الإنسان ككائنٍ يحيا بما يحكيه
يمارس المجتمع تأثيراً آخذاً في الضمور على القصص الحياتية والسير الذاتية للأفراد، إذ بات يقدّم طيفاً شحيحاً من الدعامات الواضحة والنقاط الصلبة للارتكاز، وإن كانت لم تختفِ تماماً. وبصياغة أخرى، تغدو الهويّات الفردية أقلَّ فأقلَّ منحةً تُعطى عند الولادة، وأكثر فأكثر خاضعةً للتبدّل. لقد صار الحديث عن هويّات عابرة أكثر تداولاً؛ هويّات تُنتقى اختياراً لكنها مؤقّتة بطبيعتها، وغالباً متعددة ومجزّأة. وهذا هو السياق الذي تظهر فيه «الحداثة السائلة» عند زيغمونت باومان، حيث تُرى الحياة في صورة سيولةٍ دائمة، وجودٌ لا تكاد الثوابت فيه تُرى؛ فكلّ شيء يتبدّل بسرعة تجعل الفترة اللازمة لتعلّم التعامل مع وضعٍ ما كافيةً لأن يكون الواقع قد تغيّر، والوضع قد تبدّل، والأدوات المتاحة قد غدت فوراً غير كافية. وهكذا تتشكّل درجة من اللااستقرار تنمو داخل هذه السيولة.
ولهذا يطرح أولريش بك مفهوم السيرة الذاتية الانعكاسية أو «سيرة افعل-ذلك-بنفسك»: مشروع فرديّ مستقل (مع ما ينطوي عليه من خطر زيادة النزعة الفردانية في رأيه)، يروم «كتابة» المرء لحكايته الحياتية، في محاولة لبناء الذات ورسم المصير، حيث يُنظر إلى الأنا بوصفها عمليةً انعكاسية يتحمّل الفرد مسؤوليتها. وفي هذا المعنى، تكون السير الذاتية في حالة مراجعة دائمة، ويغدو تخطيط الوجود تمريناً انعكاسياً كثيفاً. فبعد تحرّرها من كلّ بناءٍ مسبق تمنحه البنية الاجتماعية (أو المصادفات) عند الميلاد، يصبح مسار الحياة منفتحاً ومرناً في المجتمع ما بعد الحداثي.
ولهذا يعبّر بِك قائلاً: إن سيرة كلّ شخص تُنزَع من التحديدات المسبقة وتُوضع بين يديه، مفتوحةً ومعتمدةً على قراراته. إن نسبة الفرص الحياتية المغلقة أمام القرار آخذةٌ في التناقص، في حين تزداد نسبة ما يجب على الفرد أن يبنيه بنفسه من سيرته الذاتية. تصبح السير الذاتية انعكاسية. فالقرارات المتعلقة بالتعليم والمهنة والعمل ومكان السكن والزواج وعدد الأطفال… مع كلّ القرارات الثانوية المتضمنة، لم تَعُد «يمكن» أن تُتّخذ، بل «يجب» أن تُتّخذ. وفي المجتمع المُفرْدَن يصبح على الفرد – تحت طائلة الوقوع في حرمانٍ دائم – أن يتعلّم أن يرى نفسه مركزاً للفعل، ومكتبَ تخطيطٍ لسيرته الذاتية، وقدراته، وميوله، وعلاقاته، وسائر عناصر وجوده. ونتيجةً لذلك، يغدو على الإنسان حتى اختيار هويّته الاجتماعية وانتمائه الجماعي، فيدير بذلك ذاته، ويغيّر صورتها (المصدر ذاته).
ويتحدّث أنتوني غيدنز أيضاً عن الانعكاسية، موضحاً أنّ الذات تُرى بوصفها مشروعاً انعكاسياً يتحمّل الفرد مسؤوليته. لسنا ما نحن عليه، بل ما نصنع أنفسنا عليه. وبمعنى آخر، ما يصير إليه الفرد إنما يتوقّف على الجهود الموجِّهة لإعادة البناء التي ينخرط فيها.
سواء في المجال الحميمي أو في بيئة العمل، لم تَعُد هناك يقينيّات يمكن الركون إليها؛ بل لا يوجد إلا إنتاج بهلواني للذات. وهكذا نجد أنفسنا إزاء سيرٍ ذاتية غارقة في حالة خطَر دائم، معرّضة دوماً للانهيار، لأنها تقف على حدود عمليةٍ انحطاطية قد تقود إلى السقوط. وإنّ القدرة على حماية وجود الفرد ذاتياً هي بلا شكّ من منتجات الحداثة. غير أنّ هذه الاستقلالية السِّيرية، وإن كانت تحمل نوعاً من السحر الكامن، يصعب تحقيقها على أغلبية الناس؛ إذ إنّ هذه الاستقلالية لا تتحقق إلا بالاعتماد على الآخرين، سواء كانوا ذوي شأن أو جماعات عامة، كما تتوقّف على المؤسسات الاجتماعية والعامة. وكما يلاحظ باومان، يبدو أنّ هناك توجهاً استكشافياً واسعاً: تجارب تُخاض بنتائج غير مخططة، لا بأهداف محدّدة منذ البدء كما كان الحال في الماضي البعيد، حين كانت الأهداف مرتبطة بخصائص الفرد الموروثة. وهكذا تصبح بناء الهوية تحدياً تنتقل فيه المسؤولية من الحقل الاجتماعي إلى الحقل الفرديّ.
وتُعَدّ النزعة الانعكاسية مكوّناً لا غنى عنه لبناء وإعادة بناء إحساس متماسك ومُرضٍ بالهوية، ويمكن تلمّس هذه المحاولات في دمج الخبرات الحياتية داخل سردية التطوّر الذاتي. إنّ نقاط الارتكاز تُحدَّد من الداخل، من خلال الطريقة التي يبني بها الفرد أو يعيد بناء حكايته الحياتية.
ويرى المؤلّف أنّ هوية الإنسان ما بعد الحداثي الممزّقة تجد فرصةً لتأكيد ذاتها في السرد، إذ يستخدمه لبعث المعنى في شتات مكوّناتها عبر وصلها ببعضها: فالهويّة المصنوعة منزلياً تظهر بوصفها تراكمًا لشذراتٍ من الحكايات المسموعة والمقروءة والمشاهدة، وتأويلات لما نراه وما يحدث لنا وللآخرين. وهكذا يعمل السرد على استعادة المعنى للذات، ويسهم في إعادة قراءة وكتابة الحكاية الشخصية، وفتح أفق مختلف على الواقع، بما يعين على بناء الهوية الفردية.
إنّ الهوية بوصفها سرداً – روايةُ الإنسان لذاته لنفسه وللآخرين – هي وسيلة لاستعادة بعض اليقينيات التي فُقدت في حداثة باومان السائلة. فالسرد يُرى ممارسةً لتعيين تلك الحدود التي صارت سائلة وذائبة. وذلك لأن الهوية صورةٌ لذواتنا ننتجها بعمليةٍ داخلية، ثم تُرسَّخ وتُعترف وتُصلَّب عبر التفاعل مع الآخرين. وفي هذا التفاعل تُنتج سردياتٌ تعاونية باستمرار، وهي أساس ما يُسمّى البناء السردي للهوية. إنّ سرد السيرة الذاتية للذات في الحديث الداخلي المصاحب لحياتنا اليومية، أو سردها للآخرين، أو رؤيتها مُعترَفاً بها من قبلهم بوصفهم مستمعين أو شركاء، كلها تعمل كحجر زاوية للهوية الممزّقة. وبوصفه ممارسة اجتماعية بامتياز، يشكّل السرد صلةَ الوصل بين الهوية الفردية والجماعية، فهو الموضع الذي تصبح فيه الهوية الفردية اجتماعية: وكأنّنا نقول إنّ الهوية ما بعد الحداثية المتشظّية لا يمكن شرحها مرة واحدة وإلى الأبد، بل يجب جمع حكاياتها. وعليه، فإنّ ممارسة السرد هي إحدى الاستجابات الممكنة لتحدّي الهوية، وبالتالي لتحدّي الحداثة أو ما بعد الحداثة أيضاً. غير أن هذا التحدّي لا ينبغي أن يُواجَه بنية تنميط الهوية أو استنساخ الهويّات، بل يجب أن تبقى فريدة وأصلية، ناتجة عن عمليات يقودها كلّ شخص في تجربته؛ حيث هناك حكاية تُروى، وحكاية يمكن الإصغاء إليها.
إنَّ السردَ غريزةٌ في الإنسان، وهو قديمٌ قِدَمَ الاجتماع والعلاقات بين البشر. ولقد ظلّ زمنًا طويلًا واقعًا تحت وطأة ما سُمِّي «نهاية الحكايات الكبرى»، ممّا زعزع مكانته، غير أنّه استعاد زخمه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وإنْ بطريقة مغايرة عمّا كان عليه سابقًا؛ إذ بات الاهتمام منصبًّا على سردياتٍ مُعاد تشكيلها تخصُّ الأفراد على نحوٍ منفرد.
إن سردَ القصص ينشأ عن نمطٍ خاص من التفكير يميّز البشر كافة: فالتفكير اليوميّ يتوجّه بنوعين من المنطق؛ التفكير السردي، إلى جانب التفكير المنطقي-النموذجي. وإذا كان النمط الأخير يعتمد استراتيجياتٍ مستمدّة من المنطق الشكليّ لبناء القوانين، فإنّه لا يصلح كثيرًا لحلّ المشكلات المتعلقة بالمجال الاجتماعي. أمّا التفكير السردي فيجري موازيًا له، مُكمّلًا إيّاه، ومرتبطًا بالحاجة إلى إضفاء المعنى والدلالة على المواقف التي تُدرَك بوصفها غامضة أو عصيّة على الفهم. ويتميّز هذا التفكير بانتمائه إلى المجال العيانيّ للواقع الإنساني: إذ لا سبيل إلى فهم ذواتنا والآخرين إلّا بصياغة أفعالنا وأفعالهم في قصة، أي في سياقٍ حكائي تتخذ فيه حياتنا معنًى. وحين يتجلّى التفكير السردي في صورةٍ سيرذاتية، أي حين يحكي المرء عن نفسه، فإنّه يجمع بين التفكير الاستعادي (الذي يعيد سرد ما وقع في الماضي قريبًا كان أو بعيدًا) وبين التفكير الاستشرافي (الذي يتخيّل ما قد يحدث، أو ما يُرتجى أو يُرغَب أو يُخشَى). وهكذا يقف التفكير السردي في مركز هذا الالتقاء بين الماضي والمستقبل. وهو شكل التفكير السائد في الحياة اليومية، إذ يسمح بتأويل الأحداث الإنسانية عبر بناء قصة تُنشئ شبكة من العلاقات بين أفعال الأفراد ونواياهم ضمن سياق محدّد. ومن خلال هذا النمط من السرد تُفهَمُ الحقيقة، وتُصوَّر، وتُتواصَل للذات وللآخرين؛ إذ ليست السرديات صورًا فوتوغرافية للواقع، بل هي إضفاءُ معنى عليه من قبل الأفراد.
غير أنّ السرد لا يقتصر على مهمة التأويل، بل يَعمل أيضًا على تشكيل طرائق التفكير في الذات، أو ما نسمّيه عادة بالوعي الذاتي (العالَم الداخلي). فالناس يستخدمون القصص يوميًا في وصف ما يجري حولهم؛ إذ يسعى كلٌّ منّا إلى وضع حدثٍ معيّن ضمن مجموعة من السرديات التاريخية التي تشمل الفاعلين والبيئات التي تجري فيها الأفعال. وهكذا يغدو السرد وسيلة لإضفاء المعنى على الواقع والخبرة الشخصية، بتقديم تفسير لأنفسنا وللآخرين.
وكما يؤكّد الفيلسوف وعالم الاجتماع ماكنتاير: «الإنسان، في أفعاله وممارساته كما في خيالاته، حيوانٌ حكّاء بطبيعته. فهو ليس كذلك جوهريًا، بل يصير عبر تاريخه راوٍ لقصصٍ تطمح إلى الحقيقة». ومن ثَمّ يمكن تخيّل الهوية بوصفها بنيةً تشتمل عناصرَ منطقية، إلى جانب عناصر من قبيل المعتقدات والقيم والأهداف الشخصية، وهي عناصر يمكن فهمها وتأويلها عبر النموذج السردي. ومن الطبيعي إذًا أن نتصوّر الذات في صورة سردية. فالهوية الفردية ملاصقة للتاريخ الشخصي؛ فهي ما ينتج عن الأدوار التي شُغِلَت، والشخصيات التي اعتُمدت، والأفعال التي أُنجزت.
والسردياتُ السيرذاتية تتطوّر انطلاقًا من أفعال أبطالها (أو امتناعاتهم عن الفعل)، وتُبنى باستخدام مفرداتٍ تُحدّد الحدود بين أفعال الذات والظروف التي عملت ضمنها أو لم تستطع العمل خارجها. إن العيش والحكي متداخلان ارتباطًا وثيقًا، ويبيّن باومان أنّ القصص المروية عن الحيوات تتداخل مع الحيوات المعيشة قبل أن تُعاش لتُروى. وإن بدا أنّ السرديات تهدف – بتواضعٍ – إلى بثّ منطقٍ داخلي ومعنى في الحياة التي تعيد سردها، فإن الشفرة التي تُراعى، عن قصد أو غير قصد، تُسهم في تشكيل الحياة عينها بقدر ما تُشكل السرد الذي يُروى عنها، وفي اختيار الأبطال والخصوم. فالمرء يعيش حياته بوصفها قصةً لم تُروَ بعد، غير أنّ الطريقة التي سيُحاك بها هذا السرد تُحدّد التقنية التي يُغزل بها خيط الحياة.
وبهذه الآليات يسهّل السرد عملية بناء الهوية أو إعادة تركيبها. فالذات تتشكّل وتُبنى عبر وصف نفسها للداخل والخارج في مسارٍ من التفاوض على المعنى. ذلك أنّ السرد – وهو قبل كل شيء لغة – يُعدُّ أثرًا ثقافيًا وفعلًا اجتماعيًا (تفاعليًا). ففعل الحكي ذاته فعلٌ علائقي يجري داخل علاقة تواصلية بين الراوي والمتلقي، وهو فعل تبادل موضوعه القصة والسرد. وهكذا تغدو الهوية الفردية اجتماعيةً في هذا الأخذ والردّ. ويظهر السرد بوصفه الشكل الأبرز لإنتاج المعنى، وتأويل المجهول، وشرحه لمن يستمع، بل وللراوي نفسه، إلى حدّ يجد فيه الإنسان ذاته داخل حكايته؛ فالسرد هو الموضع الأثير لصُنع المعنى في ما يتعلق بالذات، وما يجري لها، وما نختبره، وما يختبره آخرون نكون شهودًا أو مشاركين فيه. غير أنّه ينبغي أيضًا النظر إلى المواقف المناقضة تمامًا، وعلى رأسها «الوهم البيوغرافي» الذي استخدمه بيير بورديو في نقد المقاربة البيوغرافية.
يرى بورديو أنّ الواقع متقطّع؛ إذ ينطلق من مسلّمة الثبات الاسميّ، فيؤكّد أنّ الاسم هو ما يهب الوجود وحدته، ويمنح صاحبه هوية اجتماعية ثابتة ودائمة: فالعالم الاجتماعي يملك مؤسسات متعددة للتوحيد والدمج بين الذوات، وأوضح هذه المؤسسات هو الاسمُ الشخصي، فهو – بصفته «مُسمّيًا صارمًا» – يُحيل إلى الشيء نفسه في أيّ عالم ممكن، أو بعبارة واقعية: في أجزاء مختلفة من الحقل الاجتماعي الواحد أو في حقول متوازية (المصدر نفسه). فالاسم يحدّد الهوية الاجتماعية، وهو بما هو مؤسسةٌ منزوعة من الزمن والمكان، يضمن للفرد ثباتًا اسميًا، وهويةً تمنح الذات شعورًا بالتطابق مع نفسها، كما يقتضيه النظام الاجتماعي (المصدر نفسه). وهكذا، فالهوية ليست سوى بيانات شخصية، هي وحدها القادرة على منح الفرد وحدةً وشمولًا عبر الزمن والفضاء.
وعليه، فالوهم يكمن في الاعتقاد بإمكان بناء تاريخٍ متماسك؛ إذ إنّ السير الذاتية متقطّعة بطبيعتها، غير متماسكة، شأنها شأن الحيوات التي تصوّرها، كما أنّ الناس قادرون على تدبير شؤونهم اليومية دون الحاجة إلى تحويل هذا الإدراك إلى صياغة خطابية. ويرفض بورديو فلسفة التاريخ بوصفه سلسلة من الأحداث، وينفي إمكان صياغته في شكل حكاية أو سرد أو رواية. ويذهب إلى أنّ الذات والموضوع في السرد البيوغرافي يُعاد تشكيلهما وتفكيكهما وفق منطقٍ قابل للفهم، لأنّ الميل إلى جعل المرء نفسه أيديولوجي حياته، وذلك عبر انتقاء ما يعدّه من الأحداث «جوهرية» لإيضاح غايةٍ شاملة، وعبر خلق روابط سببية أو غائية تجعل هذه الأحداث متماسكة، هذا الميل يتعزّز بفعل السارد ذاته، الميّال بطبيعته – وبحكم تكوينه كمفسّر محترف – إلى قبول هذا البناء المصطنع للمعنى. وهكذا تُصنع الأيديولوجيات عبر انتقاء الأحداث التي تُعَدُّ «مهمة» وجعلها منسجمة في ما بينها، والنتيجة هي خلقٌ مصطنع للمعنى.
ويؤكد بورديو استحالة النظر إلى الحياة باعتبارها قصة، أو مسارًا خطيًا ينطلق من بدايةٍ ويمرّ بمراحل ليبلغ غايةً تمنح الوجود معنى. فالحياة لا يمكن إدراكها كوحدة ذات قصدية واضحة أو تخطيط بيّن يهدف إلى غاية، ولذلك تفقد فئات «المعنى» و«الاتجاه» صلاحيتها. فلا يمكن التعاطي مع الحياة كحكاية متسلسلة متماسكة ذات مغزى واتجاه محدّد؛ فهذا وهمٌ بلاغي ورثناه من التقليد الأدبي. وليس من المصادفات أنّ بنية الرواية، بصفتها سردًا خطيًا، بدأت تنهار في اللحظة نفسها التي تهاوت فيها رؤية الحياة كمسارٍ ينحلّ منطقيًا في اتجاهٍ ومعنى (المصدر نفسه). ويشدّد بورديو كذلك على دور الآليات الاجتماعية في بناء سيرة الحياة بوصفها «مصنوعًا كاملًا»، حيث تخضع صياغة العرض الخاص لحياة الفرد لقيودٍ ورقابات، تتعلق بنمط الخطاب، وبالموقف، وبالصورة التي يريد المرء تقديمها عن نفسه.
ونحن نوافق على أنّ الادّعاء بأنّ حياة الفرد قصةٌ موضوعية متماسكة ذات معنًى موحَّد، هو بالفعل وهمٌ؛ وقد أظهرت الحداثة بما يكفي مدى خداع هذا التصور. ولكن، تحديدًا لأن حياة الفرد ليست قصةً بالمعنى الذي يقصده بورديو، فإنّ البشر يسعون إلى جعلها كذلك، ولا سيما في هذا العصر المشبع بالحداثة السائلة والمجتمع المفرط في الفردنة وما يرافقهما من ضرورة إعادة التركيب التي ناقشناها من قبل. فالسرد، من حيث تكوينه، لا يبني القصة فحسب، بل يقدّم أيضًا تأويلاتٍ عبر اختيار ما يُعَدّ جوهريًا، وحذف ما يُترك، وصناعة الوصلات، والقطائع، والتتابعات، والانحرافات، والعودة والبدايات الجديدة. وهكذا يُستوعَب تحذير بورديو جزئيًا، لأنّ حقيقة كون كل بناءٍ سرديّ نسبيًا ومؤقتًا لا تُنفى ولا تُقلّل، تمامًا كما أنّ الهوية نفسها تبقى في حالة تطوّرٍ دائم، عبر عمليات متواصلة من التفكّك وإعادة التركيب.
وترتبط هذه الصفة النسبية والمؤقتة بكون المعاني التي يسبغها الفرد على خبراته تتعلّق – تبعيةً – باللحظة والمرحلة التي يمرّ بها في مسار حياته. ومع ذلك، فرغم نسبيتها، فإنّ هذه المعاني هي التي تُوجّه الفعل وتضبطه، بحيث يغدو التفكير الاستعادي قادرًا على تأكيد أو مراجعة الذات، وجعل الضمنيّ مُعلنًا، والتعبير عن الحاجة إلى مزيد من التفسير والتوضيح.
سأشرع الآن في تناول بعض الفرضيات النظرية التي يقوم عليها المنظورُ البيوغرافي، الكامنةِ في القدرة الفطرية للعقل البشري على ترجمة التجربة إلى صيغٍ سردية. وتنطلقُ هذه المقاربة من افتراضٍ مؤدّاه أنّ حياتنا كلّها ليست سوى ما نقصّه على أنفسنا، وما نرويه للآخرين عنّا. فكلّ فكرة نُبديها أو فعلٍ نقدِم عليه إنما هو ثمرةُ تأويلٍ نصنعه نحن، يشتمل على القيمة والدلالة اللتين نُضفيهما على تجاربنا، وهذه بدورها ثمرةُ تفاعلنا داخل سياق اجتماعي معيّن. فعندما نتواصل، لا ننقل فقط ما نفكّر فيه، بل نُظهر أيضاً المعنى والتفسير اللذين نسبغهما على الحوادث والوقائع التي مررنا بها. وعليه، فإنّ هذه المعاني هي التي تُؤسّس لهويتنا، وهذا النمط التأويلي – الذي يشكّل حجر الزاوية في السرد – هو ما يميّز الفكر السردي. إنّ المعنى الشخصي والواقع الشخصي يتشكّلان فعلياً أثناء تصوّر السرد الذاتي وعرضه؛ إذ تأخذ التجارب شكل الحكايات التي نستخدمها لوصفها، ولا تُعدّ القصصُ سوى الوسيلة التي يستعملها الأفراد لتنظيم خبراتهم ومنحها معنى وتأويلها، بما يضمن قدراً من الاستمرارية.
وفي السرد الذاتي، يُقدّم الفردُ قصته من خلال تأويل الأحداث والتفاعلات التي عاشها، ويُشيّد عبر ذلك ذاته وعالمه وثقافته بمنحها معنى. فالبيوغرافيا لا تُوجَد بذاتها، بوصفها حصيلةً معدودةً من الوقائع المتراكمة في الذاكرة، بل وظيفتها ربطُ الأفراد بثقافتهم الانتمائية، ووضعُهم ضمن نسق اجتماعي من الأدوار والقيم والمعتقدات والأيديولوجيات. وهذا الارتباط هو الفرصة الأولى لإعادة تركيب السير الذاتية التأملية المتشظّية التي تُعدّ سمةً لعالم ما بعد الحداثة. ومن ثمّ ليست الحكاية فعلاً لفردٍ مستقلّ أو ذاتٍ حرّة؛ بل تعكس معرفةً وقِيماً مشتركة اجتماعياً، إذ إنّ قابلية السرد للفهم تتوقف على سياقه الثقافي: فالثقافة هي التي تتكلم عبر الفاعل، مستعملة إياه في إعادة إنتاج ذاتها. كما تبيّن أيضاً أنّ السرد الذاتي يعتمد على التشارك في الرموز، وعلى الأداءات المقبولة اجتماعياً، وعلى عملية تفاوضٍ مستمرة. وأخيراً، وجدنا أنّ السرد يتطلّب عادةً تشابك الهويات، ومن ثَمّ دعم الآخرين داخل المجال الاجتماعي للتفاعل.
وبذلك، فإنّ قول القصة ليس فعلَ فردٍ مستقل قدر ما هو نتاجُ علاقةٍ منسّقة ومتبادلة الدعم. ومع تحوّل اهتمامنا إلى السرديات المعيشة، تختفي الذاتُ بوصفها كياناً مستقلاً وتغدو أشكالاً علائقيةً خالصة. ومن الأساسي أن نتأمّل الطريقة التي يستخدم بها الأفرادُ معانيهم، بالتركيز على الأفعال والتعابير والسياق الذي يحدث فيه هذا الاشتغال، وذلك عبر بحثٍ استعادي. يصوغ الأفرادُ تصورَهم للذات لا عبر التأويل الذي يصنعونه لأنفسهم فحسب، بل كذلك بالاستناد إلى التعريفات التي يمدّهم بها الآخرون حول هذه الذات. وكما ذكرنا سابقاً، الهوية صورةٌ عنّا نُنتجها داخلياً، وتترسّخ عبر التفاعل والعلاقات مع الآخرين. وفوق ذلك، تتأثر الذات تأثّراً شديداً بثقافة الانتماء لدى كل فرد. ولهذا يتحدث جيروم برونر عن «الذات التاريخية»، وهي ذاتٌ تتغير باستمرار كلما جمع الفردُ ما تقدّمه له ثقافته، وأوّله وأعاد تقييمه أثناء بنائه لها. وهنا تبرز أهمية العمل (الذاتي) البيوغرافي: إذ يتيح كشفَ المعاني التي يُسندها الأفرادُ إلى الوقائع وإلى الواقع عموماً داخل سياقات ثقافية مخصوصة.
ويكمن مفهوم السرد في صميم هذا النزوع إلى الحكي والسيرة، على أنّه لا ينبغي النظر إليه مجرّد رواية الراوي لتجربة ماضية أو حاضرة؛ بل هو شكلٌ تُعرض فيه التجربة ويُعاد تمثيلها، وتُقدَّم فيه الأحداث ضمن نظامٍ ذي معنى وانسجام، تُوصف فيه النشاطات وما يُرافقها من خبرة، وما يمنحها دلالتها بالنسبة للفاعلين المعنيين. إنّنا ننظم خبراتنا وذكريات ما حدث لنا في صورة قصص قبل كل شيء؛ فبُنيتا اللغة والفكر تغدوان في النهاية متداخلتين لا انفصام بينهما. وتجربتنا في الشؤون الإنسانية تميل إلى اتخاذ شكل السرديات التي نستخدمها في الحديث عنها. ويجب التنبيه هنا إلى أنّ القصة في البحث الاجتماعي لا يمكن أن تكون مجرد تجاور للأحداث أو مجرد «وقائع»: بل لا بدّ أن تتضمن الوصف، والتفسير، وتقييم الأوضاع، واستجلاء الروابط والعلاقات بين الفاعلين والأحداث. وبالإضافة إلى كونه فاعلاً، فإنّ الإنسان أيضاً شريكٌ في تأليف قصته: إذ نبنيها مع غيرنا عبر علاقتنا بهم. فكل ذاتٍ هي في آنٍ واحدٍ بطلةُ قصتها، وشخصية – كبر دورها أو صغر – في قصص الآخرين. ومن خلال السرد يمتلك الفرد فرصةَ بسط مقدار من السيطرة على العالم عبر تحديد موضعه فيه وتعديله: فهو قادرٌ على إعادة اختراع نفسه دائماً من خلال قصته.
ومنذ الطفولة، يختبر الإنسان لذّة ترتيب المواد بحرية وصياغة هويته واستقلاله عبر بناء القصص، بما يعنيه ذلك من تحمّل المسؤولية عن أفعاله وخبراته التي تُسهم في صياغة حياة قابلة للسرد. وتنبثق صورة الذات من السيرة نفسها، من الطريقة التي يُثبّت بها الفردُ قصته ويُراجعها ليمنح معنى لعلاقاته بالآخرين ولمشاريعه المستقبلية. فالذات ليست شيئاً ثابتاً أو جوهراً، بل هي تشكُّلٌ لأحداث شخصية في تدفقٍ سردي يشمل ما كنّاه وما سنكونه. ويتحرّك الفرد إلى سرد قصته بدافع الحاجة إلى تحديد هويته والاعتراف بها. ولهذا يبرز الخصائص المشتركة مع الآخرين: إذ يسعى الفرد إلى إعادة إنتاج سماتٍ مشتركة تقول للآخرين بطريقة واضحة ما النوع الذي ينتمي إليه. وهذا ما يمكّنه من تحديد هويته كجزء من ثقافة وشعب وأيديولوجيا. وتتداخل هذه الأشكال من الهوية والاعتراف في عملية التأمل الذاتي في السير الحديثة، فتحدّ من مخاطرها الكامنة.
يمكن فهم تزايد الوعي في عددٍ من الحقول بضرورة استعادة البعد السردي بوصفه استجابةً لأزمةٍ تعيشها المجتمعات المعاصرة. وأحد أعراض هذه الأزمة – وقد باتت بنيوية – هي سيولة الحاضر التي تَسِم اللحظة الراهنة من التحولات الكبرى التي يسميها كثيرون بالحداثة المتأخرة أو ما بعد الحداثة. وهي استجابة لثلاثة أطراف: للساردين، وللمستمعين، وللباحثين.
الساردون يتجنبون خطر أن يصبح المرء، إذا لم يُروِه الآخرون أو لم يستطع أن يروي نفسه، غريباً في ما يسميه باومن «المجتمع المُفردَن»، حيث يشكّل سردُ مسار الحياة النشاط الذي تُزرَع من خلاله المعاني والغايات في الوجود. وبهذا يمكنهم تقليص التشظي الذي يسِم السيرَ الذاتية الراهنة، واستعادة المعنى لخبراتهم وهوياتهم، والقدرة على التعرف إلى ذواتهم والتعريف بها ضمن الهوية الاجتماعية. المستمعون يدخلون في علاقةٍ اجتماعيةٍ محضة، يُعاد فيها تركيبُ هوية الراوي المتشظية، ويؤدّون دوراً فاعلاً في العملية التي تصبح بها الهوية الفردية هويةً اجتماعية. ومن ثَمّ، فهم أيضاً يبنون هوياتهم الاجتماعية. الباحثون الذين يستخدمون السرديات – مباشرةً أو بطريقة غير مباشرة – يقفون في موقعٍ مميّز يسمح لهم بأن يلاحظوا ويفهموا (بالمعنى الفيبري) العلاقةَ بين الفرد والمجتمع، والطريقة التي يُعيدان بها إنتاج بعضهما بعضاً.
أما السمة الحاسمة التي تؤكّد ما تتيحه السيرُ الذاتيةُ المصنوعة ذاتياً من إمكاناتٍ للعثور على معنى، وعلى اعتراف، وعلى درجةٍ من ترميمِ شتات الذات، فترجع إلى ممارسة السرد: قصص تُروى، وتُسمع، وتُقرأ، وتأويلٌ لما نراه وما يحدث لنا ولغيرنا. ويتجلّى هذا المعنى بوضوح في هذه الأشكال الطبيعية من السرد، ولكن – وربما بصورة أوضح – في السياقات التي تكون فيها المشاركة السردية أكثر تنظيماً: مجموعات المساعدة الذاتية، والمجموعات الحوارية والوعيوية، أو مجموعات الضبط السلوكي، ودعم الضغط النفسي والوقاية، والعمل الاجتماعي ضدّ التهميش، والنمو الشخصي وتحقيق الذات. وهذه المجموعات آخذةٌ في الازدياد، ومتعددة التخصصات، وذات أهداف متباينة، لكنها تلتقي عند قاسمٍ مشترك: السرد، ورواية الذات للآخرين.
إنّ رفعَ القداسة المؤسسية عن السير الذاتية والمسارات الحياتية، وتعريضها لانحرافاتٍ ومساراتٍ متقطعةٍ غير يقينية، يجعل الحاجة إلى المشاركة والاعتراف المتبادل قويةً وملحّة. ذلك أنّ تقاسمَ اللّا يقين بين الأفراد يجعله أكثر قابلية للتحمّل، والسردُ بالذات هو الأداة التي تضطلع بمهمة المشاركة واستعادة المعنى المفقود أو اكتشافه من جديد.
