من أحَبَّ السُّقوط حتّى صارَ مديحُهُ سُلَّمًا

 

وَيلٌ لِمَن رَأى مَوتًا بِعَينِهِ،
حِينَ أَتى المَوتُ، في سُكونِ خَريفٍ بارِدٍ،
يَخطو خُطاهُ إلى الفِراشِ الرَّطْبِ،
يَهمِسُ لِلمَريضِ أَن يَذهَبَ.

- جورج هايم، لِم تَأتينَ، أيتُها الفَراشاتُ البِيضُ.

وُلِدَ هايم في سيليزيا عام ١٨٨٧، ونشأ في برلين، ابنًا لبورجوازيٍّ كان يحتقره لسطحيّته الفيلستينية. درس القانون في عدة جامعات ألمانية، ودرس الصينية في جامعة برلين. وغرق في عام ١٩١٢، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، أثناء التزلج على الجليد، حين حاول، في فعل بطولي عبثي، إنقاذ صديقه من الغرق، فهلكا معًا.

ولفظاعة المشهد، قلَّ أن ينافس مشهدَ جسده في المشرحة مشهدٌ آخر؛ إذ وُضع جسده بين جثتين مجهولتين: أولاهما لجثة منتحر ممزقة الأوصال، كأنها نسخة عامية حديثة من آنا كارنينا، جُمعت من على قضبان السكة الحديدية، وثانيتهما لصياد غريق مغلَّفٍ بكتلة صلبة من الجليد كأحد أسماكه. أما هايم، فرغم وضعه في التابوت، فقد ظلّ متجمّدًا إلى حدٍّ جعل بشرته وردية وملامحه حيّة، حتى ليخيَّل للناظر أن الدم ما زال يدور في عروقه. وقد أثار منظره فزع الناظرين، لما بان على شفتيه من التواءٍ مرٍّ، يشي برعب خمس عشرة دقيقة من الصراخ المستمر طلبًا للنجدة من المتفرجين الذين لم يجرؤوا على التقدم نحوه بالحبال أو السلالم، خشية البلل أو الخطر.

وفي المشرحة، تلا أحد القساوسة المأجورين صلواتٍ تقليدية على روح هذا الشاعر الرافض لكل تقليد، المعادي للدين، دون أن يعرف عنه شيئًا. ويُروى أن ملامح هايم آنذاك كادت تنطق غيظًا، حتى خُيِّل للحاضرين أنه سيقفز من نعشه «ليُحطِّم جمجمة القس» – على حد قول أحد شهود العيان. وبعد ذلك، قام رفاقه ذوو النزعة الآرت نوفو بالدوران حول الجثمان وهم يلوّحون بالأكاليل ويتلون شعر هولدرلين في طقوس شبه جنائزية، شبه احتفالية.

طوال حياته القصيرة، كان هايم متعطشًا للمجد عطشًا لم يُروَ، يظهر ذلك جليًّا في رسائله، كما في قصيدته التي يستهلها بعبارة: «لو كنت مشهورًا...». وتذكِّرنا حاله المأساوية بالشاعر الأمريكي فاتشِل ليندسي وهو يوزّع قصائده وبياناته في شوارع سبرينغفيلد غير المبالية، حين نسمع عن هايم وهو يوزّع مقالاته وقصائده الثورية في شوارع برلين اللامكترثة في عهد فيلهلم الثاني. وقد نُشرت أولى قصائده في خريف عام ١٩١٠ في مجلةٍ راديكالية غامضة تدعى «الديموقراطي». أما أول ديوان له، «اليوم الأبدي»، فصدر في عام ١٩١١. لكنه ظل مجهولًا تقريبًا، لا في حياته فحسب، بل حتى عام ١٩٤٥.

وبعد الحرب العالمية الثانية، ذاع صيت هايم في ألمانيا بفضل قصائده الأبوكاليبتية عن الحرب والفناء. غير أن تلك الشهرة قامت – كما كانت الحال مع ستيفان جورج من قبل – على ميل القراء الألمان إلى تغليب الدور «النبوي» المشكوك فيه للشاعر على حرفيّته الغنائية الأصيلة. فشهرة هايم المعاصرة باعتباره نبيّ العصر الذرّي قائمة في الحقيقة على سوء فهمٍ ومحض مصادفة، رغم أن نبوءاته عن الحرب واحتراق المدن الكبرى قد تحققت فعلاً. إلا أن صوابها كان في أكثره اتفاقًا عَرَضيًّا، إذ كانت نبوءاته تنبع من قلقٍ ذاتيٍّ لا عامٍّ، ومن إحساس داخليٍّ مأزوم لا من بصيرةٍ موضوعيةٍ بالأحداث القادمة.

وقد آن الأوان لإنقاذ هايم من عبادة هايم. ففي ألمانيا أواخر الستينيات، بالغ الناس في تمجيد رؤاه الشيطانية للمدن الكبرى. مع أن هذه الرؤى لم تكن جديدة حتى في زمنه؛ فقد سبقه إليها بودلير، شاعر النمل البشري في المدينة الحاشدة (fourmillante cité). وإذا أمعنّا النظر، وجدنا أن مدن هايم تمثّل رعبًا يستعيد أصداء رؤى بوش الجحيمية السابقة على العصر الحضري، لا رؤى المستقبل المديني؛ إذ حوّلها هايم إلى مونتاج فوتوغرافي داخل إطار المدينة. ومن ثم فإن الإعجاب المتأخر بهايم، القائم على حداثته الحضرية المزعومة، هو مثال على الإعجاب بكاتبٍ بديعٍ لأسبابٍ مغلوطة، إذ يكفي أن يُعجب المرء به لأجل غنائيته الحقّة، لا لأجل شيطنيته الجمالية المتكلفة – تلك التي راجت آنذاك كما نراها في المسرح المعاصر. أوَحقًّا صار العبقريّ المنبوذ في زماننا ذلك الفتى السمين عند ديكنز الذي لا يبتغي إلا أن «يجعل لحمك يقشعرّ»؟

ومن النوادر القليلة التي يبدو فيها أن هايم تنبأ بما هو أكثر من المصادفة، قصيدته الشهيرة «الحرب» (Der Krieg) وهي، وإن كانت أشهر أعماله، ليست من أرفعها، إذ يعيبها رتابة إيقاعها. وقد أقام فريتس مارتيني في دراسته عنها حجّةً مقنعةً بأن القصيدة تستشرف الروح الشيطانية الداعية إلى الكارثة والإبادة الجماعية غير الشخصية التي وسمت الحرب العالمية الثانية. (والمقصود هنا مقاله عن هايم في المجلد الثاني من سلسلة الشعر الألماني التي حررها بنو فون فيزه).

غير أن شعر هايم من هذا النوع لا يكفي لتعميم قول مارتيني إنه «فيه مسّ من النبوءة والرؤيا». وحتى لو كفى، فإن القيمة الجمالية والاستعارية في قصيدة «الحرب» – وهي التي حلّلها مارتيني بعبقرية – أندر بكثير من شبهها بالحرب العالمية الثانية. بل إن من يطلب نبوءة أعمق عن تلك الحرب، فليقرأ وصف كارل كراوس لما ظنّه آنذاك تصويرًا للحرب العالمية الأولى في مسرحيته «الأيام الأخيرة من البشرية» – ذلك الوصف الذي لم يُفهم في زمانه، لأنه كان يصف، في الحقيقة، ما لم يأتِ بعد.

مهما يكن الأمر، فلا ريب في أن مارتيني قد أثبت ببراعةٍ أن إله الحرب عند هايم ليس ذلك الإله الفروسي الوسيط أو الإله التوراتي الذي نجده في شعر «ليليِنكرون» الحربي، كما في قصيدته «من يدري أين». فزمرة هايم من جماعة «اليُوغندشتيل» (Jugendstil) كانت لتقابل شعر ليليِنكرون بالعويل والسخرية، وترى فيه سذاجةً مربعة الأركان، أما قصيدة أوهلاند الشهيرة «الرفيق الصالح»* فلو عرفتْها تلك الجماعة لعدّتها «مسرحًا معسكرًا» من الطراز العالي (لو كان هذا الاصطلاح معروفًا لديهم آنذاك). ومع ذلك، فالتضادّ بينهما ليس مطلقًا؛ إذ إنّ الدين الوسيط والغائية اللاهوتية، اللذين طردهما هايم صراحةً من الباب الأمامي في قصيدته «الحرب»، يعودان سرًّا من الباب الخلفي في القصيدة نفسها، إذا تأملنا أن آخر كلمة أخلاقية فيها هي «عمورة» (Gomorrha):

مدينة عظيمة غاصت في دخانٍ أصفر،

وألقت بنفسها في جوف الهاوية صامتة.

لكنّ عظيمًا، فوق الأنقاض المتّقدة،

وقف يدير مشعله ثلاثًا نحو السماوات الجامحة،

ليُيبّس لهيبه الليلَ في الآفاق،

قطرانٌ ونارٌ يهطُلان على عمورة.

وهذه الخاتمة التوراتية الصريحة تجعل من هايم عام ١٩١٢ شاعرًا أقلَّ حداثةً وأقلَّ تحررًا من الأخلاق الدينية في تصوير الحرب، مما بدا عليه بعد عام ١٩٤٥، أو مما أراد أن يبدو عليه. والمغالطة المماثلة هي في مساواة مرارة بوش القروسطية الراجعة إلى الوراء – والمقرّبة جدًا من روح هايم – بذلك الغيظ المتأنّق المصقول لدى أتباع دالي العصريين، عبر تصنيفٍ سُرياليٍّ سطحيٍّ يطمس الفروق في الجوهر.

فإذا كان تُونيو كروغر، ذلك فيرثر اليافع المحرج في رواية توماس مان، يتوق أن يكون هانز هانسن البرجوازي من لوبِك، فإنّ هايم هو هانز هانسن البروسي الذي يتوق لأن يكون تُونيو كروغر نفسه. يمكن للمرء أن يُغالي في الإشارة إلى إرث هايم السيليزي وإلى الكآبة الصوفية الشهيرة عند أنجِلوس سيليزيوس، ومع ذلك فهايم – الطالب القانوني الرصين، ابن الموظف البيروقراطي الراسخ – كان يحمل في ذاته من «العافية» الشمالية الألمانية أكثر مما يجرؤ على الاعتراف به أمام روحه المتمرّدة ونزعاته الشاذة المتعمَّدة.

تأمّل صورته الفوتوغرافية: وجهه القمريّ الملبّد يفيض بسحرٍ من النوع الخاطئ؛ وكان في المجالس من أولئك الذين يُضحكونك على نحوٍ مزعج. وما سرّ تلك المبالغة في تكشيرة التمرّد وعيني المغامر المتحدّي؟ أهو محاولةٌ لإخفاء وسم البرجوازية البروتستانتية الشمالية – النظير الألماني لما يُسمّى بالـ«واسب» الأمريكي – المطبوع على وجنتيه وجبهته؟ وكما قال إيليا إهرنبرغ الشاب في باريس: «إنه لا يبدو كمفكرٍ ثوري، بل كحارس عمارة برجوازي صغير».

أما القصيدة التي كان لها الأثر الأكبر في هايم فهي «القارب السكران»» (Bateau Ivre) لـ«رامبو»، مع أن شاعره المفضّل في المجمل كان «بودلير». وأما عن موقفه من الشعراء الألمان المعاصرين له، فقد رفض ريلْكه ونعته بأنه «طائر عصفور يتزيّا بريش طاووس». ومن أوراق هايم غير المنشورة، نقرأ مسودّة مقدمةٍ أرادها لكتابٍ قادم:

في زمنٍ يُقيم فيه الجثمان الضعيف لستيفان جورج والعاهرة الممسوحة المفرطة الزينة ماريا ريلكه، مسرح دُما خضراء على جبل بارناسوس الليلي أمام قمرٍ مبهوت... أجرؤ أنا أن أخرج بكتابٍ صغير.

ذلك الموقف المزيج من التواضع المتغطرس واليأس المنتشي هو سمةٌ مألوفة في مذكراته ورسائله. ففي يومياته المؤرخة في ٢٠ يوليو ١٩٠٩ كتب:

أحبّ كلّ من يحمل في ذاته قلبًا ممزقًا؛ أحبّ كلايست وغرابّه وهولدرلين وبوشنر. أحبّ رامبو ومارلو، وأحبّ كلّ من لا تعبده الجماهير. أحبّ كلّ من ييأس من نفسه كما أكاد أيأس من نفسي كلّ يوم.

تفيض هذه الكلمات بنشوة المراهقة التي تنقضّ على ادعائها المزعوم بالانحلال، كما يتجلّى في رسائله إلى أصدقائه قبل الحرب العالمية الأولى ببضع سنين:

لو تُشيَّد المتاريسُ ثانيةً، لكنتُ أوّل من يعتليها؛ أودّ أن أشعر، حتى والرصاصة في صدري، بنشوة الحماسة.

في هذا الموضع يظهر هايم ساخرًا من رتابة الاشتراكيين المعتدلين، وكأنه «مناضل شيوعي» قادم، لا بالمعنى اللينيني المنضبط، بل في صورة «السبارتاكي المبكر»، وإن مؤقتًا. وفي الموضع نفسه يقول:

لو أمكن فقط أن تُشعل حرب، ولو كانت ظالمة؛ فسلامنا هذا عفن.

وهنا يبدو كأنه «مناضل فاشي» مستقبلي، لا نازيٌّ منظَّم بل أحد أولئك الرعاع من «فيلق الأحرار» في عشرينيات القرن العشرين، وإن مؤقتًا أيضًا.

لقد حاول هايم أن يجمع في حياته بين تأثيرَي «نيتشه» و«ماركس»: بين الفرداني المروّج لـ«الراديكالية الأرستقراطية» (بتعبير جورج براندس) والجماعي المروّج للراديكالية البروليتارية. وهذان التأثيران نفسيهما كانا يشكّلان في عام ١٩١٢ شخصيةً أخرى من روّاد المقاهي الأدبية السياسية: غافريلو برينسيب، معاصر هايم، الذي كان اغتياله في سراييفو الشرارةَ التي أطلقت الحرب العالمية الأولى. ولا يسع المرء إلا أن يربط ما يُسمّى بأيديولوجيا هذين «الشابين الغاضبين» – وهي في حقيقتها «أيديولوجيا مقهى» – بتلك الأبخرة الممتزجة من بيرةٍ برجوازيةٍ معتّقة، ومن ذلك الجمال المعادي للبرجوازية، الذي هو أقرب إلى «ما وراء السياسة» منه إلى السياسة ذاتها.

أما آراء هايم الأدبية والاجتماعية (ولا حاجة لمعرفة تفاصيلها لفهم شعره) فيمكن تلخيصها بأنه كان ضد الجميع، وبعنف. وحدها الحصافة والعقلانية – أي الاعتدال الليبرالي المحافظ – كانت ما لا يطيقه. وأيًا كانت الأفكار التي تبثّها رسائله ومذكراته، فإن قاسمها المشترك هو الهستيريا وانعدام المنطق. ومع ذلك، فقد كان في مظهره من البدء إلى النهاية أشبه بكشّافٍ النّسر أو شابٍ من جماعة «الطائر المتجول» (Wandervogel)، مشعٍّ بالصحة والرياضية – لا سيما حين يتزلّج على الجليد. كان دائم المبالغة، مغرورًا، جريئًا، مشوشًا، ومع ذلك جعل اللغة الألمانية الثقيلة ترقص كالمَلَك. وإن بدا هذا التعبير مسرفًا، فهو صدى لما قاله عنه أحد أصدقائه: «نصفُه عربيد، ونصفُه مَلَك». ولعله لو لم يمت مبكّرًا، بعد أن استنزف كلّ تطرفٍ في ذاته ولم يجد ما يتجاوزه، لأضحى شاعرًا تقليديًّا محافظًا على غرار «ووردزورث» في شيخوخته.

كان هايم يروم التأثر بـ«هولدرلين» (ومن لم يرمه آنذاك؟)، غير أن تأثيره عليه نحويٌّ أكثر منه جوهريًّا. ففي السطر الثالث من قصيدته «يعلو برأسٍ مدبب» (Spitzköpfig kommt er) يستخدم هايم أسلوب هولدرلين في تأخير الفاعل سطرين بعد الفعل، ليُحدث بذلك تصعيدًا وتشويقًا. والمقصود بالفاعل هنا هو «القمر»:

يعلو برأسٍ مدببٍ فوق السطوح،

يجرّ وراءه شعره الأصفر،

الساحرُ الذي يصعد بصمتٍ إلى غرف السماء

على دربٍ من زهور النجوم الملتفّة.

غير أن أعمق من أثر فيه من الشعراء لم يكون هولدرلين، بل من أكثر من شتمهما: ريلْكه وجورج. ولعل تلك الهجمات المبالغ فيها التي أطلقها عليهما لم تكن إلا محاولة ثعلبٍ لإخفاء آثاره في ثلجهما، أي إنكاره لاقتباساته منهما بالتشهير بهما. على أن المقطعين الختاميين من قصيدته «تسقط النحل» (Die Bienen fallen) يبدوان صدى مباشرًا، أولهما لفخامة الخريف في ديوان جورج «عام الروح»، والثاني لشجن الخريف في المقطع الأخير من قصيدة ريلْكه «يوم خريفي» Herbsttag، والتي تستلهم بدورها بيت نيتشه «تصيح الغربان» (Die Krähen schrein).

المراكب الطويلة التي غفا فيها العام،

تتدلّى أشرعتها الواهية في ضعفٍ وسكون،

قد أُدخلت إلى الميناء الشتوي.

أمّا الناس الذين سيُنسَون،

فقد بدّدهم الشتاء على سهولٍ عارية،

وينفخهم في هبوبه فوق الأرض المظلمة.

أما القصيدة الوحيدة التي تأثرت مفرطًا بهوفمانستال فهي «مساء خريفي (Ein Herbstabend)، حيث تتردّد صدى «التيرتسا ريما» غير المنتظمة وجلال النغمة الحزينة عن «بالاد الحياة الخارجية» للشاعر نفسه.

ولا يُستشفّ من وراء ذلك دافعٌ لإخفاء الأثر، بل مجرّد غطرسةٍ عارية حين نقرأ في يوميات هايم لعام ١٩١٠ سخريته من غوته بوصفه «غبيًّا متضخّم الرأس» ونعته فايمار بـ«مدينة الخدم». يا لها من مجافاةٍ للإنصاف: هايم في فورة شبابه يدين غوته الذي كان في عمره آنذاك أشدّ عصفًا وأصالةً في عاصفة شبابه. ومع ذلك، فإنّ إحساس هايم الشعري – الذي لا يتخلى عنه حتى حين يتخلى هو عن العدل – يرقى بالهجاء إلى بصيرةٍ عميقة حين يقول عن نفسه:

أنا جبانٌ بسبب غياب الخطر.

تلك العبارة النفّاذة تعبّر عن الفكرة نفسها – غياب الفرصة لاختبار الذات – التي نجدها في رغبته أن يموت على متاريسٍ غير موجودة. بيد أنّ هايم، بالطبع، كان نقيض الجبان حين أتت الفرصة وجاء الخطر. فكانت متاريسه في النهاية مختلفةً وأوحش، حين مات غرقًا في محاولته اليائسة لإنقاذ صديقه الغريق إرنست بالكه.

في الدفاع عن أصالة هايم الباهرة، يمكننا أن نلاحظ أنّ التبادُل بينه وبين معاصريه الأكبر سنًّا والأكثر شهرة كان، على الأقل في حالة ريلكه، تبادلًا متقابلًا. فقصيدته «أغنيات خمس» (Fünf Gesänge) التي كتبها في أغسطس سنة ١٩١٤ تردد صدى افتتاحية قصيدة هايم «الحرب» (Der Krieg) - «قام من كان نائمًا طويلًا...» - إلى حدٍّ يوشك أن يكون انتحالًا، حين كتب ريلكه: «لأول أيار أراك تنهض، يا من نادتك الساعات، يا أبعد، يا أدهش، يا إله الحرب!». ورغم أنّها نموذجية من حيث الصنعة، فإنّ قصيدة هايم «السهر الأخير» (Final Vigil) ليست نموذجية في موضوعها، إذ تتناول موتًا فرديًا، بينما تتناول سائر قصائده الهلاك الجماعي. إنّها تستعرض مواكب مشؤومة من الموتى، والمجانين، والمنتحرين، والمجرمين المشنوقين، والصم، والعُمي، والنساء المسحوقات، وحتى السائرين نيامًا الذين يُذكّرون بشخصيات الدكتور كاليغاري. لكن هايم لا يسجل هذه المواكب عن طريق المشاهدة المباشرة، بل من خلال مرآة مرتجفة من انعكاسات «بيت الرعب». ففي عام ١٩١٢، كان العالم لا يزال دافئًا وهادئًا، غير أنّه صوّره بعدسة زرقاء باردة، كما لو كان ينظر إليه من تحت الجليد الذي غرق فيه.

ومع ذلك، فإنّ معالجة هايم لفكرة الموت كثيرًا ما تكون رقيقة وخافتة النغمة. يتضح ذلك في مرثيته لـ«أوفيليا»، فضلًا عن «السهر الأخير». ومع ذلك، تهيمن على شعره نزعة أخرى أشد توهجًا، يمكن أن نسميها «هايم الفظيع». هذا الهايم الفظيع يتأرجح شعره على حافة العبث، حيث تلتقي أعظم قصائده بأدناها في تلك المسافة الدقيقة بين الجلال والمبالغة. فانظر، مثلًا، إلى سلسلته السونيتة عن معركة ماراثون. ما عدا سونيتة واحدة فاترة عن «الحرية القديمة»، يتجاهل هايم كل القضايا التقليدية لتلك المعركة، وكل الشعارات المستهلكة عن حرية الإغريق في مواجهة استبداد المشرق. بدلًا من ذلك، تتركّز السلسلة على حسيّة المذبحة المتبادلة، وعلى ما يسميه «وليمة الألوان الشرقية».

ليس «هايم الرقيق الخافت» من كتب هذه المقاطع، بل «هايم الفظيع» في أقصى تجلياته؛ ذلك الذي يرسم مشهدًا لفرسيٍّ يخنق يونانيًا حتى الموت، ثم يموت هو نفسه وهو يلعق الدم من أحشاء ضحيته — مشهد نصفه كراهية ونصفه شهوة متحوّلة. وفوق ذلك كله، تحوم النسور متدفقة اللعاب في حياد ذواق فوق أكثر ساحات التاريخ شهرة. لذا فليس عجبًا أن تُفسد معظم المذكرات والمقالات عن هايم بكثرة علامات التعجب وقلة المراجعة الأدبية الرصينة. ومن أساليب هايم الفنية أن يبلغ من اقتصاد اللغة حدًّا يجعل ظهور مقطع زائد مفاجئ، لا يُحدث فقط راحة في الإيقاع بل يكشف عن معنى جديد. يتجلى هذا التأثير المزدوج في المقطع الإضافي «كلّ» (Ganz) في بيتين من قصيدته «يعلو برأسٍ مدبب» (Spitzköpfig kommt er) التي نترجمها هنا:

كلُّ الحيوان تحت الغاب والشجيرات 

ملقى، برؤوسٍ ممشّطةٍ بعناية، 

يغني ترنيمة القمر، أمّا الأطفال 

فيركعون في الأسرة بثيابٍ بيضاء.

بحر نفسي اللامتناهي 

ينحسر ببطء في مدٍّ لطيف.

كلّي حزنٌ من الداخل. أذوي بعيدًا 

مثل بالونٍ زجاجيٍّ من هواء.

إنّ كلمة «كلّ» (Ganz) تبدو للوهلة الأولى تافهة لا لزوم لها في المعنى أو الإيقاع، فهي من تلك الظروف الصغيرة التي تزدحم بها الألمانية اليومية. غير أنّ القصيدة تتمحور حولها بفضل التوقيت المحكم الذي أدخلها به هايم كاستراحة إيقاعية بعد سطورٍ من الانضباط اللغوي الصارم مثل: «يغني ترنيمة القمر. أمّا الأطفال». فالتحوّل الإيقاعي هنا ليس مجرّد صوتٍ فارغ، بل معنىٌ ضمنيٌّ ذو تأكيد خاص. تلك الجسيمات الألمانية الصغيرة التي تبدو بلا جدوى تصبح، في مثل هذا السياق، ضرورية وجليلة. لعلّ سرّ أسلوب هايم أنّه يجعل التافه مهيبًا، ويمنح المألوف صدمة الدهشة. ولا يتفوّق عليه في ذلك إلا ييتس، في استخدامه المقطع المفاجئ بعد سطورٍ بطيئةٍ مكثفة، كما في قصيدته «لا طروادة ثانية»:

لماذا، ماذا كان بوسعها أن تفعل وهي ما هي؟ 

هل كانت هناك طروادة أخرى لتحرقها؟

ومع ذلك، فهذه مجرد فئة من إيقاعات هايم، وهناك فئات أخرى — مثل تأثير Leerer nun بدلًا من Nun leerer في «السهر الأخير» — لا نجد لها مثيلًا حتى عند ييتس. ونعتقد أن أصالة هايم الإيقاعية عظيمة إلى درجة لا يُقارن بها أي شاعر ألماني أو إنجليزي — وإن كان شاعر روماني معاصر له، ذلك المهووس بالموت والثورة، تودور أرغزي، يقاربه في هذا الجانب. غير أنّ هايم، في استعارته النابضة، يجد ما يعادله في الأدب الأمريكي والبريطاني: هارت كرين والجنوب أفريقي روي كامبل. وكأنّ epitaph — النقش الختامي — لإيقاع هايم الجامح هو بيتٌ من كامبل نفسه: «مصدومٌ بإنفاق قوّته الخاصّة».

في الشعراء الثلاثة جميعًا، تفقد الاستعارة استقلالها لتغدو فرعًا من الإيقاع، وتغدو الإيقاعات أسمى من الرسالة الظاهرة (أي الفكرة الأيديولوجية). فهل نقع، بتفضيلنا هذا، في فخّ الشكلانية التي تستخفّ بالمضمون؟ ليس ذلك قصدنا. قصدنا أن نضع المضمون في موضعه الصحيح. وهذا ضروري في حالة هايم خاصة، إذ بالغَ أتباعُه ومناهضوه على السواء في التركيز على سطحه المثير دون جوهره الإبداعي. صحيح أنّ التبسيط قد يخلّ بالمعنى، لكن شيئًا من التبسيط مبرّر هنا.

ففي التمييز المفرط بين «الشكل» و«المضمون»، لا ينبغي أن ننسى أنّ المضمون قادر على التشكيل، كما أنّ الشكل قادر على الاحتواء. ومع ذلك، يبدو التمييز مقبولًا جزئيًا في حالة هايم الاستثنائية، حيث يعالج عواطف تفوق قدرة الكلمات على حملها. لا دعوة إلى جمالية منغلقة، فنحن لا نقول: «انظروا إلى الشكل وحده، إلى الإيقاع وحده»، بل نقول: إنّ إيقاعاته أصيلة ومخلصة عاطفيًا، في حين أنّ مضمونه، سواء أكان منفصلًا أو متداخلًا، أقلّ أصالة وأقلّ استنارة — وإن كان ذا قيمة أخرى: إثارة فكرية، حيوية مجازية، تحفيز للحواس لا للوجدان.

في أكثر من اثنتي عشرة قصيدة كبرى، يُعبّر الإيقاع (جزئيًا بالصنعة وجزئيًا بالمصادفة المدهشة) عن الكونية التي يعجز عنها المعنى اللغوي. تشعّ قصائد هايم بطاقةٍ بدائية، وتتجاوز قواعد النحو، ومع ذلك فهو بعيد عن البدائية، لا نبيلًا ولا همجيًا. كان مثقفًا واسع الاطلاع، طالبًا مجدًّا يكره في الآخرين الجدّ نفسه الذي كان فيه. بين نوبات الدراسة الكالفينية للامتحانات، كان يتلذّذ بتهديدات القتل والانتحار. من السهل تفسير عيوبه الأدبية والشخصية (إذ لا ننسى أنّ كثيرًا من شعره كُتب في مراهقته)، ومن السهل أن يكون ناقدوه أنضج منه، لكن أحدًا لم ينجح في تفسير تفوّقه الأدبي ولا في تحليله.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق