كلُّ واحدٍ… وكلُّ أحدٍ… ولا أحد
أنا هوامش مدينةٍ ليس لها وجود، أنا التّعليق المسهب على كتابٍ لم يُكتب، لستُ بأحدٍ أنا، لا أحد. لا أعرف كيف أحسّ، لا أعرف كيف أفكّر، لا أعرف أن أرغب، أن أريد. أنا نموذج (شخص) في روايةٍ ينبغي أن تُكتب، يمرّ مرور الأثير، ويتوارى، بدون أن يكون قد وُجد، في أحلام من لا يعرف منحي الاكتمال.
فرناندو بيسوا، «اللّاطمأنينة».
على نحوٍ تقليديّ، يُفهَم المؤلِّفُ بوصفه شخصًا حقيقيًّا يوقِّع أعمالَه المنشورة، ويجني - بحكم القوانين التي تحمي الملكية الفكرية - ثمرةَ تكاثرها وتداولها وتوزيعها. غير أنّ العلاقةَ الخلّاقة بين العمل وصانعه أعقدُ من ذلك. فالعملُ يحدث في المسافة الواقعة بين قناع المؤلِّف (شخصيته التأليفيّة) وشخص المؤلِّف (كيانه الواقعي). إنّ القناعَ يخلق عبر توظيف خبرات الشخص - انتقائيًّا وتخيّليًّا - في تشكيلٍ فنيّ. وفي هذه العلاقة المثلّثة، يكون المؤلِّفُ أكثرَ من القناع التأليفي المسؤول عن عملٍ بعينه، وأقلَّ من الشخص كلِّه بوصفه كيانًا مكتملًا.
وغالبًا ما تُصاحِبَ وعيُ الفنان بهذه «البيْنِيّة» الغريبة في العملية الإبداعية إحساسٌ فاضحٌ باللّاأحديّة، أي شعورٌ بأنّ المرء «لا أحد». فأوديسيوسُ لهوميروس - ذلك «اللا أحد» الأول - يسمّي نفسَه حرفيًّا «لا أحد» (Outis) في مشهد السيكلوب من الأوديسة، ثم يعود إلى إيثاكا متنكرًا في هيئة شحّاذٍ - لا أحد. وداخل الملحمة، يبني أوديسيوس عدّة هويّات إذ يروي حكاياته الكريتيّة نصفَ الكاذبة نصفَ الصادقة. وعلى خلاف أوديسيوس المحارب في الإلياذة، فإنّ أوديسيوس الأوديسة - وهو في أغلبه راوٍ - يتلاشى بين ما يُفترَض أنّه خبراته الفعلية وبين تحوّلاتها السردية. والمهمّ أنّ «لاأحديّة» أوديسيوس تُدرَك ميزةً تكيفيّة لا عيبًا عقليًّا أو أخلاقيًّا، ولا نقصًا جماليًّا في ملحمة هوميروس.
وأوّلُ راويةٍ أنثى نموذجية من هذا القبيل تبدو شهرزاد، التي تكشف كثرتُها وسيولتها بوصفها راويةً عن كونها مُنقِذةً للحياة. فثمّة مدوّنةٌ كاملة من الحكايات الشعبية الهندية والعربية والفارسية والمصرية والرافدينية تُنسَب إلى راويةٍ واحدة. وتغدو الحكايات آسرةً إلى حدّ أنّ الراوية تصير مرغوبةً بقدر الحكايات نفسها، أو - على سبيل الاستعارة - تصير حكاياتِها عينَها. وتشبه «زوجةُ باث» عند تشوسر أوديسيوسَ على نحوٍ أوثق، لأنها تُحوِّل خبراتِها إلى حكايات. وكما تشير نازان يلدز، فإن زوجة باث، بانخراطها في سعيٍ لتعريف الذات، تصبح «مجنونة»، أي امرأةً بلا هوية واضحة في نظر الكنيسة أو في نظر الرجل. بل إنّ هويةَ المرأة - إذا كانت تعتمد على هوية الرجل الذي تُنسَب إليه - فإن المرأة التي كان لها خمسةُ أزواج تملك خمسَ حكايات وخمسَ هويّات، ومن ثمّ تصير «لا أحد». ويمكن أن نضيف أنّ كونَها «لا أحد» هو بالذات ما يتيح لها أن تروي مقدّمتها، وأن تُلحِق بها حكايةً أخرى تؤكّد لاأحديّة الراوية فحسب، بل كثرةَ المرأة الخلّاقة عمومًا. وتبدو زوجة باث كأنها تقترح أنّ الرجال قد يختبرون كثرةَ النساء في امرأةٍ واحدة، بينما تحتاج النساءُ إلى رجالٍ متعدّدين (خمسة أزواج هنا) كي يختبرن كثرةَ الرجال؛ أو - للمزيد من الإيضاح - يكفي رجلٌ واحدٌ يمتلك، بحكم كونه فنانًا، ذلك الضرب من التعدّد الذي يُنسب عادةً إلى النساء.
ويكتب كيتس عن ميل الشعراء إلى إفناء هويّاتهم عبر امتصاصٍ حربائيّ لهويّاتٍ أخرى أكثر «شعرية». وتبتهج إميلي ديكنسون بلقاء «لا أحد» آخر: «أنا لا أحد! مَن أنت؟ أأنت - لا أحد - أيضًا؟». ويسأل والت ويتمان - ويجيب بثقة - : «أأناقض نفسي؟ حسنًا إذن أنا أُناقِض نفسي، (أنا واسعٌ، أحتوي جماهير)». ويصف نيتشه الإلهامَ بأنه خبرةٌ لا إرادية من الإطلاق والحرية، يختفي فيها ذاتُ الكاتب. ويقترح ستيفن ديدالوس، شخصية جويس، أنّ شخصية الفنان «تُصفّي نفسها حتى تخرج من الوجود». ويرى ت. إس. إليوت الشعرَ «هروبًا من الشخصية». ويتمنى فوكنر حياةً «بلا أثر» يمكن تلخيصها في جملةٍ واحدة: «صنع كتبه ومات». ويتخيّل خورخي لويس بورخيس شكسبير وهو يخاطب الرّب:
أنا الذي كنتُ رجالًا كثيرين عبثًا، أريد أن أكون واحدًا، أن أكون نفسي. فأجابه صوتُ الرّب من داخل زوبعة: وأنا أيضًا لستُ أنا؛ لقد حلمتُ بالعالَم كما حلمتَ أنت، يا شكسبير، بعملك، ومن بين أشكال حلمي أنت، الذي - مثلي - كثيرٌ، ومع ذلك لا أحد.
ويعبّر السطرُ الذي لا يُنسى لتشيسواف ميووش: «لستُ أكثرَ من سكرتيرٍ للعالم غير المرئي»، والذي طوّره ج. م. كويتزي في روايته «إليزابيث كوستيلّو»، عن محاولة الفنان أن يقيم في حيادٍ أخلاقي. فإليزابيث كوستيلّو، التي تبدو لسانَ كويتزي، تعلن: «هذه دعوتي: سكرتيرة إملاء. ليس لي أن أستجوب، ولا أن أحكم على ما يُعطى لي». وتُلخّص عبارةٌ متّقدة لجويس كارول أوتس وجوهَ هذا الكولاج من الاقتباسات القصيرة عن «لاأحديّة» الكاتب:
ما دامت الكتابةُ موجودةً، فالكتّاب غيرُ موجودين - كما يعرف جميعُ الكتّاب... لا أحد يريد أن يصدق هذه الحقيقة الواضحة: يمكن للفنان أن يسكن أيَّ فرد، لأن الفرد لا صلة له بالفن. (وما الفن؟ عاصفةُ نارٍ تندفع عبر الزمن، تنهض من غير مصدرٍ منظور، ولا تنصاع لمبادئ منطقٍ أو سببيّة).
وليست لاأحديّة الكتّاب - بوصفها ذاتًا متناقضةً أو سائلةً أو مفقودة - محصورةً في زمن الكتابة وحده. فبحسب ضراوة انخراطهم في تلك العملية، قد يظلّون في حالة اللاأحديّة لمددٍ أطول خارج زمن الكتابة. وبالنسبة إلى كتّابٍ لا يهدؤون مثل فرناندو بيسوا، قد تغدو اللاأحديّة نمطَ الوجود الأساسي.
كان بيسوا - واسمُ عائلته يعني «شخص» بالبرتغالية - قد وُلد في لشبونة وتوفي فيها سنة ١٩٣٥، عن سبعٍ وأربعين سنة. ومن السابعة إلى السابعة عشرة عاش في ديربان بجنوب أفريقيا، حيث كان زوجُ أمّه القنصلَ البرتغالي. وكانت الإنجليزية لغةَ تعليمه هناك، وظلّت - زمنًا طويلًا - لغةَ طموحه الأدبي. وحين عاد إلى لشبونة، لم يغادر مدينته إلا نادرًا. وكانت له علاقةٌ عاطفية واحدة، لكنه ظلّ غيرَ متزوّج، وعاش دائمًا مع أحد أقاربه. وكسب رزقه مترجمًا جزئيّ الوقت لوثائق تجارية إلى الإنجليزية؛ أما قضاءُ معظم وقته في الحانات والمقاهي فقد أتاح له دائرةً من المعارف دون أصدقاءَ حميمين.
وترِكَتُه صندوقٌ يحوي أكثرَ من خمسةٍ وعشرين ألف وثيقة، موقّعة بنحو خمسةٍ وسبعين اسمًا، توحي بشخصيّاتٍ كتابيّة مختلفة. ومن بين سبعة عشر اسمًا أكثرَ تميّزًا من «المغايرين» - كما كان بيسوا يسمّي انتحالَه - الشعراء: ألبرتو كاييرو، وريكاردو ريس، وألفارو دي كامبوس. وكتب «شبه-مغاير» يُدعى برناردو سواريس نثرًا مخصصًا لـ«كتاب اللاطمأنينة». وكتب ألكسندر سيرتش شعرًا بالإنجليزية. وكتب «الاسميّ» فرناندو بيسوا - أي بيسوا بصفته نفسَه - شعرًا ونثرًا بالبرتغالية والإنجليزية. وكانت للمغايرين الأبرز سيرٌ ذاتية وأبراج فلكية. ويشرح بيسوا:
إن العملَ الموقَّع باسمٍ مستعار هو - باستثناء الاسم الموقَّع به - عملُ مؤلف يكتب بوصفه نفسَه؛ أمّا العملُ 'المغاير' فهو لمؤلف يكتب خارج شخصيته؛ إنه عملُ فرديّةٍ تامّة اخترعها، كما لو أنّ أقوالَ شخصيةٍ في مسرحية تُنسَب إليها.
وطوال حياته، يبدو أنّ بيسوا اتّبع «القواعد» التي صاغها مغايرُه الإنجليزي المبكر ألكسندر سيرتش:
١. لا تُفضِ بأسرارٍ
إلا أقلَّ القليل. بل الأفضل ألّا تُفضي بشيء؛ وإن أفصحتَ فلتكن إفصاحاتك كاذبةً أو
مُبهمة...
٢. لا تحلم إلا أقلَّ
ما يمكن، إلا حيث يكون الغرض المباشر من الحلم قصيدةً أو عملًا أدبيًّا...
٣. نظِّم حياتك كأنها عملٌ أدبي، واضعًا فيها من الوحدة بقدر ما تستطيع.
وفي «كتاب اللاطمأنينة»، يضيف برناردو سواريس قاعدةً أخرى إلى هذا البيان القائم على الاكتفاء بالذات: «وسّع شخصيتك من غير أن تُدخِل فيها شيئًا من الخارج - لا تطلب شيئًا من الآخرين ولا تفرض شيئًا على الآخرين، ولكن كُنْ الآخرين حين تحتاج إلى آخرين». وإن لحنَ سواريس اللازم في تأمّلاته كلّها هو «عدمُ الفعل»، بل «عدمُ العيش» خارج المخيّلة.
ويمكن النظر إلى كتابة بيسوا - المنشورة وغير المنشورة - مع حياته، بوصفها عملًا أدبيًّا فريدًا يحمل بعضَ خصائص الدراما الشعرية، كما صرّح بيسوا نفسه. إنها دراما شعرية حدّية، غير مكتملة ومجزّأة، واعية على نحوٍ لافت بكونها تخييلاً. وهي تُجسِّد ذاتَ الفنان المركّبة المتناقضة السائلة المفقودة - لا بوصفها شخصيةً متخيّلة ولا استعارة، بل «لا أحد» حيًّا. غير أنّ فرناندو بيسوا نفسه كان ساكنًا حقيقيًّا من سكّان لشبونة، لا تركيبًا متخيّلًا؛ ولأنه كان أيضًا فنانًا شديدَ الوعي بذاته، تُتاح لنا فرصةٌ فريدة لفحص حالة الكاتب الإبداعية الموصوفة بالتعدّد واللاأحديّة والبيْنِيّة.
وصف بيسوا حالته بأنها «نزعةٌ عضوية لا تهدأ نحو تلاشي الشخصنة والمحاكاة». وكان يعتقد أنّ هذه النزعة سببُها «شكلٌ متأصّل من الهستيريا»، أو «وَهَنٌ عصبيٌّ هستيري»، يشتمل على «تواصُلٍ مُتَصنَّع مع أرواحٍ متعدّدة» وكذلك على «جنونٍ جُعِل عاقلًا بالتخفيف في المجرّد، كما تتحوّل السموم إلى دواء بالمزج». وقد كانت الأخيرة أيضًا تعريفَ بيسوا للعبقرية.
وفي سنة ١٩٠٨، حين كان بيسوا في العشرين، كتب مغايرُه ألكسندر سيرتش: «إحدى تعقيداتي الذهنية - المروِّعة بما يفوق الوصف - خوفٌ من الجنون، وهو في ذاته جنون». وفي الوقت نفسه تقريبًا، شكا المغايرُ تشارلز روبرت آنون:
[إنهم] يقولون إنني أريد أن أكون استثنائيًّا. وهم يُهمِلون تحليلَ رغبةِ أن يكون المرء استثنائيًّا. لا يستطيعون أن يفهموا أنّ بين الكينونة والرغبة في أن تكون استثنائيًّا ليس ثمة إلا إضافة الوعي إلى الثانية. والأمرُ شبيهٌ بلعبي بجنودٍ من قصدير في السابعة وفي الرابعة عشرة؛ ففي الأولى كانوا أشياءَ، وفي الثانية صاروا أشياءَ وألعابًا في الوقت نفسه؛ غير أنّ دافع اللعب ظلّ هو هو، وذلك هو الحالةُ النفسية الحقيقية الأساسية.
إن القدرة على الاستغراق في اللعب كالطفل، مع مراقبة الذات في الوقت نفسه من خارجها، تبدو حاسمةً لأي مجهود إبداعي. فوعيُ القناع التأليفي يخفّف عن الشخص اللاعب عبءَ مراقبة الذات، لكي ينخرط الشخص كاملَ الانخراط في العملية الإبداعية. وهكذا يصبح الاستثنائيُّ مُحتملًا لأنه مُقسَّم. ويبدو أنّ بيسوا تعامل مع معاناته كما تعامل تشارلز روبرت آنون مع استثنائيّته. ففي رسالةٍ حقيقية إلى صديقِه الحقيقي ماريو دي سا-كارنيرو، يصف بيسوا - وهو يكتب بوصفه نفسَه - حالته الراهنة بأنها «قاعُ اكتئابٍ بلا قاع»، وبأنها «واحدٌ من تلك الأيام التي لم يكن لي فيها مستقبل». ومع ذلك، ثمة مقاطعُ في الرسالة تجعل الشكوى ملتبسة:
ما أشعر به ليس جنونًا حقيقيًّا، ولكن الجنون لا شكّ يُفضي إلى انطلاقٍ شبيه، إلى تسليمٍ لأسباب المعاناة نفسها، إلى لذّةٍ فطنة في تعثّر الروح وارتجاجها.
وقد انتحر سا-كارنيرو؛ أمّا بيسوا المكتئب فعاش بعده قرابة عقدين. ومن الواضح أنّ بيسوا استطاع أن يُخفِّف جنونَه (أو خوفَه من الجنون)، وأن يحوّل السُّم إلى ترياق - إلى Pharmakon. ولكن ما السُّم؟ وما المُخفِّف؟ وكيف قاتل بيسوا نارَ الجنون بنار الإبداع؟
يمكن القول إن ما عاناه بيسوا لم يكن اضطرابًا نفسيًّا بالمعنى الدقيق، بل حالةً قريبة من فكرته عن الجنون: وعيٌ بكونه «استثنائيًّا»، ورغبةٌ واضحة في ذلك رغم ما يجرّه هذا المقامُ الخاص من وحدة. لقد افتُتن بشدة الجنون، لكنه نجح في الاتزان على حافته، مشاركًا في هذه «المأساة التي لا يمكن تمثيلها على خشبة» ومراقبًا لها في آن. ويبدو أنّ «Pharmakon» كان حنينه المرّ (saudade)، شعورًا بالشوق الغامض والوحدة، لقيَه بيسوا رجلًا ورجلَ أدب. اختبر بيسوا الوحدة العميقة أول مرة في الخامسة، حين مات أبوه وأخوه في أقل من عام. وتصدّى للصدمة باختراع صديقٍ مراسِل:
أستطيع أن أتذكر ما أظنه أولَ مغايرٍ لي، أو بالأحرى أولَ مُعارفٍ غير موجود - فارسًا يدعى 'شوفالييه دي با' - كنت أكتب عبره رسائلَ إلى نفسي حين كنت في السادسة، ولا تزال صورته غيرُ الشديدة الوضوح لها نصيبٌ من مودّتي يجاور الحنين. ولي ذكرى أقلّ حيوية لشخصيةٍ أخرى... كانت نوعًا من منافسٍ للشوفالييه دي با. أَتحدث مثلُ هذه الأشياء لكل الأطفال؟ لا شك - أو لعلّ. لكنني عشتُها بكثافة حتى إنني ما زلت أعيشها؛ وذكراها قويةٌ إلى حدّ أنّ عليّ أن أذكّر نفسي بأنها لم تكن حقيقية.
ويبدو أن عزلة بيسوا الأدبية - وربما كانت ثمرةَ طموحه إلى أن يكون أكثرَ بكثير من كاتبٍ برتغالي حداثي طليعي - قد أحدثت أثرًا مشابهًا. فقد تنبّأ بقدوم سيّدٍ أدبيّ جديد «فوق-كامويش»، يُنزِل كامويش العظيم القديم إلى منزلةٍ ثانوية: «لسنا برتغاليين نكتب للبرتغاليين... نحن برتغاليون نكتب لأوروبا، لكل الحضارة». ومن هم «نحن»؟ لعل بيسوا قصد في البداية حركةً من الشعراء والفنانين تحتضن فكرته عن مقاربةٍ إبداعية جديدة سماها «النزعة الإحساسية» (sensacionismo)، المنحدرة من الرمزية الفرنسية، ومن «البانثيّة المتعالية» البرتغالية، ومن روح المستقبلية. لكنّه مع الوقت لا بد أن أدرك أنّ أحدًا غيره لم يكن راغبًا في اقتحام هذا الطريق. لقد كان هو - فرناندو بيسوا - المقدَّر له أن يعوّض، أو أن «يختلق»، حركةً أدبية كاملة، وأن يخلق فنًّا برتغاليًّا جديدًا ترى فيه أوروبا نفسَها وتعرفها دون أن تعترف بالمرآة، على حدّ تعبير مغايره ألفارو دي كامبوس. وكان بيسوا مهيَّأً على نحوٍ فريد لتحقيق تلك المهمة الجبّارة:
هذه النزعة إلى أن أخلق حولي عالمًا آخر... بدأت عندي شابًّا، حين كانت تخطر لي أحيانًا - ولسببٍ لا أعرفه - ملاحظةٌ ظريفة لا تلائم من أنا أو من أظنّ أنني أنا، فأقولها فورًا بعفوية كأنها جاءت من صديقٍ لي أختلق اسمَه، مع تفاصيل سيرته، وأرى صورته - ملامحه وطوله ولباسه وحركاته - ماثلةً أمامي في الحال.
وإلى جانب كشفها الطابعَ العفوي في خلق المغايرين، تشهد هذه الذكرى على نظامٍ خاص في عقل بيسوا الخلّاق. وقد يبدو متناقضًا أن يكون «الرجل الذي لم يكن» ذا إحساسٍ قوي بشخصيته إلى الحد الذي يرى معه بعض الأفكار غيرَ متوافقة مع «شَخصِه» (pessôa). غير أنّ هذا التناقض ظاهري. فقد امتلك بيسوا حسًّا مألوفًا باتساق الفكر ومعقولية الشخصية. لكنه - على خلاف الناس العاديين - لم يرفض ما يخطر له مما يناقض رؤيته الغالبة لنفسه. وبدلًا من أن يُقلِّص وعيه لاشعوريًّا ليصير متماسكًا، أعاد ترتيبه ليخلق حيّزًا لأنماط مختلفة من العقول والمواهب. وهكذا لم يفقد بيسوا هويته، بل طوّر هويةً تتألف من عددٍ من الشخصيات - أي ضربًا من الهوية المتعددة.
وقد يبدو «تعدد الهوية» تناقضًا في ذاته، لأن الهوية - تقليديًّا - مرتبطة بالكليّة والاتساق، وبالواحدية والوحدة. أما «الهوية التفارقية» فيُنظر إليها لا بوصفها هويةً بالمعنى الدقيق، بل بوصفها فقدانًا لهويةٍ ثابتة، حالةً نفسية غيرَ وظيفية. ويمكن لمن يعانون اضطرابَ الهوية التفارقية أن يكتشفوا شخصياتهم البديلة بكتابة يوميات، غير أنّ الكتابة عندهم تكون أداةً، نوعًا من دعامة للذاكرة. أمّا بيسوا، فبالعكس: لقد صار فردًا ذا شخصياتٍ متعددة عبر كتابته «المغايرة». لذلك، قد يكون الاسم الأنسب لحالة بيسوا هو «نظامُ تعدد الشخصيات»، أو تلاشي الشخصنة الواعي بالذات.
يبدو أن بيسوا كان مُغرمًا بهذا الوجود على حافة الجنون، الملسَّن بأفراح الإبداع - وبالخمر أيضًا، الذي انتهى به إلى تشمّع الكبد والموت. وبصفته فنانًا، لم يحاول كبح مخيلته. ولم يكن نظامُه الجماليّ يتضمن - ولا يمكنه بحكم التعريف - معارضةً بين الواقع والخيال. بل إنه نجح حتى في تحويل فرناندو بيسوا الحقيقي إلى نوعٍ من «مغاير»، فخلق وهمَ عالمٍ مستقلّ مكتفٍ بذاته، ذاتيّ التنظيم، بلا عقلٍ مدبّرٍ واضح.
كيف تعامل الرجلُ الجسدي فرناندو أنطونيو نوغيرا دي سيابرا بيسوا مع حالته بنجاحٍ كبير من غير أن يسيطر عليها؟ لا يستقيم هذا السؤال إلا إذا افترضنا أنّ الاتزان النفسي مرادفٌ - إلى حدٍّ ما - لضبط النفس، وأن غياب هذا الضبط يؤدي إلى الفوضى. غير أنّ ضبطَ النفس ليس خيرًا مطلقًا، كما أنّ الفوضى ليست مجرد اضطرابٍ وتشويش. ففي قلب نزعة السيطرة تكمن رؤيةٌ للكمال، وهي رؤيةٌ اختزالية بطبيعتها، لأن الكامل يجب أن يكون تامًّا لا يتغير. وهكذا - استعارةً - يغدو الكمالُ وحدةً قصوى. وكان بيسوا ليصاب فعلًا بنوعٍ شديد من اضطراب الهوية التفارقية لو أنه حاول أن يضبط خلقَ مغايريه ووجودهم. لكنه بدل ذلك تركهم يظهرون على نحوٍ عضوي من مجال بيْنيته الإبداعية الدائم وغير المحدَّد. ترك المغايرين يكونون فحسب - في الوقت نفسه. أو، بعبارة بيسوا: مع الوقت صار بعضُ المغايرين يجذب مزيدًا ومزيدًا من «الملاحظات الظريفة» التي تبدو خارجة عن طبع بيسوا نفسه؛ بينما بقي آخرون أشدَّ تخطيطًا وخفوتًا. ومثل الحياة، وعلى خلاف العمل التخييلي، لم يكن للعالم الذي خلقه بيسوا بدايةٌ ولا خاتمة. وفي هذا العالم، لم يكن للموت سلطةٌ توقف مغايرًا ناضجًا عن الكتابة - فألبرتو كاييرو، مثلًا، كتب قصائدَ عقدًا كاملًا بعد موته في السادسة والعشرين.
وعليه يمكن تعريف «نظام بيسوا لتعدد الشخصيات» بأنه ترتيبٌ تفاعلي لشخصياتٍ إبداعية متعددة تتولّد تلقائيًّا في المجال الفوضوي للنفس، استجابةً لحدود عيشه الأحاديّ الذي فرضه على نفسه. ولكي يبلغ معظمُ الناس الثقةَ اللازمة للتحقق الاجتماعي، يركزون فقط على الخبرات والأفكار التي توافق ما يريدون أن يكونوا عليه. أما الأفكارُ والانفعالاتُ والخبراتُ الأخرى التي لا تلائم، فتُستعاد في الذاكرة بصورةٍ مكبوتة أو معدّلة. وعلى النقيض، يقوم الانتحال على الأبعاد المتعددة لتجربة الفنان الشخصية، مهما بدت «إشيرية» (Escheresque) الشكل. وبناءً على ذلك، قد يطوّر الفنانون قدرةً على العيش مع وجهات نظرٍ ذاتية غير منسجمة، حفاظًا على الخبرات في صورتها الأصلية السائلة، بلا حكمٍ ولا فرز.
ويضيف نظام بيسوا لتعدد الشخصيات بُعدًا مثيرًا إلى مفهوم «إنتاج المعرفة» عند الهستيري، كما بحثته إليانور بوين ولورا غونزاليس في فصلهما عن الهستيريا. إذ تناقشان تعبيرَ الهستيري عن بصيرته - وهي نتاجُ معرفةٍ خطِرة تُفقَد ومع ذلك تُلاحَظ، أو تُلاحَظ بوصفها مفقودة - من قِبل المتفرج. وباتباع توضيح جيرار فاجكمان للاكان، الذي تحيل إليه بوين وغونزاليس، يمكننا أن ننظر إلى «نظام بيسوا لتعدد الشخصيات» بوصفه آلةً خطابية تتألف من أربعة عناصر متفاعلة: الحقيقة، والعامل/الفاعل، والآخر، والإنتاج. غير أنّ «الهستيريا المتأصلة» لدى بيسوا، على خلاف الهستيري النمطي، لا تجد طريقها للتعبير عن البصيرة عبر جسده المادي، بل عبر خلق فاعلين متعدّدين - أي عبر مضاعفة أقنعته الكتابية غير الجسدية. وبما أنّ هؤلاء الفاعلين يتفاعلون بعضُهم مع بعض، فإن كلًّا منهم يؤدي دورًا مزدوجًا: فاعلًا وآخر. وقد يظلّ المراقبون الخارجيون يدركون إنتاجَ المعرفة بوصفه ضائعًا، لكنهم يقتنعون بأنّ البصيرة متاحةٌ داخليًّا، لدى «الأرواح المتعددة» المميّزة التي يجري بينها «التواصل المتصنَّع». وبعبارةٍ أخرى: إذا كانت الهستيرية قادرةً على مضاعفة وكالتها/فاعليتها إبداعيًّا، فإن حقائقَها ستُعبَّر ضمن بيْنية إبداعها لا عبر الجسد؛ وستغدو قادرةً على تحويل السُّم إلى ترياق.
ولا شكّ أنّ ثمنَ احتواء «الجماهير» باهظ: الانهيار النفسي، والاكتئاب، والانتحار، تَسمُ حياةَ فنانين كثيرين. غير أنّ الإنجازات المهيبة الناجمة عن قدرة الفنانين على نزع الشخصنة والانتحال - وهي قدرةٌ امتلكناها في الطفولة ثم عطّلناها لاحقًا لكي نكبر - ينبغي أن تدعونا إلى إعادة النظر في فهم العافية النفسية بوصفها هويةً ذاتية واضحة قاطعة. إن العثور على الذات - ولا سيما العثور عليها مبكرًا جدًّا - قد يُلحق ضررًا بالإبداع.
كما تبيّن في مطلع هذه المقالة، فإن «اللاأحديّة» بوصفها شرطًا إبداعيًّا ليست فريدةً عند فرناندو بيسوا بحال. أمّا «البَيْنِيّة»، فعلى الرغم من سهولة التقاطها في الأعمال ذات السمات الميتاسردية، فإنها تبدو - في الأدب الذي يصنع وَهْمَ «شريحةٍ من الحياة» - حاضرةً حضورًا ضمنيًّا أكثر منه مُصرَّحًا. فرواية «آنا كارنينا» لتولستوي، مثلًا، وهي ذروةُ الواقعية النفسية في السرد، تُجسِّد نسخةً دقيقةً من البَيْنِيّة عبر التغذية الراجعة بين الشخصيات والأحداث في حبكتها المتقنة. وعلى وجه الخصوص، يمكن رصدُ هذه التغذية الراجعة بين اثنين من الشخصيات الرئيسة: آنا كارنينا وكونستانتين ليفين. فمسارا حياتيهما يبدوان متوازيين قبل لقائهما الوحيد وبعده. غير أنّ هاتين الشخصيتين - على نحوٍ لا يشاركهُما فيه سواهما من شخصيات الرواية، ومن غير أي اعتمادٍ متبادل - تختبران قلقًا متشابهًا إزاء سؤال معنى الحياة. بحثُ آنا المتوتر يبلغ طريقًا مسدودًا: الانتحار؛ أمّا بحثُ ليفين، فعلى العكس، فينتهي إلى بصيرةٍ روحية. ويمكن القول إن سعيَ آنا وسعيَ ليفين إلى اليقين ليسا سوى إسقاطين لهموم تولستوي الميتافيزيقية نفسها، لانقسامه الداخلي الذي تحدّث عنه في «الاعتراف»، الذي بدأ كتابته وهو لا يزال يعمل على «آنا كارنينا». وفي المحصلة، تدعو الروايةُ القارئَ إلى أن يعيش المجالَ الذهني للمؤلف، الممتدّ بين مقاربتين متطرفتين لمعنى الحياة والسعادة.
ومثالٌ ظاهر للبَيْنِيّة نجده في حبكة «عُطيل» لشكسبير، إذ تُدفَعُ تقريبًا بكاملها بفعل التغذية الراجعة بين عُطيل وأياغو. فالكارثةُ في نهاية المسرحية تقع نتيجةَ سوءِ تأويلٍ وسوءِ ترجمةٍ: متعمَّدٌ من أياغو، وغيرُ واعٍ من عُطيل. يقول أياغو قولًا مُلتبسًا، فيؤولُه عُطيل وفقًا لاستعداده اللاواعي، ثم يقدّم ترجمتَه لأياغو؛ فيقوم هذا الأخير - بدهاء - بتنميق سوءِ ترجمة عُطيل وإخفائه، ويبيعه له ثانيةً بوصفه أصلًا. وهكذا، يؤمن المغربيُّ بكلام أياغو «الأمين» دون أن يتعرّف في ذلك الكلام على شكِّه هو وقد عاد إليه متخفيًا؛ أو يؤمن به لأن ما يقوله يبدو مألوفًا إلى الأعماق. ومع كل دورةٍ من هذه الدورات، يبتعد الاثنان أبعدَ فأبعد عن الحقيقة. وحين تُجسَّد المسرحية بإتقانٍ على الخشبة، يبدو وكأن حبكتَها تبني نفسَها بنفسها، وكأنها تُولَد هنا والآن، أمام أعين المتفرّجين. ويغدو الشاعر، على نحوٍ مفارقتيّ، غائبًا وحاضرًا معًا، طاقته الخلّاقة منقسمة بين الشخصيتين الرئيسيتين.
إن التعرّف على «متلازمة بيسوا» في إرث فنانين آخرين قد يفتح منافذ جديدة للتأويل النقدي، تأخذ في الحسبان أن كل منتجات المخيلة الإنسانية المعقدة تحمل آثارَ ولادتها الخاصة. فالاعتراف باللاأحديّة والبَيْنِيّة الكامنتين في العملية الإبداعية - مع أي سماتٍ من «نظام تعدد الشخصيات» في منجز الكاتب - يحرِّر الناقد من مطلب التأويل المتماسك تمامًا، وهو مطلبٌ لا يتحقق أصلًا حين يكون موضوعُ النقاش فنًّا تعدديَّ الأصوات. وإن الاعتراف بمتلازمة بيسوا في أعمال فنانين رؤيويين مثل هوميروس وأفلاطون ودانتي وشكسبير وكيركغارد وملفيل وكافكا ونابوكوف وبورخيس وفيليب روث قد يقود إلى قراءاتٍ أكفأ للنصوص المتعددة الأبعاد. وقد لوحِظ أنه - على الرغم من أن مقاطعَ بعينها من كتاباتهم تبدو غيرَ ملتبسة - فإن إرثَ هؤلاء بوصفه كلًّا يبقى إلى حدٍّ ما عصيًّا على العين التحليلية. ونصوصُهم «مجنونة» بالمعنى الذي تقترحه شوشانا فِلمان، حين تُعرِّف الأدب بأنه: «ما يعلّق الإجابة عن سؤال معرفة ما إذا كان الجنون الذي يتكلم عنه الأدب حرفيًّا أم مجازيًّا». فكلما قاوم النصُّ التأويلَ أكثر - كان «أجنّ» وكان أدبيًّا أكثر.
فلنحاول الآن، باقتضاب، أن نقيم في «إمكانات» مقاربةٍ لا اختزالية لعددٍ من الأعمال الكلاسيكية التي تقاوم التأويل. إن جنون النصوص التي ستُناقَش أدناه يهمّنا على نحوٍ خاص في سياق هذا المقال، لأن هذه الأعمال تبدو كأنها تُفلت من التوقعات النمطية لهويةٍ قاطعة، ومن الاتساق والعقلانية؛ فتعقيدها أندروجينيّ.
ليس ممكنًا تحديد معنى «القَدَر» (moira) ودوره في «الإلياذة» تحديدًا واضحًا. فمن جهةٍ، قدرُ كل فردٍ مُعطًى لا يُغيَّر؛ والقدرُ هو هويةُ المرء التي لم تُكشف بعد منذ الولادة؛ وهو طولُ الحياة. ولهذا، لا يستطيع حتى آلهة الأولمب الجبارون إنقاذَ حياةِ فانٍ إذا حان أجلُه. ومع ذلك، في الكتاب السادس عشر من الإلياذة، يتردد زيوس - كما لو كان الأمر خيارًا فعليًّا - هل ينقذ حياة ابنه الحبيب ساربيدون أم يترك باتروكلوس يقتله تحقيقًا لقدره. والأدعى للتأمل، في الكتاب التاسع، يذكر أخيل أنه يملك قدرين، وبوسعه أن يختار اختيارًا فعّالًا: أن يقاتل في طروادة ويموت بطلًا عظيمًا، أو أن يعود إلى موطنه فيعيش عمرًا طويلًا هادئًا غيرَ بطولي.
وتقدّم لنا «الأوديسة» لغزًا مماثلًا لا سبيل إلى حله يتعلق بشخصية بينيلوبي، وهذه المرة لا يتصل الإشكال بالإلهي. إذ لا يمكن الجزم متى تتعرّف بينيلوبي على زوجها الغائب طويلًا في الشحاذ الذي جاءها بأنباء عودة أوديسيوس. فكل ما تقوله تقريبًا للغريب يمكن تأويله على أنه تلميحٌ إلى وعيٍ ماكر، وفي الوقت نفسه إلى سذاجةٍ عفيفةٍ لا تَعلم شيئًا. بل إن سلوك بينيلوبي، من بدء الأوديسة إلى ختامها، ملتبس: لا نعرف هل تريد الزواج ثانيةً أم تُدفَع إليه بحكم العرف، ولا هل هي التي استدعت الخُطّاب أم أنهم عسكروا في بلاطها ثلاثَ سنواتٍ محضَ وقاحة.
ويروي أوديسيوس حكاياتٍ عدة، يُقدَّم بعضُها صراحةً بوصفه اختلاقًا؛ أمّا الحكاية التي يرويها للفياشيين (الكتب من التاسع إلى الثاني عشر) فتُقدَّم على أنها حقيقةٌ من غير أن يؤيدها شاهد. وهكذا، ما لم نلتزم الإقامة في المسافة غير المعرّفة بين الصدق واللاصدق، فسوف نسيء فهمَ حكاية أوديسيوس على أنها «غزلُ أكاذيب» واسع النطاق، أو على أنها حيلةُ ناجٍ لا طاقة لها على تحريكنا وجدانيًّا. وكذلك، فإن شخصية بينيلوبي - إذا أُسيء فهمها في ثنائياتٍ متقابلة (وفية أو خائنة، عفيفة أو مُتفلّتة، ساذجة أو ماكرة) - ستفقد سحرَها الغامض. وحتى أخيل، الذي يتحول بعد موت صديقه الحبيب باتروكلوس إلى هوسيٍّ طالبِ ثأرٍ وإلى آلة قتلٍ غيرِ مُحِسّة، له هويةٌ موازية، شعريةٌ ومسالمَة، تنكشف حين ينسحب من المعركة وفي علاقته بالأسيرة الطروادية بريسييس. ولولا الطاقةُ المتولّدة من التغذية الراجعة بين الشخصيات المتعددة لأوديسيوس أو بينيلوبي أو أخيل، لكانت الملاحمُ الهوميرية مجرد وقائع في تاريخ الأدب، لا أعمالًا حيّة تتجدد على الدوام عبر ترجماتٍ جديدة.
وتُظهر الإلياذة والأوديسة جنونًا «إيشيريًّا» (Escheresque) يرافق ثراءهما الشعري الاستثنائي. ويمكن تفسير هذا الجنون بوصفه سلسلةً من التناقضات الناجمة عن الأصل الشفهي للحكايات وعن مؤلفيتها غير اليقينية - وربما الجمعية. غير أنّ الأهم هو أن أجيالًا لا تُحصى افتُتِنَت بهذه الحكايات تحديدًا بسبب تعقيداتها الكامنة.
إن وفرة الأفكار والزخارف والموضوعات والشخصيات في أعمال شكسبير، مع شحّ المعلومات السيرية عنه، قد غذّت فرضياتٍ عن تعددٍ أو بدائلَ في مؤلفية منجزه. ومع أن أياً من هذه التكهنات لم يُعترف به بوصفه مقنعًا، فإن بعض مفسري شكسبير يبدو غير مرتاح لما يراه «تناقضاتٍ» أو «اختلالات» في مسرحياته. وبدلًا من قبول الجنون الملازم لعبقريةٍ كهذه وتقديره، يحاولون حلّ التناقضات عبر فرض منطقٍ اختزالي على مآسٍ مثل «الملك لير» أو «عُطيل»، مع أن قوتها تكمن بالضبط في التقاط اللاعقلاني وتركه يتكلم بلسانه الشعري الخاص.
ومثالٌ كلاسيكي على عدم تقدير جنون أعمال شكسبير هو مقالُ تولستوي «عن شكسبير والدراما»، الذي يركّز نقدُه الصادم على «الملك لير» و«عُطيل». فقد رأى تولستوي سلوكَ شخصيات شكسبير غيرَ طبيعي ومبالغًا فيه. ويكتب تولستوي: «من دون حسّ القياس لم يكن قطّ فنانٌ ولا يمكن أن يكون... قد يكون شكسبير ما شئتَ، لكنه لم يكن فنانًا». ويبدو أن «القياس» عند تولستوي يعني المعقولية، أي قدرة الفن على أن يبدو صادقًا للحياة. وبإنكاره الحق الجمالي في الوجود لعالم «الملك لير» «المجنون»، ينكر تولستوي إمكان أن يوجد في الحياة جنونٌ من هذا النوع. والمفارقة أن رد فعل تولستوي العنيف تجاه هذه المسرحية الشكسبيرية يمكن تفسيره أيضًا بخوفه من بصيرتها العميقة. وكما يشير جورج أورويل، ثمة تماثل بين هذين «الرجلين غير المتهيئين» - لير وتولستوي - ونهايةُ حياة تولستوي تحمل «نوعًا من ذكرى شبحية للير».
وعلى النقيض، فإن المنظّر السياسي هاري ف. جافا «يسعى على نحوٍ معقول ومثمر إلى دروسٍ في الحكمة السياسية في أعمال أعظم شاعرٍ لدينا». فهو يفترض أن لير - كما أراده شكسبير - كان له مخطط سياسي واضح، مدروس، مفصل، وربما مفرطٌ في المكر، هدفُه لائقٌ برجل دولة صالح: ضمان استقرار المملكة بعد انتقال الحكم. وقد تبدو هذه القراءة محببة لأسبابٍ أخلاقية، في مقابل صورة لير بوصفه شيخًا خَرِفًا، أو مجرد رجلٍ لا عقلاني. وفي هذا الضوء، يغدو لير أنبل، ومن ثمّ يبدو فشلُه - على نحوٍ ما - أشدَّ مأسوية. ومع أن هذه القراءة المعقولة تترك مجالًا لمعاناة جنون الملك، فإنها لا تترك مجالًا لجنون النص بوصفه كلًّا. وصحيحٌ أن غموض شكسبير عسيرُ الحفظ والتجسيد على الخشبة (ولذلك يواجه المخرجون خياراتٍ شاقّة لا محيد عنها)، إلا أن تقويض ذلك الغموض باسم قراءةٍ خطية سببية - مع تجاهل حضور «متلازمة بيسوا» في العمل - محكومٌ عليه أن يُضعف التجربة الجمالية للعرض. إن التجسيدات المسرحية الناجحة لـ«الملك لير» تميل إلى أن تأخذ في الحسبان لا جنون لير وحده، بل جنون المسرحية - ذلك الجنون الذي يرافق المتفرجين بعد العرض. ودالٌّ على ذلك أن تشارلز ماروفيتز، في حديثه عن أهدافه وأهداف بيتر بروك في إنتاجهما لـ«الملك لير»، يصرّ على أن الجمهور ينبغي أن يغادر المسرح «مزعزَعًا لا مطمئنًّا».
حالةٌ أخرى جديرة بالنظر هي «موبي ديك» لملفيل، التي يمكن قراءتها عملًا من «الميتاسرد الضمني»، أو سجلًّا لصيرورتها وهي تصير «روايةً بحجم حوت». وغالبًا ما يُتجاهل جنونُ الرواية أو يُقلَّل من شأنه أو يُحصر بأمانٍ في شخصياتٍ «مجنونة» مثل أهاب وبيب. غير أنّ السرد نفسه يبدو وكأنه يمتلك شكلًا خاصًا من الجنون، نوعًا من الرؤية المزدوجة، لا يختلف عن الرؤية التي تمتلكها الحيتان، كما يوحي بذلك فصلٌ من الرواية. يرى القارئ عالمَ الرواية كأنه بعينين تكافحان للتركيز في آنٍ واحد على شيئين مختلفين. وإلى جانب خطّي الرواية الرئيسين - أحدهما يضم حبكتها، والآخر وصفيٌّ تأملي - تحتوي «موبي ديك» على كثير من الازدواجيات في الشخصيات والأحداث. وعلى نحوٍ غير مفهوم، يبدأ أهاب وإسماعيل في التأثير أحدهما في الآخر، مع أنهما لا يظهران متحاورين. إسماعيل يعرف ما يدور في رأس أهاب، كما لو أنه قادر على سماع مناجاته الداخلية؛ وبمعنى ما، يصير إسماعيل الراوي أهابَ نفسه، بينما تصبح تأملية أهاب - واهتمامه بالميتافيزيقا (مثل فصل «أبو الهول» حيث يخاطب رأس الحوت) - شبيهةً بتأملات إسماعيل في مطلع الرواية.
وإلى جانب هذا الانقسام في بنية الرواية، فإن لسانها نفسه ذو أصلٍ مزدوج. فلغةُ الكتاب المقدس وصوره تلتقي بلغة شكسبير وصوره: كتابان عظيمان لدى المستوطنين الأوائل يلدان تركيبًا أمريكيًّا «مجنونًا» من نوعٍ ما - كتابًا أمريكيًّا تجري أحداثه حول العالم بحثًا عن معرفةٍ ميتافيزيقية يجسدها إسماعيل، وثأرٍ ميتافيزيقي يجسده أهاب. إن التباس مسعَي إسماعيل وأهاب، والنبوءات، والتساكن غير المتحرج بين الخيال واللاخيال، وبخاصة الدلالة الرمزية المزدوجة لـ«الحوت الأبيض»، المؤولة بوصفه إلهيًّا وشيطانيًّا معًا - كل ذلك يفسّر الجنون الرؤيوي الفريد في رواية ملفيل.
لقد لوحِظ أن هويات سقراط المتعددة التي خلقها أفلاطون في محاوراته - مخفيًا على نحوٍ ذكي سيولته الفلسفية الخاصة - لا تنتظم في مذهبٍ فلسفي واحد متماسك. بعبارة أخرى: أفلاطون ليس «أفلاطونيًّا». ويقترح غريغوري فلاسْتوس أن صورة أفلاطون لسقراط بوصفه «ساخرًا نموذجيًّا» قد غيّرت الدلالات القديمة لكلمة Eirōneia. فسقراط هو أوّل Eirōn، أو ساخر، لا بمعنى أن يقول شيئًا ويقصد غيره، بل بمعنى الوعي بالتفاوتات بين المظهر والواقع، والبحث عن الحقيقة على ضوء هذا التجاور.
إن بحث سقراط عن الحقيقة نشاطٌ يحدث بين شخصه الواقعي وشخصيته الفلسفية. سقراط الواقعي (بقدر ما نعرفه من أفلاطون ومن كسينوفون، مع أن تصويريهما غير منسجمين) رجلٌ متعلم، مواطنٌ أثيني منخرطٌ في الحياة العامة لمدينته، جنديٌّ شجاع، ورجلٌ غير جميل الهيئة لكنه مفتونٌ بالجمال دائمًا. أمّا سقراط بوصفه شخصية في محاورات أفلاطون، فله شخصياتٌ فلسفية كثيرة. يرسم فلاسْتوس ما لا يقل عن عشرين شخصية من هذا القبيل، في أزواجٍ متقابلة: سقراط الفيلسوف الأخلاقي حصراً في مقابل سقراط الميتافيزيقي، وعالم المعرفة، وفيلسوف العلم واللغة والدين والتربية؛ سقراط الذي يملك نظرية ميتافيزيقية كبيرة عن المثل القائمة بذاتها وعن النفس القابلة للانفصال والتعلم بالتذكر، في مقابل سقراط الذي لا يملك مثل هذه النظرية؛ سقراط الذي يملك نموذجًا ثلاثيّ الأقسام للنفس في مقابل سقراط الذي لا يعلم شيئًا عنه؛ سقراط الذي أتقن علوم عصره في مقابل سقراط غير المهتم بها؛ تصور سقراط الشعبوي للفلسفة في مقابل تصوره النخبوي؛ سقراط المؤمن بآلهةٍ شخصية في مقابل سقراط المؤمن بنوعٍ من الإلهي غير الشخصي؛ إلى آخر ذلك.
وتبدو «الشخصية-الأم» لسقراط الجاهل - أو «شخصيته اللاأحديّة» - هي الأبرز. إنها شخصية منفصلة، فضولية، لا تكلّ عن مساءلة الوضع القائم. ويمكن صياغة سؤالها الرئيس: «ماذا يعني أن يكون المرء إنسانًا؟» ولأجل متابعة البحث على نحوٍ تعاوني، يحتاج سقراط المنقسم إلى محاوِرين راغبين في أن يخوضوا انقسامًا مشابهًا، وأن يبنوا شخصياتهم الفلسفية الفضولية غير المتحيزة. ويمكن قراءة محاورة «مينون»، مثلًا، بوصفها سجلًّا لمحاولة سقراط أن يستثير مثل هذا الانقسام في مينون الشاب. وهو لا ينجح، وليس ذلك مفاجئًا: فالمهمة شديدة الصعوبة، لأن معظم الناس يفضّلون بناء شخصيةٍ «عالِمة» لأنفسهم بدل شخصيةٍ «جاهلة». إن الاعتراف بالجهل مثالٌ غريب، لا يجعل إيجابيته ذات معنى إلا في مفارقة سقراط: «أعلم أنني لا أعلم»؛ أو، بصياغة أخرى، الجهلُ هو معرفتنا اليقينية الوحيدة. وقد يرى القارئ المبتدئ لأفلاطون هذا النهجَ في التعلم أمرًا غير مألوف أو «مجنونًا» فحسب. أما القارئ الأكثر خبرةً، ومعه وعيٌ بتعقيد المعرفة الإنسانية وحدودها، فيستطيع أن يبني شخصيةَ الجهل بوصفها الأقدر على البحث الفلسفي.
إن شخصية سقراط الفلسفية الجاهلة في «الدفاع» - ذبابةُ الخيل - تعرف تمامًا تفوقَها على أي شخصٍ «مُطَّلع»، سقراط الواقعي مشمولًا. وفي الوقت نفسه، فإن هذه الشخصية تحتاج إلى الخبرة والمعلومات اللتين لا يملكهما إلا الشخص الواقعي. ومن هنا سخريةُ سقراط الجاهل من نفسه واستعداده لمحادثة أيٍّ كان يقترب منه، وللاستفادة من خبرة الآخر. إن جهل محاوِري سقراط - الجادّ البريء - يبدو مصدرَ إلهامٍ لجهله المصنوع. ولذلك هو دائمًا يبحث عن أصدقاء، وكما نتعلم من محاورة «ليسياس»، فإنه «لأحبّ إليه أن يكتسب صديقًا ورفيقًا من كل ذهب داريوس، بل ومن داريوس نفسه». وبنهاية هذه المحاورة، تكون شخصية سقراط الفلسفية الجاهلة قد صادقت أصغر محاوريه الجاهلين: ليسيس ومينيكسينوس، صبيّين لعلّهما في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة.
وعلى خلاف الصبيين اللذين لا يحتاجان إلى بناء شخصيات جاهلة لكي يشاركا في بحث سقراط عن حقيقة الصداقة، يشعر بعضُ محاوِري سقراط الأكبر سنًّا بالتحقير، بل بالإذلال. وهم لا يدركون أن سخرية سقراط الموجهة إليهم تنبع من انقسامه الداخلي ومن وعيه الساخر بذاته. فهدف سقراط ليس الإذلال، بل استثارة انقسامٍ مماثل لانقسامه بين الشخص الواقعي والشخصية الفلسفية، يُوازنه نوعٌ من السخرية الذاتية. وعندئذٍ تكون الصحبة المثالية للتحقيق الفلسفي هي من يستجيب للسخرية بسخريةٍ ذاتية، بأن يبني لنفسه شخصيةَ جهلٍ فلسفية - أي «لا أحد». وهذا نادرُ الوقوع في محاورات أفلاطون. فالجنون السقراطي في المحاورات يبدو أنه يخيف حتى أقرب أتباعه، إذ يظل أكثرهم مستمعين منقادين لا محاوِرين فاعلين.
غير أن أفلاطون يبدو أنه رأى نفسه التابعَ الوحيد لسقراط القادر على فهم سخرية سقراط بوصفها أداةً خلاقة. ومنجز أفلاطون، إلى جانب منجز كيركغارد، يجسد «متلازمة بيسوا» في الكتابة الفلسفية. إن شخصيات سقراط الفلسفية، التي تنبثق من المحاورات الأفلاطونية المختلفة، تبدو في علاقةٍ ساخرة مكثفة مع شخص سقراط الواقعي، ومع بعضها بعضًا، ومع شخصية سقراط الجاهلة، بل ومع بعض الشخصيات الأخرى. ففي «بروتاغوراس»، مثلًا، يبدو بروتاغوراس هو الذي يُدرِّس على نحوٍ يشبه كثيرًا تدريس سقراط في «مينون»، بينما يجعل موقف سقراط من سؤال «هل الفضيلة تُعلَّم؟» سقراطَ قابلًا للمقارنة مع مينون نفسه الذي يصير هدفًا لسخرية سقراط. وهذا يلمح إلى سخريةٍ ذاتية لدى أفلاطون أيضًا. فحين يتغير أفلاطون، «تُجعل الشخصيةُ الفلسفية لسقراط تتغير، فتمتصّ قناعات الكاتب الجديدة، وتجادل عنها بالحماسة نفسها التي كان بها سقراطُ المحاورات السابقة يجادل عن آراء كان الكاتب يشارك فيها الأصلَ التاريخي لتلك الشخصية في وقتٍ سابق».
يمكن النظر إلى شخصيات سقراط الفلسفية بوصفها شخصيات أفلاطون. ولهذا، لا نجد في المحاورات تفاصيلَ كثيرة عن سقراط الواقعي، كما أن أفلاطون - مع أنه تابعٌ كبير لسقراط - يغيب تمامًا بوصفه شخصية عن المحادثات السقراطية.
ولا تُظهر المحاوراتُ الأفلاطونية الانقسامَ والسخريةَ السقراطيين بوصفهما طريقة ناجحة لتحويل العقول إلى الفلسفة. بل يبدو أن السخرية السقراطية تعمل للقارئ أكثر مما تعمل للشخصيات داخل الحوار. غير أن المحاورات تُبيّن كيف تُقلق «متلازمة بيسوا» لدى سقراط الشخصياتِ التي تريد اليقين وتؤمن بإمكان بلوغه. وبوصفنا مراقبين من الخارج، لا نشعر أننا مستهدفون مباشرةً بلسعة سقراط الساخرة، فنكون أميل إلى التقاط سخرية سقراط من نفسه وتقديرها، أي وعيه بتناقضه الداخلي بين المظاهر والواقع. ومن ثمّ يكون الجمهور المثالي لمحاورات أفلاطون هو الجمهور نفسه الذي يقدّر أعمال هوميروس وشكسبير وملفيل في تعقيدها.
كتب سورين كيركغارد - مثل أفلاطون - في أرضٍ لا يملكها أحد، بين الفلسفة والدين والأسطورة والشعر والمسرح والحكي. وفوق ذلك، ثمة شبهٌ لافت بين منجز بيسوا ومنجز كيركغارد في التأليف ذي الأسماء المستعارة. فقد نُشرت أعمال كيركغارد الكبرى تحت أسماء لعبية مثل فيكتور إريميتا (إما/أو)، ويوهانس دي سيلنتيو (خوف ورعدة)، ويوهانس كليماكوس (الخاتمة غير العلمية) أو آنتي-كليماكوس (المرض طريق الموات). وإضافةً إلى ذلك، ترك كيركغارد أعمالًا مثل «وجهة النظر في عملي بوصفي مؤلفًا»، تتيح نظرةً داخلية إلى طبيعة عبقريته الخلّاقة.
وإذا قارنا، بتفصيلٍ أكبر، سياقي «نظامَي تعدد الشخصيات» لدى بيسوا وكيركغارد، ظهرت تشابهاتٌ مدهشة: فكلاهما عانى الوحدة والكآبة؛ وكلاهما قرر ألا يتزوج - على الأرجح خشية أن تُلهيه مسؤوليات الحياة الزوجية وحميميتها عن نداء رسالته. وكان كلاهما اجتماعيًّا بلا أصدقاء حميمين. وكان كلاهما شديد التعلق بمدينته الأم - لشبونة وكوبنهاغن - ونادرَ السفر. وفي الوقت نفسه، كان كلاهما «يعاني من كونه عبقريًّا في مدينةٍ إقليمية»، على حدّ تعبير كيركغارد. وكانت مهمة بيسوا التي فرضها على نفسه أن يصير «مرآةً لأوروبا»، بينما سعى كيركغارد إلى الإجابة عن سؤال: ما معنى أن يكون المرء مسيحيًّا حقًّا داخل «المسيحية الاجتماعية».
وفي «إعلان أول وأخير» الذي يختتم «الخاتمة غير العلمية»، يعترف كيركغارد بأنه مؤلف كل الكتب التي نشرها بأسماء مستعارة، ثم يصرّح بما يلي:
إن تسميتي المستعارة أو تعدد أسمائي... لها أساسٌ جوهري في طبيعة الإنتاج... ولذلك فما كُتب هو في الواقع لي، ولكن فقط بقدر ما وضعتُ في فم الفردية الواقعية شعريًّا التي أنتجتُها رؤيتَها للحياة مُعبَّرًا عنها في سطورٍ مسموعة... إنني غيرُ شخصي، أو أنا شخصي بصيغة الشخص الثاني، مُلَقِّنٌ قد أنتج شعريًّا المؤلفين، الذين تمهيدُهم بدورهم من إنتاجهم هم، وكذلك حتى أسماؤهم. وهكذا، ففي الأعمال ذات الأسماء المستعارة لا توجد كلمةٌ واحدة هي كلمتي؛ ليس لي رأيٌ في هذه الأعمال إلا بوصفي شخصًا ثالثًا، ولا معرفة بمعناها إلا بوصفي قارئًا، ولا أدنى علاقة خاصة بها، لأن ذلك مستحيل في تواصلٍ انعكاسي مزدوج... وهكذا فأنا في موضع اللامبالاة...
إن «متلازمة بيسوا» - بما تتضمنه من خداع الجمهور بالطريقة التي يُراد للخيال أن يخدع بها، عبر اتفاقٍ ضمني مع القارئ - تظهر بسهولة في تصريح كيركغارد. لكن كيركغارد - كما نتعلم من «اتصالاته المباشرة» - أراد أن يخدع قراءه على نحوٍ أعقد وأشد غايةً. فقد قصد، عبر «التواصل غير المباشر» في أعماله الجمالية، أن يُغري القارئ بالحنين إلى ما يتجاوز الجمالي، ومن ثم يدفعه إلى قراءة كتاباته الدينية والتفكير فيها. وكان مخططه مستلهمًا من «التدبير الإلهي».
فهل نأخذ كيركغارد على كلامه ونؤمن بأنه كان صادقًا وأمينًا وهو يشرح قصديةَ تأليفه ذي الأسماء المستعارة؟ أم نعدّه سيدَ السخرية الذي يضلّل دائمًا - حتى حين يعترف بتضليلاته المتعمدة؟ إن ملاحظةً في يومياته عن «عن نشاطي بوصفي كاتبًا» توضح أنه، في البداية، اتبع حدسه الإبداعي أكثر مما اتبع خطة:
حتى لو كنتُ قد علمتُ، أو استطعتُ أن أستعرض، مجملَ مؤلفاتي سلفًا بأدق التفاصيل، لَما كان ينبغي لما أقوله هنا عن نشاطي بوصفي مؤلفًا أن يُقال في البداية. لأنه كان سيحوّل وجهة النظر، ولأصبح جمهور القرّاء مهتمًا به بدافع الفضول، ليرى هل أفعل فعلًا ما قلتُ أو أوفي بتنبؤاتي.
إن بنية تأليف كيركغارد ذي الأسماء المستعارة - غير المخطط لها لكن «المحكومة إلهيًّا» كما خبرها - تنبثق في صيرورتها بطريقة يمكن وصفها بالعضوية. والتبديل بين أقنعة كتابةٍ وأخرى، ولا سيما الانتقالات بين «التواصل غير المباشر» و«التواصل المباشر»، يبدو أنه غذّى نزعة كيركغارد إلى تلاشي الشخصنة والمحاكاة. وبإنماء هذه النزعة، منح نفسه الإذنَ الأخلاقي لإنتاج أعمالٍ ذات قوة إغوائية عظيمة، لعل «إما/أو» أبرزُها. فمن خلال أعمال «التواصل غير المباشر»، يُراد لرغبة القارئ في لذائذ الجمال أن تُشبَع شبعًا كاملًا. وحين يحدث ذلك، لا بد للقارئ أن يدرك أن شيئًا ما ينقص، وأن يلتمسه خارج الخبرة الجمالية - في مملكة الأخلاقي أو، في النهاية، في مملكة الخبرة الدينية الحقّة. ولعل ذلك حدث لبعض قراء كيركغارد، غير أن جمهوره - على ما يبدو - ما يزال يلتذ بأعماله الجمالية ويقيم في تعقيدها بدل أن ينتقل - ويصعد - إلى «الخطب البانية» التي ظل ينشرها باسمه الحقيقي بالتزامن مع أعماله الجمالية.
يبلغ بيسوا وكيركغارد طيفًا من الإمكانات الإبداعية المختلفة عبر أقنعة كتابةٍ متعددة. فكتابة بيسوا - التي تظل في حالة صيرورةٍ دائمة بلا بداية ولا نهاية، وتوحي بفوضى ذاتية التنظيم - تلفت نظر القارئ إلى طبيعة العملية الإبداعية. وعلى المستوى الجمالي، يكون الاتجاه أفقيًّا. أما في التأليف ذي الأسماء المستعارة عند كيركغارد، فالصيرورة ذاتُ اتجاهٍ عمودي. فأعماله الجمالية يُنتظر منها أن تشير إلى أعلى، نحو أعماله الدينية. ولذلك، إذا جاز لنا أن نتحدث عن «متلازمة كيركغارد»، فينبغي تعريفها بوصفها نزعةً إلى تلاشي الشخصنة والمحاكاة، مدفوعةً بغرضٍ يتجاوز الجمالي - وفي هذه الحالة الخاصة: نداءً إلى الإيمان الحق، أو إلى «علاقةٍ مطلقة بالمطلق». وخلاصة القول: يمكن القول إن كيركغارد كان لديه «متلازمة بيسوا»، لكن بيسوا لم تكن لديه «متلازمة كيركغارد». وبالمثل، كان لدى هوميروس وشكسبير وملفيل «متلازمة بيسوا»؛ أما أفلاطون وتولستوي، اللذان حاولا وضع الجمالي في خدمة الأخلاقي، فكان لديهما «متلازمة بيسوا» و«متلازمة كيركغارد» معًا.
إن أسئلةَ العلاقة بين الجمالي والأخلاقي، وبين الجمال والحقيقة، وبين الخيال والواقع، قديمةٌ قِدم محاولات البشر أن يفهموا الفن بوصفه مملكةً متميزةً عن الحياة. وعلى نحوٍ بالغ الدلالة، يقترح سقراط في محاورة أفلاطون المضادّة لليوتوبيا، «الجمهورية»، ألّا يكون للشعراء مكانٌ في مدينةٍ مُثلى مُنشأة، حيث ينبغي لكل شيء أن يكون عادلًا وصحيًّا. فسلطة الشعراء على تحريك عقول المواطنين عبر مخاطبة مخيلتهم تُرى سلطةً يستحيل ضبطها من قبل الساسة حسني النية، الذين يهدفون - نبلًا - إلى فرض العدالة. ويُفرد هوميروس، على وجه الخصوص، بوصفه المذنبَ الأكبر في تحريف طبيعة الإلهي عبر الصور الشعرية للآلهة الأولمبية - المفرطة في تجسيمها، ومن ثم غير الكاملة. وهذا، بحسب سقراط في «الجمهورية»، يُضعف احترام الناس للإلهي ويؤثر في المجتمع على وجهين: أولًا، إن أفضل القوانين لن تُطاع ما لم تقف وراءها سلطةٌ إلهية؛ وثانيًا، إن الناس سيُقبلون على تقليد نقائص الآلهة الشعرية.
وفي محاورة أفلاطون الأخرى «فيدروس»، المكتوبة في الحقبة نفسها تقريبًا التي كُتبت فيها «الجمهورية»، يتحدث سقراط عن «جنون» (mania) الشعراء بعباراتٍ إيجابية:
وثالثُ أنواع الجنون يأتي مما تملكه رباتُ الفنون (الميوزات)، إذ يأخذ روحَ عذراء رقيقة فيوقظها إلى هياجٍ باخوسيٍّ من الأغاني والشعر يُمجِّد إنجازات الماضي ويعلّمها للأجيال المقبلة. فإذا جاء أحدٌ إلى أبواب الشعر متوقعًا أن يصير شاعرًا كافيًا باكتساب معرفةٍ خبيرة بالموضوع من غير جنون الميوزات، فإنه يفشل، وتُكسَف أبياتُه المنضبطة بأشعار الرجال الذين أُخرجوا من عقولهم.
يبدو أن أفلاطون قد راودته الفكرة القائلة إن الجنون - من حيث الفن - ضرورة (أو، بعبارة هذا المقال، إن تلاشي الشخصنة شرطٌ للمحاكاة). فالفن العميق الإنساني المؤثر مستحيلٌ دون «متلازمة بيسوا». غير أنّ الفن - بسبب لاأحديّته وبَيْنِيّته الملازمتين له - غيرُ قابلٍ للضبط بطبيعته. ومن ثمّ فإن «أنظمة تعدد الشخصيات» تقع في مخيلة الفنان الفرد وتُسجَّل في أعماله، لكنها لا تكون ممكنةً في الحياة الواقعية بما لها من مادية، وبما للزمن من جريانٍ لا يبالي من الماضي إلى المستقبل. وعليه، فإما أن نرضى بألا نعيش قط في مجتمعٍ كامل التنظيم كامل العدالة، وإما أن نطهّر الحياة من جنونات المخيلة الإنسانية المتعددة، وفوق ذلك من الفن. وقد ينتهي الفنانون الذين أقلقهم هذا التعارض غيرُ القابل للحل - كما انتهى تولستوي - إلى التنديد بفنهم، وقد يذهبون أبعد من ذلك إلى إنكار قيمة المخيلة. لكن الفن العظيم ينجو من هذا التصلّب المنطقي. إنه يثبت واقعيةَ حاجة الإنسان إلى الجنون، وفي الوقت نفسه يُشبع هذه الحاجة.
