بيانٌ يستفيق، ونقدٌ يتأنّق
كلمة «الأدب» في اللغة العربيّة ذات معانٍ كثيرة، منها: الدعوة إلى المائدة أو إلى مكانٍ ما، وتهذيب النفس وتربيتها، والخطابة في المجالس، وحسن السلوك، والقول الجميل، والموعظة الحسنة، والكلمة الصائبة أو الحكيمة. وفي الاصطلاح، يدلّ الأدب على مجموعة الكلام البليغ من نثرٍ وشعرٍ، ويُقال للأديب: هو من يعرف آداب القول ويبرع في أجناس الكلام الأدبيّة. وقد فرّق العرب منذ القدم بين العالِم والأديب، فسمّوا الأديب من يجمع أطايب العلوم ويؤلف منها عملاً يعكس ذائقته ومعرفته، وسمّوا العالِم من يتخصّص في فرعٍ من فروع العلم ويعمّق النظر فيه.
أما «النقد» في اللغة العربيّة، فله معانٍ متعدّدة، منها: الدفع مقدّماً، وتمييز الدرهم الصحيح من الزائف، والإعطاء، والتلقّي، والنظر الفاحص، والتأمّل المتسلّل. ومن معنى الكلمة المعجمي «تمييز الجيد من الرديء»، نشأ المعنى الاصطلاحي وهو تمييز حسن الكلام من قبيحه. وكان ابن سلاّم الجمحي أوّل من استخدم هذا الاصطلاح، ثم شاع بعده بين النقّاد. وقد استُعملت مفاهيم النقد والبلاغة بالتناوب، إذ تدلّ البلاغة على جمال اللفظ وخصائص القول الحسن، بينما يدلّ النقد على التمييز بين جيّد القول ورديئه.
وإن كان لفظ الجاهليّة يشمل الأزمنة السابقة للإسلام، فإن الباحثين في الأدب الجاهلي لا يستطيعون أن يعودوا إلا قرناً ونصفاً قبل بعثة النبيّ محمد ﷺ. ولهذا يُعتقد أنّ اللغة العربيّة نضجت في ذلك الحين، وأنّ الشعر الجاهليّ نشأ في تلك المرحلة. ويرى عمرو بن محبوب الجاحظ أنّ تاريخ الشعر العربيّ ليس قديماً جداً، وأنّ أوّل من قال الشعر على وجه الاحتراف هو أبو وهب حُندج بن حجر (امرؤ القيس)، ومهلهل بن ربيعة التغلبي. وبحسب الجاحظ، فإنّ تاريخ الشعر العربي يمتدّ إلى نحو مائة وخمسين سنة قبل الإسلام، ومائتين في أقصى التقديرات.
من ذلك العصر إلى نهاية القرن الثاني للهجرة، لم يكن النقد الأدبي قائماً على أصول علميّة، بل كان عفوياً ذاتياً يعتمد على الذوق والمقارنة بين الأبيات، أو تفضيل شاعرٍ على آخر بناءً على انطباع شخصيّ، لا على قاعدةٍ منضبطة. ومن ألوان النقد في الجاهليّة «المراجعة والتنقيح»، فخطباء العرب وشعراؤهم لم يكونوا يطلقون الكلام كيفما اتّفق، بل ينقّحون القول ويهذّبونه حتى يخرج في أبهى صورة. وكان الممدوح في الشعر والخطابة هو اللفظ الوجيز الدقيق. وكان بعض الشعراء يُمسكون القصيدة حولاً أو أكثر، يراجعونها ويعدّلون فيها، فسمّيت قصائدهم «الحوليات» و«المنقحات» و«المحكمات». ومن أشهر من فعل ذلك زهير بن أبي سلمى وجرول بن أوس العبسي (الحطيئة)، فكانا يُجيدان النظر في أبياتهما، يزيدان ويحذفان حتى يبلغ الكلام ذروته في الصنعة والوزن. وكان يُستحبّ أن يكون الناقد شاعراً مشهوراً.
كما كان من النقد الجاهلي المعارضات في الأسواق، إذ كانت العرب تعقد أسواقها في مواسم معلومة، فيتناشد الشعراء القصائد ويتبادلون النقد والجدال. وكانوا كذلك يعرضون أشعارهم على قبيلة قريش ليُحكَم فيها. وكانت المفاضلة بين اللهجات العربيّة ضرباً من النقد أيضاً، إذ اتّخذوا لهجة قريش معياراً للفصاحة عند الاختلاف. وقد كان النثر في الجاهليّة قصير الجمل، مكثّف المعاني كما في الأمثال، مما يرجّح أنّ الشعر نشأ من تآلف الجمل النثريّة المنتقاة والموزونة.
يرى النقّاد أنّ كلام النبيّ ﷺ كان له أثر عظيم في تهذيب الأسلوب العربيّ، فـ«الحديث الشريف» أسهم في تقوية فنّ النثر وجعل التعبير العربي أوضح وأسهل وأفصح. ويقول الجاحظ إنّ ألفاظ النبيّ ﷺ قليلة الحروف كثيرة المعاني، بعيدة عن التكلّف والغموض، يطيل حيث ينبغي الإطالة، ويقصر حيث يحسن الإيجاز، فصيح اللفظ، قريب المأخذ، فوق العاميّة ودون الغرابة. وقد وُجّه للنبيّ ﷺ نقد أدبيّ إيجابي وسلبي، فمن ذلك أنّه قال لـ«حسّان بن ثابت» بعد أن هجا من هجا رسول الله: «يا حسّان، جزاؤك عند الله الجنّة». وقال له في موضعٍ آخر: «وقاك الله حرّ النار».
وقد كان للحديث الشريف دور في ترسيخ فنّ النثر والشعر معاً، إذ بلغت اللغة العربيّة في تلك الفترة ذروة النضج. وإذا تأمّلنا نقد النبيّ ﷺ للأقوال والأشعار، وجدناه يدور على أصول القرآن والدين، فكان يذمّ ما خالف الإسلام ويثني على الإيجاز والفصاحة. كما أظهرت المناظرات بين الشعراء في حضرته أنّ مكانة الشعر بقيت رفيعة في صدر الإسلام كما كانت في الجاهليّة. وكانت نظرة الخلفاء الراشدين إلى الشعر كنظرة النبيّ ﷺ، فقد حثّوا المسلمين على حفظ القرآن قبل الاشتغال بالشعر، وأثنوا على من تركه لكتاب الله. ومن ذلك ما رُوي عن «الفرزدق» أنّه زار الإمام عليّاً مع ابنه بعد وقعة الجمل، فقال له: إنّ ابني من شعراء مضر، فقال له عليّ: «علّمه القرآن». ومع ذلك كان الخلفاء الراشدون يقولون الشعر ويخطبون الخطب البليغة.
في العصر الأمويّ، فتح الخلفاء والأمراء والولاة أبوابهم للشعراء، وكانوا يُغدقون عليهم الجوائز والهبات، مما زاد في تنافس الشعراء وولّد أنماطاً جديدة لم تكن في الجاهليّة ولا صدر الإسلام. وازداد الاهتمام بالأدب الجاهلي، وعُقدت الندوات الأدبيّة والمناظرات في قصور الخلفاء. ومن الفنون التي نشأت آنذاك «فنّ النقائض»، وهو مبارزة شعريّة بين شاعرين، يبدأ أحدهما بقصيدة في الفخر أو الهجاء، ثم يجيبه الآخر بنفس الوزن والقافية. وقد يتبادل الردّ أكثر من شاعرين. وكان سوق المِربَد بالبصرة ميداناً لتلك المنازعات بين فحول الشعراء: جرير، والفرزدق، والأخطل. ويُقال إنّ جريراً والفرزدق تخاصما في المربد بحضور الشعراء، واستمرّ سجالهما أكثر من أربعين سنة. وكان للشعراء المناصرون في تلك المجالس، وكانت تُناقش فضائلهم وعيوبهم الشعريّة، فغدت تلك الندوات مدارس للنقد الأدبي. وقد أسهمت هذه الخصومات في تطوّر النقد الأدبي وتدوينه في القرن اللاحق، إذ حُفظت بها ألفاظ كثيرة من اللغة العربيّة. ومن فرط أهميّتها قيل: «لولا الفرزدق لضاع ثلث اللغة». وفي روايةٍ أخرى: «لضاع ثلثا اللغة». ويُعدّ شعر النقائض «امتداداً لمعلّقات العرب».
في مجالس الخلفاء العباسيّين، كما في الأمويّين، كان النقد الأدبي يُمارس حضوراً ومشافهةً، فيبديه الخليفة أو أحد الحاضرين. وكان الخلفاء والوزراء والولاة والأثرياء يُجزلون العطاء للشعراء ومن أسباب ازدهار النقد في هذا العصر اتّساع حرية الفكر. وشهد صدر الدولة العباسية نهضة ثقافيّة واسعة، تسربت إليها الثقافة الفارسية واليونانية والهندية. فمن الفرس استمدّ العرب شيئاً من الذوق والأسلوب الأدبيّ، ومن اليونان المنطق والفلسفة، ومن الهنود العلوم والرياضيات والفلك، بل ولعبة الشطرنج. وبفضل هذا التفاعل الثقافي، غدا العصر العباسيّ منارة النقد الأدبيّ والعقليّ في الإسلام، وأخذت العلوم والآداب تتلاقح في ظلّ بيئةٍ سمحت بحرية القول ونضج الذوق.
على مدى قرنين من الزمان، منذ الجاهلية حتى القرن الثالث للهجرة، كان النقد الأدبي يجري على نحوٍ ارتجالي، بعيدٍ عن الأصول العلمية المحكمة، لا يتجاوز أحكامًا جزئية مثل: «هذا البيت حسن» أو «هذا البيت قبيح». وبعد بزوغ فجر الإسلام، غدت مبادئ الشريعة ومعاييرها من أهمّ الموازين التي يُقاس بها حُسن الشعر أو رداءته. ومع بلوغ القرن الثالث الهجري، بدأت تُرسى بعض القواعد في ميدان النقد الأدبي.
فابن سلاّم، في كتابه «طبقات فحول الشعراء»، تناول أربعين شاعرًا من المشاهير، مستندًا إلى مفهوم «الفحولة» الذي ابتدعه الأصمعي، فقسّم الشعراء إلى عشر طبقات، وجعل في كل طبقة أربعة شعراء يتقاربون في الأسلوب والمذهب. وممّا ذكره أنّ ميدان الشعر في الجاهلية كان سجلّ الحكمة ومَجمع القول البليغ. غير أنّه بعد الإسلام، وانشغال العرب بالجهاد وحروب الفرس والروم، خفَّت حساسيتهم القديمة تجاه الشعر، حتى إذا استقروا في المدن التي فتحوها، عادوا إلى روايته والعناية به. بيد أنّ ضياع كثير من القصائد كان أمرًا محتوماً، إذ إنّ الشعراء لم يجدوا تدوينًا يعتمدونه، ومات كثير منهم في المعارك، ومثال ذلك ديوان النعمان بن المنذر الغساني الذي كان يجمع أشعار كبار الشعراء، ثم فُقد مع الزمن.
ثمّ جاء ابن قتيبة الدينوري، فكان أوّل من أرسى دعائم النقد العلمي الحقّ، فتناول أساليب الشعر في الجاهلية وصدر الإسلام والعصر الأموي، ودرس الألفاظ المنتقاة والمعاني المبتكرة في كتابه «الشعر والشعراء». وقد افتتح كتابه بمقدمة بليغة، قرّر فيها أنّ الله لم يجعل العلم والبيان والشعر حكرًا على زمانٍ أو أمة، بل هو ميراثٌ مشترك بين الناس في كل عصر. وأكد أنّ كل قديمٍ كان حديثًا في حينه، وكلّ عظيمٍ كان يومًا أمرًا عاديًّا. وضرب مثلاً بجَرِير والفرزدق والأخطل الذين عُدّوا محدَثين في أزمنتهم، حتى قال أبو عمرو بن العلاء عنهم: «لقد كثر المحدَثون، وأوشك أن أجد لهم روايات كما وجدت للأوائل».
وأتى بعده ابن جني الموصلي، فرأى أنّ من الصواب الاحتجاج في اللغة والمعاني بأشعار المحدثين، كما يُحتجّ بأشعار القدامى، لأنّ تبدّل أحوال الناس يبدّل المعاني، ويجعلها تنمو وتتشكّل على وفق حياة أهلها. ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وامتزاج العرب بالأمم، دخلت أساليب وثقافات جديدة أثرت الذوق واللغة، وتحوّل التشبيه إلى فنٍّ دقيقٍ تُبنى عليه البلاغة، لما فيه من عمقٍ ومشقّةٍ في التصوير الشعري.
برز قدامة بن جعفر في طليعة من تأثر بالفكر الفلسفي اليوناني، فاستهلّ كتابه «نقد الشعر» بالقول إنّ قلّة من الناس تُحسن الرأي في نقد الشعر. وبيّن أنّ علم الشعر يتفرّع إلى أبوابٍ: منها ما يتعلّق بالعَروض والأوزان، ومنها ما يُعنى بالقافية، أو بالألفاظ الغريبة والمعجم، أو بالمعاني، أو بتمييز الجيّد من الرديء. وعرّف الشعر بأنه: «كلام موزون مقفّى يدلّ على معنى»، ثمّ قرّر أنّ جودة الشعر أو سوءَه تُقاس بأربعة أركان: اللفظ، والمعنى، والوزن، والقافية؛ فكلّ واحدٍ منها له حسنٌ وسوء، ولابدّ من التآلف بين اللفظ والمعنى، وبين اللفظ والوزن، والمعنى والوزن، والمعنى والقافية، ليخرج الشعر في صورته الكاملة. وقد تأثر قدامة في تنظيره هذا بكتب أرسطو (كتاب الشعر والمنطق) وبآراء غالينوس، مقتبسًا عنهما ما يتصل بالتحليل والتركيب، وسعى إلى أن يُكيّف منهج أرسطو مع النقد العربي. ورغم نجاحه في الجانب المنهجي والربط المنطقي بين المسائل، فإنّ كثيرًا من قواعده العقلية لم توافق طبيعة الشعر العربي. ولذا، نال من النقّاد حمدًا وذمًّا معًا، فقيل إنّه بذل جهدًا خارقًا في ميدانٍ لا يطيق التقييد بالفلسفة.
أما إسحاق بن إبراهيم بن وهب الكاتب، فقد صنّف كتابه «نقد النثر» ردًّا على «البيان والتبيين» للجاحظ، منتقدًا آراءه في البلاغة، وعدّ كتابه لا يتجاوز الخطب والروايات المختارة. وكان إسحاق ذا دراية بعلم الكلام والحديث والفقه، وجمع بين الفلسفة والوحي، محاولًا التوفيق بين القرآن والمنطق العقلي. وقد أولى اهتمامًا خاصًّا بفنّ الخطابة، فقرّر أن تُستهلّ بالحمد والثناء على الله، وأن تتخلّلها آيات وأمثال قرآنية، وأن يُراعى فيها الإيجاز حين يَحسن والإطناب حين يليق، وأن تُصاغ عباراتها بما يفهمه المخاطَب. غير أنّ الذوق العربي الأصيل لم يتقبّل بسهولة محاولات إدخال النقد اليوناني في بنيته، فظلّ تأثير قدامة وإسحاق محدودًا بعدهما. ويُعَدّ ابن وهب مؤسّسًا لعلم «المعاني»، لما تناوله من مباحثه الجوهرية: الخبر والإنشاء، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل، والحذف.
وفي القرن الرابع الهجري، شهد النقد الأدبي حركةً جديدةً بين مدرستين: الأولى بين أبي تمام الطائي والبحتري الطائي، والثانية بين أبي الطيب المتنبي ومن خالفه. فكانت لكلّ مدرسة رؤيتها في اللفظ والمعنى والأسلوب، وتباينت مناهجها حتى أنكر بعضهم بعضًا. وكان أبو تمام والمتنبي – إلى جانب تأثر النقد بالعقل اليوناني – قطبي الجدل الشعري والنقدي في ذلك العصر؛ فالأول تصدّر المشهد في نصف القرن الأول، والثاني في نصفه الثاني.
وحين اعترض بعض العلماء على شعر أبي تمام، وردّوا تداوله، نهض أبو بكر الصولي مدافعًا عنه، فقال إنّهم لو لم يجعلوا بشار بن بُرد إمامًا للمحدثين لما قالوا ذلك. فسبب تعلّقهم بالقدماء أنّهم وجدوا أشعارهم موروثة بالرواية، مقرونة بشروحٍ وتفاسير توضّح مواضع الجمال والخلل، فاستساغوها ورفضوا ما جهلوا. وشبّه الصولي موقفهم بمن يعادي ما لا يفهمه، فجهلوا الجديد فاستنكروه. ورأى الصولي أنّ المحدثين لم يخرجوا عن طريق الأوائل، بل زادوا على معانيهم تجديدًا وتحسينًا، وربّما أبدعوا معاني لم تُطرق من قبل. وقد كان يقارن بين أبيات المحدثين والقدماء، فيبيّن وجوه التفوّق، وبهذا يُعدّ من روّاد الاتجاه التجديدي في القرن الرابع للهجرة.
ثمّ جاء ابن جني، وكان صديقًا للمتنبي ومولعًا بشعره، فوضع كتابه «الفسر» شرحًا لديوانه، وأعلن في مقدمته أنّ من عاب المتنبي لم يدرك أسرار بيانه ولا مقاصده. غير أنّ هذا الإعجاب الجارف حجبه عن ملاحظتين دقيقتين: الأولى أنّ المتنبي كثيرًا ما خالف قواعد النحو في تراكيبه مخالفةً متعمّدة، والثانية أنّ معانيه المبتكرة تحتاج إلى طول تأملٍ وتكرارٍ في النظر. وقد انتُقد ابن جني لاحقًا لكثرة ما حشده من شواهد وأمثلة خارجة عن مواضعها، إذ توسّع في التحليل اللغوي حتى أضفى على شرحه طابعًا نحويًّا صرفيًّا أكثر من كونه نقدًا أدبيًّا. لكنّ هذا الإسهاب كان – في جوهره – محاولةً لتبيين المعاني الدقيقة والمغلقة في شعر المتنبي، واستجلاء صلته بالشعراء الأقدمين، وإثبات أنّه لم يشذّ عن أصول العربية بل أبدع ضمنها.
إنَّ بشرَ الآمديّ، وهو من أعلام القرن الرابع الهجري، قد أسهم في تحويل النقد الأدبيّ إلى فنٍّ قائمٍ بذاته في العالم الإسلاميّ، وأفرد له من مصنّفاته عددًا كبيرًا من الكتب. وقد بيّن الآمديّ في كتابه «الموازنة» أنّ القرن الرابع الهجري شهد ازديادًا في الجدل بين التيار التجديديّ والتيار التقليديّ حول أبي تمّام والبحتريّ؛ فطائفةٌ من النقّاد آثرت أبا تمّام ممثّل التجديد، وأخرى مالت إلى البحتريّ ممثّل الأصالة. وعلى كثرة الشعراء آنذاك، فإنّ شعر هذين الرجلين كان أصفى بيانًا وأجزل لفظًا من سواهما.
وقسّم الآمديّ مدارس الشعر إلى مدرستين: تختلفان في الوظيفة والفنّ والفهم والنقد. فإحداهما تمثّل البحتريّ، إذ يميل أصحابها إلى الارتجال واللفظ السهل المأنوس البعيد عن التكلّف، والأخرى تمثّل أبا تمّام، الذي يجوس في ميدان المعاني البعيدة ويستعين بالاستعارات الغريبة والتراكيب النادرة. وأخبر في صدر كتابه أنّه من أنصار المدرسة الثانية ذات الصنعة والعمق. ثمّ قال: «فإن آثرتَ اللفظ السلس والمعنى القريب، وراقك النظام المتين والبيان الرشيق والكلمة العذبة المترفة، فالبحتريّ عندك أرفع قَدْرًا. وإن مِلتَ إلى الصنعة والرمز والمعاني الخفيّة التي لا تُنال إلا بالتأمّل الطويل، فلا ريب أنّ أبا تمّام هو الأبلغ عندك. أمّا أنا فلا أفضّل أحدًا على أحدٍ إلا بعد الموازنة بين القصيدتين إذا استوتا وزنًا وقافيةً وإعرابًا ومعنًى، فأقول: هذا أبلغ في كذا وذاك أحسن في كذا، ثمّ يُستخلص من ذلك الحكم العامّ». ورغم أنّه لم يتحرّر تمامًا من الميل الشخصيّ، فقد نبّه الآمديّ إلى اختلاف الأذواق والأمزجة الأدبيّة، ودعا إلى أن يكون الناقد كاشفًا للحقيقة لا حاكمًا متسلّطًا، وجعل الحكم الأخير بيد القارئ نفسه، فدعا إلى مبدأ الموازنة بين القصائد لا بين الشعراء. وقد ذكر ياقوت الحمويّ أنّ «الموازنة»، وإن أُخذ على صاحبها ميلُه إلى البحتريّ وتحامُله على أبي تمّام، فقد كانت باعثًا على نشوء مدرستين واضحتين: أنصار أبي تمّام وأنصار البحتريّ، حتى صار شعر البحتريّ ميدان إعجاب لفريق، ومثار إنكار لفريق آخر، وعدّ الحمويّ كتاب الآمديّ دراسةً دقيقة رصينة.
أمّا أبو عليّ محمّد الحاتميّ، فقد سار على نهج قدامة وابن وهب في ضبط قواعد النقد الأدبيّ في كتابه «حِلية المحاضرة»، غير أنّه - على خلاف الآمديّ - كان أكثر ميلاً إلى الدفاع عن أبي تمّام في أحكامه. وابتدأ كتابه بتعريف البلاغة، فقسّمها إلى شِعرٍ ونثرٍ، ثمّ ناقش أفضليّة أحدهما على الآخر، فرجّح الشعر على النثر لما فيه من انسجامٍ موسيقيّ وتأثيرٍ وجدانيّ وسبكٍ لغويٍّ متين، وعدّ الشعر أبلغ وقعًا في النفس وأبقى أثرًا في الذاكرة. وشبَّه الحاتميّ ترابط أجزاء القصيدة بترابط أعضاء الجسد الواحد، ورأى أنّ أيّ خللٍ في أحد أجزائها يُضعف جمالها ويشوّه تناسقها، وأنّ شعر المحدثين يتّسم بعنايةٍ فائقةٍ بهذا الترابط، لأنّهم يعدّون الشعر فنًّا متكامل البناء، متلاحم الصدر والعجز، متّصل الأبيات كاتصال الخطبة المحكمة أو الرسالة البليغة.
ويرى الناقد إحسان عبّاس أنّ الحاتميّ كان أوّل من أرسى في النقد العربيّ مبدأ «وحدة القصيدة»، وهو المبدأ الذي تداوله النقّاد من بعده عبر القرون. وعلى الرغم من تسامحه مع أبي تمّام وسائر المحدثين، فإنّه لم يُبدِ مثل هذا التسامح تجاه المتنبيّ، إذ انبرى لنقده بعد قدومه بغداد من مصر، وجعل له فصولًا خاصّةً في كتبه. وفي الوقت الذي كانت فيه الخصومات حول المتنبيّ تحتدم، ظهر عليّ بن عبد العزيز القاضي الجرجانيّ بكتابه «الوساطة بين المتنبيّ وخصومه»، فاتّخذ سبيل الاعتدال والإنصاف، محاولًا أن يوفّق بين الفريقين.
وقد صدّر الجرجانيّ كتابه بمقدّمة بليغة قال فيها إنّ التنافس سبب للحسد، وإنّ النقص في الناس نوعان: أحدهما من يُبدي عيوب الأوّلين ولا يُصلحها، والآخر من يحسد أهل الفضل ويحطّ من شأنهم بما يفتعل من الأمثلة. وبيّن أنّه إذا نظرنا في دواوين الجاهليّين والإسلاميّين الأوائل، لم نجد قصيدةً تخلو من خللٍ في لفظٍ أو تركيبٍ أو معنى، وأنّ تقديس الناس لشعر الجاهليّة إنّما جاء لأنّهم أوائل من قالوا الشعر، فصارت قصائدهم مراجع لغويّة ومعايير فنيّة، ولو لم يكن لهم ذلك السَّبق، لعدّ بعضها شعرًا عاديًّا بل ركيكًا.
وأكّد القاضي أنّ الإنصاف يقتضي ألاّ يُفرّق الناقد بين شاعرٍ حضريٍّ وآخر بدويّ، ولا بين قديمٍ ومحدث، إذ الأسلوب تابعٌ للطبع، ورقّة الألفاظ من رقّة المزاج، كما أنّ خشونتها من خشونة الطبع. واستشهد بقول النبيّ ﷺ: «الأعرابيّ جَفَاءٌ». ومثّل لذلك بعديّ بن زيد العباديّ الذي عاش في الحضر فكان شعره رقيقًا عذبًا، على خلاف شعر الفَرَزْدَق ورُؤْبة بن العجّاج المجبول على الجفاء. ويرى الجرجانيّ أنّ العدل يقتضي كذلك ألّا يُؤخذ شاعرٌ بتهمة «السرقة الأدبيّة»، إذ ما من معنى إلا وقد سُبق إليه؛ فالأجدر أن يُقال: «قد قال فلانٌ مثل قوله» بدلًا من اتّهامه، ليبرأ من الوهم والظلم.
وقد خمد النزاع بين أتباع أبي تمّام والبحتريّ بعد صدور «الموازنة» للآمديّ، لا لضعف أثر الكتاب، بل لظهور المتنبيّ الذي تحوّل إليه مركز الجدل، ولم يأتِ بعد الجرجانيّ كتابٌ في النقد بمثل تأثير «الوساطة»، وذلك لأنّ الجرجانيّ لم يُقنع خصومه إقناعًا تامًّا، ولأنّ الجدل الأدبيّ لم يتّجه بعد المتنبيّ إلى آفاقٍ جديدة، ولم يظهر شاعرٌ بسطوة بيانه وعمق فكره. ومع مطلع القرن الخامس الهجريّ خمدت جذوة النقد الأدبيّ، وضعف الوعي الفلسفيّ عند النقّاد، فعادوا إلى الاعتماد على آراء الآمديّ والجرجانيّ، فغلب الشكليّ على الفكريّ، وانحسر التأمّل العميق الذي كان سرَّ ازدهار النقد في القرون السابقة.
