الكاتِبُ المُسَجَّى خَلْفَ السُّور
في خضمِّ صراعي الضَّاري لاستجلاءِ أيِّ أثرٍ لتلكَ الحالةِ منَ الفراغِ الظَّاهريِّ الذي غارتْ فيهِ روحي، لاحتْ لي ومضاتٌ خاطفةٌ خِلْتُ فيها أنني ظفرتُ بالنَّصرِ، إذ تهيَّأ لي أنني استجمعتُ شتاتَ ذكريات... بَيْدَ أنَّ عقليَ الصَّافي جزمَ بأنها لا تعدو أن تكونَ انعكاساً لتلكَ الحالةِ التي يبدو فيها الوعيُ وكأنهُ قد استحالَ عَدَماً.
إدغار آلان بو، «الحفرة والبندُول».
ستسمقُ تلكَ الجدرانُ العجيبة... حتى تُطاولَ النُّجومَ، تاركةً إيّاكَ سادراً في تِيهِ الهلوسةِ، سجيناً أبدياً داخلَ أسوارِ حُلمِكَ...
كروز إي سوزا، «المُسَوَّر».
تسعى روايةُ «في قبوي» (أو «رسائل من تحتِ الأرض»)، التي رأتِ النُّورَ عام ١٨٦٣، إلى حملنا على التَّصديقِ بأنَّ «اثنين زائد اثنين يُساوي خمسة». إنَّ هذه الروايةَ القصيرةَ تُفضي بنا إلى «ما وراءِ المِرآة»، حيثُ تتباينُ القيمُ النَّفسيةُ للدَّيمومةِ معَ الزَّمنِ بمفهومهِ المُجرَّد؛ ومن هنا، يزهدُ دوستويفسكي في رسمِ شخصيةٍ مُحدَّدةِ المعالمِ، ويتخلَّى عن التَّعليلِ السَّببيِّ، وهما الرُّكنانِ الرَّكينانِ للحبكةِ التَّقليدية.
إنَّ إدراكَ الواقعِ يتأتَّى عبرَ وصفِ العملياتِ الجُوَّانيةِ للشخصيةِ التي تتماهى مع الرَّاوي، أو بالأحرى، تتقمَّصُ وظيفتَهُ. يغدو العالمُ تجربةً ذاتيةً صِرفة، إذ إنَّ الزَّمنَ «يُقاسُ بمعاييرَ فرديةٍ لا بمقاييسَ موضوعية». إنهُ، والحالةُ هذه، زمنٌ نسبيٌّ، باطنيٌّ، و«نفسيّ»، حيثُ تتأرجحُ بؤرةُ الحاضرِ جيئةً وذهاباً بين الماضي والمُستقبل. يحدثُ انصهارٌ (وارتباكٌ) للتَّسلسلِ الزَّمنيِّ في بوتقةِ «المُعاش»، وتُعيدُ الذَّاكرةُ صَبَّ الماضي في قالبِ الحاضر: «لقد انصرمَ دهرٌ وأنا أحيا على هذا المِنوال: زهاءَ عشرينَ عاماً. وها أنا ذا قد بلغتُ الأربعين...». وفي موضعٍ آخر، يقول أرسطو: «... والأربعون عاماً هي، في الحقيقة، العمرُ برُمَّته؛ إنها أرذلُ العمر». أو قولُه: «... ومن فرطِ الخجلِ، كابدتُ الأرقَ لشهورٍ طِوال».
وعليهِ، فإنَّ السَّردَ لا ينتظمُ في نسقٍ خَطِّيٍّ مُتتابعٍ زمنياً، بل ينساقُ خلفَ (فوضى) الأفكارِ والتَّصوُّراتِ التي كابَدَتها الشخصيةُ أو عايشتها. وهذا لا يعني انتفاءَ الزَّمنيةِ عند دوستويفسكي، بل إنَّ ما يُسقطُهُ هو التَّعاقبُ الرَّتيبُ للأحداث. وهنا يتجلَّى صدقُ المقولةِ الكُونتية (نسبةً لأوغست كونت) القائلة: «كلُّ شيءٍ نسبيّ، وهذا هو المُطلقُ الوحيد».
إزاءَ هذا المشهد، نجدُ أنفسنا أمامَ ما يُطلق عليه جينيت «تعليقَ النِّظامِ الزَّمنيِّ للسَّرد»، أو الانقطاعَ في المُتَّصلِ الكرونولوجي، وهو ما يُحيلنا مباشرةً إلى التِّقنيةِ المعروفةِ بـ«تيارِ الوعي». تُتيحُ هذه الحيلةُ الفنِّيةُ في التَّلاعبِ بالزَّمنِ الروائي (والمُقترنةُ عادةً بـ«وجهةِ النَّظرِ المُقيَّدة») للكاتبِ التَّحللَ من قيودِ التَّسلسلِ الزَّمنيِّ المألوف، ناقلاً الأحداثَ إلى الصَّعيدِ النَّفسي.
يُمكنُ تأقيتُ «القبو»، زمنياً، في أيِّ لحظةٍ من القرنِ التَّاسعَ عشر، ومكانياً، في أيِّ قبوٍ رطبٍ من أقبيةِ سانت بطرسبرغ، مما يَشي بتجاوزِ دوستويفسكي للمُسلَّماتِ المُتعلِّقة بـ«المكانِ في ذاته» و«الزَّمانِ في ذاته» كمفاهيمَ مُطلقة. هذه النِّسبيةُ المُزدوجةُ تُحيلُ هذه المفاهيمَ عدماً في ذاتها، ولا تمنحُها الوجودَ إلا بدلالةِ شخصيةِ القبو. وحولَ هذا المفهوم، الذي باتَ مألوفاً في الحساسيةِ الحديثة - والذي كان ستيرن إرهاصاً له، تلاهُ دوستويفسكي - سيتمحورُ أدبُ بروست وجويس في مطلعِ القرنِ العشرين، بأسلوبٍ يجمعُ بين الهَوَسِ والشَّاعريَّة.
حتى في عملٍ يُوصفُ بأنه «أقلُّ شأناً» مثل «يوريديس» لكاتبنا لينس دو ريجو (الذي تُعَدُّ شخصيتُه المحوريةُ، بلا ريب، رجلاً من «القبو»، مما يَشي بأنَّ المؤلفَ قد اغترفَ من المَعينِ الدوستويفسكي)، نلحظُ هذا الانشغالَ بكثافة: فالماضي والحاضرُ يتناوبانِ في تأمُّلاتِ «جوليو»، وهو يتلظَّى بنارِ قلقهِ المَرَضي.
من هنا تتبدَّى وجاهةُ استنتاجِ مينديلوف، حينَ عمَّمَ في حديثهِ عن الروايةِ الحديثةِ قائلاً: «باتَ التركيزُ مُنصباً على ما تُفكِّرُ فيه الشخصياتُ وكيفيةِ تفكيرها، بينما تضاءلَ الاهتمامُ بما تفعلهُ». وهذا التعميمُ ينسحبُ تماماً على «القبو». فدوستويفسكي لا يُعنى بتأطيرِ شخصيةِ البطل - الذي يفتقرُ حتى إلى اسم - عبرَ وصفٍ خارجيٍّ يسردُ سِماتِه، بل نُلفي «روحاً» تتمزَّق، وتعتملُ في داخلها الصِّراعات، وتجترُّ «حَنَقاً بارداً، سامّاً لا ينضب». والسِّماتُ الفرديةُ الشَّحيحةُ للشخصيةِ (اعتلالُ الكبد، الدَّمامة)، ومُحاكاةً لقولِ بينيديتو نونيس، لا تعدو أن تكونَ إطاراً للقلقِ الذي ينهشُها ويطغى على هُويتها الشخصية.
في "«لقبو»، كلُّ شيءٍ يرتدُّ إلى الاستبطان. المشهدُ الخارجيُّ (الذي يُختزلُ في أربعةِ جدرانٍ عَفِنَة) لا وجودَ له إلا كانعكاسٍ للدراما الشخصية. وهنا نلمسُ بوضوحٍ استباقاً للتقنيةِ الأثيرةِ لدى فيرجينيا وولف: «تيارُ الوعي» المُستخدم لتصويرِ «المكنونِ والعملياتِ النَّفسيةِ للشخصية»، والذي تتخذُ من المُناجاة الدَّاخلية ركيزةً أساسيةً لها. وكما يُقرِّرُ ساباتو، فإنَّ دوستويفسكي، بعملِه هذا، قد شَرَّعَ الأبوابَ لتدفُّقِ الأدبِ المُعاصر.
ونظراً لهيمنةِ المناجاة الدَّاخليِّة في هذه الرواية، تغدو وظيفةُ الرَّاوي التَّقليديِّ لَغْواً، إذ «يتلاشى الرَّاوي لتَحلَّ مكانَه الشخصية». إنَّ مدارَ الأمرِ، في الحقيقة، هو كشفُ وعيِ الشخصيةِ في «آنيَّتِها» (hic et nunc)، في راهنِها المُباشر. وهذا، في تقديري، يُجلّي نيةَ دوستويفسكي في رصدِ لحظةِ انبثاقِ اللاوعي في الوعي. وبذلك، يتداعى المنطقُ النَّحويُّ للجملة، ومعه التَّماسكُ البِنيويُّ الذي كان الرَّاوي التَّقليديُّ يُديرُ به دَفَّةَ الأحداث، وتتفتَّتُ السَّببية، التي هي حجرُ الزَّاويةِ للحبكةِ في المنظورِ الأرسطي.
ختاماً، في هذه العتمةِ الخانقة، حيث يُوارى مُدوِّنُ القلقِ الوجوديِّ الثَّرى - وهو الضَّجِرُ تارةً، والمأخوذُ تارةً أخرى - وسطَ اضطرابهِ الحميمِ والقسري، يبدو التَّعاقبُ التاريخيُّ وكأنه يمرُّ عابراً دون مَساس. إنَّ التمثيلَ الأدبيَّ الدوستويفسكيَّ يُباين، كما أسلفت، الحبكةَ التَّقليديةَ القائمةَ على التَّسلسلِ السَّببيِّ للزَّمنِ وللتاريخ. فالسجنُ لا يزيدُ شخصيةَ القبو إلا عجزاً. وهكذا، فإنَّ السجن والعجزَ (وهما الدَّعامتان لمعمارِ العمل) يجعلانِ الهُوَّةَ التي تحولُ دون إثباتِ الشخصيةِ لذاتها كفاعلٍ تاريخي، هوةً لا قرارَ لها. إنها شخصيةٌ تائهة، مُحاصرة «كفأر». وفي بَوْحِها الحميم، زفرةٌ لإنسانٍ مُهان، قهرتهُ صُروفُ الدَّهر.
تأسيساً على ما سبق، نمتلكُ الأدواتِ لمُقاربةِ الأسلوبِ السَّرديِّ في «القبو» من زاويتين: «المسافة السَّردية» و«بؤرة السَّرد». يُعالجُ تصنيفُ جينيت للأسلوبِ السَّرديِّ قضيةَ «التمثيل»، أو بعبارةٍ أدق، «درجاتِ المعلوماتِ السَّردية»، التي تُتيحُ تباينَ المسافةِ قُرباً وبُعداً عمَّا يُروى، فضلاً عن خيارِ «تنظيمِ المعلومات»، أي «وجهة النَّظر» (مينديلوف) أو «المنظور» المُعتمد حيالَ القصة. في الحالةِ الأولى، نُميِّزُ بين ثلاثةِ أنماطٍ لخطابِ الشخصية. الخطابُ المسرودُ أو المحكيُّ (وهو موضعُ اهتمامنا)، والخطابُ المنقولُ بأسلوبٍ غيرِ مُباشر (ومنه الأسلوبُ غيرُ المُباشرِ الحُر)، وأخيراً الخطابُ المُباشرُ أو المُبلغُ عنه. وهذا التَّثليث، وفقاً لجينيت، ينسحبُ على المناجاة الدَّاخليِّة انسحابَه على الأقوالِ المنطوقة.
في «القبو»، نُلفي سرداً «للسِّجال الدَّاخلي... يُديرُه الرَّاوي (المُستبدل بالشخصية) بلسانه... وهو ما اصطُلحَ على تسميتهِ بـ'التحليل'، ويُمكنُ اعتبارُه سرداً للخواطرِ أو خطاباً باطنياً مسروداً». إنَّ نمطَ خطابِ الشخصيةِ الذي اصطفاهُ المؤلفُ يُستهلُّ (ويُوسمُ) بفعلٍ تقريريّ:
أنا رجلٌ عليل... رجلٌ خبيث. رجلٌ مُنفِّر. أحسبُ أنني أشكو من كبدي.
حريٌّ بنا التنويهُ بأنَّ وجودَ استهلالٍ تقريريٍ يُميز، من النَّاحيةِ الشَّكلية، المناجاة الدَّاخلي (الذي يُؤثر جينيت تسميتَهُ بالخطابِ الفوري) عن الخطابِ المُبلغِ عنه. فالسمةُ الجوهريةُ للخطابِ الفوريِّ هي تقديمُ نفسهِ بنفسهِ «دون وساطةٍ من هيئةٍ سرديةٍ أُلجمت بالصَّمتِ وحلَّت الشخصيةُ محلَّها». وبهذا، ينجلي الفرقُ بين المناجاة الفورية و«الخطابِ المنقول»، إذ لا قيامَ للأخيرِ إلا بتبنِّي الرَّاوي لخطابِ الشخصية، بينما في الخطابِ الفوري، يضمحلُّ الرَّاوي تماماً، وتطغى الشخصية
بهذا المُنحى، يُسهمُ دوستويفسكي في عتقِ الروايةِ الحديثةِ «من ربقةِ الوصايةِ السَّردية»: فالموقفُ المحوريُّ في «القبو» يَلِجُ المشهدَ مُتحركاً، شأنَ تلك الأفلامِ التي تدورُ رَحاها قبلَ ظهورِ العناوين. أي أنَّ الكلمةَ تُلقى فوراً لشخصيةِ القبو («أنا رجلٌ عليل...») وتظلُّ قابضةً على بؤرةِ السَّردِ حتى الرَّمقِ الأخير. إنَّ «سرديةَ الخواطر» هذه تتناغمُ تماماً مع تعريفِ دوجاردان للمناجاة الدَّاخلية: «خطابٌ بلا سامعٍ وغيرُ منطوق، تبثُّ من خلالهِ الشخصيةُ فكرَها الأشدَّ حميمية، الأقربَ إلى الغَوْرِ اللاواعي، سابقاً لأيِّ تهذيبٍ منطقي، أي في حالتهِ البِكْر، عبرَ جملٍ مباشرةٍ مُختزلةٍ نحوياً إلى حدِّها الأدنى».
هكذا ينسجُ البطلُ الدوستويفسكيُّ خيوطَ أفكاره. إنَّ «مسارَ» المناجاة الدَّاخلية في «القبو» يدنو من نظيرهِ في روايةِ «التفاحة في الظَّلام» لكلاريس ليسبكتور، أكثرَ من دنوِّهِ من «عوليس» لجويس. فالحالةُ الأخيرة، تُمثِّلُ أسلوباً «مُباشراً»، أي «مُنزَّهاً عن التَّدخلِ السَّافرِ للكاتب، بحيثُ تعرضُ الشخصيةُ حُمَمَ عقلِها الباطنِ في ضربٍ من النَّجوى للقارئ، مُتحللةً من القواعدِ النَّحوية». أما حالةُ ليسبكتور، وهي عينُها حالةُ دوستويفسكي، الموسومةُ بـ«المناجاة الدَّاخلية غيرِ المُباشر»، فتتسمُ بـ«التَّدخلِ المُضمرِ للروائيِّ في تدوينِ التيَّارِ الذِّهنيِّ للشخصية، وكأنه اختصَّ بسبرِ أغوارِ عالمها النَّفسيِّ المائجِ والتقاطهِ دون تحريف...».
وصفوةُ القول، إنَّ المناجاة الفوريَّة في «القبو» قد يرقى ليكونَ «مناجاةً مسرحية» (soliloquy)، فالشخصيةُ، مدفوعةً ببلاغةٍ مسرحيةٍ بيِّنة، تتوهمُ جمهوراً وتوجِّه إليه ثرثرتَها التي لا ترتوي («أنا على يقينٍ بأنَّ أمثالنا من قاطني الأقبيةِ حريٌّ بهم أن يُلجموا. فواحدٌ منهم قد يلوذُ بالصَّمتِ أربعينَ حَوْلاً، لكنْ ما إن يجدَ منفذاً للنور، حتى ينطلقَ لسانُه بالحديث، والحديث، والحديث...»)، وهو ما يستدعي الحاضرَ السَّرديَّ للتجربةِ الفلسفيةِ كما عند ديكارت أو برغسون: حيثُ تُتخذُ المناجاةُ المُفترضةُ للبطل «وسيلةً بُرهانيةً جليَّةً من قِبَل الرَّاوي».
بيدَ أنه، إنْ كان للمناجاةِ راوٍ يُمثِّلُ نقطةَ التقاء، فذاكَ ليس شأنَ «القبو»، حيثُ نشهدُ استبدالاً للرَّاوي بالشخصيةِ التي يمرُّ كلُّ شيءٍ عبرَ قنواتها حتماً. وها نحنُ نصلُ إلى النَّمطِ الثاني للمعلوماتِ السَّردية: المنظور.
نخلصُ بذلكَ إلى الإشكاليةِ الأكثرِ تداولاً في الدِّراساتِ النَّقديةِ منذ أواخرِ القرنِ التَّاسعَ عشر: «المنظور في الفنِّ الروائي». ينبثقُ نمطُ تنظيمِ المعلوماتِ السَّرديةِ هذا من اعتناقِ (أو عدمِ اعتناق) «وجهةِ نظرٍ مُقيَّدة»، أي أنَّ المشاهدَ التي ينتقيها الكاتبُ لحبكتهِ تتفرَّعُ عن المنظورِ المُتبنَّى. وهنا يُطرحُ السؤال: مَن الرَّائي؟ أو: ما هي بؤرةُ السَّرد؟ فعلى سبيل المثال: يُؤثرُ جين راسين الغوصَ في العالمِ الجُوَّانيِّ لأرواحِ شخوصه، وصراعاتهم ونزاعاتهم الدَّاخلية، بينما يميلُ بيير كورني إلى المشاهدِ المُفعمةِ بالقرارات، حاشداً عدداً أكبرَ من الشخصيات.
تُحيلُنا روايةُ «القبو»، كما أسلفنا، إلى سردٍ للسِّجال الدَّاخليِّ تقودُه الشخصيةُ (المُتقمِّصةُ دورَ الرَّاوي) بضميرِ المُتكلِّم، أو بلسانِ حالها. في التَّصنيفِ الذي طرحَه بروكس ووارن عام ١٩٤٣، تعرضُ «بؤرةُ السَّرد» (focus of narration) «الرَّاويَ الغائبَ كشخصيةٍ فاعلة» حيثُ يسردُ المؤلفُ المُحلِّلُ (أو العليم) حكايتَه، مُحلِّلاً الأحداثَ من الباطن. وبهذا، ينشأُ ضربٌ من «التَّكلُّمِ البَطنيِّ» المُتبادل: دوستويفسكي يُجلي ذاتَه، أو بالأحرى، يُبطِّنُها في شخصيةِ القبو، التي بدورها تُحاكي دوستويفسكي نفسَه. هنا يتماهى المؤلفُ والشخصيةُ عن سابقِ عَمْد.
يُمكنُ التَّعبيرُ عن هذا الوضعِ السَّرديِّ بمعادلةِ تودوروف «ر=ش» (الرَّاوي يُساوي الشخصية)، التي أعادَ جينيت تسميتَها بـ«سردٍ ذي تبئيرٍ داخلي». يُقدِّمُ لنا «القبو»، إذن، نمطاً من التبئيرِ الدَّاخليِّ يُمكنُ نعتُه بـ«الثَّابت»، لانتفاءِ تناوبِ وجهاتِ النَّظر؛ فكلُّ الدُّروبِ تُفضي إلى شخصيةِ القبو، وهو ما يتَّسقُ تماماً مع جوهرِ هذا النَّمطِ السَّردي: «المناجاة الدَّاخلية». فالشخصيةُ البؤريةُ لا تُرسمُ ملامحُها من الخارج؛ وأفكارُها وتصوُّراتُها لا تخضعُ لتحليلٍ موضوعيّ. من هنا، ينطبقُ حكمُ جينيت تماماً على «القبو»، إذ «لا يتحقَّقُ التبئيرُ الدَّاخليُّ بتمامهِ إلا في السَّردِ القائمِ على المناجاة الدَّاخلية»، حيثُ تذوبُ الشخصيةُ الحاملةُ لوجهةِ النَّظر «ببساطةٍ وبشكلٍ مُطلقٍ في - وتُستنبطُ بدقةٍ من - موقعها البؤري».
خلافاً للواقعيينَ المُعاصرينَ لدوستويفسكي، لا نجدُ أدنى جنوحٍ لحشوِ الفضاءِ الأدبيِّ بالتَّفاصيل. يسعى المؤلفُ لإقناعنا، ومنحِنا «وهمَ الحياة» عبرَ الغوصِ في لُجَّةِ أفكارِ الشخصية، «التي يغدو وعيُها مسرحاً للوقائعِ التي ترويها». المؤشراتُ التي ينتقيها المؤلفُ لتقديمِ الشخصيةِ هي في الغالبِ «روحية». فالمرارة، والملل، والفتور، والغضب، والسخط، والعجز، والحسد، والكذب، وتلك الشهوانيةُ الغريبةُ التي تقتاتُ على تبلُّدٍ نرجسيٍّ للحواس، المُتناقضةُ مع بصيصِ أمل، هي السِّماتُ النَّفسيةُ التي تُضفي «المعنى» و«قوةَ الإقناع» على الشخصية.
إلى هذا الكونِ الفسيحِ من العواطفِ البشرية، الحبيسةِ في «قبوٍ قذرٍ مُوحل»، يقتادُ المؤلفُ القارئَ (لا دون أن يوقعَهُ في الحَيرة). وفي حَيرةِ القارئ تكمنُ مشقةٌ حقيقيةٌ في التماهي، وجدانياً وفكرياً «عبرَ آلياتِ التَّقمصِ والإسقاطِ والنَّقل»، مع شخصيةِ القبو، لأنها دأبتْ على الكَرِّ على ما فرَّت منه لتُؤكِّدَ كذبَها المُتعمَّد، مُربكةً القارئَ في متاهتها الذِّهنية، بل وساخرةً منه، ما لم يكنِ القارئُ جُبِلَ على الطبيعةِ المُعقَّدةِ والمُتناقضةِ ذاتها، حيثُ نلمسُ، بعبارتها هي، «تضافرَ عناصرَ جمَّة... مُتناقضة» تمورُ في داخلها. أو كما ذهبتْ روث غيماريش في ترجمةٍ أخرى، حيثُ نُلفي «وجودَ حشدٍ من العناصرِ المُتباينةِ التي تتصادمُ بعنف».
وختاماً، وبالتقاطِ «طرفِ الخيطِ» المُلتبس، بقيتْ نقطةٌ عالقةٌ في هذا المقالِ تستوجبُ الإيضاح، ألا وهي مغزى القضيةِ الاستهلاليةِ المُحيِّرة، التي تُفيدُ بعبارةٍ أخرى أنَّ ترتيبَ العواملِ يُغيِّرُ ماهيةَ النَّاتج: اثنان زائد اثنان يُساوي خمسة. هذا لا يعني أنَّ دوستويفسكي يُرافعُ دفاعاً عن اللاعقلاني، كما نجدُ في قصةٍ لتولستوي («النّساك الثلاثة»). إنَّ إرسالَ «الحتميات إلى الجحيم» يُمثِّلُ، في «القبو»، انتصاراً للخيال، والحساسية، والإرادةِ الحُرَّةِ المُهدَّدةِ بمنطقِ الأنظمةِ التي ترومُ (وتنجحُ للأسف!) تجريدَ الإنسانِ من الرَّغبةِ والمشيئة، واختزالَهُ في مجردِ قطعةِ غيار، أو ترس، أو وسيلةِ نقل. لا ينتفضُ المؤلفُ ضدَّ العقلِ، بل ضدَّ ارتهانِ الإنسانِ لطغيانِ العقل. إنه يقترحُ، بدلاً من ذلك، إشباعَ الوجودِ البشريِّ في كُليَّته، لأنَّ العقلَ ليس إلا عقلاً، ولا يُرضي سوى ملكةِ التفكير، بينما الرَّغبةُ هي تجلِّي الحياةِ بكلِّ زَخَمِها.
بيدَ أنَّ مقولةَ «اثنان زائد اثنان يُساوي خمسة»، كما يتجلَّى في «القبو»، هي محضُ وهمٍ خادع. إذ أنه، في عتمةِ القبوِ الكئيبة، لا تملكُ الشخصيةُ سوى اجترارِ أحلامِ الحرية. ورغمَ سخطها، فإنَّ تمرُّدَها قبضُ ريح. وخلاصةُ القول: إنها شخصيةٌ عاجزة، مُقصاةٌ عن التاريخ، ومنبوذةٌ اجتماعياً، ومُدركةٌ لشقائها، لا تملكُ إلا خيارينِ أحلاهُما مُرّ: فقدانُ الصَّوابِ والتَّردِّي في هوةِ الجنونِ المُطبق، أو سدُّ منافذِ الحواسِّ والغرقُ في التأمُّل. وفي كلتا الحالتين، المآلُ واحد: العَطالةُ والجمود.
