الإنسان الهشّ أمام غواية الرمز

 

منذ أن وُجد الإنسان على وجه الأرض، وُجد معه فعل الاستهلاك. ولذلك، حين يبرز سؤال من قبيل: «لِمَ يستهلك الإنسان؟» يكون الجواب شبه محسوم: يستهلك الإنسان لأن الاستهلاك هو ما يضمن بقاءه واستمرارية حياته. غير أنّ سؤالاً كهذا لا يكفي ضمن نطاق البحث السوسيولوجي؛ فالسوسيولوجي مطالب بالبحث عن إشكاليات أعمق من مجرد تفسير البديهيات. ومع ذلك، فإن محاولة فهم الاستهلاك تبقى لازمة، إذ قد تمهّد الطريق لفهمٍ أوّلي لظاهرةٍ أكبر وأعقد هي النزعة الاستهلاكية (Consumerism).

في «المعجم الكبير للّغة العربيّة» تُعرّف كلمة «استهلاك» بأنّها «استخدام سلعة أو خدمة في تحقيق منفعة بصورة مباشرة بدون استعمالها في إنتاج سلعة أو خدمة أخرى» — بوصفه سعياً إلى استنفاد القيمة الاستعمالية للسلع والخدمات — هو فعلٌ بالأساس. وقد أظهرت عدة دراسات أن للاستهلاك أيضًا معنى اجتماعيًّا، لأنه يُعدّ «طريقة لتمييز الموقع الاجتماعي». وبهذا، قد يتحوّل الاستهلاك — في بعض الأحيان — إلى فعلٍ اجتماعي، لا مجرد فعل فردي.

لقد أسهم النموّ في الإنتاجية في تعزيز الرفاه الذي أتاح بدوره سهولةَ وصول معظم الناس إلى شتّى السلع. صارت الأسواق عامرة بالبضائع: من منتجات الصناعات الغذائية والملابس، إلى الإلكترونيات والآلات والسيارات، بل باتت المعاملات تُجرى بكبسة زر عبر الهاتف المحمول. وليس من المبالغة القول إن ازدياد الرفاه يسير جنباً إلى جنب مع ازدياد الاستهلاك. وقد دفعت تحوّلات المجتمع الرأسمالي بسوسيولوجي مثل ستوري إلى طرح سؤال جوهري: «لِمَ يبدو الإنسان مُفرِطاً في الاستهلاك داخل المجتمع الرأسمالي؟».

هذا السؤال بالغ الأهمية لأنه يفتح باباً واسعاً على دراسة النزعة الاستهلاكية، وهي أوسع وأعمق وأشدّ تركيباً من مفهوم الاستهلاك ذاته. فالنزعة الاستهلاكية تُعدّ «خاصية من خصائص المجتمع»، وهي ليست مجرد ممارسة لشراء السلع والخدمات، بل إن أفعال الاستهلاك فيها كثيراً ما لا تُقصد لتحقيق الحاجة. ذلك أنّ النزعة الاستهلاكية قد غدت «أسلوب حياة». وجوهرها مبدأٌ مفاده أنّ الاستهلاك هدف بحدّ ذاته وله مبرّر وجوده الخاص. وقد ينغرس البناء النزعي الاستهلاكي في النفس ليغدو هابيتوس (habitus) أو وعياً عملياً لدى الفرد، يظهر في ممارسات التسوّق وأنماط العيش الاستهلاكية، وهي أفعال اجتماعية تصدر غالباً بصورة تلقائية، خالية من التأمل.

ولا يمكن مناقشة موضوع النزعة الاستهلاكية دون التوقف عند شخصية جان بودريار (١٩٢٩-٢٠٠٧)، أحد أبرز المفكرين الذين كرّسوا حياتهم لتحليل منطق الاستهلاك في مرحلة ما بعد الحداثة. لقد كتب بودريار عشرات الكتب المثيرة للجدل، والتي ألهمت علماء اجتماع كثر ودَفعتهم إلى توسيع أو تطوير أو حتى نقد أفكاره.

تُعدّ ثلاثة من أعمال بودريار الأولى حجر الأساس في دراسته لمجتمع المستهلك. أولها: «نسق الأشياء» (The System of Objects) الصادر سنة ١٩٦٨، وهو تطوير لرسالته الجامعية، وقد استوحى فيه بودريار أفكاره من عدة مفكرين مثل مارسيل موس، ورولان بارت، وديفيد ريسمان. فقد ألهمته مقالة موس الشهيرة «الهِبة» (The Gift) في صياغة مفهومه عن «التبادل الرمزي». كما أثرت فيه أفكار بارت في كتابه «نسق الموضة» (The System of Fashion)، وخاصة تصوره للموضة بوصفها نظاماً من العلامات. أما ريسمان، فكتابه «الجمهور الوحيد» (The Lonely Crowd) ساعد بودريار في بلورة رؤيته عن كيفية حلول بنية العلامات محلّ النظام الرمزي في مستوى الذات والتجربة الحياتية.

أراد بودريار — في عمله الأول — أن يصف حالة الإنسان في عصر الرأسمالية المتقدمة، حين باتت السلع والمواد الاستهلاكية تملي على البشر كل تفصيل من تفاصيل حياتهم. فأضحى الفرد يُعرّف ذاته عبر ما يقتنيه من سلع مشحونة بالرموز والدلالات. وقد رأى بودريار أن أبناء المجتمع الاستهلاكي يحتاجون إلى الاستهلاك ليشعروا أنهم أحياء، فصار الشعار: «أنا أستهلك، إذن أنا موجود». وهكذا يقود القبول التدريجي للرموز إلى أنماط استهلاك لم تكن تخطر للإنسان من قبل.

وبعد عامين فقط، ظهر عمله الثاني والأكثر شهرة: «مجتمع المستهلك: الأساطير والبُنى» (The Consumer Society; Myths and Structures)، وفيه يعمّق بودريار تحليله لظاهرة الاستهلاك. فهو يرى أن الاستهلاك بات عنصراً أساسياً في «بيئة» النوع البشري، وأنه المحرّك الرئيس للمجتمعات المعاصرة. وهذا قريب من رؤية فيبر الذي اعتبر التنافس بين المراتب الاجتماعية منظماً حول «أنماط الاستهلاك». لكنه يصطدم مباشرةً مع رؤية ماركس الذي ظلّ يرى الصراع الاجتماعي منظماً حول «أنماط الإنتاج»، وهو ما يجعل المسارين الفكريين يتباعدان جذرياً.

وفي سنة ١٩٨٣ صدر كتابه الثالث «الاصطناع» (Simulations)، وقد عرض فيه تصوراً لواقع المجتمعات الغربية بوصفه واقعاً مُحاكياً. فبحسب بودريار، في عصر الرأسمالية المتقدمة، غدا كل ما هو واقعي اصطناعًا أو محاكاةً. ولم تعد للمحاكاة حدود، ولا مرجع، ولا جوهر. ويعرّفها بودريار بأنها «إنتاج النماذج لواقعٍ لا أصل له ولا وجود سابق»: عالم سماه «فوق-الواقع» (hyperreality). وفي هذا العالم، غدا الواقع ذاته مجرد بناء مصطنع لا تمثيلٌ لوجود حقيقي، وهنا يعلن بودريار دخول البشرية عصر ما بعد الحداثة. لقد سعى بودريار إلى إقناع الوسط الأكاديمي بأن هذا الزمن هو زمن ما بعد الحداثة، مستنداً إلى تمييزٍ بين منطق كل عصر: فالعصر ما قبل الحديث قائم على منطق التبادل الرمزي، والحديث على منطق الإنتاج، وأما ما بعد الحديث فعلى منطق المحاكاة. وفي هذا الأخير، تتسلّل لعبة الصور والرموز إلى كل أشكال التواصل البشري. وتغدو العلاقة بين العلامة والصورة والشفرة هي المحدّد الأساس لحياة الإنسان داخل مجتمع الاستهلاك.

في أواخرِ ستينيّات القرن العشرين، شرع عددٌ من المفكّرين الذين التأموا في إطار «مدرسة فرانكفورت» في إجراء دراساتٍ حول تطوّر الاستهلاكيّة الجماهيريّة؛ ومن أبرزهم: ثيودور أدورنو (١٩٠٣–١٩٦٩)، وماكس هوركهايمر (١٨٩٥–١٩٧٣)، وهربرت ماركوزه (١٨٩٨–١٩٧٩). وقد شنّ هؤلاء المفكّرون نقداً حادّاً على الاستهلاكيّة الجماهيريّة بوصفها نتاجَ عملٍ أيديولوجيٍّ مؤسّسي. فالاستهلاكيّة الجماهيريّة – في نظرهم – تُنقل عبرها المعاني الخطابيّة التي ينتجها أولئك الذين يتربّعون على سُلَّم السلطة المهيمنة. بل إنّ ماركوزه اتّهم الإعلامَ، جهاراً ودون مواربة، بأنّه «وكيلُ التلاعب والتلقين»، يخدم مصالح الطبقة الحاكمة عبر خلق «حاجاتٍ زائفة» على نحوٍ مستمرّ داخل المجتمع.

في كتابه «الإنسان ذو البُعد الواحد» (١٩٦٨)، يذهب ماركوزه إلى أنّ «أيديولوجيا الاستهلاكيّة» تُروَّج لها عبر رأس المال من خلال عمل «الصناعة الثقافيّة». ويؤدّي قبول هذه الأيديولوجيا إلى انخراط المجتمع في «نظامِ ترويجِ الحاجات الزائفة»، وهو ما يقود إلى «امتثالٍ منزوعِ الطابع السياسي»، يحدّ بفعاليّة من غاياتنا وأفعالنا ضمن الإطار الذي يسمح به النظام الرأسمالي. كما يرى ماركوزه أنّه على غرار ما فعله رأس المال الصناعي من تنظيم وقت العمل، فإنّ الصناعة الثقافيّة تتولّى أيضاً تنظيم وقت الفراغ.

وقد قدّم لوكمانتورو (٢٠٠٤) مثالاً تجريبيّاً لافتاً، مبيّناً أنّ حتى المناسبات الدينيّة الكبرى قد غُمرت بطقوسِ التسوّق. ففي الفترة التي تسبق عيد الفطر، يتقاطر الناس إلى المراكز التجاريّة، وهي التي سمّاها ريتزر «كاتدرائيّات الاستهلاك». ويُمارَس هذا السلوك على نحوٍ متزامن وشبه شامل. وقد قرأ الرأسماليّون هذه المناسبة بوصفها فرصةً لجني الأرباح، عبر بناء امتثالٍ جمعي يجعل الجسد الإنساني نفسه ساحةً لصراع تدفّق السلع، أو حتى واجهةً لعرض العلامات التي تُنتجها وتُعيد إنتاجها الثقافةُ الرأسماليّة. وليس ذلك لأنّ الدين يوجب على الناس التسوّق في يوم العيد، بل لأنّ المؤسّسات الأيديولوجيّة نجحت في غرس معيارٍ خفيّ يكاد يُرغم كلّ أسرة على الشراء قبيل العيد، وقد جرى ذلك كلّه من دون مقاومةٍ تُذكَر من قِبل المتديّنين أنفسهم.

أمّا أفكار أدورنو وهوركهايمر في كتابهما «جدليّة التنوير» (١٩٧٣)، فقد كشفت ميلَ الثقافة الجماهيريّة نحو التجانس وقابليّة التنبّؤ، حيث تُسوَّق المنتجات الثقافيّة وتُباع في «أشكالٍ معيارية» إلى «جمهورٍ غير مُطالِب». وقد أدّت توسّعات الإنتاج الكميّ إلى تسليع الثقافة وتوحيدها قياسيّاً، وصار المستهلكون يتلقّون هذه المنتجات على نحوٍ سلبي. ومن هنا، تربط مدرسة فرانكفورت المستهلكَ بدورٍ شديدِ السلبية، فترى فيه نتاجاً للتلاعب أو «ضحيّةَ خداعٍ بلا وعي» أكثر من كونه «كائناً فاعلاً وخلاّقاً». ولم يلبث الجدلُ أن احتدم، إذ جاء كولين كامبل ليعارض موقف النيوماركسيّين معارضةً شديدة في كتابه «الأخلاق الرومانسيّة وروح الاستهلاكيّة الحديثة» (١٩٨٧). فقد أراد كامبل أن يبيّن العلاقة بين الاستهلاك والعاطفة. وتقوم أطروحته على أنّه: «كما أنّ الأخلاق البروتستانتيّة منحت روحاً للإنتاج، فإنّ الرومانسيّة هي مركزُ منحِ الروح للاستهلاك».

وقد استمدّ كامبل جانباً كبيراً من رؤيته من ماكس فيبر (١٨٦٤–١٩٢٠)، صاحب كتاب «الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرأسماليّة» (١٩٣٠). فقد بيّن فيبر أنّ البروتستانتيّة والكالفينيّة تحملان «أخلاقيّة العمل»؛ إذ تحضّان على الاجتهاد والإنتاجيّة وتحثّان على الاستثمار، وتعدّان الامتناع عن مظاهر الرفاه الزائد فضيلةً رفيعة. وتدعو الأخلاق البروتستانتيّة إلى تأجيل الإشباع من أجل مستقبلٍ أفضل، مقدِّمةً قيم الادّخار والإنتاج على صور البدخ والتبذير. وانطلاقاً من هذا الإلهام، رأى كامبل أنّ استهلاك السلع غدا غايةً في ذاته. واعتبر أنّ الأخلاق الرومانسيّة أسهمت بقوّة في نشوء النزعة الاستهلاكيّة. وتبدأ النواة الرومانسيّة بتقديس «الفرد» فإذا كان نموّ الرأسماليّة – في نظر فيبر – مرتبطاً بالزهد الدنيوي وكبح الذات، فإنّ نموّ الاستهلاكيّة – في نظر كامبل – مرتبطٌ بإشباع الذات المستمرّ.

وقد يبدو الأخلاقان متناقضتين، غير أنّ الأولى تمهّد للإنتاج، والثانية تمهّد للاستهلاك، وبذلك تعملان معاً لإنتاج رأسماليّةٍ استهلاكيّة بوصفها أسلوبَ حياة. وإذا كان فيبر قد عثر على أخلاقٍ تؤدّي إلى تراكم رأس المال لتمجيد الرّب، فإنّ كامبل وجد أخلاقاً تؤدّي إلى الاستهلاك لتمجيد الإنسان ذاته. وقد ركّز كامبل عنايته على الرغبة الاستهلاكيّة. فإسهامه يدور حول محاولة تفسير «أصل وطبيعة القسر» الذي يدفع الإنسان إلى الاستهلاك؛ وهو – في نظره – قسرٌ لا يعتمد اعتماداً كبيراً على تلاعب السوق أو الضغوط الاجتماعيّة–الثقافيّة. فالرغبة، في الحقيقة، نمطٌ شائعٌ من أنماط الوجود. والمستهلك، في عصره، هو عند كامبل «فنانٌ حديث»، يسعد بانهيار البنى التقليديّة، لأنّ هذا الانهيار يتيح له فضاءات التجريب.

وفي خضمّ هذا الجدل بين الطرفين، ظلّ كلٌّ منهما متشبّثاً برأيه، إلى أن ظهر المفكّر الفرنسي جان بودريار، الذي وُصف بأنّه «الكاهن الأكبر» لعصر ما بعد الحداثة. وقد رفض بودريار أن يُسجن في أحد المعسكرين، وتميّزت أفكاره بمرونةٍ لافتة، خصوصاً في نظرته إلى الاستهلاك بوصفه ظاهرةً ذات طابع جدلي. إذ يرى بودريار أنّ الاستهلاك هو عمليّة ينخرط فيها المشتري انخراطاً فعّالاً في تشكيل وصيانة شعورٍ بالهويّة، من خلال لعبة الأشياء التي يشتريها. فلا ينبغي النظر إلى الاستهلاك على أنّه مجرّد نشاطٍ تُحدِثه صناعة الإعلان أو المصالح التجاريّة لدى مستهلكٍ حديثٍ سلبي – كما يرى مفكّرو فرانكفورت – بل هو عمليةٌ نشطةٌ لصنع المعاني الرمزيّة للهويّات الفرديّة والجماعيّة.

ورغم تقاطعه مع كامبل، إلا أنّ بودريار يذهب إلى أنّ المستهلك لا يشتري الأشياء ليُعبّر عمّا يشعر به سلفاً تجاه ذاته، بل إنّه يُنتج هذا الشعور عبر ما يشتريه. ذا يعني أنّ المستهلك يستهلك السلع المتاحة في السوق، وأنّ «سيادة المستهلك» ليست سوى أسطورة. فبناء الهويّة الاستهلاكيّة لا يتمّ في فراغ، بل في فضاءٍ تحدّده الثقافة الرأسماليّة. وكلّما ظهر نمطٌ جديد أو موضة جديدة من إبداع البشر، سرعان ما يجري تسليعها، فتُطرح في السوق، ويتلقّفها المستهلكون – وقد لا يكون معظمهم سوى متابعين للموضة – في محاولة العثور على ذواتهم أو التعبير عنها.

يتحدّث ريتزر عن هذا الفضاء الدلالي بعبارته الشهيرة: «حين نستهلك الأشياء، فإنما نستهلك العلامات، وفي أثناء ذلك نكون بصدد تعريف ذواتنا». إنّ هذا الوضع يفرض علينا أن نُدفَع باستمرار إلى الرغبة في السلع وتجارب الاستهلاك داخل نوعٍ من التشكيلات الاجتماعية التي صاغها الرأسمالية ما بعد الحداثة. أمّا سلاح الرأسمالية العالمية هذا، فهو ما سمّاه برغر الرمز الثقافي (culture code)، أي ذلك البناء السري الذي يصوغ سلوكنا أو على الأقل يوجّهه، حتى يغدو الإنسان في نهاية المطاف كائناً تملي عليه الأشياءُ إيقاع حياته. إذا تأمّلنا قليلاً، رأينا كم من أبناء الجيل الجديد اليوم يكاد لا يستطيع الانفصال عن الهاتف المحمول والإنترنت وما يتفرّع عنهما من تطبيقات شتى.

بدأت الاستهلاكية الحادّة تُحسّ حضورَها كواقع اجتماعيّ في هذه البلاد حين انفجرت سلسلة من الوقائع التي غزت الفضاء الإعلامي. من ذلك مثلاً انكشافُ شبكة ابتزاز جنسي في المغرب، حيث استُخدِمت حسابات وهمية لابتزاز مشاهير ومؤثرين من خلال التهديد بنشر مقاطع «خليعة» ما لم يُدفع لهم المال. ولعلّ كثيرين هزّوا رؤوسهم دهشة: كيف لإنسان أن يدفع مبالغ طائلة فقط ليحمي سمعته الرقمية من الانكشاف؟ وفي سياق آخر برز خبر لا يقلّ صخبًا، وهو تفكيك شبكات الابتزاز العاطفي في الإمارات، التي استدرجت ضحايا عبر تطبيقات التواصل ودفعت بعضهم لتحويل مبالغ كبيرة تحت وهم علاقاتٍ رومانسية مزيفة. وما يستوقف في هذه الواقعة أنّ الضحايا — من مختلف الأعمار والمستويات الاجتماعية — لم يكونوا يبحثون سوى عن قدرٍ ضئيل من التفاعل الإنساني، فإذا بهم يقعون في فخّ استهلاك عاطفيّ محض. وهنا يتفجّر السؤال من جديد: أيّ واقع هذا الذي نعيشه اليوم؟ وما الذي يفسّر الأفعال الاستهلاكية الخارجة على حدود العقل وعلى الأعراف المستقرّة؟

لقد شهد الإنسان نوعاً من التطوّر. وليس المقصود بالتطوّر هنا البعد البيولوجي كما ذهب إليه تشارلز داروين، فبنية الجسد الإنساني بقيت على حالها منذ عصور الصيد والجمع والزراعة إلى عصر الصناعة. أمّا الذي تغيّر فهو أفق الاستهلاك؛ إذ انتقل من هدف البقاء وتلبية الحاجات الأساسية (needs)، إلى إشباع الرغبات (desire) وصياغة أنماط الحياة (lifestyle).

قبل بودريار كان جون ك. جالبريث قد أثّر في الفكر الاجتماعي بإعلانه أنّ الإنسان كائن نفسي-اقتصادي (homo psycho-economicus)، وأنّ استهلاكه تحدّده الحاجة أو رغبة المتعة. وقد ردّ بودريار على هذا الطرح، فأعاد صياغته دون أن ينكر أهمية الحاجة والرغبة، لكنه مضى أبعد من ذلك، فرأى أنّ الاستهلاك تحدّده أيضاً حزمةٌ من الأشواق نحو الاحترام والمكانة والهيبة وتشييد الهوية الذاتية عبر آلية الوسم أو الإشارة. وهكذا اعتبر بودريار أنّ نظام قيمة العلامة وقيمة الرمز هو الأساس في آلية النظام الاستهلاكي.

في جوهر المسألة، صار الاستهلاك نشاطاً وهويةً في آن واحد لدى المجتمع ما بعد الحداثي. فالفرد بات يُسبغ على الفعل الاستهلاكي أهميةً متزايدة في تجربته الشخصية وفي تفاعلاته الاجتماعية. لقد تسلّل الاستهلاك إلى كلّ تفاصيل الحياة اليومية، ولا سيما في المدن التي صُمّمت بوصفها فضاءات استهلاكية (consumer space) تهدف إلى تلبية حاجات الطبقة الوسطى الجديدة. ومن مظاهر ذلك قضاء أوقات الفراغ في المجمّعات التجارية، وتناول الطعام في ساحات المطاعم. وكأنّ المجتمع الحضري يعيش ما يشبه « Californication» - وهو عنوان أغنية فرقة Red Hot Chili Peppers.

في منظور بودريار، خضعت المجتمعات الاستهلاكية في عصر ما بعد الحداثة لسيطرة صورٍ متراكمة لا تنتهي. وقد نجحت صناعة التصميم في دفع الأفراد إلى سلسلة رغبات لا تتوقف، بحيث غدت السلع المستهلَكة ليست جوهراً أو مادة، بل مجرّد سطوح. وهكذا فإنّ أشياء المستهلكين لم تعد متصلة بالحاجة الفعلية، بل تحوّلت إلى لعبة علامات تشكّل جذراً جديداً من جذور الهيمنة، لكنه يظهر في صورة أنيقة متخفّية. وهذه الحال كانت، في رأي بودريار، قد أُسيءَ فهمها من قِبل الماركسيين الذين ظلّوا عالقين في ثنائية الطبقات. وفي القرن التاسع عشر قدّم ماركس ثنائية قيمة-الاستعمال (use-value) وقيمة-التبادل (exchange-value). فالأولى تحيل إلى منفعة الشيء، بينما الثانية تُقارَن بالسعر. غير أنّ بودريار وسّع هذا التحليل فأضاف إليه قيمة ثالثة: قيمة العلامة (sign-value)، وهي التي تغدو فيها الأشياء حاملًا لمعنى اجتماعي يتجاوز منفعتها وسعرها. وهكذا يصبح الاستهلاك فعلاً غير نفعيّ (non-utilitarian)، وتغدو الممارسات الرمزية في الاستهلاك أكثر حضوراً من الوظائف العملية.

ولنعد إلى مسألة «الابتزاز الجنسي للمشاهير» في العالم العربي: ربما رأى المستهلك في الفنانة أو المؤثرة نظامًا من العلامات يمنحها قيمة اجتماعية ومكانة أكثر تفرّدًا (قيمة العلامة)، على خلاف العاملات الجنسيات من عموم الناس؛ ولهذا يدفع بعض الأفراد مبالغ خيالية مقابل امتلاك لحظةٍ معها، أو مقابل الحصول على صور حميمية خاصة، أو حتى لشراء الصمت في قضايا الابتزاز. إنّ هذا الفعل يحيل إلى معانٍ لا تُفصح عنها الكلمات بسهولة. وفي الجانب الآخر، فإن عالم الترفيه نفسه كثيرًا ما «يُرغم» المشاهير على متابعة الموضة، والخضوع لعمليات التجميل، والعناية المستمرة بأجسادهم، واعتماد أنماط حياة باذخة تتطلب موارد مالية ضخمة. وهكذا يلتقي العرض والطلب في نقطة واحدة، ويعمل النظام السوقي بأقصى درجات فاعليته.

يتجلّى بصورة متزايدة أنّ ما يُعطى الأهمية العظمى في ثقافة المستهلك إنما هو القيمة الرمزية للسلعة. فالفئات الاجتماعية والجماعات البشرية تغدو غير ذات صلة في عالم المحاكاة، حيث تُعَدّ الصورة البصرية أهمَّ من الواقع نفسه. ويرى بودريار أنّ منطق قيمة العلامة هو الانتصار الأكبر للرأسمالية في سعيها إلى فرض نسق ثقافي يتوافق مع متطلبات الإنتاج السلعي واسع النطاق. لقد جادل ماركس في كتابه رأس المال (١٨٦٧) بأنّ نظام العمل في الرأسمالية يُنتج اغتراباً لدى البروليتاريا. هذا الاغتراب يدفعهم إلى البحث عن إشباعٍ بديل يتيح لهم تصريف طاقاتهم الإنسانية عبر نشاط الاستهلاك، إذ يتعذر عليهم تطوير هذا الجانب الإبداعي داخل جدران المصنع. غير أنّ بودريار يكشف أنّ استغلال الرأسمالية للعمال لا يتوقف عند حدود عملية الإنتاج؛ فالعمل لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره عنصراً في العملية الإنتاجية، بل أصبح العامل أيضاً سوقاً ومستهلكاً في آن واحد.

وفي المجتمع ما بعد الحداثي يعتقد بودريار أنّ قيمة العلامة وقيمة الاستعمال قد تمّ التفريق بينهما نهائياً. ففصل الرمزي عن الواقعي أفرز ثقافة محاكاة تُشترى فيها السلع أساساً لقيمتها الرمزية. ويرى بودن أنّ المعنى المتضمَّن في السلعة يشجّع نوعاً من الحوار عبر الأشياء المادية؛ مما يسمح للسلع بأن توجد كأدوات خلاقة تُعين على الأداء التعبيري للهوية الذاتية. وبذلك يصبح الاستهلاك فضاءً للعب والعرض والمشاهدة والإبداع الرمزي. فالمستهلك يتحوّل إلى مُلحّن لعالمه الخاص. وتكون النتيجة أنّ الاستهلاك يغدو شكلاً رمزياً فعّالاً من أشكال بناء الهوية. غير أنّ هذا البناء الهوياتي يسير عبر أداة قادرة على تحويل المجرد إلى محسوس، والمحسوس إلى مجرد، وهي ما سمّاه بودريار بـ«المُصطنع» (simulacra). ومن دون منظومة أخلاقية أو مرجعية قيمية، يستطيع هذا المُصطنع أن يهيمن على المستهلك. فهو يُخدّر وعيه ويدعوه إلى بناء هوية «عصرية» من خلال استهلاك طيف واسع من السلع التي يطرحها. ويتسع نطاق المُصطنع ليشمل الحياة اليومية كلها، كما تبثّه شاشات التلفاز والإنترنت والمجلات والقصص المصورة والأفلام، التي لا تكتفي بـ«محاكاة» الواقع، بل تتحوّل في النهاية إلى واقعٍ بديل بذاته.

كما تملأ الإعلانات كل زاوية من زوايا المدن؛ قد تبدو أحياناً «قمامة»، ولكنها مع ذلك تحمل قيمة «فنية» تُسَرّ الناظر. لقد غدت الإعلانات جزءاً من الحياة العامة، وعالماً من المحاكاة شديد الفاعلية في تعزيز الاستهلاك، ولا سيما حين يُواجَه المستهلك وهو في حالٍ من عدم الوعي، والتفكك، والوحدة. ويؤكد هرياتموكو أنّه بات من الصعب اليوم العثور على مشاهدٍ تلفزيوني قادر على مقاومة الطوفان الإعلاني؛ فالكثير منهم يُلتهم ليصبح «ضحية الإعلان». لقد نجحت الإعلانات - بوصفها أداةً لترويج المنتجات أو منصةً لبث قيم الاستهلاك - في جعل المجتمع أكثر تقبّلاً لواقعٍ مُصنَّع ومُهندس عن عمد. وهكذا صار الاستهلاك عادةً، وطقساً يومياً، وهويةً لمجتمع ما بعد الحداثة. فلا يكاد يمر يوم بلا إعلان، وما يستهلكه المرء أصبح علامة على وجوده ذاته. تستند نظرية بودريار إلى السيميولوجيا للتأكيد على أنّ الاستهلاك يقوم على التلاعب النشط بالعلامات. فالإفراط في إنتاج العلامات واستنساخ الصور والمحاكاة أدّى إلى اندثار المعنى المستقر. وصارت منتجات الصناعة تُعامَل كرموز تُكسب الفرد معنى ومكانة اجتماعية، حتى غدت تستحق الكفاح من أجلها في صراع الحياة. إنّ نشوء ثقافة الاستهلاك هذه إنما تتحكم به الرأسمالية العالمية عبر المحاكاة التي تجعلنا نعيش في «عالم من الخيال».

لقد ترك التغيّر الاجتماعي-الاقتصادي والعولمة أثراً بالغاً في أنماط الثقافة الاستهلاكية. فمن خلال تحوّل معنى الشيء المستهلَك من كونه مجرد موضوع إلى كونه علامة على الهوية والمكانة الاجتماعية، غيّر المجتمع اتجاه استهلاكه من تلبية حاجاتٍ بيولوجية إلى السعي نحو إشباع حاجاتٍ اجتماعية. ثم تطور النشاط الاستهلاكي إلى استهلاكية، وامتدّ هذا المنطق ليشمل حتى الدين؛ إذ لم ينجُ من الوقوع تحت هيمنة أيديولوجيا الاستهلاك التي جعلت منه أداةً للعب لعبة العلامات الاجتماعية. وبفضل عملية تسليع كل شيء، باتت المناسبات الدينية - التي هي في الأصل طقوس روحية - تُفرض باعتبارها قواعد لبنية ثقافة استهلاكية. وهذه الحالة، وفقاً لبودريار، ليست سوى شكل من أشكال القهر الناعم، بل هي أكثر خطراً من قهر الطبقات الذي شغل ماركس زمناً طويلاً. ونتيجة لذلك يغرق المستهلك في عالمٍ من العلامات تتلبّس بالسلع، دون أن يكون لها صلة حقيقية بالحاجات الفعلية. وما يغدو ذا قيمة في النهاية هو القيمة الرمزية للسلعة، حيث يكون اجتماع الصور أكثر أهمية من الحقيقة نفسها. وبذلك تغدو الاحتفالات أهم من الحاجات، ويصبح من الضروري إعادة مساءلة منطق الإنسان بوصفه «كائن اقتصادي» (homo economicus).

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق