مَن يَسحَبُنا من الحاضِر؟

 

الفلسفةُ المعروفةُ بالـ«تسارعيّة» (Accelerationism) تبرزُ مع مطلعِ القرنِ الحادي والعشرين بوصفها شكلاً جديداً من أشكالِ التأمّل النظري في المجتمعاتِ الحديثة، تلك التي تسيرُ على نهجِ إعادةِ إنتاجِ الرأسماليّة القائمة على التقدّمِ التكنولوجي. غير أنّ أنصارَ هذا الاتجاهِ الفلسفيِّ الناشئ يرون أنّ ثمّة تباطؤاً يحدثُ في الحاضر، وأنّ رأسَ المالِ والتكنولوجيا ووسائلَ الإعلامِ قد دخلت في دائرةٍ من الدورانِ المكرور، تدعمها أيضاً أنماطُ التفكيرِ السياسيّ غير التقدّميّ لدى كلٍّ من اليمينِ واليسار. ومن ثَمّ، يرون أنّه من الضروريّ الانتقال إلى نموذجٍ جديد من التفكيرِ والفعلِ السياسيّ «التسارعيّ»، الذي من شأنه أن يدفعَ بالنظامِ الرأسمالي إلى تسارعٍ حادّ، يقضي على تناقضاته وقيوده الداخلية.

يُبرز الفيلسوفُ والعالِمُ السياسيّ النمساويّ-الألماني أرمن أفانسيان الخصائصَ الجوهريّة للتسارعيّة قائلاً:

إنّ أيَّ فكرٍ تسارعيّ يقومُ على تقديرٍ مفادُه أنّ تناقضاتِ الرأسماليّة لا تُجابَهُ إلّا بتفاقمِها. فمن جهةٍ، هناك الثقةُ الساخرةُ في 'سياسةِ الأسوأ' (politique du pire)، ومن جهةٍ أخرى، هناك الأملُ المثاليّ في أنّ تفاقمَ مظاهرِ الأزمة في الرأسماليّةِ النيوليبراليّة المعاصرة—وفقَ نموذجِ النفي المزدوج—قد يؤدّي إلى إزالةِ تناقضاتها الداخلية، بل إلى انفجارها.

وفي هذا السياق، تُفهَم التسارعيّة كحركةٍ نحو المستقبل، بل كاستيعابٍ للمستقبلِ على أنّه قد وصلَ بالفعل. ومن ثَمّ، يجب تحليلُ العمليّاتِ الموضوعيّة للحداثةِ انطلاقاً من حالةِ المستقبل، كما لو كنّا ننظرُ إلى الوراء منه. إنّ التاريخَ والمستقبلَ في التحوّلاتِ المتسارعةِ لرأس المالِ والإعلامِ والتكنولوجيا الحاسوبيّة، وانتقالَ رأسِ المالِ من تمركزِه في إقليمٍ بعينه إلى توزيعه الحتميّ عبرَ العالم—كلّها سماتٌ أساسيّةٌ في تأمّلِ المجتمعِ الجديد.

ويُعدّ نِيك لاند (Nick Land) المؤسّسَ الأوّلَ للتسارعيّة في هذا الإطار، إذ قدّم قبل أكثرَ من عقدٍ من الزمن تقريراً تصوّريّاً حولَ تبنّي متّجهٍ متسارعٍ للتطوّر نحو المستقبل. إنّ مفهومَ «اللاتزمنيّة» (Atemporality) —أي النظر إلى المستقبل كواقعٍ حاضرٍ بالفعل—يتجاوزُ الحاضرانيّةَ ما بعد الحداثيّة التي تتمحورُ حولَ اللحظةِ الراهنة ولا ترى المستقبلَ إلّا كاتجاهٍ منظورٍ إليه من الحاضر. في فلسفةِ نِيك لاند، الزمنُ والواقعُ متشابكان إلى حدٍّ لا انفصالَ فيه، الأمرُ الذي يسمحُ له (ولأتباعِه) بأن يعتبروا المستقبلَ واقعاً حاضراً، هو «الواقعيّ» الذي يتجاوزُ الزمن ويغدو الموضوعَ الأهمَّ لنمطٍ جديدٍ من التحليلِ اللاتزمنيّ. يقول لاند:

إنّ نزعةَ الفلسفةِ المتعالية هي في أنْ تُطابِقَ على نحوٍ متزايدٍ بين الواقعيّ والزمنيّ. فهذان مترابطان إلى حدٍّ يستحيلُ معه تخيّلُ الزمن كمكانٍ يوجدُ فيه الواقعيّ... إنّ التفكيرَ في أنّه يوجدُ في الزمن هو فشلٌ في صياغةِ السؤالِ صياغةً متعالية.

نِيك لاند، الفيلسوفُ والكاتبُ الإنجليزيّ، يُعدّ الأبَ المؤسِّسَ للتسارعيّة، وقد درّس الفلسفةَ القارّيّة في جامعة وُرويك (Warwick) بين عامَي ١٩٨٧ و١٩٩٨، وهناك أسّسَ مع سادي بلانت (Sadie Plant) «وحدةَ أبحاثِ الثقافةِ السيبرانية» (CCRU). وصفها كلٌّ من ليفي براينت ونيك سرنيك وغراهام هارمن بأنّها «مجموعةٌ متنوّعةٌ من المفكّرين الذين خاضوا تجاربَ في الإنتاجِ المفهوميّ بدمجهم مصادرَ متعدّدة: من المستقبليّة إلى التكنو-علم، ومن الفلسفةِ إلى التصوّف، ومن علمِ الأعدادِ إلى نظريّةِ التعقيد، ومن الخيالِ العلميّ إلى غيره».

سعى نِيك لاند إلى تجاوزِ الفلسفةِ عبرَ تهجينِها بتخصّصاتٍ أخرى، من النانوتكنولوجيا إلى الغنوصيّة، ومن الحوسبةِ الرياضيّة إلى الأنثروبولوجيا. ويُرجع الفضلَ إلى كتابِ جيل دولوز وفليكس غاتاري «أوديب مضادًا» (Anti-Oedipus) في إعادة صياغةِ مسألةِ التجربة لتغدو مسألةً تتعلّقُ بتقييدِ الرغبة. وهذه الرغبةُ، بحسب لاند، مرادفٌ للذكاء الاصطناعيّ غير الشخصيّ («الحيوانيّة»، «الدهاء») الذي يسعى لتمييزه عن إرادةِ «المعرفة» الراغبة في التنظيمِ والحسمِ والضبطِ المسبق. لذا ففلسفةُ لاند ليست لا-إنسانيّة، بل تحملُ بُعداً أنثروبولوجيّاً واضحاً، ولا تنفصلُ عن الاجتماعِ في خطابِها عن اللاتزمنيّة والتسارع. تُدرَس أفكارُ نِيك لاند هنا في سياقِ خصوصيّته التأليفيّة الأصيلة.

يتجلّى فهمُ المؤلّفِ للتسارعيّة نصّاً ومضموناً في مقالةِ نِيك لاند «الانصهار» (Meltdown). يقول فيها:

تسيرُ الحكايةُ على هذا النحو: الأرضُ تُؤسَرُ بواسطةِ تفريدةٍ تِقْنَوِيّة-رأسماليّة مع انقفالِ عقلنةِ النهضة والملاحةِ المحيطيّة في مسارِ التسلّع. التفاعليّةُ التكنو-اقتصاديّة المتسارعةُ تفتّتُ النظامَ الاجتماعيّ في اندفاعةٍ آليّةٍ متزايدةِ التعقيد. ومع تَعلّمِ الأسواقِ صناعةَ الذكاء، تُحدِّثُ السياسةُ نفسها، وتُرقّي جنونَ الارتياب، وتحاولُ أن تُمسكَ بزمام الأمور.

وقد صاغ البروفيسور بنيامين نويز (Benjamin Noys)، أستاذُ النظريّةِ النقديّة في جامعة تشيتشيستر، مصطلحَ «التسارعيّة» كنيولوجيّة في كتابه «إصرارُ السلب» لوصفِ المسارِ النظريّ لبعضِ ما بعد البنيويّين الذين تبنّوا رؤى ماركسيّةً وغير ماركسيّةٍ غيرَ تقليديّة في السبعينيّات، مثل دولوز وغاتاري، وجان فرنسوا ليوتار، وجان بودريار. يقول نويز: «إنّهم شكلٌ غريبٌ من سياسة الأسوأ: فإذا كانت الرأسماليّةُ تولّدُ قوى فنائِها، فالحاجةُ إذن إلى دفعِها إلى أقصاها؛ فكلّما ساءت الأمورُ كان ذلك أفضل. ويمكن أن نسمّيَ هذا الاتجاهَ بالتسارعيّة».

إلى جانبِ هؤلاء، تضمّ الحركةُ التسارعيّة الحديثة أسماءً مثل نِيك سرنيك وأليكس ويليامز (مؤلفَي «بيانٍ من أجل سياسةٍ تسارعيّة»)، وفرانكو «بيفو» بيراردي، وماتيو باسكينيلّي، وباتريشيا ماكورماك، وغيرهم. ويتميّز هذا الاتجاهُ بانشغاله بتحليلِ الحالةِ الاقتصاديّة والتكنولوجيّة الراهنة للمجتمعات ذاتِ النمطِ الرأسماليّ، مستخدمين مصطلحاتٍ ماركسيّة، إذ يُفكّرون في إطارِ النيوماركسيّة، مع الدعوةِ إلى تسريعِ التطوّرِ الرأسماليّ والتكنولوجيّ إلى أقصى حدٍّ ممكن في أقصرِ مدّةٍ زمنيّة. وبوجهٍ عام، يرى التسارعيّون أنّ التكنولوجيا—وخاصة الحاسوبيّة منها—والرأسماليّة، ولا سيّما في صيغتها العالميّة الأكثرِ شراسةً، ينبغي تسريعُها وتعميقُها إلى أبعد الحدود، إمّا لأنّها السبيلُ الأمثلُ لتقدّم الإنسانيّة، وإمّا لأنّه لا بديلَ عنها. وهم يُنادون بالأتمتة، لكن بشرطِ ارتباطها بالعنصرِ البشريّ. وفي روحِ ما بعد الحداثة—مع الدعوةِ إلى تطبيقِ مبادئها بوتيرةٍ أسرع—يطرحون فكرةَ اندماجِ الرقميّ بالإنسانيّ، مع التأكيدِ على أنّ على البشرِ التخلّي عن وهمِ القدرةِ على التحكّم في التقدّمِ الاقتصاديّ والتكنولوجيّ.

كثيراً ما نجدُ في الفكرِ التسارعيّ تنظيراً حولَ تحريرِ الأعمالِ من القيودِ وتقليصِ دورِ الدولةِ إلى الحدّ الأدنى. فالهزّاتُ الاجتماعيّةُ والسياسيّةُ التي تشهدها المجتمعاتُ الرأسماليّة تُعتبَرُ في ذاتها ظواهرَ ذاتَ قيمةٍ إيجابيّة، لما تحمله من إمكاناتِ تجديد. ويستندُ التسارعيّون في كثيرٍ من أفكارِهم إلى مفهومِ «نزعِ الإقليميّة» (Deterritorialization) عند دولوز وغاتاري، الذي يُشيرُ إلى تكثيفِ القوى السياسيّة والاجتماعيّة بما يُتيحُ تغييراتٍ سريعةً وفعّالةً في الاقتصاد. والتسارعيّون إذ يستوعبون هذا المفهومَ البنيويّ الفرنسيّ يدعون إلى تعميقِه وتوظيفِه لمواجهةِ الحركاتِ «إعادةِ الإقليميّة» التي تكبحُ ديناميّةَ المجتمعِ الحديث. وقد ربطَ ألبيرتو توسكانو فلسفةَ التسارعيّة الاجتماعيّة والسياسيّة بصورةِ بروميثيوس الأسطوريّة، بوصفِه هادياً لمسارِ التاريخِ ودافعاً له نحو غايةٍ متعالية: بلوغُ مرحلةٍ جديدةٍ تماماً من الرأسماليّة. وكلُّ الوسائلِ مباحةٌ في هذا الحراك: من صياغةِ إبستمولوجيا جديدةٍ للتسريع إلى تحطيمِ البُنى القديمةِ البالية، ودعمِ الحركةِ الدائمةِ لرأس المال. يقول أفانسيان في هذا الإطار:

إنّ التسارعيّة البروميثيوسيّة لا تقومُ على التأمّل بل على الارتجاع (recursion). فبينما يعتمدُ التأمّلُ على وضعِ الحدودِ التي تُظهرُ كُلاًّ معيّناً، فإنّ الارتجاعَ ينطوي دوماً على كسرِ الحدودِ واقتحامِ ديناميّاتِ العمليّاتِ الداخلية لإنتاجِ كُلٍّ جديد... إنّ المهمّةَ البروميثيوسيّةَ لتحديدِ الأهدافِ ارتجاعياً لا تتحقّقُ إلّا بتغييرِ ديناميّاتِ الحركةِ السياسيّة، أي بالتسريع... فالتقدّم، سواء أكان تكنولوجيّاً أم اجتماعيّاً أم سياسيّاً، لا يُمكن تصوّره إلّا من خلالِ التسريع.

وقد تبنّى سرنيك وويليامز هذه السياسةَ البروميثيوسيّة في «بيانٍ من أجلِ سياسةٍ تسارعيّة» (٢٠١٣)، إذ قالا:

نُعلن أنّه لا يقدر على مواجهةِ المشكلاتِ الكونيّة أو الانتصارِ على رأس المالِ سوى سياسةٍ بروميثيوسيّةٍ تُحقّقُ أقصى سيطرةٍ على المجتمعِ وبيئتِه.

وربط المؤلفان تسارعيّتهما بأسماءٍ كماركس ولاند بوصفهما «النموذجين الأصليين للفكرِ التسارعيّ»، داعيَين إلى عدمِ هدمِ منجزاتِ الرأسماليّة، بل إلى تسريعِها «تجاوزاً لقيودِ الشكلِ القيميّ الرأسماليّ». ويريان أنّ العودةَ إلى الفوردية (نظامِ المصنعِ الكلاسيكيّ) غيرُ مقبولة، إذ تحملُ الفورديةُ معها سلبيّاتٍ كالإمبرياليّة والعنصريّة والعنفِ الأسريّ. ومع ذلك، يجبُ الإفادةُ من البُنى التحتيّة الفورديّة كـ«منصّةٍ رأسماليّةٍ للانطلاقِ نحو ما بعد الرأسماليّة».

ويرى الكاتبان أنّه باستخدامِ التكنو-علم وتسريعِ العمليّاتِ التقنيّة والسياسيّة يمكنُ اتخاذُ قراراتٍ اجتماعيّةٍ صائبةٍ تفضي إلى حلولٍ تكنولوجيّةٍ ومجتمعيّة، ما يُسهمُ في تجاوزِ الصراعاتِ الاجتماعيّة. وبرغمَ غيابِ تعريفٍ واضحٍ لما بعد الرأسماليّة في البيان، فإنّهما يربطانها بانتفاءِ القيودِ والظلمِ والتناقضاتِ التاريخيّة للرأسماليّة، أي كتحرّرٍ من نمطِ الحياةِ القائم وطريقةِ التفكيرِ فيه. يقولان:

التسارعيّة هي الإيمانُ الأساسيّ بأنّ هذه الطاقاتِ يجبُ أن تُطلَقَ من عِقالِها بتجاوزِ القيودِ التي يفرضُها المجتمعُ الرأسماليّ... إذ إنّ مجتمعاً ما بعد رأسماليّ—تُتيحه السياسةُ التسارعيّة—هو وحده القادرُ على تحقيقِ الوعودِ الكبرى لبرامجِ الفضاءِ في منتصفِ القرن العشرين، بالانتقالِ من عالمِ التحديثاتِ التقنيةِ الطفيفة إلى التغييرِ الشامل.

وهكذا، في سعي التسارعيّين نحو مستقبلٍ لانهائيٍّ ولا زمنيّ، يمكنُ تلمّسُ ملامحِ مذهبٍ ميتافيزيقيّ جديد، يحملُ طابعاً نموذجيّاً في معناه، وإنْ كان طوباوياً في إمكانِ تحقيقِه. فالوصولُ إلى مرحلةٍ ما بعد رأسماليّةٍ—أو «تفريدةٍ تكنو-رأسماليّة» (Techno-Capital Singularity) بحسب لاند—من خلالِ تسريعِ البُنى الراسخةِ والقوى التكنولوجيّة داخلَ الرأسماليّة، مشروعٌ يتطلّبُ تضافرَ معارفَ جديدةٍ وخطاباتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ مبتكرة، ودعماً للحركةِ الدائمةِ للإنتاجِ والأنظمةِ السيبرانيّة، ومصالحةَ اليمينِ واليسارِ في صراعٍ واحدٍ نحوَ المستقبل. وقد أثارَ هذا التصوّرُ لبناءِ مستقبلٍ تكنو-اجتماعيّ نقاشاً حادّاً ما يزالُ قائماً في الفلسفةِ الغربيّة.

ونرى أنّ فلسفةَ التسارعيّة ذاتُ أهميةٍ بالغة، إذ تفتحُ أفقاً جديداً لفهمِ الحالةِ الراهنةِ للمجتمعاتِ التي تواجهُ تحدّياتٍ غير مسبوقة. فهي تمزجُ في تفكيرِها بين التكنولوجيا والاقتصاد والسوسيولوجيا والمستقبليّة واللسانيّات والخيالِ العلميّ، لتُنتجَ خطاباً مُربِكاً أحياناً، مُتطلّباً أحياناً أخرى، لكنّه نافعٌ وذكيّ. ومع ذلك، فإنّ التسارعيّة ما زالت بحاجةٍ إلى أرضيّةٍ نظريّةٍ مشتركةٍ تُبنى عليها تطوّراتُها المقبلة. وأعظمُ إسهامٍ في هذا المسارِ الفكريّ حولَ ضرورةِ تسريعِ المجتمعِ على أسسِ الإنتاجِ الرأسماليّ جاءَ من نِيك لاند.

في مقالته «مقدّمةٌ سريعةٌ وخشنةٌ إلى التسارعيّة» (٢٠١٧)، أدرجَ نِيك لاند عدداً من الفلاسفةِ ذوي النزعةِ التسارعيّة، منهم دولوز وغاتاري اللذان بنى على مفاهيمِهما الأساسية فهمَه لفلسفةِ التسريعِ وتعميقِ النظامِ الرأسماليّ من أجل التحوّلاتِ الاجتماعيّةِ الديناميّة في المجتمعاتِ الحديثة. ويرى لاند أنّ دولوز وغاتاري استلهما أسسَهما أحياناً من نيتشه، فمثلاً، قال فريدريك نيتشه في «إرادة القوة»: «إنّ تماثلَ الإنسانِ الأوروبيّ هو العمليّةُ الكبرى التي لا يمكنُ عرقلتها: بل يجبُ التعجيلُ بها».

وانطلاقاً من هذا الفهمِ النيّتشيّ للتقدّم، رأى دولوز وغاتاري في «أوديب مضادًا» (١٩٧٢) طريقاً «ثوريّاً» غير مسبوقٍ لتغذيةِ نزعاتِ الرأسماليّة ودفعِها إلى أقصاها، وهي الفكرةُ التي ستُصبحُ لاحقاً جوهرَ التسارعيّة. ومن ثَمّ، فإنّ دولوز وغاتاري هما الطليعيّان في السياسةِ والفلسفةِ التسارعيّة. كما يشيرُ لاند إلى كارل ماركس الذي استبقَ مبادئَ التسارعيّة قبل قرنٍ من دولوز وغاتاري في نصّه «حول مسألة التجارة الحرّة» (١٨٤٨)، إذ وصفَ التجارةَ الحرّة بأنّها هدّامةٌ اجتماعياً ومؤجّجةٌ للصراعِ الطبقيّ، ثمّ جسّدَ ذلك في نظريّته ذاتها.

يميلُ نِيك لاند عموماً إلى أفكارِ دولوز وغاتاري، ويفضّلُ أسلوبَهما الفلسفيّ المعروفَ بـ«التحليلِ الفصاميّ»  (Schizoanalysis) وعلى غرارهما، يُحلّلُ العالمَ كما لو من خارجه، من وجهاتِ نظرٍ «لا إنسانيّة»، فيراه بعينِ الحيوانِ أو الآلةِ أو الحاسوبِ أو الأرضِ أو الكون. إنّه يُحبّ الرأسماليّةَ والثورةَ التكنولوجيّة كظاهرتين قائمتين بذاتِهما، ينبغي تطويرُهما بأقصى سرعة، لا دائماً من أجلِ منافعَ مباشرة، بل سعياً إلى غايةٍ كونيّةٍ أشمل.

ويُبرّر لاند مفهومَ «التسارع» بأنّه «الواقعُ التاريخيّ الطبيعيّ» للرأسمال، أي مرحلةٌ من تراكمِ رأس المال تجمعُ بين «تراكمِ الادّخار» و«التقنيّة». ومن ثَمّ، فالتكنولوجيا والاقتصاد مكوّنان متلازمان لا يُفترقان تحتَ ظروفِ تصعيدِ رأس المال. وهذه الديناميّةُ المزدوجةُ هي «التقنوميّة» (techonomic)، وزمنُها هو «زمنُ التسارع». والزمنُ ذاته، بما يحمله من عمليّاتٍ «تقنوميّة»، يُملي ضرورةَ التقدّمِ المتسارع نحو «الرأسماليّة الأرضيّة» أو «التفريدةِ التقنوميّة»، وهي مستقبلٌ أنثروبولوجيّ جديدٌ قائمٌ في الواقع ولكن خارجَ الزمن، يتيحُ لنا فهمَه نظريّاً، بل والنظرَ إلى حاضرِنا من داخلِه، أي من موقعِ المستقبل. فهل سيحبّ مستقبلُنا حاضرَنا؟ إنّ جوابَ لاند لا يُصرّحُ به مباشرة، غير أنّه يرى أنّ التفريدةَ التقنوميّة تُخلقُ إبستمولوجيّاً كحلزونٍ معقّدٍ من المعرفة، وهذه المهمّةُ تنتمي جوهريّاً إلى التسارعيّة: «التسارعيّة موجودةٌ فقط لأنّ هذه المهمّةَ قد أُسنِدت إليها تلقائيّاً. للمصيرِ اسمٌ، ولكن لا وجه».

ويصلُ لاند في النهاية إلى المفهومِ التسارعيّ الجوهريّ «نزعِ الإقليميّة»، مستمدّاً إيّاه من ما بعد الحداثة التي تحدّثت عن نزعِ الإقليميّة الثقافيّة واللاتزمنيّة. وفي فهمِه، يُشيرُ «التحديد» إلى حالةِ رأسِ المالِ والمالِ المعاصر المرتبطِ بصيانةِ النظامِ السياسيّ القائم. فحين تُحافظُ السياسةُ على النظامِ في حالةٍ بعينِها، يُعبّرُ نزعُ الإقليميّة عن قدرتِه على الوجودِ بفاعليّةٍ في أيّ مكانٍ دونَ تجاوزِ حدوده، إذا ما كانت حلولُ التسريعِ متوافقةً مع متطلّباتِ التطوّرِ الراهن للمجتمعِ الرأسماليّ. يقول لاند في هذا السياق:

لقد غدتِ الأحداثُ تقعُ تلقائيّاً أكثر فأكثر. تبدو خارجةً عن السيطرةِ إلى حدٍّ صادم. وإذ يظهرُ الأمرُ كفشلٍ في الكبح، تُستعادُ التسارعيّة مجدّداً. فهي تربطُ انكماشَ فضاءِ القرارِ بانفجارِ العالم—أي بالحداثة... والدروسُ المستفادةُ منها أنّ الحلقةَ ذاتَ التغذيةِ الراجعةِ السلبيّة—كمنظّمِ المحرّكِ البخاريّ أو المُنظِّمِ الحراريّ—تعملُ لإبقاءِ النظامِ في موضعِه ذاته.

وفي حديثِ التسارعيّين عن الفضاءِ الإلكترونيّ وثقافةِ «الإنسانِ الآليّ»، يبرّرون فكرةَ أنّ التكنولوجيا ليست حياديّة. فهي ليست مجرّدَ أداة، بل الأدواتُ نفسُها تمتلكُ ميولاً ورغبات، تتحكّمُ في مستخدميها كما يتحكّمون بها. وهذه فكرةٌ قديمةٌ تعودُ إلى نقدِ سقراط للكتابة باعتبارِها تُضعفُ ذاكرةَ الإنسان. وقد أكّد الكاتبُ والمحرّرُ المعاصر كيفن كيلي في كتابه «ما الذي تريده التكنولوجيا؟» أنّ التكنولوجيا ليست حياديّة، بل يمكنُ النظرُ إليها ككائنٍ حيٍّ له غاياتُه الخاصّة. فمستقبلُ الأرضِ، في نهايةِ المطاف، تحدّده الكيفيّةُ التي تتطوّرُ بها هذه المنظومةُ البيئيّةُ الخاصّةُ بالتكنولوجيا.

يعامل كيفن كيلي التكنولوجيا ككائنٍ حيٍّ نابضٍ بالحياة. فهو يبرّر ذلك بالإشارة إلى أنّ الأدوات الماديّة التي كان الإنسانُ يصنعها في الماضي باتت اليوم هي التي تدفعُ المجتمعَ إلى ابتكارِ مزيدٍ من التقنيات، فتؤثّرُ بذلك على الإنسان نفسه. فالسّيّارات، كما يقول، خيولٌ ميكانيكيّةٌ تريدُ منك أن تبنيَ المزيدَ من الطرق كي تتمكّنَ من الذهابِ إلى أماكن أكثر. ولكي تُقنِعك بصنعِ تلك الطرق، تسمحُ لك بأن تجلسَ فيها وتأخذُك إلى أيّ مكان. وهكذا، في غضونِ مئةِ عامٍ فقط، ظهرت على الأرضِ هذه الأشياءُ الرماديّةُ الرفيعةُ المسطّحةُ التي نسمّيها «الطرقات». أمّا الإنترنتُ، فهو يريدُ التمدّد، فيغريك بأن تنضمّ إليه من خلال إغراقِك بفيضٍ من المحتوى. والوجباتُ السريعةُ تريدُ أن تُؤكل، وكتبُ الحميةِ تريدُك أن تسمنَ من جديد.

يأخذ نِيك لاند هذا التصوّرَ إلى أقصى درجاتِه. فالعالَمُ، بما فيه من سيّاراتٍ وتمويلٍ وذكاءٍ اصطناعيٍّ وتقنياتٍ صناعيّةٍ أخرى، يمتلكُ هدفاً واضحاً خاصّاً به: مستقبلاً تهيمنُ عليه نُسخٌ مطوَّرةٌ من هذه التكنولوجيا، فيما يغدو الإنسانُ منقرضاً أو غيرَ ذي أهميّة. إنّها نهايةٌ حتميّةٌ للبشريّة تحتَ وطأةِ الذكاءِ الاصطناعيّ—نهاية عالم آليٌّ لا مفرّ منه. ويُسمّى هذا في فكرِ لاند «غزواً من المستقبل»، لأنّ هذا المستقبلَ اللامبشريّ لم يأتِ بعدُ، لكنّنا نشعرُ وكأنّنا نُسحَبُ نحوه، كما لو أنّ أحداً قد أرسلَ عملاءَ إلى الماضي ليضمنَ ألّا يُفسدَ البشرُ هذا المخطّط. ولعلّ هذا هو «النظرُ إلى الوراءِ من المستقبل»—المبدأُ الذي تنجذبُ إليه النيّاتُ التسارعيّة. ومن هذا الموقع، تُناطُ بهم مهمّةُ تنظيرِ الحاضرِ استناداً إلى الظواهرِ المستقبليّةِ المتوقَّعةِ والقابلةِ للتصوّر.

وهنا تمتزجُ الفلسفةُ بالخيالِ العلميّ امتزاجاً أعمق. يتحدّث لاند عن «فضاءِ كاي» (K-space) وهو الفضاءُ الإلكترونيّ منزوعُ القيودِ التي تعيقُ تمدّدَه بفعلِ التطوّرِ السريعِ لرأس المالِ والتكنولوجيا—بوصفه نقطةً تنبعُ منها الاتصالاتُ الغامضةُ للفنّانين وتتقاطعُ مع إنتاجِ الرأسماليّة، فيتولّدُ فضاءٌ يمزجُ التجريدَ اللامعَ بالنذيرِ الغرائبيّ. إنّ كتابةَ لاند تبحثُ في أنماطِ الإنتاجِ الثقافيّ المعاصر وتستخرجُ منها تكاثفاتٍ انفجاريّةً تمثّلُ هذا الاندماجَ بين التسليعِ والهندسةِ الجماليّة. وفي الواقع، فإنّ المستقبلَ الذي يتحدّثُ عنه التسارعيّون نفسُه يتحوّلُ إلى سلعة، ويتشابكُ في نسيجِ المجتمعِ اللامُمركزِ والمُسلَّع، مجتمعٍ لم يُستبدلْ بعدُ بالحاضر.

وفي مرحلةٍ لاحقة، يُقدّم لاند مفهومَ «حربِ كاي» (K-War)  أي الحربَ السيبرانيّة—وهي صراعٌ من أجلِ تسريعِ النظامِ القائمِ إلى الحدّ الذي ينهارُ فيه من تلقاءِ نفسه وتنتصرُ بعدَه نسخةٌ متقدّمةٌ جديدةٌ من الرأسماليّة. فالزمنُ والواقعُ هنا لا يتطابقان؛ إذ إنّ الحركةَ تتّجهُ نحو الهدفِ المقصودِ بطريقةٍ لا زمانيّةٍ وحتميّة. أمّا الأساسُ التمرّديُّ للثورة، فيكمنُ اليوم عندَ الحدّ الافتراضيّ لرأس المال—أي في المستقبلِ بوصفِه اللاوعيَّ المتعالي—الذي يُعيقُ «عودتَه» الكاملةَ القمعُ الزمنيّ. وإذا كان غيبسون قد قال قولتَه الشهيرة: «المستقبلُ موجودٌ بالفعل، لكنّه غيرُ موزَّعٍ بالتساوي»، فإنّ المهمّةَ الثوريّةَ الآن هي أن نُعيدَ جمعَه، وأن نفكَّ آليّاتِ الرفضِ العصابيّةِ التي تفصلُ رأسَ المالِ عن جنونِه الذاتيّ، وأن نُسرّعَ انهيارَه في اتجاهِ المستقبل.

إنّ تسارعيّةَ نِيك لاند، عبرَ تفكّكِ الحالةِ الراهنةِ للرأسمالِ والتكنولوجيا، تصفُ حركةً نحوَ مستقبلٍ أكثرَ تقدّماً—«تفريدةٍ تقنويّةٍ رأسماليّةٍ غير مسبوقة»—يؤمنُ بها لاند نفسُه ويصوغُها بأشكالٍ فكريّةٍ جديدة، وكأنّه يُطلّ من المستقبلِ على حاضرِنا. قد تبدو أفكارُ لاند وأتباعِه متناقضةً أو مفرطةً في التفاؤل، غير أنّها تحملُ دونَ شكٍّ نيّةَ تأسيسِ نموذجٍ تحليليٍّ جديدٍ لفهمِ الزمنِ والمجتمعِ اللذين نحيا فيهما، والمجتمعِ الذي قد نصلُ إليه. إنّ الخطابَ البروميثيوسيَّ في الفلسفةِ والمجتمع، الذي أطلقَه التسارعيّون، يظلُّ على درجةٍ عاليةٍ من الراهنية، ويستوجبُ تأمّلاً نظريّاً متعدّدَ الأبعاد.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق