دانتي «فيرجيلًا جديدًا». كان بوكّاتشّيو يملك مخطوطة من Fasti، واستشهد بها نحوَ خمسٍ وثلاثين مرة في الأنساب، غير أنّها لا بدّ أنّها كانت عنده نموذجًا سلبيًّا: إذ تُخضع الميثولوجيا لطقوس الديانة الرومانية، وهي أمور كان بوكّاتشّيو محتاجًا إلى تجاهلها في سبيل العَلمَنة، كما أنّ بنيتها التقويمية - التي تحسب الزمن بدورة الفصول - لم تعرض له وسيلةً مقبولة ليربط نفسه بمادته.

وأمّا «التحولات» فكانت أقربَ إلى أن تكون نموذجًا، ولا سيما وأنّ كثيرًا من «الميثوغرافيا» في العصور الوسطى كان يأتي في صورة شروحٍ أوفيدية. وكقصيدة أوفيد، عملُ بوكّاتشّيو ذو خمسة عشر كتابًا، وآخرها أكثرُ استطرادًا أو فلسفةً من سواها. وكـ«الأنساب»، فإنّ «التحولات» عملٌ موسوعي، يجمع الأساطير المفردة في «قصيدة متّصلة» (carmen perpetuum)، ضمن كُلٍّ مستمرّ ومنظّمٍ تاريخيًّا. وبنيتها التاريخية تمتدّ من بدء العالم إلى الحاضر الأوغسطي، الذي تزعم - مهما يكن من سُخريّة - أنّه خاتمة تاريخها الأسطوري وميثاقُه. وبنية موسوعة بوكّاتشّيو تُعزّز وظائف قصيدة أوفيد التاريخية و«الميثاقية» (charter functions)، لكنها تُعزّزها لتُبرز انحرافًا عنها. فأوفيد يصنع وحدةً سرديّة لا تبدو «تاريخيّة» إلا في الظاهر، بينما يُضحّي بوكّاتشّيو بوحدة حكاياته في سبيل بنيةٍ نسبية جوهرُها تاريخيّ. ثم إنّ الأنساب النثرية - منذ القرن السادس قبل الميلاد على الأقل - استُخدمت لربط السلالات الوطنية أو الأسر الأرستقراطية بمؤسّسيها المفترضين في عصرٍ بطوليّ سابق، وبذلك تُجيز ترتيبات الحاضر من سلطة وملكية ومجد. وقد تملّق أمراءُ إيطاليا في زمن بوكّاتشّيو لأنفسهم بأنسابٍ بطولية، وكذلك فعلت المدن-الدول؛ فبادوفا مثلًا ادّعت أنتِينور مؤسّسًا لها. أمّا بوكّاتشّيو، فعلى خلاف الاستمرارية السردية لدى أوفيد، تُبيّن بنيته النَّسَبيّة فشلَ العصور القديمة في أن تُجيز شيئًا في الثقافة الحديثة. فحيث ينتهي أوفيد بوصف تأليه يوليوس قيصر والتنبؤ بتأليه أوغسطس، ينتهي بوكّاتشّيو بنفي النسب الإلهي عن الإسكندر وسكيبيو. ولا يجد بوكّاتشّيو سلفًا أسطوريًّا مثلًا لِهيو القبرصي - كما فعل فيرجيل لأوغسطس، وكما سيفعل أريوستو وتاسو وسبنسر وغيرهم لرعاتهم - بل إنّ الاستمرارية المضمّنة في بنية الأنساب تُشدّد أكثر على انقطاع خاتمتها: على القطيعة التاريخية التي تفصل الأساطير القديمة عن القرّاء المحدثين.

ومع ذلك، فإنّ بوكّاتشّيو شديدُ الازدواج في موقفه من هذه القطيعة التاريخيّة. فهي إن كانت تحرم المحدثين من ثروة العصور القديمة الثقافية، فإنها تُنقذهم أيضًا من اللعنة. وهي تُزيل سحر الأساطير وتُقطّعها، لكنها تُسوِّغها كذلك بوصفها «لاهوتًا شعريًّا»، وبذلك تُتيح دفاعَ بوكّاتشّيو عن الشِّعر قياسًا على اللاهوت المسيحي وعلى الكتاب المقدس. وهذا القياسُ نفسه كامنٌ أيضًا في التاريخ الأدبي لبنية بوكّاتشّيو النَّسَبيّة، التي تدين لأسلافٍ مسيحيّين أكثر مما تدين لأسلافٍ وثنيّين - وتنظر إليهم بمزيجٍ من العدوان والذنب، كذرّيةٍ غير شرعية محرومة من الإرث.

إنّ بنية الأنساب ترجع في أصلها إلى الكتاب المقدس. فصيغُ الأجيال الأسطورية - كما تُسجَّل في رؤوس الفصول وفي جدول العناوين - تُحاكي وتُلمِّح إلى مقاطع الأنساب في الفولغاتا من العهدين. فمثلًا، في نسبِ إينياس المنقول أعلاه، قارنْ صيغةَ «X genuit Y» بقولِ سفرِ التكوين ٤:١٨: «ثمَّ إنَّ أَخنوخَ وَلَدَ إيرادَ، وإيرادُ وَلَدَ مَحويائيلَ، ومَحويائيلُ وَلَدَ مَتوشائيلَ، ومَتوشائيلُ وَلَدَ لامكَ»… إلخ.»ويبدأ العهد القديم والعهد الجديد بكتبٍ تعرض نفسها بوصفها «أنسابًا»: فالتكوين هو «كتاب أجيال آدم»، وإنجيل متّى هو «كتاب أجيال يسوع المسيح». وفي العبرية القديمة تعني كلمة toledot «الجيل» و«التاريخ» معًا، بحيث يُورِّث الكتابُ المقدّس ليوسابيوس وجيروم ولأتباعهما في القرون الوسطى نمطًا من «التاريخ الكوني» جوهرُه نسَبي. وقد قيل عادةً إنّ بوكّاتشّيو «استبطن» هذا النمط القياسي من التأريخ المسيحي وأسقطه - على غير وعي - على مادته الوثنية، وبذلك وُسِم «طفلًا من أطفال العصور الوسطى». غير أنّ استعماله النمطَ النسَبي يحقّق قياسًا على الكتاب المقدس بوجوهٍ أخرى كثيرة. فـ«الأشجار» التي تسبق كلّ كتاب، مثلًا، تُشتقّ من «أشجار يَسّى» التي كثيرًا ما تسبق إنجيل متّى، وكانت أشجارُ بوكّاتشّيو أقدمَ أمثلةٍ غير كتابيّة للأشجار النسَبيّة. وكالكتاب المقدس، تمثّل الأنساب أدبًا كاملًا مُنضغطًا في كتابٍ واحدٍ «قانوني»، وهو ما قد يُعين على تفسير غياب الحسّ النقدي الذي أقلق الباحثين. فالمسيحية التقليدية طالما قاومت التمييز النقدي بين أسفار الكتاب المقدس ومؤلفيه. وأخيرًا، تشبه الأنساب - ببنيتها شديدة التفصيل وبمفارقتها لصيغة «التعليق» - الـ«summa» المدرسية إلى حدٍّ ما.

وهذا القياس المتواصل على الكتاب المقدس واللاهوت يُشير إلى أنّ بنية الأنساب تُنجز شروط دفاع بوكّاتشّيو عن الشِّعر، أو أنّ دفاعه يُصرّح بما تُضمِره البنية: فالشعراء الوثنيون كانوا theologi، وخرافاتهم ومجازاتهم تُسوَّغ قياسًا على خرافات الكتاب المقدس ومجازاته. ويمكن الاستعانة بتعليقات أوغسطين على غوامض النصّ الكتابي لتسويغ الغموض في الشعراء. ثم إنّ بوكّاتشّيو يوسّع القياس بطرائقَ أخرى - بعضها لعوب، وبعضها ذنبيّ - مثلًا: يستعير المصطلحات البولسية في «التحوّل» ليحثّ مُنتقِصي الشِّعر على أن «يخلعوا الإنسان العتيق ويلبسوا الإنسان الجديد…». ودفاعه عن الشِّعر في الكتابين الأخيرين لا يشتبك مع أعداء الشِّعر المعاصرين (وغالبًا كانوا دومينيكان) فحسب، بل يستأنف جدلًا عمرُه ألفُ عامٍ، تكون فيه خصومته مع أمثال لاكتانتيوس، الذي يُستخرج من كلامه ما ينقضه، كما استخرج آباءُ الكنيسة الأوائل من الشعراء القدماء ما ينقض الوثنية. وهذا الاندفاعُ المزدوج أو «سوء الضمير» يمكن استكشافُه على خير وجه بالصلة إلى الحبكة الثانية في الأنساب: إبحار بوكّاتشّيو في عالم البحر المتوسط كما لو كان «بولسًا آخر»، رسولًا لا إلى الأمم بل «من» الأمم - غير أنّ ذلك موضوعُ مقالةٍ أخرى.

هنا ينبغي أن نتتبّع دلالةً أخيرة لبنية بوكّاتشّيو النسَبيّة: كيف تُنشئ «الأنساب» السلطة. فالأنساب الكتابية تخدم - جزئيًّا - في ضمان سلسلة النقل التي تَنحدِر بها السلطة إلى الكاتب الحاضر. لكنّ سلالات الآلهة لا تشتمل على بوكّاتشّيو ولا تضعه في مكانٍ منها. وسلطته بوصفه مُدوِّن أساطير لا تنحدر مؤسسيًّا منها، وهذا بدوره يُعين على تفسير «افتقاره إلى الحسّ النقدي». فإحساسُه بالعزلة التاريخية يحول دون صياغة «نسبٍ» صريحٍ علميّ لسلطاته. والأبُ الذي يستطيع أن يدعوه «أبًا» هو دانتي أو بترارك، لا فيرجيل.

وهذه القضايا - نزوعُ الأنساب إلى تحديد الأصول التي تنبثق منها السلطة، وما ينشأ عن الانقطاع من الحرية والإحباط معًا - تتبلور في خاتمة مقدّمة بوكّاتشّيو، التي تبدأ الكتاب بالبحث عن بدايته الصحيحة: عن الإله الأول، بداية السلسلة. إنّ إله بوكّاتشّيو الأول - الذي سخر منه الباحثون اللاحقون وقلّده الشعراء - كان ديموغورغون، الذي لم يكن أبًا مؤسِّسًا، بل كان - في الحقيقة - لقيطًا متأخرًا، مؤلَّهَ خطأٍ كتابيّ في تعليقٍ على ستاتيوس. وينسب بوكّاتشّيو ديموغورغون إلى الثيودونتيوس، سلطةٍ محبّبة لديه ولكنها مجهولة للبحث العلمي. وقد شكّ بعضهم في أنّ بوكّاتشّيو اختلق هذه السلطة الغامضة، كما سيختلق «القصّاصون» في عصر النهضة لاحقًا الأسقف توربان و«سيد حميد» (Cide Hamete Ben).

غير أنّ مسألة أصالة الثيودونتيوس ستظلّ - ما لم تظهر مخطوطة - مسألةً عقيمة. ثم إنّ موضع النزاع في الأنساب ليس «أصالةَ» الثيودونتيوس حقًّا، بل «سلطتَه»، والسبلَ التي تُحاكي بها سلطته - أو غيابها - مفارقاتِ البنية النسَبيّة عند بوكّاتشّيو. لقد كان بوكّاتشّيو يرى في الثيودونتيوس مصدرًا لمعلوماتٍ - وخاصةً معلوماتٍ نسَبيّة - غير متاحةٍ في غيره. أي إنّ سلطة الثيودونتيوس عند بوكّاتشّيو تستمدّ قيمتَها من نفسِ غياب الإسناد الذي سيسخر منه باحثون مثل جيرالدي. سواءٌ أكان بوكّاتشّيو قد وجد الثيودونتيوس في مكتبة بولس البيروجيّ - كما يزعم - أم اختلقه، فإنّ سلطة الثيودونتيوس تبقى ضربًا من «التصديق التخيّلي»، كديموغورغون نفسِه. وفي العالم التخييلي لكتاب بوكّاتشّيو تنهار الحدود بين historia وfabula، حتى في الوقت الذي يُصرُّ فيه على هذه الحدود بوصفها مسلّمةً للتأويل.

وهذا ادّعاءٌ مُفارِق، وأختمُ بإظهار كيف تؤكّده مشهديةُ المقدّمة عند بوكّاتشّيو: مشهدُ بحثه عن الإله الأول. يتبيّن أنّه بحثٌ مزدوج: بين سلطاتٍ متنافسة كما بين آلهةٍ متنافسة، ولا يبلغ الأصلَ الأسطوري إلا عبر أصل الأسطورة. إنّ أصل الآلهة الحقيقي - كما يزعم بوكّاتشّيو - كان «السذاجة»: سذاجةَ القرويين والشعراء الذين فسّروا العلّة الأولى للأشياء بأن سمّوها الإلهَ الأول، أبا الجميع ومؤسّسهم. فالآلهة خيالاتٌ، لكنّ بوكّاتشّيو يُقابل هذا الكشف عن الخيال بتخييل فعله هو نفسه. ففي كلّ موضعٍ آخر من الأنساب يورد السلطات ببرودة المدرسيّ، لكنه هنا يُدخلها في حوار: «سألتُ [طاليس] أن يُخبرني مَن يظنّه الإلهَ الأول. فأجاب من فوره…». غير أنّ طاليس ومن تلاه - أناكسيمينِس، وخريسيبّوس، وألكمايون، ومكروبيوس، والثيودونتيوس - لا يجيبون عن سؤال بوكّاتشّيو. إنهم يُجيبون كأنّه سأل: «ما الذي تراه العلّةَ الأولى؟» وهو ما يدلّ على أنهم لا يخلطون بين الصور الشعرية وبين الآلهة، ومن ثمّ لا يشاركون «السذاجة» التي - بحسب حجة بوكّاتشّيو - أنتجت الوثنيّة.

ثم يعيد بوكّاتشّيو استعراض تسلسل سلطاته، مُصرّحًا بأنساب «الأنساب الأسطورية» نفسها. فالشعراء الذين أتوا بعد طاليس، مثلًا، «أطلقوا على عنصر الماء اسم أوكيانوس، وسمّوه أبا جميع الأشياء والناس والآلهة، ومن هذا النسب اشتقّوا الإلهَ الأول». فهذه الأنساب إذن «راجعةٌ إلى الوراء»، ارتداديّة؛ لا تصدر عن أصلٍ بل تخلقه؛ تُولِّد ما سيُسمَّى آباءَها. وحين يُفهَم هذا الارتداد أمكننا أن نستخدمه نحن أيضًا: «وهكذا كان بوسعنا أن نتخيّل [fecisse] أنّ بعضهم كان سيظن أوكيانوس ابنًا لكايْلوس»، حتى لو لم نكتشف (invenissemus) القرابة في أيِّ مصدر. ويُخطّط بوكّاتشّيو العمليةَ نفسَها في كلّ شجرةٍ من أشجاره النسَبيّة، وهي مقلوبة «وجذرُها متّجهٌ إلى السماء» (versa in caelum radice)، كما يذكر في عناوين الكتابين ١ و٢، مُلفتًا الانتباه منذ البدء إلى «رجعيّة» هذه الأنساب. والعملية نفسُها تعمل في مئات الفصول الفردية التي تنتقل من سرد خرافةٍ إلى كشف المعنى (sensus)، الذي يقدّمه بوكّاتشّيو مرةً بوصفه سابقًا للخرافة، أصلًا لها، ومرةً بوصفه شيئًا أُضيف لاحقًا. وأخيرًا يصل إلى الهدف الثاني من رحلة المقدّمة: أي السلطة التي ينبغي اتباعها في تعيين الإله الأول - وذلك بالطريقة الرجعية عينها. يعرض تسلسل سلطاته مرتين، ويُحدّد بوضوح ترتيبه الزمني: من طاليس الأشدّ قِدمًا (antiquissimus) إلى مكروبيوس أحدثهم سنًّا (juniorem omnium)، ثم - في عصرٍ آخر - الثيودونتيوس، الذي يُعرَّف بأنه novus homo. وهذه العبارة - على نحوٍ مُعتاد عند بوكّاتشّيو - مزدوجة: فهي تعني «رجلًا حديثًا»، ومن استعمال بولس تعني «مسيحيًّا مُفتدى»، لكنها تعني عند شيشرون «رجلًا جديد الصنعة»، دخيلاً طارئًا، مُتطفّلًا على الطبقات. والثيودونتيوس هو كلّ ذلك. وهو بالطبع الذي يسمّي ديموغورغون، وبذلك ينتهي البحث المزدوج إلى مفارقة: أحدثُ المؤلفين يُحدِّد أقدمَ الآلهة.

ويشتمل البحث عن البداية - الذي يبدأ به الأنساب - على تأمّلٍ آخر في مفارقات سعيه. فكلّ قديمٍ يورده بوكّاتشّيو يتكلم بسلطته الخاصة، ويسجّل معتقده الخاص في العلة الأولى. أمّا الثيودونتيوس فينقل رأي «الأركاديين الأقدمين». وبصفته novus homo فهو يحمل معتقداتٍ تخالف معتقدات القدماء الذين يدرسهم. وعلى خلافهم، لا يستطيع الكلامَ من الخبرة المباشرة؛ ومع ذلك - ويضع بوكّاتشّيو حاشيةً على هذا السقوط - ينقل الثيودونتيوس اعتقاد الأركاديين القدماء من غير أن يذكر سندًا، مُسمِّيًا لا أحد (neminem nominando) وتعود هذه «اللا-أحد» حين يعلن بوكّاتشّيو رأيه هو: إنّ ديموغورغون «أراه حقًّا أبًا وأولَ جميع آلهة الأمم، لأنني لم أجد أحدًا [neminem] كان أبًا له بحسب الخيالات الشعرية». إنّ «لا أحد» الذي يسمّيه الثيودونتيوس، و«لا أحد» الذي لا يجد بوكّاتشّيو اسمه أبًا لديموغورغون - على اختلاف السياقين - يعكسان مفارقات السلطة والأنساب في كتاب بوكّاتشّيو: فالأصل هو نقطة تلاشي السلطة، ومن ثمّ هو مصنوعٌ بقدر ما هو موجود. وقد زعم بوكّاتشّيو أنّ فهم رجعيّة الأنساب الأسطورية يُبيح لنا أن نفترض - بل أن نختلق - نسبًا حتى إن لم نجده في سلطاتنا. وهو الآن، في خاتمته، يعود إلى زوج الألفاظ نفسه: «أصنع» (facio) و«أجد/أكتشف» (invenio) (مع أن invenio تتضمن كذلك هذا الالتباس الذي يتحدث عنه، إذ تعني أيضًا «أخترع/أحتال»). فبعد أن نُظر في جميع هذه الأمور وقُطعت تلك الرؤوس الزائدة، يخلص بوكّاتشّيو إلى: «وإذ نتخيّل أننا وجدنا [adinvenisse] بداية رحلتنا، وإذ نجعل [facientes] ديموغورغون أبًا - لا للأشياء - بل لآلهة الأمم، سندخل الطريق الوعر...».

إنّ مقصد بوكّاتشّيو الثابت في الأنساب هو إعادة تأسيس سلسلة الشعراء وإضفاء السلطان على خيالاتهم. غير أنّ دعواه إلى «سلطة الخيال» تكاد تنقلب إلى دعوى «سلطةٍ متخيَّلة» فحسب. فالسلطة لا تنحدر إليه بوصفها ميراثًا مؤسسيًّا للشاعر؛ بل عليه أن يُعيد خلقَها. وفي قلب العالم الحديث، وهو مقطوعٌ عن الأصول التي يُعليها، عليه أن يصنع دعواه، وأن يُحكِمها، وربما أن يختلقها.

وأختم بخاطرةٍ أرجو أن تُحكِم حجّتي. إنّ «التوليد الرجعي»، أي إعادةَ صناعة النسب إلى الوراء، بما فيه من مفارقات، كان له عند جيوفاني بوكّاتشّيو معنى شخصي. فقد كان هو نفسه وُلِد ولادةً غير شرعية، وفي سنة ١٣٦٠ تقدّم بطلبٍ فنال إعفاءً بابويًّا «super defectu natalium» أي «بسبب عيب الولادة/الولادة غير الشرعية». وقصائده العامية تروي مرارًا حكاية اللُّقطاء الذين يُعرَفون ثم يُردّون إلى حقوقهم في النسب، وكان هو يحبّ أن يتظاهر بأنّه من نسل ملوك فرنسا عبر أمٍّ مجهولة، ومن ثمّ من نسل هكتور ودارْدانوس. فلعلّنا ينبغي أن نرى البنية النسَبيّة لموسوعته الكبرى على أنها تعميمٌ أخير لعبئه الشخصي، صار صورةً لعصرٍ جديد ساعد هو على تدشينه: عصرٌ غير شرعيٍّ ودخيل، منفلتٌ من سلاسل التعاقب التاريخي، طافٍ على البحر، يحاول بمزيجٍ قَلِق من العدوان وبِرّ البنوة أن يتبنّى أبًا مُرضِعًا، يطلب الشرعية لكنه لا يريد قيودَ خياله، ويجاهد - بشراهةٍ وذنب - أن يرث

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق