مَن كتبَ عاشَ مرتين

إذا كان بيير بورديو نادرًا ما تساءل عن الشروط التي تُوجد فيها «الاستقلالية الأدبية» أو تُصان، فذلك، من الواضح، لأنه صاغ تصوّره للعوالم الاجتماعية التي درسها على مثال الحقل العلمي أو الأكاديمي؛ أي استنادًا إلى نموذج العوالم الاجتماعية المؤسَّسة والمقنَّنة والممتهَنة (بالمعنى الاقتصادي)، وهي العوالم التي حُلّت فيها إلى حدٍّ بعيد مسألة هذا النمط من الاستقلالية.

فهذه العوالم المؤسسية، من خلال سياسات القبول القائمة على الشهادات والامتحانات التنافسية والتعيينات، وكذلك من خلال تنظيم مراحل المسار المهني المختلفة، تتيح مهنًا حقيقية للوكلاء الرئيسيين في الحقل (من باحثين وأساتذة باحثين في الفلسفة أو الفيزياء أو الرياضيات أو علم الاجتماع، إلخ)، وهؤلاء يستطيعون – بل يتعيّن عليهم بحكم الواجب المهني – أن يكرّسوا أنفسهم كليًّا لعملهم. وهذه الحقول، التي توفّر لأعضائها وظائف بدوام كامل وتجعل منها عالم انتمائهم الاجتماعي الأساسي، تختلف اختلافًا كبيرًا عن عوالم أخرى، مثل العالم الأدبي، الذي يرتبط به الأفراد – من منظور موضوعي – في الغالب ارتباطًا ثانويًا، حتى وإن اعتبر بعضهم علاقتهم بهذا العالم هي علاقتهم الجوهرية.

فكيف يمكن مقارنة «الكاتب» الذي يعيش حياة مزدوجة كمدرّس أو أمين مكتبة أو مدرّب مهني أو محامٍ أو صحفي أو طبيب أو طبيب نفسي أو مدير أعمال أو مزارع، ويُوجد في الأدب وجودًا متقطّعًا أو جزئيًا، بالطبيب أو الفيلسوف أو مدير الأعمال أو المحامي أو المزارع الذي ينخرط في عالمه الاجتماعي الخاص انخراطًا كاملاً ومستمراً؟

إنّ تبنّي منهجٍ بنيوي أو بنيويٍّ صرف يتيح لنا النظر إلى الأعمال الأدبية بمعزلٍ عن منتجيها وعن ما يقومون به («داخل الحقل» أو «خارجه»)، وبمعزل عن الشروط الاجتماعية الملموسة لإنتاجها. وهكذا يؤدّي تطبيق البنيوية على الأعمال الأدبية إلى محو الكاتب لحساب العمل نفسه، انسجامًا مع ما رآه بول فاليري كما أورده جيرار جينيت:

كان فاليري يحلم بتاريخٍ للأدب يُفهم لا بوصفه تاريخًا للمؤلفين وحوادث مسيراتهم أو لأعمالهم، بل بوصفه تاريخًا للعقل من حيث هو يُنتج الأدب أو يستهلكه، ويمكن أن يُكتب هذا التاريخ حتى من دون أن يُذكر فيه اسم كاتبٍ واحد.

وإذا كانت مفهوميّة بورديو للحقل تمكّننا من تجاوز البنيوية الداخلية (التي تقتصر على دراسة الأعمال بوصفها بُنى دالّة)، فإنها أنسب لدراسة موقع الأعمال وقيمتها المميَّزة ودور دور النشر الداعمة لها، أكثر مما هي مناسبة لدراسة منتجي الأعمال وشروط إنتاجهم. وبورديو مُحقّ تمامًا في نظرته إلى الأعمال – ماضيةً كانت أم حاضرة – بصورةٍ علائقية، أي في علاقاتها ببعضها البعض، من خلال اعتبار «الحقل الأدبي» كونًا مرجعيًا شبه مستقل يدركه الكتّاب كذلك. وهذا يعني، بوضوح، أنّ جزءًا مما يحدّد الطابع الأدبي والخصوصية الجمالية لعملٍ ما لا يمكن فهمه دون النظر إلى الحالة الراهنة والماضية للحقل الأدبي نفسه، وليس فقط إلى العوامل الخارجية كخصائص المؤلف الاجتماعية أو السياق الأيديولوجي للعصر.

فكما ذهب بعض منظّري الطبقة الاجتماعية إلى أنّه رغم حالات الحراك الفردي صعودًا أو هبوطًا (التي تفسّر أنّ جزءًا من الطبقة المهيمنة قد يصدر عن الطبقات المقهورة، والعكس صحيح)، فإنّ وجود البنية الطبقية وعلاقات الطبقات لا يُلغى بمثل هذه الحالات من الحراك، لأن الأفراد يمكن أن ينتقلوا من طبقة إلى أخرى من دون أن يُهدَّد وجود الطبقات نفسها بالزوال، كذلك ينبغي إظهار البُنى العلائقية من المعارضة وعلاقات القوة بين القطب المقيّد للإنتاج (الطليعة المكرَّسة والكتّاب الطامحون إليها) والقطب واسع النطاق للإنتاج (بما فيه من تمايزات بين الأدب الأكاديمي، والشعبي، والرائج، والسوقي)، من غير أن نُعنى بالسؤال: من هم منتجو هذه الأعمال وماذا يفعلون؟

غير أنّ تجاهل الكتّاب بوصفهم أفرادًا يجعلنا نتغاضى عن وقائع جوهرية تؤثّر في سير عمل العالم الأدبي. فمن المهم أن نسأل: إلى أي مدى يتموضع المنتج الثقافي عمومًا (والكاتب خصوصًا) داخل «اللعبة» الأدبية أو خارجها في مرحلة معيّنة من مساره؟

فالكاتب يكون داخل اللعبة بوضوح عندما ينشر، لكنه قد يغادرها مؤقتًا ليمارس أنشطة أخرى، ثم يعود إليها عند صدور كتابٍ جديد. هذه الدخولات والخروجات المتكرّرة من اللعبة الأدبية ليست نادرة. إذ أظهرت استبانة أنّ أقليةً من الكتّاب (أقل من خمسهم) تنشر كتابًا واحدًا على الأقل سنويًا طوال مسيرتها الأدبية، في حين أنّ الغالبية تنشر بوتيرةٍ أقل وبشكل متقطّع. لكنّ التمعّن في الكتّاب ذوي درجاتٍ مختلفة من الإنتاجية الأدبية يُفنّد الادعاء العام بأنّ أدنى درجات الإنتاجية تقتصر على من يُوصفون اختزالًا بأنهم «هواة».

صحيح أنّ الإنتاجية الأدبية العالية ترتبط عادةً بمؤشرات الاعتراف المهني والاندماج المؤسسي القوي، لكن يمكن أيضًا للكاتب أن يكون قليل الإنتاج ومع ذلك يحظى باعترافٍ رفيع داخل اللعبة الأدبية. وعلى العكس، فإنّ «الفرط في الإنتاجية» ليس منفصلاً عن طبيعة الأنواع المنشورة (السرد القصصي أكثر من الشعر، وخصوصًا «أدب الأنواع - genre fiction»)، ورغم أنّه قد يقترن باحترافيةٍ اقتصادية، إلا أنه لا يضمن بالضرورة مكانةً أدبية مرموقة، بل قد يشير إلى وتيرة إنتاجٍ صناعية تميّز أشكالًا من الأدب «التجاري» ذي العائد المادي الكبير.

أما «عالم الاجتماع» المهتم بتقلبات السلوك داخل الفرد الواحد وبـ«رصيده من الميول»، فلا يسعه إلا أن يتساءل: أيّ نوعٍ من الإنسان (بالمعنى الفيبري) تُنتجه المجتمعات حين تعتبر الحياة المزدوجة شبه الانفصامية للكاتب ظاهرة اجتماعية عادية؟ حين ترى الإحباط الدائم الناجم عن العجز عن التفرغ للفن أمرًا «مألوفًا»، وحين تُطبع المعاناة الناتجة عن التناقض بين تعريف الذات الذاتي ككاتب وبين الشروط الموضوعية للحياة بطابع «الطبيعي» و«العادي»؟ فبخلاف أولئك الذين يعيشون مهنتهم كجزءٍ مركزي ودائم من شخصيتهم، يعيش الكتّاب الذين يزاولون عملًا نهاريًا لأسبابٍ اقتصادية حالة انقسامٍ دائمة: لهم قدمٌ ثقافية وذاتية في الأدب، وأخرى مادية (وأحيانًا شخصية أيضًا) خارجه – وهذه القدم الثانية هي التي تحرّر الأولى من الارتهان لقيود السوق. وثمّة أنواع أخرى من التنقّل داخل الحقل الأدبي غير تلك المتعلقة بالدخول والخروج على فتراتٍ متباعدة. فيمكن أن نتساءل:

هل يستطيع الأفراد أنفسهم إنتاج أعمالٍ تحتل مواقع مختلفة داخل اللعبة الأدبية؟
هل يمكنهم الانتقال من قطاع الإنتاج المقيّد إلى قطاع الإنتاج الواسع، أو بالعكس؟
بل هل يمكنهم إنتاج أعمالٍ تنتمي إلى قطاعات مختلفة من هذا الكون في الوقت ذاته؟

إنّ دراسة هذه الاحتمالات تكشف مجمل طيف الحياة الأدبية المزدوجة، حيث يلجأ بعض الكتّاب – كثيرًا ما يكون ذلك باستخدام «أسماءٍ مستعارة» – إلى إنتاج أعمالٍ شخصية فنية وأخرى تجارية أو نفعية (كالأدب الجماهيري أو الأدب العملي) بغية «الكسب المادي».

على أيّ حال، فإنّ الساعي إلى تفسير خصوصية اشتغال العالم الأدبي لا بدّ له من أن يتّخذ إطارًا أوسع، وأن يسأل: ماذا يفعل الفاعلون الموجودون في العالم الأدبي؟ ومن هم خارج الأدب؟

فمن وجهة نظر الأسئلة التي تطرحها نظرية الحقل – بما تنطوي عليه من مفاهيم مثل الإيليوزيو (illusio)، والهابيتوس (habitus)، والاستثمار (investment) – فإنّ الحياة المزدوجة المتكرّرة للكتّاب ليست ظاهرة عرضية أو ثانوية، بل حقيقة مركزية في الحياة الأدبية. فكيف يدير الكتّاب استثماراتهم الاجتماعية عندما تكون نشاطاتهم الأدبية متقطّعة ولا تتحقّق إلا في الفراغات أو الفجوات الزمنية التي تتيحها لهم التزاماتهم الأخرى – الشخصية والمهنية بخاصة؟ هل يستطيعون أن «يستثمروا» بالقدر نفسه من الشدة في عوالم اجتماعية مختلفة، سواء أكانت منظّمة في شكل حقول صراع أم لا؟ وعندما يشاركون في حقول متعدّدة – كالأدبي، والطبي، والصحفي، والأكاديمي، والدبلوماسي، وغيرها – هل يمكنهم أن يستثمروا في كليهما في الوقت نفسه، وأن يستوعبوا «الإيليوزيو» الخاصة بكلٍّ منهما (أي منظومات المعتقدات والقيم المرتبطة به)؟ هل يمكن، في الأصل، الانتماء إلى حقلين مختلفين مع استبطان الإيليوزيو المميّزة لكلٍّ منهما؟

إنّ حالة الكتّاب والعالم الأدبي ليست سوى مثالٍ واحد، أشدّ وضوحًا وحدةً من سواه، على المشاركة المتزامنة أو المتعاقبة في الأطر الاجتماعية المتنوّعة التي تميّز حياة الأفراد في المجتمعات المتخصّصة (حيث يسود تقسيمٌ اجتماعي قويّ للعمل، وتظهر فوارق واضحة في المسؤوليات والممارسات والرهانات والإيليوزيو). وقد تتراوح المشاركة في هذه العوالم المتمايزة من ارتباطٍ طويل الأمد إلى استثمارٍ مؤقّتٍ وعابر في أطرٍ اجتماعية متعدّدة (كالأسرة، أو الجماعات، أو المؤسّسات).

وإذ يُمسَك الكاتب بين الكتابة ومهنةٍ ثانية، دون أن نُدخل في الحسبان الأطر الاجتماعية الأخرى كالعائلة، فإنّهم يشكّلون حالةً غير نمطية إلى حدٍّ ما، ولكنها ليست هامشية، من حالات الانتماءات الاجتماعية المتعدّدة. ومن هنا فإنّ نظرية الحقل تعاني – من الوجهة الكلاسيكية – من خللٍ ناتجٍ عن التوسّع المفرط وغير المحدّد في استخدام مفهومها المركزي. فقد كان المشروع الذي وضعه بورديو عام ١٩٧٦ يهدف إلى صياغة «نظريةٍ عامّةٍ للحقول» تُظهر «القوانين العامة للحقول»، وفي الوقت نفسه تكشف، من خلال دراسة كل «حقلٍ جديد»، عن «الخصائص الخاصة بكل حقلٍ على حدة». غير أنّه، دون إخلالٍ بنوايا هذا المشروع، يمكن القول إنّ تطبيقه العمليّ أدّى في الغالب إلى إبراز الخصائص العامة للحقول أكثر ممّا أبرز اختلاف أنواعها، وغالبًا من خلال استعمالٍ موسَّع ومتهاون للمفهوم – شمل أحيانًا مناقشة «الأسرة» كأنها حقلٌ هي الأخرى.

إنّ هذا الاستخدام المعمَّم وغير الدقيق للمفهوم – إذ يُفترض أنّ كل عالمٍ اجتماعيٍّ منظمٌّ في شكل «حقل» – يجعلنا نتغافل عن مجموعة الخصائص التي تُعرِّف هذه الفضاءات المحدَّدة تاريخيًّا. فإذا رأينا «حقلًا» في كلّ مكان ما إن نلمح وجود «فضاءٍ للصراع أو المنافسة»، أو ما إن نلاحظ بنى علائقية من التبعية المتبادلة تقوم على التفكير العلائقي، فإننا لا نعود نرى شيئًا البتّة، ويفقد المفهوم كلَّ قيمته. وكما يُقال في مثل هذه الحالات: من حاول أن يمسك بكل شيء، أضاع كل شيء.

لقد سبق أن أشرتُ إلى أنّ الاختزال السوسيولوجي للفرد في كونه «عضوًا في الحقل» يثير إشكالات عدّة. فأولًا، ينبغي التذكير بأنّ ليس جميع الفاعلين يشاركون في حقول، لأنّ هذه الأخيرة هي عوالم مهنية تضع في موضع التنافس أعضاء النخب (الاقتصادية، والسياسية، والدينية، والصحفية، والعلمية، والثقافية، والرياضية). ومن ثمّ فإنّ نظرية الحقل لا يمكن أن تشمل جميع الحالات الممكنة للسياقات الفاعلة، كما لا تستطيع أن تفسّر كلّ فئات الفاعلين المحتملين: فلا وجود لحقلٍ للعمل الصناعي أو الزراعي، ولا لحقلٍ يشمل ربّات البيوت، إلخ. وحتى عندما ينتمي الأفراد إلى عوالم منظّمة على غرار الحقول – أي فضاءاتٍ قائمةٍ على المنافسة والصراع ولها رهاناتٌ وقواعد لعبٍ خاصة – فإنّهم لا ينتمون أبدًا انتماءً حصريًا إلى عالم اجتماعيٍّ واحد، ولا يؤدّون دورهم على مسرحٍ واحدٍ فقط.

وبحكم ارتباطهم المعتاد بسياقاتٍ أخرى خارج الحقول (خاصة كانت أم عامة، دائمة أم مؤقتة)، وبخاصة عبر جماعاتٍ مثل الأسرة، أو الأصدقاء، أو النوادي الثقافية والرياضية، فإنهم لا يُختزلون في نشاطهم داخل الحقل فقط. ولهذا تواجه نظرية الحقل صعوبةً كبيرة في تصوّر الفاعلين «خارج الحقول»، وكذلك في فهم الزمن الذي يقضيه الفاعلون «الداخليون» خارجها؛ ومن ثمّ تميل إلى التقليل من أهمية الممارسات خارج الحقل في فهم الممارسات داخله.

فإذا كان اشتغال العالم الاجتماعي ككل لا يخلو من التأثر بحقيقة أنّ الأفراد أنفسهم يعملون ويفكرون ويشعرون في سياقاتٍ اجتماعيةٍ مختلفة تمامًا، وأنّهم يعيشون توتراتٍ وتناقضاتٍ ناجمة عن حركتهم الدائمة بين عالمٍ أو دون-عالمٍ وآخر، فإنّه يصبح أمرًا حاسمًا أن يأخذ علماء الاجتماع هذه الحقيقة في الاعتبار على نحوٍ منهجيٍّ صارم في دراساتهم وتحليلاتهم. ولتحقيق ذلك، لا بدّ من توضيح شروط إمكان وأدوات سوسيولوجيا تُعنى بالتقلبات السلوكية داخل الفرد نفسه. وإلا فإنّ نظرية الحقل قد تُسهم، دون قصد، في تخصّصٍ مفرط ومبكّر داخل علم الاجتماع (حيث يصير كل باحثٍ متخصصًا في «حقل» معيّن)، مما يؤدي إلى حجب ظواهر الانتماءات الاجتماعية المتعددة وأشكال الاندماج المتداخلة التي تُعدّ حاسمة في المجتمعات شديدة التخصّص.

لكنّ اختزال الأفراد في كونهم أعضاءً في الحقل يصبح أكثر إشكاليةً، وأكثر وضوحًا للباحثين أنفسهم، حين يكون المشاركون في ذلك الحقل نادرًا ما يضعون كلا قدميهم فيه، بل يُبقون قدمًا خارجه – هي القدم الكاسبة للمال التي تتيح للقدم الأخرى أن «ترقص». وهذه هي الخصوصية المميّزة للعالم الأدبي، أي العالم الذي يُدخل الكتّاب إلى «اللعبة الأدبية» التي أودّ العودة إليها لتوضيح مفهوم «اللعبة الأدبية». فلقد صيغ نموذج «الحقل الأدبي»، كما لو أنه بُني على الشخصية الشاذة تاريخيًا للـ«مُرتزق الثريّ» (rentier) مثل فلوبير، الذي يمتلك الموارد الاقتصادية الكافية ليحافظ على علاقةٍ خالصةٍ وغير نفعية بفنّه، فيكرّس نفسه له كليًّا، ويرفض إنتاج أدبٍ تجاريٍّ خالص، ويؤخّر نشر أعماله حتى يراها جديرةً بالنشر، ويزدرى الموضات الأدبية، ويحتقر الصحفيين والنقّاد التافهين.

ولا يُراد من ذلك الادعاء بأنّ من درسوا «الحقل الأدبي» تجاهلوا منهجيًّا حقيقة أنّ الكتّاب في الغالب مرتبطون بوظيفةٍ ثانية، بل الإشارة إلى أنّ هذه الحقيقة الجوهرية في العالم الأدبي (كما في العوالم الفنية الأخرى) لم تُحدث تغييرًا حقيقيًّا في الخطاب عن هذا «الحقل» وفاعليه الرئيسيين، أي الكتّاب أنفسهم. فبورديو نفسه يعترف بأنّ «مهنة الكاتب أو الفنان» هي من أقلّ المهن قدرةً على أن «تُعرّف بالكامل أصحابها وتكفيهم ماديًا»، إذ إنّ من يدّعونها «لا يستطيعون في كثيرٍ من الأحيان أن يمارسوا الوظيفة التي يعدّونها وظيفتهم الأساسية إلا إذا امتلكوا مهنةً ثانية تؤمّن لهم دخلهم الرئيسي».

غير أنّه استخلص من هذه الوضعية فكرةً واحدة، هي أنّ لهذه الحالة «مكاسب ذاتية»: إذ تتيح الهوية المُعلنة ككاتبٍ، على سبيل المثال، الرضا عن وظائف صغيرة تُؤدّى فقط «لدفع الفواتير»، وهي الوظائف التي يوفّرها المجال نفسه (كالقارئ أو المدقّق في دور النشر) أو مؤسساتٌ قريبة منه (كالصحافة والتلفاز والإذاعة...). غير أنّ الحقيقة أنّ الكتّاب لا يستمدّون مواردهم الاقتصادية حصريًا من وظائف في النشر أو الإعلام.

بل إنّ مسألة انعدام الأمن الاقتصادي الذي قد تولّده هذه الأوضاع، ومسألة الوقت الذي تستهلكه الوظائف الثانية على حساب الكتابة، ومسألة تأثير هذه الحياة المزدوجة على الرصيد الشخصي من الميول والتهيؤات – وهي التي تُقوّض بالضرورة مفهوم «الهابيتوس»، لأنه من الصعب الحديث عن «هابيتوس أدبي» لدى فاعلين كالكاتب-الطبيب، أو الكاتب-الأستاذ، أو الكاتب-الصحفي، أو الكاتب-المهندس، أو الكاتب-العامل، الذين يمتلكون في آنٍ واحد مجموعتين من الميول أو الهابيتوسات المتعارضة من حيث المبدأ  –كلّ ذلك تغافل عنه بورديو إلى حدٍّ كبير.

إن الطريقة التي يطرح بها بورديو السؤال تفترض أن «الهابيتوس» واحدٌ، أي نسقٌ متماسك ومتجانس، وأنّ هدف البحث إنما هو الكشف عن آثار ترجمة «الهابيتوس نفسه» في حقولٍ مختلفة الخصائص، متباينة في أساليب تنظيمها للإمكانات. غير أنّه لا يرى أن الحالة التي يظنّها استثنائية – أي مشاركة الأفراد أنفسهم في عوالم اجتماعية متعدّدة – هي في الواقع الحالة التي يعيشها عددٌ كبير من الكتّاب الذين يجمعون بين النشاط الأدبي والنشاط الخارج عن الأدب، سواء داخل عوالم إنتاجٍ ثقافي أخرى أم داخل عوالم غير ثقافية بالمرة. ومن ثمّ فلا حاجة لأن يتصرّف الباحث كما يفعل المناطقة، فيتخيّل واقعًا نظريًّا هو قائمٌ أمام أعيننا بالفعل.

ومن الأمثلة الإشكالية على اختزال الكتّاب إلى «كينونتهم كأعضاء في الحقل»، وإن كان المثال ذا نية محمودة في مقاومة الاختزال السياسي، ما نراه في دراسة جيزيل سابيرو عن الكتّاب في زمن الاحتلال. تشرح الكاتبة هدف عملها بقولها: «غايتنا أن نُظهِر خصوصية سلوك الكتّاب إبّان الاحتلال، في ضوء التمثّلات والممارسات المميِّزة للأوساط الأدبية. فمواقف الكتّاب السياسية في الواقع تخضع لمنطقٍ لا تكون السياسة مبدؤه الوحيد. ثم إنّ الفاعلين أنفسهم نادرًا ما يفصلون هذه المبادئ عن ممارساتهم المهنية: إنّ ميلهم إلى الانخراط الاجتماعي أو السياسي يعتمد أيضًا على الكيفية التي يتصوّرون بها مهنتهم الخاصة. وغالبًا ما ينخرطون في الشأن العام بوصفهم فنانين أو مثقفين».

لكن الكتابة على هذا النحو تفترض أن «مهنة الكاتب» قائمة كأيّ مهنةٍ أخرى، وأنّ جميع الكتّاب يعيشون من نتاجهم الأدبي كما يعيش الخبّاز من خبزه وبيعه، وأنّ أفعالهم الاجتماعية تتحدد أساسًا بممارستهم الكتابية، في حين أنّهم في الواقع أبعد ما يكونون عن أن يُختَزلوا اجتماعيًّا في وجودهم الأدبي وحده. فالكتّاب، إنْ كانوا ينتسبون إلى جماعةٍ مهنية، فإنما يكون ذلك غالبًا خارج «الحقل الأدبي» (بحسب بورديو)، بل وأحيانًا خارج «العالم الأدبي» نفسه (بحسب هوارد س. بيكر). ولا يمنع ذلك من القول إنّ جزءًا من التزامهم السياسي قد يرتبط بحياتهم الموازية ككتّاب، غير أنّ حصرهم ضمن فضاءٍ مغلق يسمّى «الحقل الأدبي» هو خيارٌ نظريٌّ جذريٌّ ومثير للدهشة. وهكذا تُختزَل «الظروف الحياتية العملية» للكتّاب في بعدها الأدبي فحسب، وتُربَط «المبادئ الناظمة لطرائق إدراكهم للرهانات ومواقفهم وسلوكهم» بـ«الشروط الخاصة التي تُطرَح فيها هذه المسائل داخل الحقل الأدبي».

وهذا العمى النظري الذي يقود إلى مثل هذا الاختزال الأدبي مزدوجُ المصدر. أولًا، لأن نظرية الحقول تقودنا حتمًا إلى البحث عن المحدّدات الخاصة للسلوك الاجتماعي داخل العوالم الميكروية المستقلة نسبيًّا. غير أنّ استعمال سابيرو لهذه النظرية استعمالٌ خاصّ، يُفضي من حيث لا تدري إلى تقويض السبب الرئيس في البحث عن المحدّدات الخاصة. فبورديو إذ يذكّر بالمحدّدات المميِّزة لمختلف الحقول التي تفرض «قوانينها» الخاصة على الفاعلين فيها، إنما يهدف إلى تجنّب إغراء الاختزال السوسيولوجي الفجّ. فالاستراتيجيات الأدبية والأعمال الأدبية (وخاصة الأجناس والأساليب) لا يمكن اختزالها قسرًا إلى أصلٍ طبقيٍّ أو انتماءٍ اجتماعيٍّ للكاتب. فشروط الحقل الأدبي، ولا سيما فضاء الإمكانات الأدبية الذي يُقدَّم بصورةٍ متمايزة لكلّ كاتب وفقًا لرصيده المعرفي الأدبي وموارده المبدئية، تؤثّر بعمق في توجّهاته الأدبية.

لكن هنا، لا تحاول الكاتبة تفسير الممارسات الأدبية، بل السلوكيات السياسية، عبر المحدّدات الأدبية. وهنا يحدث الانزلاق عن النموذج التفسيري الأصلي لنظرية الحقول، ويحقّ لنا أن نتساءل – مع التمسّك بمبدأ التخصيص في النظرية – عمّا إذا لم تكن العوامل السياسية الصرفة (كالاجتماع السياسي عبر العائلة والتعليم) هي التي تفسّر فعليًّا المواقف السياسية. ويزداد هذا الانزلاق خطورة لأننا بصدد عالمٍ اجتماعيٍّ فريد لم تحدّد معالمه نظرية الحقول بدقّة. إذ بما أنّ الكاتب نادرًا ما يكون «كاتبًا فقط»، وجب طرح سؤال المحدّدات المتصلة بالمهنة الثانية – وجودها من عدمه، وطبيعتها إنْ وُجدت، وهي غالبًا المهنة الأساسية التي يرتزق منها الكاتب – وهو سؤال لم يُطرَح أصلًا.

أما المبدأ الثاني للعمى فيتّصل بالخصم الفكري المقصود، أي التاريخ السياسي. فالقضية العلمية هنا هي مقاومة الاختزال السياسي للواقع: «إنّ الهدف النظري لتحليل مواقف الكتّاب أثناء الاحتلال استنادًا إلى المنطق الخاص بعالم الأدب ومؤسساته، لا إلى التصنيفات الجاهزة للتاريخ السياسي، يفضي إلى إعادة تقييم الأهمية النسبية لبعض الفاعلين الاجتماعيين، وإبراز آخرين، وإظهار استمرارياتٍ وانقطاعاتٍ في الحياة الفردية والجماعية لأعضاء هذه الفئة الاجتماعية الشاذّة». غير أنّ سابيرو، مرة أخرى، لا تبدو وكأنها تُدرك أنّ الكتّاب الذين تصفهم يصعب عدّهم «جماعة اجتماعية» متجانسة، إذ إنهم يدخلون هذه الجماعة ويغادرونها، فلا يعرّفهم الانتماء الأدبي وحده، ولا تكون «صفة الكاتب» مبدأهم الحاكم الوحيد. ومن ثمّ فإنّ مواجهة الاختزال السياسي باختزالٍ أدبي ليست بالطبع الحلّ الأمثل.

ومثلما رأينا لدى بورديو، فإنّ الكاتبة لا تتجاهل المهنة الثانية تمامًا، لكنها لا تستخلص من وجودها ما يقتضيه الأمر من نتائج منهجية. فلا نتعرّف على وجود هذه المهنة وأهميتها إلا تدريجيًّا. فها هي تذكر مثلًا أنّ «جول رومان وجان بول سارتر توقّفا عن التعليم بعد أن ترسّخت مكانتهما الأدبية، في حين واصل جان غيهنّو التعليم طوال حياته». كذلك نعلم أنّه رغم كون «اللجوء إلى الصحافة وسيلةً للعيش وسلّمًا إلى المهنة الأدبية» أمرًا «منبوذًا لدى الكتّاب المنتمين إلى أكثر الشرائح الطبقية امتيازًا»، فإنّ «نصف عيّنة الكتّاب البالغ عددها ١٨٥ كاتبًا كانوا من المساهمين الدائمين في الصحافة اليومية (لوموند، لاكسيون فرانسيز، لوفيغارو، باريس سوار، سُوار، إلخ)، وأنّ نحو ثلثَيهم كتبوا بدرجاتٍ متفاوتة في الصحافة الشعبية، وأنّ ربعهم تقريبًا كانت الصحافة مصدر دخله الرئيسي».

وعلى الرغم من التحفّظات والنقد، فقد لجأ الكتّاب إلى الصحافة ليعتاشوا منها. وهكذا يوضح فرنسوا مورياك الدوافع العملية إلى هذا النشاط الصحفي (تلك التي «تُجبِر الكاتب، لا سيما إذا كان متزوّجًا وله أولاد، على أن يُكمل كما يُقال نفقات آخر الشهر»): «يجب ألّا نخجل، في نهاية الأمر، من الاعتراف بأنّ الدوافع التي قد تكون أهمّ من الدوافع السامية هي ما دفعنا إلى حمل القلم الصحفي». وفي التقاليد الشعرية الكبرى، يذكّرنا جان ليسكور بأنّ على الكاتب ألّا ينتظر من الأدب مكسبًا مادّيًّا: «لقد تربّينا على فكرةٍ معيّنة عن الأدب تمنعنا من التفكير فيه كمهنة. أو على الأقل كمصدر رزق. كان علينا أن نبحث عن المكسب المادي في مكانٍ آخر».

بل إنّ تفسير السلوك السياسي المدروس في ضوء وجود المهنة الثانية أو غيابها يمكن تلمّسه في أثناء تحليل سابيرو نفسها. فهي تلاحظ مثلًا أنّ الكاتب الذي يملك عملًا آخر يستطيع أن يسمح لنفسه بالتوقّف عن النشر لأنه لا يعتمد في معيشته على الكتابة: «إنّ الخيار الذي اتخذه جان غيهنّو بالصمت – والذي يجب النظر إليه في ضوء كونه أستاذًا في الثانوية (إذ لم يكن يعيش من كتابته) – ذو دلالة إذا ما قورن بخيار جان بول سارتر، الذي كان أيضًا أستاذًا».

إنّ أثر المهنة الثانية يظهر حتى في التفسيرات التي تحاول إبراز أهمية المواقع الأدبية. فكيف يمكن ألّا نرى أنّ وراء مواقع الكتّاب في الحقول الفرعية للإنتاج (الإنتاج الواسع النطاق والإنتاج المقيّد) ووراء الأجناس الأدبية ذاتها، تكمن المسألة الخفيّة للاستقلال الاقتصادي الأكبر (عند الشعراء الذين اعتادوا ألّا يعيشوا من نتاجهم ولهم أعمال أخرى) في مقابل التبعية الاقتصادية الأكبر (عند الروائيين أو الكتّاب المسرحيين الذين يكتبون بدوامٍ شبه كامل) تجاه العالم الأدبي؟

إنَّ أفضل طريقة لتجنّب الوعي بهذه المحدِّدات هي استبعادها من أيّ تحليلٍ منهجيٍّ ولو عن بُعد. وهكذا، نجد سابيرو، في نموذجها القائم على تحليل العوامل المتقابلة، لا تستخدم سوى العناصر التي تدعم فرضيّتها؛ أي أنّها تعيد ترجمة كلّ الرهانات الخارجيّة عن الحقل الأدبيّ، ولا سيّما الرهانات السياسيّة، إلى منطق الحقل الأدبيّ ورهاناته الخاصّة. فهي، بافتراضها أنّ الكُتّاب ينتمون إلى «بيئةٍ مهنيّة»، تقترح أن تبدأ «من بيئةٍ مهنيّةٍ معيّنة، بممارساتها ومؤسّساتها، لتفحص آثار الأزمة داخلها». ومنذ البداية، لا يُعتَبر الوضع «المهنيّ» (أو الوظيفيّ) الخارجيّ للكاتب ذا صلةٍ بالموضوع. ولا تثير هذه المسألة إلاّ عرَضاً، في حاشيةٍ صغيرة، حين تتطرّق إلى مسألة «الدخل الأدبيّ وغير الأدبيّ»، حيث يظهر فجأةً واقع الظروف المعيشيّة للكُتّاب الذين نادراً ما يكسبون قوتهم من أقلامهم:

«المتغيّرات المأخوذة في الاعتبار تنقسم إلى أربع مجموعاتٍ رئيسة: الخصائص الاجتماعيّة (العمر، الأصل الاجتماعيّ، المسار الجغرافيّ، المسار التعليميّ، الشهادات الأكاديميّة)؛ وخصائص الموقع داخل الحقل (النوع الأدبيّ المفضَّل، مكان النشر، دور النشر والمجلاّت، الجوائز، الانتماءات المؤسّسيّة، درجة الاعتراف ونوعه)؛ والمواقف الجماليّة (المدارس الأدبيّة أو الحركات أو الإلهامات)؛ والمواقف السياسيّة (في ثلاثينيّات القرن الماضي وأثناء الاحتلال). […] الحاشية ٣: تبيّن لنا أنّ المعطيات المتعلّقة بمسار الأصل الاجتماعيّ كانت أكثر موثوقيّةً من المؤشّرات مثل المهنة أو طول المسيرة المهنيّة (التي قمنا بترميزها [كالمتغيّرات] لكن لم نستخدمها في تحليل المراسلات). وهذه الأخيرة لم تكن لتكون ذات صلةٍ إلاّ إذا جُمعت مع تقديراتٍ للدخل الأدبيّ وغير الأدبيّ وإحصاءات عدد النسخ المطبوعة، وهو ما كان من المستحيل تحديده».

كيف لا نرى هنا، كما في حالاتٍ مشابهةٍ كثيرة، آثار نوعٍ من العمى النظريّ الذي لا يُعِدّنا البتّة لرؤية الإغفالات (التي تكون أحياناً جسيمة)، أو الأمثلة المضادّة، أو التناقضات، ولا لتطوير تحليلٍ متمايزٍ ودقيق؟ إنّ واضع نظريّة الحقول نفسه تحدّث عن هذا النوع من العمى، بوصفه «اختراعاً يجري وفق فنٍّ مخترَعٍ سلفاً للاختراع، بحيث يحلّ جميع المشكلات التي يمكن طرحها ضمن حدود الإشكاليّة التي تحدّدها المناهج المبرهَنة (أو بالعمل على إنقاذ المبادئ في وجه الاعتراضات الهرطقيّة […]). وهذا الميل يجعلنا ننسى أنّه لا يحلّ سوى المشكلات التي يستطيع أن يطرحها».

مع أنّه واصل استخدام مفهوم «الحقل الأدبيّ»، فإنّ كريستوف شارل هو بلا شكّ من اقترب أكثر من المشكلة التي تعنيني هنا. فابتداءً من تحليل توزيع الكُتّاب وفقاً لأصولهم الاجتماعيّة (مهنة الأب) بالمقارنة مع بنية توزيع الأكاديميّين الباريسيّين بحسب الأصل الاجتماعيّ، وكذلك كبار الموظّفين المدنيّين في باريس والأقاليم خلال الفترة نفسها، توصّل إلى وصف الحقل الأدبيّ بأنّه «حقلٌ مشتقّ» متميّزٌ عن «الحقول الأساسيّة». يقول شارل: «إنّ جميع الفوارق الملاحظة بين الخصائص الاجتماعيّة للكُتّاب وتلك التي لأعضاء الحقول الأخرى تُعزى في النهاية إلى كون الحقل الأدبيّ 'حقلاً مشتقّاً'، بينما الحقول الأخرى أساسيّة. ولهذا الأمر نتائج داخليّة وخارجيّة… ففي الحقول الأساسيّة، تكون الرهانات مختلفةً عن تلك في الحقل الأدبيّ. فالمسألة ليست مجرّد حياةٍ أو موتٍ أدبيّ (أو حتى حياةٍ أدبيّةٍ بعد الموت)، بل حياةٍ أو موتٍ اجتماعيّ».

ويقرّ شارل بأنّ «اختيار مهنة الأدب ليس في النهاية سوى اختيارٍ جزئيّ»، لأنّ «المرء يستطيع أن يجمع بين هذه الممارسة ومهنةٍ أخرى»، ويرى بحقّ أنّ هذه «التوتّرات المتعدّدة، لا الفريدة، بين مهنة الكاتب ووظيفته… هي أساس خصوصيّة الحقل الأدبيّ بالمقارنة مع الحقول الأخرى». فمن ناحيةٍ، هناك الحقول المربِحة ذات المشاركين المتفرّغين تفرّغاً كاملاً، ومن ناحيةٍ أخرى، الحقول التي، مثل الحقل الأدبيّ، لا تدرّ على الغالبيّة العظمى من المشاركين فيها سوى القليل من المال، ومن ثمّ نادراً ما تكون مهنتهم الأساسيّة من حيث الوقت. ففي الحالة الأولى، «يتطابق تعريف الموقع مع المهنة المهيمنة للفرد الذي يشغل ذلك الموقع»، أمّا بالنسبة للكتّاب، فـ«كلّما تضاءل حجم الرعاية والموارد الخاصّة، أصبح التطابق بين الدعوة الأدبيّة والمسمّى الوظيفيّ للكاتب أكثر عشوائيّة».

غير أنّ فكرة «الحقل المشتقّ» أو «الاشتقاق» لا تساعدنا كثيراً على توضيح المشكلة المطروحة. فبدلاً من التفكير في إطار معارضةٍ بين «أساسيّ» و«مشتقّ»، يمكن فهم الوضع العامّ للعالَم الأدبيّ على نحوٍ أفضل من خلال معارضةٍ بين «رئيسيّ» و«ثانويّ». فبما أنّ الكاتب الذي يعمل في وظيفةٍ أخرى هو الشكل الأكثر شيوعاً في الكون الأدبيّ المعاصر، وبما أنّ الولوج إلى هذا الكون يمكن أن يبدأ في مراحل متأخّرة من المسار الفرديّ، وبما أنّ الكتابة ممارسةٌ متقطّعةٌ وغير منتظمة، والنشر يمكن أن يتوقّف (لأسبابٍ متعدّدة، داخلية [كالرفض من الناشرين] أو خارجيّة [كالضرورة الاقتصاديّة]) مراراً ولفتراتٍ غير محدّدة، يصبح من الواضح أنّ علينا تمييز هذا النوع من الأكوان عن مجموع «الحقول» الأخرى بالتشديد على طابعه الموضوعيّ (لكن ليس بالضرورة الذاتيّ) بوصفه نشاطاً تابعاً أو ثانوياً في حياة من يكتبون.

إنّ مفهوم الحقل (ومعه مفاهيم «الهابيتوس» و«الإيليوزيو» و«الاستثمار») يناسب، بلا شكّ، العوالم الاجتماعيّة التي يشارك فيها الفاعلون مشاركةً كاملة وفي صفتهم الأساسيّة. ويمكننا القول، والحال هذه، إنّ الكون الأدبيّ أشبه بـ«حقلٍ ثانويّ» يمكن تمييزه عن سلسلةٍ من «الحقول الرئيسيّة». وهذا لا يمنع بعض من يزاولون مهنةً مأجورةً غير الكتابة الأدبيّة من أن يعيشوا الأدب بوصفه مهنتهم «الحقيقيّة» الأساسيّة، ويعتبروا سائر أعمالهم مجرّد «إضافة» أو «وسيلةٍ لكسب الرزق». غير أنّ هذه الحالة الفريدة من «الحياة المزدوجة» تميّزهم عن جميع المشاركين في عوالم أخرى توفّر لهم مهنةً مأجورةً فضلاً عن معنى الوجود (أي «الهويّة»)، ومعيشةً، ورهاناتٍ تجعل المشاركة فيها جديرةً بالاهتمام. وهذا النمط من «الحقل الثانويّ» هو ما سأطلق عليه من الآن فصاعداً اسم «اللعبة».

لقد استخدم بورديو كثيراً مجاز اللعب أو «اللعبة» – مع الإشارة إلى محدوديّاته، خصوصاً في فلسفة الفعل – لوصف عمل الحقول (قواعد اللعبة، الرهانات، معنى اللعبة، الرابحون والخاسرون، الأوراق الرابحة، الإيمان بأنّ «اللعبة تستحقّ العناء» بوصفه إيماناً بقيم اللعبة، «الانخراط في اللعبة - [être pris au jeu]»، إلخ). ويبدو لي أنّ مفهوم «اللعبة» ملائمٌ جدّاً لوصف الأنشطة التي، كالأدب، تُمارَس بدرجاتٍ متفاوتةٍ من الالتزام، ولكنّها، في مجملها، تشمل أفراداً لا يستطيعون أن يكرّسوا كلّ وقتهم للّعب في اللعبة المعنيّة. فالعاجزون ماديّاً عن العيش من كتاباتهم يتناوبون بين زمنٍ واستثمارٍ في «حياةٍ أدبيّة» وآخر في «حياةٍ مهنيّةٍ خارجةٍ عن الأدب».

ولاستكشاف جدوى مجاز «اللعبة» في وصف الكون الأدبيّ، وكذلك الإشارة إلى حدوده، يمكننا العودة إلى تعريفات اللّعب واللعبة التي قدّمها يوهان هويزينغا وروجيه كايو. وتكمن أهميّة هذين المفكّرَين في أنّهما يقدّمان تعريفاً عامّاً للّعب، مهما يكن سياقه التاريخيّ، يُكثّف جملة الخصائص التي تُنسب عادةً إلى الألعاب ويمكن اعتمادها مقياساً لقياس الواقع الاجتماعيّ.

ففي تعريفاتهما، يؤكّد كلٌّ من هويزينغا وكايو على أنّ اللعبة نشاطٌ «حرّ» (إذ إنّ الإلزام باللّعب ينفي جوهره بوصفه نشاطاً ترفيهيّاً)، «منفصل» عن الحياة اليوميّة (إذ يجري ضمن فضاءٍ وزمنٍ محدّدين اصطناعياً ومتميّزين عن «الحياة العاديّة»)، «منظَّم» (بما له من رهاناتٍ وقواعد خاصّةٍ تختلف عن «القوانين العاديّة»)، «غير مؤكّد» (إذ إنّ مجراها ونتيجتها غير متوقَّعين جزئيّاً)، «غير منتِج» (أي «مجّانيّ» لأنّه، كما يقول هويزينغا، «مرتبطٌ بلا مصلحةٍ ماديّةٍ ولا يُنتج ربحاً»)، و«تخيّليّ» (إذ يصاحبه وعيٌ صريحٌ بـ«اللاواقعيّة» مقارنةً بـ«الحياة العاديّة»)، ومع ذلك فهو «قادرٌ في الوقت نفسه على أن يستغرق اللاعب كلّياً».

لكن كيف يمكن أن تكون هذه الخصائص مفيدةً لدراسة كونٍ اجتماعيٍّ مثل الكون الأدبيّ؟

بادئ ذي بدء، فإنّ طبيعة الألعاب «الحرّة» (بمعنى غير المقيَّدة) تتوافق تماماً مع العلاقة التي يُقيمها الفنّانون، ولا سيّما الكُتّاب، مع أنشطتهم القائمة على الرغبة، وأحياناً حتى على الإحساس بالدعوة – وهو إحساسٌ يُبنى اجتماعياً عبر تجارب أسريّة وتعليميّة متعدّدة – لا على الإكراه. فالفنّانون عموماً، والكُتّاب خصوصاً، يعيشون نشاطهم لا كعملٍ إلزاميٍّ أو قسريّ، بل استجابةً لحاجةٍ داخليّةٍ ورغبةٍ شخصيّة. وأكثر من ذلك، فإنّ أيّ شيءٍ يضع الكاتب في وضعٍ يشبه العمل المقيَّد – وخصوصاً إذا كان محدَّداً بزمنٍ أو بإنتاجيّةٍ مطلوبةٍ سلفاً، مثل الأعمال المطلوبة من ناشرين أو مؤسّسات، أو المنح والإقامات الأدبيّة التي تشترط تسليم عملٍ محدَّد – يضعه، كما يعبّر الكتّاب أنفسهم بوضوح، في موقعٍ لا يقدّرونه كثيراً.

ثانياً، تتميّز الأكوان الاجتماعيّة المتخصّصة عموماً، والكون الأدبيّ خصوصاً، بكونها منفصلةً عن الأكوان الأخرى بحدودٍ أكثر أو أقلّ وضوحاً وظهوراً، ومنظَّمةً وفق قوانينها وتشريعاتها الخاصّة. وفي إطار التقليد الطويل للفكر السوسيولوجيّ والأنثروبولوجيّ حول التخصّص التاريخيّ للأنشطة أو الأدوار الاجتماعيّة وتقسيم العمل الاجتماعيّ (من سبنسر إلى بورديو مروراً بماركس ودوركهايم وفيبر وإلياس)، يتبيّن لنا أنّ تمايز العالَم الاجتماعيّ يؤدّي إلى نشوء أكوانٍ تمتلك رهاناتها الخاصّة وقواعد لعبها، وبذلك تُنشئ أزمنةً وأمكنةً مخصّصةً لتلك الأنشطة بعينها. إنّ كتابة الأدب تعني الانضمام إلى لعبةٍ مخصوصةٍ تختلف عن سلسلةٍ كاملةٍ من الألعاب الأخرى الممكنة، المتقاربة معها أو البعيدة عنها.

على خلاف طيف واسع من العوالم الاجتماعية الأخرى، لا يُقيم الحقل الأدبي حدودًا فاصلة واضحة بين الخبراء والعامة؛ ففي هذا «اللعب الأدبي» لا نجد ما يعادل المستشفى ومعطف الطبيب الأبيض، أو قاعة المحكمة وأثواب القضاة والمحامين التي، كما يذكّرنا موريس هالبواش، تُحدث فورًا مسافة بين أهل الخبرة وغير المتمرّسين، وتُشير في الحال إلى خصوصية ذلك العالم المعنيّ. ولهذا السبب تحديدًا، يمكن أن تنشأ احتكاكات بين الكُتّاب (الخبراء) والجمهور (العامة)، أو بينهم وبين وسطاء يأتون بين الطرفين – مثل الصحافيين وأمناء المكتبات ومقدّمي البرامج الحوارية – فتُحدث لحظات أزمة للكتّاب. إذ يشعر هؤلاء أحيانًا بأن منطقهم الأدبي الخاص يُنتهك، وأن القوانين المميزة لعالمهم تُداس، حين تُختزل دعوتهم إلى الحديث العام إلى مجرّد «متخصصين» في موضوع رواياتهم، فيُوضَعُون على أرض واقعية غير أدبية واحدة مع السياسيين أو علماء الاجتماع أو علماء النفس أو المؤرخين.

فالمشكلة هنا هي مشكلة الحدود – تلك التي تبدو مرئية في حال القضاة أو المحامين، لكنها غير مرئية في حال الكُتّاب – بين «الخاص» و«الداخلي» و«المقدّس» من جهة، و«العام» و«الخارجي» و«الدنيوي» من جهة أخرى. فما الوسيلة، غير التعبير عن الغضب والاحتجاج، التي يمتلكها الكتّاب ليُظهروا أن «حيّهم الداخلي» قد انتُهك ودُنِّس وتسلّل إليه منطق خارجي غريب؟

غير أنّ العوالم الاجتماعية، بخلاف الألعاب العادية، لا تمتلك قواعد لعب واضحة ومحددة تمامًا، لأنها تشكّلت تاريخيًّا عبر صراعات حول تعريف اللعبة وقواعدها، الأمر الذي يُتيح لنا الحديث عن «القوانين الضمنية» للّعبة الأدبية. فكثير من المشاركين في الألعاب الاجتماعية يبدؤون اللعب دون معرفة القواعد كاملة. وتُتيح فكرة «قواعد اللعبة» التمييز بين من يتقنونها إتقانًا تامًّا (اللاعبين الأكفاء)، ومن لا يتقنونها بالقدر نفسه أو لا يعرفونها أصلًا (المستبعدين من أهمّ رهانات اللعبة، أو الخارجين منها مجازيًّا). كما يمكن التمييز بين من يكتفون باللعب وفق القواعد الموروثة، وبين أولئك الذين، بعد أن استوعبوها تمامًا، يسعون إلى تطوير أسلوب لعبهم المميّز والمُعرَّف به، فيسهمون بذلك جزئيًّا في تحويل اللعبة ذاتها.

وفيما يتعلّق بطبيعة «اللايقين» في الألعاب، فإن النشاط الفني عامة، والأدبي خاصة، يفيض باللايقين – سواء من حيث المردود الاقتصادي أو من حيث القيمة الجمالية. فخلافًا لكثير من العوالم الاجتماعية الأخرى التي توفّر مهنًا مستقرة ومردودًا مضمونًا، لا يضمن «اللعب الأدبي» لأيّ لاعب بقاءه الدائم فيه. بل يمكن القول إنّ في كلّ العوالم الاجتماعية التي تدرّ عائدًا مستقرًا، يكون اللايقين محدودًا في ما يخص ممارسة النشاط بانتظام، أو شرعية الفاعل بوصفه ممارسًا، أو قيمة عمله. أمّا في الحقل الأدبي، فكلّ هذه النقاط يغمرها اللايقين: المبيعات، التلقي النقدي، القيمة الجمالية لما يُكتب ويُنشر، بل حتى إمكانية النشر مرة أخرى. صحيح أنّ شهرة أدبية معينة قد تحمي الكاتب من الانهيار التجاري أو النقدي الفادح، غير أنّ كثيرًا من الكتّاب ولمدة طويلة يعيشون الحالة التي وصفها ألفرد دو فيني: «كل عمل جديد هو أشبه ببداية جديدة».

أما القول إنّ اللعبة بطبيعتها «غير منتجة» أو «منفصلة عن أي مصلحة مادية ولا يمكن أن يُجنى منها ربح» – كما في تعريفات هويزينغا وكايو – فهو إشكالي. فحتى الألعاب في معناها العادي، لا المجازي، لا يمكن اعتبارها غير منتجة، لأنها تُولّد «تسلية» (بالمعنيين اليومي والباسكالي للكلمة)، وتُحدث «لذة اللعب»، وتُنمّي مهارات وكفاءات متنوّعة، وبالتالي فهي ليست خالية تمامًا من الفائدة الاجتماعية لمن يمارسها. ويزداد التناقض في حالة النشاط الأدبي، إذ إنه، على خلاف اللعبة (وفق كايو)، يُنتج «أعمالًا». ومع ذلك، إذا اقتصرنا على الجانب الاقتصادي البحت من النفع، فإن جزءًا من الحقل الأدبي، أي ما يسميه بورديو «قطاع الإنتاج المقيّد»، يقوم على فكرة أن الأدب ينبغي أن يُمارَس بمعزل عن أي غاية تجارية، وأنه متى ما كُتب «من أجل المال» لم يعد أدبًا، وفق الموقف «الطاهر» الذي تبنّاه فلوبير وعدد من الشعراء. ومن هذا المنظور الاقتصادي الصرف، يمكن القول إن الطابع «الحرّ» – أو لنقل: غير «المُجزي» ماليًّا – لقطاع واسع من الإنتاج الأدبي أمر واضح.

وهنا تحديدًا، فإن قلّة احتمال أن يتمكن اللاعبون من كسب رزقهم من أرباح هذا «اللعب الأدبي» هي ما يدفع معظمهم إلى عدم الانخراط الكامل فيه. إن فكرة «الثانوية» الملازمة للعب، والحقيقة أن النشاطات «اللعبية» تُقابَل غالبًا بـ«الجدية» وبخاصة «حياة العمل»، تُذكّرنا بحالة «الحياة المزدوجة» – بل أحيانًا «اللعب المزدوج» – بين النشاط الأدبي والنشاط المهني المأجور، وهي حالة مألوفة لغالبية المشاركين في الحقل الأدبي. وتبدو فكرة اللعب هنا مناسبة تمامًا حين نتحدث عن عالم لا يشكّل، بالنسبة لمعظم من ينتمون إليه، نشاطًا رئيسيًّا. فبما أن اللعب نشاط يُمارَس في أوقات محدودة تحددها الالتزامات الأساسية، فإن العالم الأدبي يبدو أقرب إلى لعبة منه إلى مهنة.

ويمكن أيضًا أن نجد في الطابع «التخيلي» للنشاط اللعبي، كما أبرزَه هويزينغا وكايو، صفة ملائمة لوصف النشاط الأدبي، إذا حددنا حدود هذا المفهوم: فالكاتب، إذ يشتغل على الكلمات، يخلق عوالم شعرية وسردية ومسرحية منفصلة عن الاستخدام العملي اليومي للغة. غير أننا نلاحظ أنه، من خلال انقلاب إثنومركزي يميز أكثر المنخرطين في هذه الألعاب الاجتماعية، تُستعمل سلسلة من الثنائيات – كالعبث/الجدّ، التخييل/الواقع، الأدب/الحياة الواقعية – لتجعل بعض الكتّاب من الأدب المدخل الوحيد إلى الحقيقة، والحياة الوحيدة الجديرة بأن تُعاش، والشيء الجاد الوحيد في العالم، مقابل الحياة اليومية العادية، عالم المظاهر، التفاهات، الأوهام، والحيوات المهدورة. ولا يمنع الإحساس بـ«اللاواقعية» الذي قد يعتري اللاعبين تجاه «الحياة الواقعية» – بمعنى أن الخاسرين يُذكَّرون بأنها «مجرد لعبة»، أي أن ما يحدث فيها «بلا عواقب» على حياتهم اليومية – من أن يكونوا «مستغرقين كليًّا» فيها، بل إنّ بعض منغمسين فيها يجعلون اللعبة «واقعهم الوحيد» أو «واقعهم الحقيقي».

وأخيرًا، فإن تذكير هويزينغا وكايو بأن الألعاب (بمعناها العادي) يمكنها، شأنها شأن أكثر العوالم الاجتماعية جدية، أن «يستغرق» لاعبيها، يُبرز أن الفرد نفسه يمكن أن يكون «مسليًّا»، «منشغلًا»، «مستغرقًا»، أو حتى «مفتونًا» بأنشطة متعددة – من الأكثر جدّية إلى الأشد تفاهة، ومن الأطول أمدًا إلى الأشد زوالًا – كالنشاط المهني أو الحياة العائلية أو العاطفية أو الرياضة أو اللعب. وهكذا يمكن أن تتخذ «الإيليوزيو» – ذلك الانخراط الكلي في اللعبة – أشكالًا متباينة جدًّا، وأن يجمع الفرد الواحد بين عدّة أشكال منها بدرجات متفاوتة من الشدة، أو أن ينتقل بانتظام من شكل منها إلى آخر.

لكن حين يتعامل بورديو مع أعضاء «الحقل» كما لو أمكن اختزالهم إلى «كونهم كأعضاء في الحقل»، ويؤكد أن الإيليوزيو «معرفة تُكتسب بالولادة في اللعبة»، فإنه من حيث لا يدري يُعطي الأفضلية لنوع معيّن من العوالم الاجتماعية أو الفاعلين فيها: أولئك الذين يتيح لهم الحقل إمكانية استثمار دائم، وأولئك الذين يتّسمون بأشدّ أشكال الالتزام في العوالم التي يشاركون فيها – أولئك «المستعدون للقتل أو القَتْل» من أجل الحقل، الذين يرون في رهاناته قضية «حياة أو موت». يتحدث عن «الالتزام الحشوي باللعبة»، لكنه لا يأخذ في الحسبان أن اللاعبين لا يستثمرون جميعًا بالمقدار نفسه. فالأمثلة التي تتبادر إلى ذهنه هي دومًا حالات قصوى للاستغراق الكلي في اللعبة: سياسيون «مستعدون للموت من أجل رهانات تبدو هراءً» في نظر غير المنخرطين في السياسة، أو رياضيون «يضحّون بحياتهم من أجل بطولة»، أو حالة أندريه بريتون الذي «كسر ذراع منافس له في شجار شعري» وكان «مستعدًا للموت من أجل الشعر».

فماذا عن تلك العوالم التي، مثل اللعبة الأدبية، لا تشجّع على الاستثمارات الدائمة لأنها تُجبر لاعبيها على استمداد وسائل عيشهم الاقتصادي من خارجها؟ ماذا عن «الفاعلين الجزئيين»، أو أولئك الذين تكون مشاركتهم متقطعة أو عرضية، ولهم استثمارات متعدّدة في عوالم اجتماعية أخرى تسمح بانخراط دائم؟ إنّ نظرية الحقل تصمت إزاء كلّ هذه الحالات.

يمكننا، بين المشاركين في «اللعبة الأدبية»، التمييز بين ثلاثة أنماط بارزة من اللاعبين:

أولًا، يمكن للمشاركين في اللعبة الأدبية أن يمارسوا الأدب بوصفه نوعًا من «الترفيه» أو «الاستجمام» – على نحو أشبه بلعبة صالون مسلّية – فيكتبون دون مشقة تُذكر، في أوقات الفراغ التي تلي التزاماتهم الاجتماعية، ولا سيّما المهنية (هؤلاء هم اللاعبون العرضيّون). سواء كانوا هواةً أم مثقفين يمارسون الأدب بوصفه نشاطًا ترفيهيًا راقيًا، فإن درجة «الإيليوزيو» لديهم – أي إيمانهم باللعبة – ليست بالقوة نفسها التي نجدها لدى غيرهم من اللاعبين. إنهم «يلعبون باعتدال»، معتقدين أن قيمة اللعبة أو أهميتها لا تكفي لأن يكرّسوا لها حياتهم كاملة («اللعبة لا تستحق عناء الشمعة» كما في المثل الفرنسي). ولهذا يُبرز بعض الكتّاب «اعتدال» استثمارهم في اللعبة: فهم يقضون جزءًا من أوقات فراغهم في الكتابة، خلال فترات محدّدة بدقّة، لا تمسّ كثيرًا حياتهم الواقعية خارج اللعبة.

وثانيًا، قد يستثمر بعض المشاركين في اللعبة الأدبية استثمارًا خاسرًا، لأنهم «مدمنون على اللعبة»، وقد جعلوها القوة الدافعة لحياتهم بأسرها، ويسعون في الغالب إلى ابتكار «أسلوب لعبهم الخاص»، على الرغم من اضطرارهم عادةً إلى الحفاظ على عمل مأجور خارج اللعبة يُمكّنهم من الاستمرار فيها (وهؤلاء هم اللاعبون المتحمّسون أو الهوسيون). عبر تاريخ اللعبة الأدبية، قلّما استطاع «اللاعبون الهوسيون» أن يكرّسوا أنفسهم بالكامل لفنّهم دون اكتراث بالجدوى الاقتصادية – إلا بفضل ميراث أو دعم من الزوج/الزوجة مثلًا. وإذا مددنا الاستعارة، يمكن القول إنّ هؤلاء يمثلون فئة من «اللاعبين المرضيين» أو «المقامرين القهريين» – في نظر اللاعبين العرضيّين – إذ تغزو اللعبة وجودهم كله بدل أن تكون مجرد «جانب من حياتهم». إنهم «يراهنون بحياتهم» على اللعبة، بجعلها أكثر من «مجرد لعبة». أما بالنسبة للكتّاب ذوي الطموحات الأدبية الأنقى، فإن اللعبة الأدبية تماثل ما يسميه كايو «اللّودوس (Ludus) أي اللعبة التي يسعى المشاركون فيها إلى رفع مستوى الجهد والتعقيد طوعًا، لتغدو أكثر إثارة ولكن أيضًا أكثر تطلّبًا من النشاطات المهنية التي تُعدّ «جديّة».

وأخيرًا، قد يكون بعض المشاركين في اللعبة الأدبية ممن «يكسبون عيشهم» منها (بنجاح متفاوت)، فيعيشون مما تدرّه عليهم من عائدات (وهم اللاعبون المحترفون، بالمعنى الاقتصادي للكلمة). وبين هؤلاء المحترفين نجد من كانوا في الأصل «لاعبين هوسيّين» ذوي طموحات أدبية عالية، ثم تمكنوا بمرور الوقت من التخلّي عن وظائفهم الثانوية بعدما أسّسوا جمهورًا قارئًا وذاع صيتهم (وخاصة بعد الفوز بجوائز أدبية مرموقة). وهناك أيضًا لاعبون آخرون أقل «نقاءً» من الناحية الأدبية، وأقل استثمارًا روحيًّا، يعتمدون على تقنيات مجرّبة في اللعبة، وقد يكتبون أحيانًا بغرض الكسب المادي المحض.

أما أولئك الذين يُتقنون تقنيات اللعبة ويخضعون لإيقاع إنتاج متواصل يجعلهم أقرب إلى العمال العاديين ويُبعدهم عن نموذج الكاتب الملهم، فإنهم بالكاد يُعَدّون «لاعبين» بعد الآن. وكما يقول كايو: «إن الملاكمين المحترفين، أو راكبي الدراجات، أو الممثلين، يجدون استراحتهم الحقيقية حين يمارسون لعبة لا تربطهم بها عقود». وهكذا، يمكن ضمن اللعبة الواحدة أن يتعايش اللاعبون على اختلاف درجات استثمارهم وعائداتهم (من النشر)، وإنتاجهم وطموحاتهم: فهناك «اللاعبون العرضيّون» (الهواة أو المتذوقون الذين يملكون عملًا ثانويًا)، و«اللاعبون الهوسيّون» (غالبًا مع عمل جانبي، أو ممّن يعيشون على مال خاص أو دعم عائلي)، و«اللاعبون المحترفون» بمستوياتهم المتباينة. غير أن اللاعبين المحترفين وحدهم – وهم قلّة لا يدوم وضعهم هذا طيلة حياتهم – يمكنهم أن يعيشوا حصريًّا من ثمار مشاركتهم في اللعبة.

واللعبة الأدبية هي بوضوح من نوع «الأغون» (âgon)، أي لعبة تقوم على المنافسة المستمرة بين اللاعبين، وتدفعهم إلى التمرين والممارسة وتحسين أدائهم. وكما في الألعاب والرياضات التي لا يتواجه فيها الأبطال وجهًا لوجه – كالصيد أو تسلّق الجبال أو حلّ الكلمات المتقاطعة – بل يعيشون في «منافسة دائمة ومبعثرة»، فإن اللعبة الأدبية هي ساحة تنافس شاسعة، مستمرة، وموزّعة، بين الطامحين إلى نيل صفة «كاتب»، بل، بالنسبة إلى القلّة، صفة «كاتب عظيم».

إن النموذج الذي عرضناه هنا يؤسس لفهم الكتّاب على نحوٍ مغاير لنظريّة الحقل عند بورديو، ومختلف أيضًا عن نظرية «العوالم الاجتماعية» عند بيكر. تدرس نظرية الحقل حقول الإنتاج الثقافي الفرعية مع التركيز على المبدعين، وعلى الصراعات والمنافسات التي تدور بينهم، لكنها في الوقت ذاته تختزل الفاعلين إلى وجودهم كأعضاء في حقلٍ محدد. وقد رأى بورديو أن نظرية «عوالم الفن» عند هوارد بيكر تمثل «تراجعًا مقارنة بنظرية الحقل»، من غير أن يأخذ بالاعتبار الفارق الجوهري في تصنيف موضوعات الدراسة، ولا اختلاف مقاصد المعرفة بينه وبين بيكر.

فالفارق يقوم في أن مفهوم «الحقل» يُعلي من شأن دراسة أولئك الذين يتنافسون على امتلاك الرأسمال الرمزي الخاص بالحقل (من فنانين وكتّاب، إلخ)، بينما ينظر مفهوم «عوالم الفن» إلى النشاط الفني من زاوية سوسيولوجيا العمل، فيشمل ضمن مجال ملاحظته كل من يسهم في البناء الجماعي والمادي والرمزي للأعمال الفنية: لا الفنانون فقط، بل أيضًا كل من يُعرَّف بأنهم «كوادر مساعدة».

ومن ثَمّ، فإن نظرية «عوالم الفن» لدى بيكر تهتمّ أساسًا بالفن بوصفه جهدًا جماعيًا يضم فاعلين من أنواع مختلفة – بل من «مجموعات مهنية» متمايزة – وتركّز ليس على المبدعين أو أعمالهم، بل على أنماط التعاون التي تنتج عنها تلك الأعمال:

لقد تعاملت مع الفن على أنه عمل يقوم به بعض الناس، واهتممت أكثر بأنماط التعاون بين من يصنعون الأعمال، لا بالأعمال ذاتها ولا بمن يُعَدّون مبدعيها بالمعنى التقليدي.

وهكذا يصف مفهوم «عالم الفن» شبكة الأشخاص الذين تؤدي أنشطتهم التعاونية، المنظّمة من خلال معرفتهم المشتركة بالوسائل المألوفة لإنجاز الأمور، إلى إنتاج ذلك النوع من الأعمال الفنية الذي يُعرف به عالم الفن.

أما أنا، فأتّبع مقاربة تراعي التنوّع في السلوكيات الفردية الداخلية، فأركّز على الفاعلين المبدعين وعلى الظروف التي يبدعون فيها – وهو ما يُباعد مقاربتي عن تصوّر بيكر لـ«عوالم الفن» – في الوقت نفسه الذي أُقرّ فيه بأن هؤلاء الفاعلين لا يمكن اختزالهم إلى نشاطهم داخل الحقل الثقافي الذي ينتمون إليه – وهو ما يُباعدها أيضًا عن نظرية الحقل وعن نظرية العوالم الاجتماعية كليهما. وتبدو هذه المقاربة أكثر إلحاحًا حين ندرس عوالم اجتماعية لا يكرّس لها معظم الفاعلين كلّ وقتهم (لأسباب اقتصادية تتعلّق بالعيش)، وهي ما يمكن بالتالي تسميته «ألعابًا اجتماعية». ومن خلال هذا السعي إلى تحديد أدقّ لنظرية الحقل، أحاول القبض على خصوصية «اللعبة الأدبية» التي يشترك فيها فاعلون يتميّزون، في الغالب، بكونهم غير منخرطين فيها بالكامل.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق