عِناقُ الظلّين

 

ليست الفِكرَة استنساخًا عقليًّا لما هو كائنٌ على أيّ حال.

تيودور ف. أدورنو، «استقالة».

 إنّ الفنّ والفلسفة كليهما علامتان على شقاءٍ موضوعيٍّ يعصف بعالَمنا، ومع ذلك فهما يتوجّهان نحو الحرّيّة. ولولا الفنّ، لما استطاع الفكر أن يعرف ذاته أو أن يرسّخ أقدامه، إذ وحده الفنّ يواجه الفلسفة بوصفها الحامل المجرّد للحقيقة الملموسة. فالفنّ، بوصفه تعبيرًا عن الروح، يدينُ الفكرَ من خلال ملامحه التي تُظهِر ما تُنزِله مكائن البشر من عذاب. وهو يشير إلى طريق الخلاص عبر المفارقة التي تشكّل جوهر وجوده؛ تلك المفارقة التي تتمثّل في أنّ وجود العمل الفنّي ذاته قائم على التناقض، لأنّ العنف المتمثّل في فرض الوحدة القسرية على اللامتجانس يتجلّى في باطنه. وكما يقول بنيامين:

إنّ ما تسعى إليه النقديّة في جوهره هو البرهنة على الإمكان الكامن في صياغة محتوى العمل الفنّي بوصفه مشكلةً فلسفيّة، وما يجعلها تتوقّف… هو الصياغة الفعليّة لهذه المشكلة.

أمّا وعدُ العمل الفنّي، وطبيعةُ المقالة الشذريّة، فيكمن في أنّ خلق كوكبةٍ من العناصر وتعريضها لنور العقل يكشف عمّا يتجاوز الطبيعة المفهومية لأدوات تفكيرنا. وإنّ كون الذهن البشري غيرَ كافٍ لإدراك جوهر العمل الفنّي هو الأمر الذي ينبغي استخلاصه من حقيقة الفنّ، وهو الذي يردّ الإنسان إلى قدراته نفسها، ولكن ردًّا نقديًّا.

فإذا كان مشروع التنوير وعيًا بالذات ونقدًا لها، فلن يستطيع أن يعترف في ذاته إلا بالقصور كلّما ادّعى الشمول المفهومي. وحتى إن كان من مسؤولية الجماليّات الفلسفية معالجةُ استقلاليّة الفنّ وتجربتنا له، فلا بدّ من قولٍ فيه، ومن هنا يصبح الطابع المجرّد للّغة موضع العناية الأول، لأنّ اللغة تمنح إطار التجربة وهي مِعيارها؛ إنّها «محتوى الحقيقة في كلّ ما يوجد». وفي نقد هيمنة الإنسان على الطبيعة، يصبح من الضرورة إدراك أنّ ما نتواصل به عبر تصنيف عناصر التجربة الممكنة هو ذاتُنا الجوهريّة.

وهكذا تُستدرَج الفلسفة إلى الاشتباك مع واقعٍ تجريبيٍّ معطوب. فإطلاق مفهومٍ على شيءٍ مُفزِع هو ضربٌ من الهيمنة عليه بالعقل، وهذه النزعةُ إلى حفظ الذات هي ما يسعى الفنّ إلى تقويضه. وينجح الفنّ في ذلك لأنّه هو نفسه مُشكَّلٌ بتلك النزعة إلى النظام، بوصفه موضوعًا مُصاغًا. إنّ «تجاوُزَه لذاته» الذي يقدّمه الفنّ الحديث يشبه اختبار كانط للسامي؛ وهذه القطيعة مع التفكير المفهومي لا يمكن القبض عليها بمجرد تحليل الوسائط داخل العمل الفنّي، ولا بتوصيف الظروف المادّية للفنّان، ولا بإسناد غايةٍ تاريخيّة للعمل. فعندما يرفض الفنّ طابع المماثلة، يغدو السامي – لا الجميل – هو كفيلَ الحقيقة، وهذا السموّ يأبى أن يُختزَل في نقدٍ لا يستدمج الجماليات الفلسفية.

فمحتوى الحقيقة في العمل الفنّي هو الديونيسيّ القابع وراء القناع الأبولوني، وتحوّل النظرية النقدية حدسَ نيتشه عن ظهور الديونيسي المفزع إلى حدس لطبيعةٍ أولى حافظة للذات في هيئة طبيعة ثانية. فإذا كان السلطان الوحيد للفكر هو ما يفلت منه – إذ إنّ الفكر الذي يؤسّس ذاته لا يعود مُعينًا للحياة – فإنّ هذا السموّ هو ما ينبغي للمنظّر النقدي أن يتمسّك به كي يُظهر العمل الفنّي صورةً للخلل القائم في العالم. فلا تمدّنا الأعمال الفنّيّة بالحقيقة كمن يقدّمها بكفٍّ مبسوطة؛ بل يجب أن تُفصَح دلالاتها عبر اللغة التي صغناها.

وإن بدا الأمر ميْلًا إلى جانب الذاتيّة المُنظِّمة، فإنّ وعيَنا بنزعتنا إلى الهيمنة عبر التسمية يصبح تذكيرًا قويًّا بمحاكاتنا للطبيعة الميتة حين نسعى إلى تصوّر وحدة اللامتجانس. إنّ تناقض التجربة ولا قياسيتها هما ما يذكّر به الفنّ الفلسفةَ أنّها أخفقت في حفظهما لكلٍّ من التجربة الماورائيّة والواقعيّة. إنّ خلق صورة جدليّة هو عرضٌ للتناقضات التي ينبغي للفكر أن يتمسّك بها ليكون ندًّا للعمل الفنّي. وما للفلسفة من قوّة إنّما تستمدّه ممّا تشترك فيه مع الفنّ من طبيعةٍ وسيطة ومستقلّة معًا؛ فالنقد الفلسفي يستطيع أن يميّز عناصر السيطرة وحفظ الذات في العمل، كما يستطيع أن يبصر فعل الروح يعمل في أشياء تتحدّى صفةَ الشيئيّة ذاتها: «إنّ وعيَ عدمِ تطابق العرض مع الموضوع يدفع العرض إلى جهدٍ لا يفتر».

يتوجّه كلّ من الفنّ والفلسفة نحو الحياة، وفي كليهما نرى الغضب الذي يثيره الغموض، وكيف تخذل الصيغةُ مضمونَها حتى وهي تتيح له أن يصبح ملموسًا. فكتابة المقالة التي تلتقط آلام التاريخ، والإقبالُ على العمل الفنّي بأدوات النفي الملموس، هما مقصدُ الكاتب.

والإرداف (Parataxis) هو الهيئة المقالية الأقرب إلى ادّعاءات العمل الفنّي؛ فهو يتيح إطلاق أحكام قصوى على الموضوع من دون تشييد برجٍ من المفاهيم أو نظامٍ مغلق. فهو عرضٌ لحقائق لا يخضع بعضها لبعض، وليست فوق التاريخ، وهو يمنح الفسحة التي يحتاجها التأمّل الفلسفي. والمهمّ في المقالة، بوصفها نصًّا مكتوبًا، أنّ الإظهار والقول فيها يصبحان شيئًا واحدًا. فالصورة غير الموجَّهة تتجسّد عبر العرض الإردافيّ، فتُحفظ المتناقضات ثابتةً في الذهن. وهذه محاكاة للفنّ نفسه، وتُنتج صورةً جدليّة ما دامت الفكرةُ تُستحضَر عبر مفاهيمَ يُقتصر دورُها على تمييز الظواهر، لا على امتلاكها.

فالفلسفة تشترك مع الفنّ في معاناتها مع تمثيل الأفكار، وهي حين تُسمّي الظواهر مضطرةٌ إلى أن تتصرّف تصرّفًا مفهوميًّا، لأنّ كلّ لغة مفهومية وتصنيفية بطبيعتها. غير أنّ المفاهيم قد تُستعمل استعمالًا سلبيًّا، لإظهار عجز اللغة عن تسمية الحقيقة، ولتمييز الظواهر بعضها من بعض من غير ادّعاء تطابقٍ دقيق. والناقد في العرض الإردافي ينبغي أن يتجنّب ضمّ الظواهر أو بناء صورةٍ كلية، وأن يحذر الابتداء والختام بادّعاء أصلٍ أو كمال؛ فذلك يغلق العمل أمام الفكر. ومن هنا قول أدورنو: «إنّ المقالة تُفصِح عمّا تحبّه وتبغضه، بدلًا من تقديم العقل كخلقٍ من عدم… فهي لا تبدأ بآدم وحوّاء، بل بما تريد أن تتكلّم عنه، وتقول ما يعرض لها في سياقه، وتتوقّف حين تشعر بأنّها انتهت، لا حين لا يبقى ما يُقال».

إنّ المفاهيم التي تسعى إلى توحيد الفكر مع العمل الفنّي تفشل فيما تُظهره حين تحاول قوله؛ فالصورة التي تستحضرها ليست صورةً أصلاً، بل وحدةٌ مفهومية لا تبلغ تمثيلًا غيرَ تصوّري، ومن ثم لا تتجاوز الواقع القائم. أمّا الوعي بذلك والتأمّل فيه فهو ما يقدّمه الفنّ إلى الفلسفة. غير أنّ السؤال: ما الذي يمكن للفلسفة أن «تفعله» بالفنّ؟ يصبح معقّدًا حين تُخضِع الفلسفةُ العملَ لغاياتها وتدّعي حقيقةً عنه. فادّعاء المعرفة امتلاكٌ وهيمنة، والحقيقة لا تظهر من خارج العمل، بل كامنةٌ في صميم عرضه.

ولعلّ الإرداف، على مفارقته العجيبة، يمنح الاستطراد والدقّة اللذين يُحتاج إليهما لعرض حقيقة العمل الفنّي. فهو يأخذ العمل بكلامه كأنّه موضوعٌ طقوسيٌّ مُشيَّأ، ثم يُمارس عنفًا على عناصره في خطواته المتأنّية:

إنّ المقالة تُرسِي نفسها مكرًا في النصوص كأنّها قائمةٌ بذاتها ولها سلطة. وبهذا – من غير خداع الأصل الأول – تجد لنفسها أرضًا تقف عليها، أشبهَ بشروحٍ لاهوتيةٍ للنصوص المقدّسة. إلا أنّ غايتها معاكسةٌ: غايةٌ نقدية، تُحطّم دعاوى الثقافة حين تُواجه النصوص بمفهومها الحاسم، بالحقيقة التي يقصدها كلّ نصّ وإن لم يشأ قصدها، وتدفع الثقافة إلى وعي زيفها الخاص، والوهم الأيديولوجي الذي يكشف خضوعها للطبيعة. ففي منظور المقالة، تعترف الطبيعةُ الثانية بنفسها طبيعةً أولى.

إنّ المقالة تدّعي من المباشرة ما يُحرَم منه العمل الفنّي بسبب طابع المحاكاة، الذي فُرِض عليه نتيجةَ تشيّؤ الفكر في الثقافة الرأسمالية – ومن هنا نرى في الحداثة أنّ الفنّ تمرّد على طابع المماثلة في اللحظة عينها التي ضاقت فيها التجربةُ وبهُتت. ولكن هل هذه وحدها الفروق؟ أم أنّ الفنّ يكشف حقيقةً غير تلك التي تأمل الفلسفة أن تكشفها؟ فمحتوى الحقيقة في العمل الفنّي هو المشكلة المركزية للفلسفة؛ ولو أنّ الفلسفة لم تقرأ مشكلاتها قراءةً لاتاريخية، ولم تُحوِّل شروط العالم التجريبي والعقلي إلى كيانات أنطولوجية، لما اضطُرّت إلى أن تلجأ إلى الفنّ كي تعثر على تشخيصها.

فالأعمال الفنّيّة هي موضوع هذا التأمّل بوصفها سلعة ليست سلعة، شأن الفكر الحرّ نفسه الذي يظلّ خاضعًا للعمل الفنّي حتى وهو يزعم استقلاله. إنّها صورة للآلام التي أنزلتها الأفكار بتاريخ البشر. ولأنّ على الأعمال أن تُدرَس بما كانت وما صارت، مع احتساب ما بينهما من فضاءٍ تاريخيٍّ غير متكافئ، فإنّ محتوى حقيقتها ليس ثابتًا – بل لا بدّ أن يتغيّر. وموت محتوى الحقيقة لا يعني بالضرورة أنّ المشكلات الاجتماعية التي تشير إليها قد زالت؛ بل قد يعني أنّ التجربة قد ضمرت حتى غدَونا عاجزين عن التنبّه إلى معناها الكونيّ، وهو انتصارٌ للنومينالية. ويتيح الإرداف لتعدّد الحقائق داخل الشيء الواحد أن ينطق، من غير افتراض غايةٍ أصيلة أو منظورٍ متعالٍ: «اللااستمرارية جوهر المقالة؛ وموضوعها دائمًا صراعٌ متجمّد».

والموضوع الحقيقي للنقد هو الفلسفة في صورتها الاجتماعية، والطريق الملتوي الذي تسلكه لا بدّ أن يمرّ عبر العمل الفنّي ثم يعود إلى ذاته إن شاء النقدُ الفلسفي أن يكون واعيًا بنفسه. وجزءٌ من ذلك يتطلّب تضلّعًا لغويًّا يُمكّن من القبض على الحياة الداخلية للمعنى في الكلام (ويتمنّى المرء لو حظي بدرسٍ على مثال آويرباخ أو هاوزر). فالذاكرة الجمعية تتبلور في اللغة وفي الصورة المادية للعمل الفنّي، ولذا يصبح العثور على اللفظة الدقيقة ضرورةً ملحّة تتطلّب وعيًا بشرطيّة اللغة وإحساسًا بنَبْر الكلمة في شتّى تجلّياتها، كما في شأن الترجمة.

إنّ هذا المقال يسير على خُطى الدافع النقدي الذي أسّس له كانط في مذهبه، غير أنّه ينزعُ عن الادعاء صفته اللاتاريخية. ففي أعمال بنيامين وأدورنو تُستثمر مقولات كانط القبلية لتعيين «الطبيعة الثانية» وما تُلقيه الأيديولوجيا من ظلالٍ ورسوخ على المجتمع. أمّا غائية اللامنفعة في الأعمال الفنية، فبها قِوام دلالتها الاجتماعية؛ إذ يتحتّم على الناقد أن يَجمع بين بيان المسعى الفني للعمل ذاته، وإيضاح حضوره في المجال الاجتماعي. فلا ينساق إلى تأويل منغلقٍ على ذاته، مقطوع الصلة بالعالَم الحسيّ، ولا يجعلُ الدلالة الاجتماعية سقفًا يطغى على إمكانات العمل وحيويته.

وهذا الوعيُ الجدلي بمقام العمل في الفضاء الاجتماعي يؤكّد لا تطابق العمل مع الفكر – ولا مع النقد – الذي يزعم مماثلته. فالصورةُ الجدلية التي تنبثق بين الفكر والظاهر لا تثبت إلا إذا أُمسكت في لحظة سكونها، لحظة التناقض الذي يفرضه المجتمع في سعيه المحموم إلى صهر غير المتجانس في بوتقة كلية مستبدّة. ويستلزم الأمر كذلك تعليق الصورة وصوغ التناقضات في النقد لتواجه التناقضات الكامنة في العمل ذاته.

وحقيقةُ العمل الفني تلوح حين يعترف النقد بضرورة «الشَّبَه» في الفن، وينأى عن ادعاء أنّ العمل ينهض بنقدٍ صريح للمجتمع في محتواه الظاهر. فالحقيقة ليست مطابقةً بين الفكر والعالَم الحسي، وحقيقة الفن كامنة في لُغْزِيّته. إنّ وحدة الشكل والمضمون تُقيم من العمل كيانًا طقسيًّا يتجاوز عناصره المفردة. ولذا يقول أدورنو: «جوهرُ الفن هو ما ليس بواقعٍ فيه، ما لا يُكال بميزان التجربة. وإنّ الإلحاح إلى الجماليات هو حاجة إلى التفكير في هذا اللامقدور على قياسه قياسًا تجريبيًّا». فسموُّ الفن من اندماجه في ذاته، من عزلته الآتية من فردانيته المُحْدِثة للرجفة، وهذه الرجفة هي عدّته في إيقاظ الفكر. وعاشقُ الحقيقة يتبع العمل إلى تناقضاته، ولا يتعزّى بمعرفةٍ جاهزة عن أصله ومعناه، كما يصنع ذو الذوق الهادئ في المتعة الجمالية. فالفنُّ مجالٌ للفلسفة كي تختبر ذاتها، وأيُّ نقد يزعم تفسير العمل تفسيرًا تامًّا، إنما يقع في فساد الفهم؛ إذ يُسلّط على الواقع الحسي مقولاتٍ هي نفسها منشأ عِلله، بل ينقض غايته النقدية في توقٍ إلى يوتوبيا لم تتجلَّ.

ومن ثَمّ لا تُستعمل النقديةُ الماديّة لتمجيد محاسن العمل الفني، بل للكشف عن التناقضات المضمرة في مادته، تلك التي تُظهِر الوسائط التي صيغ بها، وتكشف في الوقت نفسه عمّا يطرحه المجتمع من مظاهر الإبهام والهالة الطقسية حوله. فصدقُ الفن أو كذبه لا يُدرك إلا في هذا الأفق. والعمل الناضج لا يُمسك الواقع في ظُهوره المباشر، بل كما يبدو هو كلّيًا، وما في طابع «الشَّبَه» من هذا العرض الأحادي يمدّ الفكرَ بمادة للتأمل في أحادية المجتمع والعمل معًا. والغاية من عزل الشذرات عن سياقها وعن مدوّنة التقليد (من حيث طبقات الشروح وتراكم الأثر التاريخي بين نشأة العمل وموضع الناقد في الحاضر) إنما هي الوقوف على هالته وإدراجها في محتوى صدقه. كما ينبغي كشفُ دلالته الاجتماعية المحسوسة لتمييز كيف تتوسَّط التطورات التاريخية رؤيةَ الناقد المعاصر له: فالترجمة اللاحقة لسوفوكليس، مثلًا، لا تنفكّ عن ظلّ شكسبير، حتى لَكأنّ تأثير الإليزابيثي يسري إلى الإغريقي القديم عبر القارئ الحديث.

فالإلحاح على خصوصية العمل يتطلّب أيضًا بيان ما فيه من استقلال شكلي، لئلا يُختزل إلى مجرّد شيفرة لمدلوله الاجتماعي. وقد لخّص بنيامين المشكلة بقوله: «مَدارُ النقد الأدبي المادي على أنّه يفتقد جانبًا سحريًّا غير حُكمي، وأنه غالبًا ما يسارع إلى النفاذ إلى قرار اللغز». وهذا «اللّغز» إنما هو حياتُه الفريدة. ولا يغدو العمل مفهومًا إذا أُلحق بمثالٍ كليّ يجمع «ماهية» الفن، كما انتقد بنيامين الرومانسيين الألمان، بل يُفهم بمعاييره الكامنة فيه. وفي هذه الفردانية المركّبة ينبغي للناقد أن يستخرج «فكرة» العمل من دعواه للوجود التام، لا من مقاصد المؤلف وحدها، ولا من سياقه الاجتماعي وحده؛ فهذه كلُّها عناصر تتضافر في تكوين «الكوكبة» التي يمكن للفكر أن يعبّر بها عن المشكلة التي يطرحها العمل على الفلسفة.

ومن هنا يكون النظر الأكمل ذلك الذي يُتمّ العلاقة الجدلية بين الكليّ والجزئي: فطريقة الإدراك تُحدِّد موضوعها، والموضوع يُحدّد طريقة إدراكه، والظروف الخارجية يقيم كلٌّ منها شكل الآخر. وهذه المفاصل هي مأثرة بنيامين في «أصل مسرحية الحزن الألمانية»، حيث يبيّن اتصالَ تَشييؤ الفكر بالأسطورة، وكيف أنّ هذا ينعكس على تلقي النقد لأعمال الباروك، وأنّ هذا التلقي – الذي يعلو بها إلى لاهوتٍ لم يكن ركيزتها – لا يطابق بنيتها الكامنة، ما دامت نشأتها اجتماعية لا لاهوتية.

ثم يطرح السؤال: كيف يكون العمل الدرامي اجتماعيًّا في صراعاته، ومع ذلك يبقى تراجيديًّا؟ ويجد الجواب في أنّ الباروك عبّر عن لاهوته عبر غياب معنًى ميتافيزيقيّ قاطع في عصره، وأنّ الحاضر مشارك في هذه البنية، ما دام التفكير في تبادل المعاني ومماثلتها ينتقل من المأساة إلى «مسرحية الحزن»، ثم يبقى مستبدًّا باللغة القادرة على جعل العلاقة الأسطورية – العلاقة القائمة على التضحية والمماثلة – مِلاكَ الفهم بين الأشياء. ومن هذا المنظور تغدو كلّ علاقةٍ قابلة لأن تدلّ على غيرها، ويغدو العالَم الدنيوي – بسبب هذا الانفتاح – مرفوعًا مُهانًا معًا: مرفوعًا لما يكسوه الرمز من قداسة، مُهانًا لما يتعرّض له من تفريغ. وهذه هي الجدلية الدينية في المضمون، ولها نظيرٌ في جدلية العرف والتعبير في الصورة، إذ الاستعارة تجمع بينهما جمعًا لا يخلو من التناقض.

ويُظهر بنيامين أنّ قدرة العمل على تَمثُّل الفكرة والإشارة إليها، وعلى الانفصال عن زمانه والقيام بذاته، هي ما يُولّد النزعة إلى التأليه الدنيوي التي ينبغي للنقد أن يواجهها. فكلّما أُلحق العمل بمثال عقلي ثابت، أُسيء إليه إلا إذا كان هذا المثال نفسه صورةً جدلية تتمثّل المعاناة والقهر المتجلّيَين فيه، الناشئين من التباس التاريخ بالطبيعة. فالفن يكشف ميل الفكر إلى المطابقة وإلى القياس، كما يكشف ثورة الجزئيّ على الكلّي، وفي هذا المزيج ينشأ العمل الفني كابنٍ للمجتمع، وفي الوقت نفسه ككائنٍ نمنحه هالة التجاوز لأنّنا لا نستطيع، في منظورٍ استعاريّ، أن نُقيم معنى ثابتًا مستقلًّا عن علاقة العلامة بالدلالة. وبهذا يكون مشروع كانط الأخلاقي منبعًا لبنيامين حين يُقحم الوعي بالتاريخ في صميم الفكر، ويشرح كيف أنّ الرمز والاستعارة كلاهما آليةُ تجريد. وما «الزيادة» التي يعد بها الفن إلا مظهرًا لانحراف التجربة تحت وطأة الرأسمالية؛ إذ تُحيل المماثلة والتسليعُ الأشياءَ إلى تجريد. غير أنّ إمكان التجربة الميتافيزيقية، مما يتجاوز هذا التجريد، هو محتوى الحقيقة في الفن، والغرض من النقد أن يكشف للوعي هذه البنية العميقة في القدرة المحاكية، في الشَّبَه اللامحسوس الذي يصوغ به العقلُ صلته بما يتخطّى الحسّ.

إنّ رؤية العمل الفنيّ جزءًا من وعينا هي الغاية التي ينبغي للنقد أن يُجلّيها؛ ففي ماضيه كما في راهنه، يجدر بنا أن نقرأ كيف تُشكِّل طريقةُ تلقّينا له صورةَ علاقتنا بجوهره الباطنيّ، فنشهد بذلك انقضاء الحدّ الفاصل بين الذات والموضوع وانخراق الحجاب الذي يفصلهما. فإذا انكشفت تاريخيّة الوعي وشروط تَكَوُّن الفرد، بدا جليًا الوشيج بين الطبيعتين الأولى والثانية في ظلّ وهمِ السلعة وما تخلّفه من عبودية خفيّة.

وهكذا يصبح النقد القادر على الإفصاح عمّا يهمس به العملُ الفنيّ كاشفًا حدادَ العمل على الوحدة المفقودة بين الذات والموضوع؛ على اغتراب الفكر عن نفسه، بما صاغته آلة الزمن وسطوة التقنية من قهرٍ وتمزيق. ويغدو العمل الفنيّ منبرًا للتفكير، يتيح للفكر أن يراجع مقامه في الوجود، فيظلّ تفكيرًا مفتوحًا، متطلّعًا إلى ما وراء ما أحدثته يداه، قاصدًا إمكاناته اليوتوبية الكامنة في صميمه. فالعمل الفنيّ هو الذي يحفّز النقد بمحاكاةٍ خفيّةٍ تُوقظ النظر وتوقِد شرر الاستبصار.

وإنّ الناقد القادر على إدراك الأعمال إدراكًا جدليًا، لا بدّ له أوّلًا أن يبصر ذاتيّته هو بعين الجدلية ذاتها؛ فيراها صادقة وكاذبة في آنٍ، ويُدرك أنّ هذا التناقض ذاته لا ينبغي أن يكون. وليس هذا الوفاء لروح التنوير ضربًا من انعزالٍ أو تفلسفٍ فرديّ؛ فبما أنّ اللغة تجعل الفكر قابلًا للمشاركة، فإنّ مهمة الناقد أن يستخدم هذه الأداة، هذا الهيكل المفهومي الذي يتشح به العقل، كي يُظهر وحشية التاريخ، ويبين منابتها، فيجعل من العمل الفنيّ شاهدًا على ضمير المجتمع الجريح ودليلًا على سُبُل التحرّر، ضمن مسار تتجلّى فيه موضوعية الحقيقة من خلال نقدٍ ينبع من ذاتٍ واعية. وهكذا يُعلّم الفنُّ الفكرَ كيف يطلب الحرية.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق