باريسُ، وما بعدَها إلاّ العَدم
في التاريخ الثري للعلاقة بين المدن والأدب – وهو تاريخ ما زال إلى حدٍّ بعيد ينتظر أن يُكتب – بات من المعروف أنّ باريس القرن التاسع عشر تُشكِّل حالة استثنائية، ليس فقط بسبب جودة وغزارة الأدب الذي أنجبته، بل أيضًا بسبب الأسطورة الحضرية التي أسهمت في صياغتها بقدر ما أسهمت فيها العمارة المادية للعاصمة الفرنسية نفسها. فمن روسو وميرسييه إلى السلسلة العظيمة من أدباء القرن التاسع عشر: بالزاك، وسو، وفيني، وهوغو، وبودلير، وغوتييه، وفلوبير، والأخوين غونكور، وزولا، ودوديه، وهيسمانس، ورامبو – كل أولئك جعلوا من باريس أكثر من مجرد خلفيةٍ سرديةٍ تقليدية، بل جعلوها موضوعًا للتأمل في ولادة المدينة الحديثة، وفي توترها مع المدينة التاريخية، وفي أنماط العيش الجديدة لأهلها، وفي الملامح المبتكرة للفن الذي كانت تحتضنه.
وحين جعل والتر بنيامين – الذي ظل منسيًّا زمنًا طويلًا ثم صار اليوم يُستدعى في كل مقام تقريبًا – من الأدب الباريسي أحد المراجع الأساسية في «مشروع الممرات» (Passagenwerk)، لم يكن يفعل سوى أن يعترف، بحدسه الخاص، بأهمية ذلك التراكم الهائل من النصوص التي أسهمت في تشكيل المدينة كما أسهم في بنائها الإسفلت والمباني السكنية والممرات التجارية وواجهات المتاجر الكبرى ومحطات القطار وجادات هوسمان الشهيرة.
سيتناول هذا المقال، من خلال ثلاثة أمثلة دالة، جانبًا محددًا – لكنه بالغ الأثر – من هذا المنجم العظيم الذي هو أدب باريس: الكيفية التي تتشابك بها المفاهيم الجديدة للزمان والمكان في مسار شخوصه، في طرائق تنقلهم وتسكعهم وتيههم في هذا النمط المستحدث من الغابات: الغابة الحضرية، أو المتروبوليس. وقد اختيرت هذه النماذج الثلاثة لا لكون أصحابها من أبرز ممثلي الأدب الباريسي فحسب، بل لأنها تنتمي أيضًا إلى المراحل الثلاث الكبرى (في الغالب عقود ١٨٣٠ و١٨٥٠ و١٨٧٠) التي تبلور خلالها ميثولوجيا باريس، وجاءت أعمال هوسمان العمرانية الكبرى بمثابة منعطفها الأبرز.
ذلك المشي الحضري الجديد الذي كان في حينه يبتدع طرائق غير مسبوقة في arpenter (فعلٌ غني بالدلالات يجمع بين معنيي «التجوال» و«القياس») المدينة، استرعى انتباه بالزاك منذ بداية مسيرته الأدبية. فإن كانت «فيزيولوجيا الزواج» (Physiologie du mariage) نصًا لا غنى عنه في بلورة ذلك النمط الجديد من المتجولين الذي سيسمّى لاحقًا بالـflâneur، فإنّ «نظرية المشية (Théorie de la Démarche) هي التي واجه فيها بالزاك المفارقة القائلة بأن العلماء اكتشفوا قوانين حركة الأجرام السماوية، ومع ذلك ما زلنا نجهل القوانين التي تحكم حركة الإنسان في المدينة الحديثة.
ويمكن التقاط بوادر الإجابة عن تلك المفارقة في تلك اللوحة العملاقة التي رسمها بالزاك للمدينة الحديثة الوليدة بين عامي ١٨٣٠ و١٨٥٠، أي في عمله الضخم «الكوميديا الإنسانية» (La Comédie Humaine)، التي جعل من باريس – «مدينة المئة ألف رواية» كما وصفها – إطارها الجوهري، وأفقها المرجعي حتى في القصص التي تدور في الأقاليم أو الريف. ومنذ إحدى رواياته الأولى في هذه السلسلة يتضح الدور المحوري لباريس، ولطرائق التحرك في فضائها الحضري الجديد. نعني بذلك رواية «فرّاغوس، زعيم المفترسين» (Ferragus, chef des Dévorants) التي صدرت سنة ١٨٣٣ ضمن ثلاثية «تاريخ الثلاثة عشر» (Histoire des Treize) إلى جانب «دوقة لانجيه» (La duchesse de Langeais)، و«الفتاة ذات العينين الذهبيتين» (La Fille aux yeux d’or).
تتبع الحبكة – التي تدين بوضوح لبنية الرواية المتسلسلة أو «الفوليتون» – شخصياتها في باريس تجعل من المدينة بطلًا موازياً للشخوص البشرية. مدينة مزدوجة الوجه (موضوع الازدواجية الذي لم يعد يُطبّق على الفرد بل على المدينة ذاتها)، تتنازعها قوتان: باريس اليومية الظاهرة، وباريس الخفية حيث تتحكم سلطات سرّية في مصائر الناس. إنها باريس مهدِّدة كامنة تحت باريس المألوفة، تكشف هشاشة ما يبدو طبيعيًّا. وهكذا تنتمي «فرّاغوس» إلى خط «باريس الغامضة» الممتد من «ألغاز باريس» (Les mystères de Paris)، لإوجين سو إلى «شبح الأوبرا» (Le Fantôme de l’Opéra) لغاستون ليرو.
شخصيات الرواية تجسّد «فيزيولوجيا» خاصة للقاء بين الطبقات القديمة والجديدة. فمالنكور كائن منزوع الطبقة، ذو ماضٍ عريق، لكنه عالق بين ترميم الملكية البوربونية وصعود البرجوازية الطموحة. أما أسرة ديسمارى فتمثل نوعًا من الطوباوية المنزلية السعيدة وسط ضجيج باريس. منزلهم يشكّل نقطة ارتكاز مكانية داخل حركة المدينة الدائمة، وغرفة نوم كليمونس فضاء أنثوي مغلق مفعم بترف الحياة المنزلية، حيث تتزين المرأة وتتحرر من زينتها في تعاقب مستمر بين الجسد الحقيقي والجسد المزيف المصنوع.
هناك أيضًا بطل جماعي خفي: جمعية «الثلاثة عشر» الغامضة، قليلة الظهور لكنها حاضرة بظلها من مواقعها السرّية للسلطة. يشترك أفرادها في أشكال من الاقتلاع الاجتماعي، مثل فرّاغوس نفسه، المحكوم بالأشغال الشاقة والذي فرّ، وقد أمضى ثلاث عشرة سنة متخفيًا في باريس، تلك المدينة–المجاري التي تتيح للمرء أن يختفي في المجهول. وفرّاغوس، كحال باريس نفسها، شخصية مزدوجة من النمط الشائع في أدب القرن التاسع عشر، قادر على الجمع بين حبّه لابنته وأقصى درجات الدناءة، وهو سلف واضح لذلك الشرير–العبقري الآخر في أعمال بالزاك: فوتْران.
لكنّ ثمة بطلًا آخر لا يقل شأنًا: باريس نفسها، التي يمنحها بالزاك سمات كائن حي، تتخلل أعضاؤه تلك الحيوات التافهة لسكانه. مفاصله تصرّ، وشوارعه تصرخ؛ إنّه وحش يزأر ويأكل ويتغوّط، وألف ساقٍ له تتحرك بلا توقف. تلك المدينة–الوحش، لا جمعية «الثلاثة عشر» الباهتة، هي التي تستولي على البطولة الحقيقية، حتى تغدو الحكاية أشبه بأطلسٍ للمدينة في عقد ١٨٢٠، كما صرّح بالزاك نفسه حين قال إنه في «فرّاغوس» أراد أن «يرسم باريس في بعض وجوهها، يجوبها طولًا وعرضًا؛ من حي سان جرمان إلى حي الماريه؛ من الشارع إلى غرفة الزينة؛ من القصر إلى العلّية؛ من البغيّ إلى المرأة التي جعلت الحبَّ داخل الزواج؛ ومن حركة الحياة إلى سكون الموت».
الطلاء الحضري لباريس يكشف عن هشاشته، وحبكة «فرّاغوس» تمزّقه لتعيد المدينة إلى حالتها الغابوية: باريس تتحول إلى «أرض صيد» («إنها الصيد، الصيد في باريس، الصيد بكل حوادثه ما عدا الكلاب والبندقية وصيحة 'الهلالي'»)، لتدشّن استعارة سيواصلها بودلير حين يشبّه أبطال فينيمور كوبر بالـدflâneur، ذلك الصياد الحقيقي للحياة الحديثة.
يتخلّى مالنكور عن قشرته المتحضرة، ويتعلم حيل الصياد وأساليب تجواله، يدرس الأرض، يتخذ موقع كمين، ويتقمص دور الكاشف البدائي المختبئ. وهكذا تتحدد طريقة جديدة في الحركة داخل المدينة، تمزج كما في الصيد بين الإيقاع المحموم للبحث الدائم وفترات السكون المترقّب، حيث يتعايش الصياد الحجري مع الجاسوس الحديث (ومن اللافت أن بالزاك يستخدم الفعل fouiller، أي «ينقّب» أو «يبحث في الأعماق»، وهو ما سيرى فيه بنيامين فعلَ استنطاقٍ لما هو مدفون).
في الحقيقة، ليست «فرّاغوس» رواية عن باريس فحسب، بل نوع من الفهرس لطرائق التحرك فيها، وللتباين بين الحركية التقليدية والإيقاعات الحضرية الجديدة، بما في ذلك المشي المتقطع المفعم بالحكمة الجديدة للـ flâneur. يظهر مالنكور، في الجوهر، كأول تجسيد لذلك المتسكّع، ذلك الكائن الذي لا يمر بالمدينة مرورًا عابرًا، بل «يسافر» فيها، يتوقف كما يتوقف المسافر أمام المناظر، ويتأمل ما يغيب عن الآخرين. هم، كما يقول بالزاك، عشّاق باريس الذين «يتذوقونها»، يعرفون ملامحها، وحين ينظرون إلى بيتٍ يرون ما خلف واجهته. هم أولئك الذين لباريس في نظرهم ألذّ الوحوش:
هكذا هم عشّاق باريس: في زاوية من شارعٍ ما، يرفعون أنوفهم واثقين أنهم سيجدون هناك ساعة؛ وإذا كان صديقهم خالي التبغ قالوا له: ادخل من ذاك الممر، وعلى اليسار ستجد دكان تبغٍ قرب حلواني له امرأة جميلة. السفر في باريس، لهؤلاء الشعراء، ترفٌ باهظ. كيف لا يقضون بضع دقائق أمام المآسي والكوارث والوجوه والمشاهد الطريفة التي تباغتكم في قلب هذه الملكة المتحركة للمدن، المكسوّة بالإعلانات، والتي لا تملك ركنًا نظيفًا من فرط تساهلها مع رذائل الأمة الفرنسية؟ من منكم لم يحدث له أن خرج صباحًا من بيته قاصدًا أقصى باريس، ولم يستطع مغادرة وسطها حتى وقت العشاء؟
في مطلع «فرّاغوس» يبدو أن بالزاك يستدعي تقليد «اللوحة الباريسية (tableau de Paris)، لكنه سرعان ما يجعل جغرافيته الديناميكية تُسند إلى الأحياء الحضرية صفاتٍ أخلاقية تُضفي على المدينة مزيدًا من التشخيص. فالمشهد العمراني لباريس هو أيضًا مشهدٌ أخلاقي، وفي جسدها يمكن التمييز بين الأعضاء النبيلة والدونية. حتى الشوارع نفسها موصوفة بصفات إنسانية، إذ يقول:
في باريس شوارع مخزية كما قد يكون الإنسان الخائن مخزيًا؛ وهناك شوارع نبيلة، وأخرى شريفة فحسب، وأخرى فتيّة لم تتكوّن بعد حول أخلاقها رأي عام؛ شوارع قاتلة، وشوارع أقدم من أقدم العجائز، وشوارع محترمة، وأخرى نظيفة دائمًا أو قذرة دائمًا، شوارع عاملة، كادحة، تجارية. باختصار، شوارع باريس لها خصال إنسانية، وتطبع فينا بأوجهها أفكارًا لا طاقة لنا على مقاومتها.
هي، قبل كل شيء، مدينةٌ عصيّةٌ على التثبيت. فباريس عند بالزاك متروبوليس غير مستقرة، في حالة دائمة من الحركة والتغيّر، حيث يُعرَّف الناس فيها قبل كل شيء بوصفهم مشاةً، وتضج شوارعها بالعربات، ويتحرّك فيها الجميع، حتى في أجوائها الداخلية. تبدو الشوارع كما لو أنها لم تُصمَّم إلا لاستيعاب تدفّقات لا تنقطع، غير منتظمة، لا تسمح إلا بالتوقفات العَرَضيّة للمتسكّع (flâneur)، لحظات السكون نادرة، ولا تقع إلا عند النقاط الحدّية في الحبكة الروائية. هذا التبدّل الدائم يُفضي إلى نوع من زوال الواقع، إذ يجعل من المدينة فضاءً للفانتازماغوريا، ولا سيما حين يحلّ الليل، زمنُ تحوّل الواقع وتبدّله. والبورصة، حيث يتحرك المال بدل أن يُكنز، هي الرمز المكاني لهذه الحركة المستمرة، كما أنّ مهنة جول دُسماريه كوكيل للبورصة تجذبه دومًا إلى ذلك الباريس المحموم، المناقض تمامًا لتطلعاته إلى سعادةٍ منزليةٍ هادئة. لكنّ الملمح الأهم هو أنّ ماديّة باريس ذاتها تتبدّد أمام الحضور الطاغي للماء، وللمطر، بما هما عنصران للفوضى والسيولة في مواجهة صلابة الأبنية الظاهرة.
والماء تحديدًا هو سببٌ في لقاءٍ آخر من اللقاءات التي يحكمها ذلك المصادف الذي يسود باريس «فرّاغوس». فدور اللقاء العارض محوريّ في الحكاية، إذ يتيح على رقعة المدينة تركيباتٍ لا نهائية من أفعال سكّانها وتقاطعاتهم، قادرة على إطلاق آليات لا رجعة فيها. لم يكن ليحدث شيءٌ لو لم يرَ مالينكور امرأةً تسير بخطى خفية، ولولا أن تلَت تلك الرؤيةَ فضوليةٌ لا علمية، بل عاطفية، تحرّكها أسوأ غرائز الجاسوس والصيّاد.
أما المصادفة الثانية فتنشأ مباشرةً من ذلك الماء الذي يُحوِّل باريس إلى فضاءٍ سائلٍ يُشوّش على الواقع. يقدّم بالزاك تصنيفًا دقيقًا لأنماط السير في باريس أثناء المطر، ويتجسد القدر هذه المرّة في شكل إحدى تلك «الزخّات الجميلة» التي تدفع الناس إلى الاحتماء بمقهى أو مدخلٍ ضيّق، وتجعلنا نتساءل كيف لم يرغب أيّ رسام في تصوير ملامح جماعةٍ من الباريسيين المتكدّسين تحت مدخلٍ مبلّل.
المدخل، بوصفه مساحةً وسطى بين الشارع والمسكن، هو فضاء حركةٍ مناقضٌ لطبيعة السكون الملازمة للأخير. في خضم المطر، يصبح ملاذًا عابرًا لأناسٍ غرباء يجتمعون مصادفةً في معاشرةٍ قصيرةٍ ومضغوطة. إنّه جزيرةٌ صغيرة بين الشارع وساحة البيت، يغلب عليها اللون الأخضر الباهت للفساد، وبابلٌ من القنوات والمواسير حيث يتدفّق الماء من كل صوب، جارًّا معه بقايا الحياة البائسة لقاطنيها. وباريس «فرّاغوس» قذرةٌ أيضًا، تفيض صور الانحلال والفساد والتعفّن والنفايات والإفرازات في كلّ مكان، والمطر الذي يغسلها لحظيًا لا يزيد تلك القذارة إلا وضوحًا.
في هذا المدخل ذاته تسجَّل الظهور الأول لفرّاغوس، في هيئة متسوّلٍ خادعة. وهناك أيضًا، وسط اجتماعٍ مصادف للمارة، تقع حادثة أخرى من حوادث الصدفة: إذ تسقط من فرّاغوس رسالة من إيدا، ابنة السيدة غروجيه صاحبة المنزل الغامض، فيلتقطها أوغست ويحتفظ بها، لتصبح مفتاح دخوله إلى ذلك البيت.
ومن جانبٍ آخر، يرسم «فرّاغوس» صورةً لباريس وقد أصابتها «حمّى البناء» — عرضٌ مرضيٌّ لذلك الكائن الحيّ الضخم:
في ذلك الزمن، كانت باريس مصابةً بحمّى البناء. فإذا كانت باريس وحشًا، فهي بالتأكيد أكثر الوحوش جنونًا... في تلك اللحظة كان الجميع يبني ويهدم شيئًا، شيئًا لا يُعرَف ما هو.
تُطرح هنا مسألةٌ حاسمة: أهمية التحولات التي سبقت مباشرةً الأشغال الكبرى لهاوسمان. فمع أن الدراسات الحديثة أكدت عمق أثرها في مواجهة الأسطورة اللاحقة لـ«مشاريع هاوسمان»، فإنّ قراءة بالزاك وحدها تكفي لاستشعار محدودية تلك الأسطورة. تلك الحمى المعمارية ليست عنصرًا محايدًا في السرد؛ فشوارع باريس تزدحم بالسقالات — عمارة هشة تشبه في نظر بالزاك السفنَ بأعمدتها وحبالها — ومن إحداها تسقط الحجرة التي كادت تقتل مالينكور، فاتحةً سلسلةً من الحوادث الغامضة التي تتبيّن لاحقًا علاماتٍ على أنّ «قوى عليا» أعلنت عليه حربًا لا هوادة فيها، مملوءةً بالمكائد والخداع.
في الجزء الأخير، تتحوّل فضاءات الحياة الزوجية لعائلة دُسماريه تحت وطأة الشك، وليس من المصادفة أن تنكسر الانسجامات الزوجية داخل عربةٍ — وهي صورةٌ متحركةٌ للمسكن المنزلي — أثناء رحلةٍ عبر مدينةٍ أصبحت على نحوٍ متزايدٍ عدوانية. وحين تبدأ كليمانس بالمرض، تتبدّل حركات جول المحمومة إلى سكونٍ مطلقٍ، متحصنًا في بيته. غير أن الحركة تستعيده حين يكتشف مكان اختباء فرّاغوس، فيتحوّل بدوره إلى صيّادٍ جاسوس.
يبدأ بفحصٍ دقيقٍ للمنزل، وهناك يمنحنا بالزاك إحدى أشهر وصفاته المعمارية، إذ يصنّف ذلك المنزل ضمن طراز Cabajoutis:
كان هذا البيت من تلك التي تنتمي إلى الفئة المعروفة باسم الـCabajoutis. وهذه التسمية، بالغة الدلالة، يطلقها عامة باريس على المنازل المؤلفة، إذا جاز القول، من حجراتٍ معدّةٍ للإيجار. وهي غالبًا بيوتٌ كانت في الأصل مساكن منفصلة، جُمِعت لاحقًا بنزواتٍ من المالكين المتعاقبين الذين وسّعوها، أو بدأوا بناءها ثم تركوها ناقصة، ثم استأنفوا العمل فيها وأكملوها؛ بيوتٌ منحوسة تعاقبت عليها أجيالٌ من السادة النزقين. لا الطوابق فيها متناسقة ولا النوافذ مصطفّة، بل يستعير بالزاك من لغة الرسم فيقول: كلّ شيءٍ فيها (يحلف)، حتى زخارفها الخارجية. الـCabajoutis في عمارة باريس كالقَفْرَانَة في الشقق: خليطٌ حقيقي ألقيت فيه الأشياء الأشد تنافرًا.
الانتقال عبر هذا الـCabajoutis، من الشارع إلى غرفة فرّاغوس، هو عبورٌ في جحيم باريس الخفية. وفي داخل الغرفة، يصبح التكديس المتنافر للأشياء انعكاسًا منزليًا للمنظر الخارجي: الداخل والخارج كلاهما فضاءاتٌ فوضوية حاول هاوسمان لاحقًا إخضاعها لقواعد الصحّة والهندسة.
بفضل الرشوة، يتمكن جول من الوصول إلى موضع المتلصص ليراقب تحركات زوجته. وتبلغ العقدة ذروتها حين يلتقي فرّاغوس بكليمانس، بينما يراقبهما جول سرًّا، لتتداخل المشاهد فجأةً مع صراخ صاحبة المنزل وقد وصلتها رسالةٌ من ابنتها إيدا تُعلن فيها نيتها الانتحار. في مشهدٍ واحدٍ مكثّف، يحشر بالزاك أربع فضاءاتٍ وأربع حركاتٍ بشرية: أبٌ وابنة يتحادثان في غرفة، زوجٌ يتجسس في أخرى، أمّ في مكانٍ آخر من المنزل، ورسالةٌ تقتحم من الخارج لتضيف إلى الداخل المشبع بأحداثه صدى الوقائع الخارجية. وحين يغادر جول دُسماريه المنزل، يعاود التجوال في باريس، ولكن بخطى المرتجف، كأنه يسير منوَّمًا.
الموضوع المركزي في هذا الجزء الأخير هو «الموت». مع كليمانس — التي تكشف في رسالةٍ وصيةٍ أخيرة قصتها وقصة أبيها — تتوالى صورتان للموت: موتٌ منزليّ في الفضاء الخاص، وآخر عامّ يتحول إلى عرضٍ لأنّه «...ما من شعبٍ في العالم أكثر نهمًا بالبصر». غير أنّ اللحظة التي تصعد فيها عربات الجنازة الثلاث عشرة إلى مقبرة بير-لاشيز توحي بخاتمةٍ تقليدية، قبل أن يضيف جول رغبةً جديدةً: حرق جثمان زوجته، مما يفتح مواجهةً بين الحزن الجنائزي وآلات الإدارة المتشابكة. وحين يتبيّن أنّ الحرق غير ممكن، يقوم جول بالصعود الثاني إلى بير-لاشيز، في مشهدٍ يشبه مهرجانًا للموت، حيث يصبح العثور على الطريق أصعب من التجوال في المدينة نفسها وهي في طور تحوّلها.
لكن النهاية لا تأتي حتى حينها. ثمة ختامٌ أخير يُلقي بظلال القلق على مستقبل باريس القريب، ويدور أيضًا حول الحركة وما يعوقها. فبعد مرور زمنٍ على تلك الأحداث، يُضطرّ موكب دُسماريه إلى التوقف في ساحة المرصد، وهناك، بين مجموعةٍ من لاعبي الكرات الحديدية (بيتانك)، يتعرف جول إلى فرّاغوس وقد صار «شبه متحجّر». غير أنّ الأهم من هذا اللقاء هو السبب الذي جعل السائق يتوقف: فقد امتنع عن طلب الطريق من اللاعبين لأنه «...كان يشعر باحترامٍ مفرطٍ تجاه الاضطرابات». في عام ١٨٣٣، كان بالزاك قد أدرك أنّ العقبات أمام الحركة ليست مادية فحسب، بل اجتماعية أيضًا — وهو ما سجّله هاوسمان لاحقًا بذكاءٍ في مخططاته.
بين اللحظةِ «ما قبل الهاوسمانية» عند بلزاك، وتلك «ما بعد الهاوسمانية» عند زولا، تتموضعُ، في تزامنٍ دقيقٍ مع مشاريع التحوّل العمراني الكبرى (grands travaux)، أعمالُ «شارل بودلير»، شاعرُ باريس الحداثة بلا منازع، ومُبدعُ صورةِ ذلك الجوّال العصري الذي هو flâneur (المتجول). وقد جرى، منذ والتر بنيامين — وأحيانًا، لا بدّ من القول، بطريقةٍ غير نقدية، تُغني البعض عن عناء القراءة المباشرة وإعادة التحليل — التعاملُ مع بودلير بوصفه المفسّر الأوحد لتحوّلات باريس.
ففي «أزهار الشر»، كما في «القصائد النثرية الصغيرة» وسائر نتاجه الثوري، جعل بودلير من المدينة الكبرى ودينامياتها الجديدة محورَ شعره، مقرّرًا للفنّان الحديث واجبًا أليمًا: أن يهجرَ الفردوسات القديمة، وأن يغوص في أعماق المدينة، بل في جوف الحشد ذاته. إنّ «المتجول – flâneur» الذي يجوب المدينة في مسارٍ يبدو عشوائيًّا، لكنه يعرف دائمًا كيف يلتقط ما يغيب عن أبصار الآخرين، يتحوّل إلى صورةٍ رمزية لذلك الفنان–الكيميائيّ الحديث، الذي يُبدِّلُ طينَ المدينة إلى ذهبِ الفنّ الحديث. فبودلير هو، بهذا المعنى، «رسّام الحياة الحديثة»، بالضبط كما وصف هو نفسه كونستانتان غي بتلك العبارة.
رسّامٌ يبتكرُ جنسًا جديدًا، هو «منظر المدن الكبرى»، لا يُسكب على القماش، بل يُصاغ في قوالب الشعر، وخصوصًا في ذلك الشكل الحدودي الهجين الذي هو «القصيدة النثرية» — صيغةٌ أدبية معقّدة ومركّبة كحياة المدن نفسها، «كلمةُ عبورٍ»، تمتزجُ فيها الأحاسيسُ من شتّى الأنواع امتزاجًا يجعل الوسائل الأدبية والفنية التقليدية عاجزةً عن نظمها في شعرٍ كافٍ.
المتجول عند بودلير «مسافرٌ وحيد» في «صحراء الرجال الكبرى» — وهي ثيمةُ الوحدة المتناقضة وسطَ الجموع، المستمدّة من روسّو، والتي ستغدو محوريةً في التفكير الأدبي–العمراني في القرن التاسع عشر. ومقرُّ إقامته الحقيقي هو المجال المتحوّل، المتحرّك دومًا، أي «الشارع» المأهول بذلك الكائن الجمعي، المائع في جوهره، الذي هو «الحشد».
بين هذين القطبين — «الشاعر/الشارع–الحشد» — تنشأ علاقةٌ مشحونة بالتوترات وبالتبادلات:
فمن جهةٍ، تستند
فرديّة الشاعر إلى عبقريته الذاتية وهي شرط جوهري لوجوده الفني؛ ومن جهةٍ أخرى، لا
يكون الشاعر «رسّام الحياة الحديثة» حقًّا إلا إذا انغمس في الحشد — ذلك الكائن المقلق
الذي يجعل الشارع، وقد تأنسن، يصرخ أو يعوي، فيقلب أسسَ المشهد الصوتي للمدينة. غير أنّ هذه الغمسة في الجماعة مؤلمةٌ
دائمًا، موسومةٌ بالتعثّر والارتباك، ودرجةٍ مضطربةٍ ومتقلّبة من اللا–تكيّف أو الاغتراب. ويقول بودلير صراحةً إنّ السموّ الشعريّ
للشاعر يكمن، في جانبٍ كبيرٍ منه، في هذا التوتّر بالذات، رابطًا العبقرية بالحركة:
ليس لكلّ إنسانٍ موهبةُ السباحة في الحشود؛ إنّ الاستمتاعَ بالجماهير فنّ، ولا يقدر على الاندماج في تلك النشوة الحيوية على حساب النوع البشري إلا من نفخت فيه جنّيةٌ في مهده حبَّ التنكّر والقناع، وكراهية الإقامة الثابتة، وشغفَ الرحيل.
بودلير «دائمُ الترحال»، «لا يني عن الحركة»، حتى في الفضاءات الداخلية، حيث يكون التجوالُ ذهنيًّا لا جسديًّا، في داخل عُليّته–ملجئه، أو في بروكسيل، حيث كتبَ لأمّه سنة ١٨٦٥ أنّهم يعدّونه مجنونًا لأنه طلب غرفةً واسعة في الفندق ليتمكّن من المشي. بروكسيل تلك، كانت — إلى ذلك — مدينةً عسيرةً على المتجول بسبب عشوائية أرصفتها، وضيق شوارعها، وبطء مشاتها.
ذلك أنّ المسير في المتروبوليس ليس بالأمر الهيّن: فهو محفوفٌ دائمًا بالعقبات والمخاطر المادية — الناتجة تارةً عن طبيعة المدينة التاريخية، وتارةً عن الفوضى الملازمة لأعمالها القائمة — كما أنّه يفرض قواعد جديدة للتجوّل تتطلّب بدورها مهارةً لم يتعلّمها بعدُ أولئك الذين تتبدّل مدينتهم «بسرعةٍ تفوق تغيّرَ قلبِ إنسانٍ فاني». فالمدينة الهاوسمانية تدفع سكّانها إلى الحركة في كلّ اتجاه، ولكن حركةً متقطّعة، مجزّأة، وغالبًا عمياء، تستعيدُ رمزيًّا الأسطورة القديمة للمتاهة.
واللغةُ نفسُها تبدو كأنّها تُسهم في التعبير عن هذا الجريان المستمر، إذ إنّ الفعل الشعري أو الفني، كما يبيّن لوبييه، يُدرَج غالبًا في بنيةٍ تتعاقبُ فيها حركةٌ وإدراكٌ: «حينَ وصلتُ إلى...» أو «بينما كنتُ أسيرُ إلى...» يعقبها مباشرةً «رأيتُ، شعرتُ، أدركتُ...»، إدراكٌ لا يكون ممكنًا إلا داخل ذلك التيّار الدائم. ويختصر لوبييه الأمر قائلًا: «إنّ عمل بودلير يُجسّد الانتقال من المشهد البانورامي (باريس المرتفعة عند فينيي أو منظور الطير عند فيكتور هوغو) إلى المتجول، أي إلى فضاء التجربة المشّائية». ومن جانبه يؤكّد جان ستاروبنسكي، بدقّة، على أهمية العلاقة بين «العمودية والأفقية»، بين الوعي المنفصل الذي تمنحه الرؤية البانورامية، والوعي «المغمور» الخاص بالفلانيري والإدراك المتنقّل المتقطّع. ويمكن أيضًا قراءة هذه العلاقة بين التجوّل الفيزيائي الأفقي في الشارع والامتداد الذهني الرأسي في علّية الشاعر.
ففي قصيدةٍ أساسيةٍ من «لوحات باريسية» - مشهد طبيعي - لا يكتفي بودلير بطرح برنامجٍ جماليٍّ لتقويم العناصر العمرانية الجديدة، بل يُظهر إلى أيّ حدٍّ لا يمكن فهمُ ذلك الفضاء الجديد المكرّس للخلق الفني، أي «العليّة»، بمعزلٍ عن قطبِها المقابل، «الشارع» المزدحم بالجموع. العليّة تتيحُ نظرةً علوية جديدة، نوعًا من البانوراما الحديثة، لكنها تُشكّل أيضًا حصنًا للحلم، لـ «متجول آخر» يجري في شوارعَ لا إسفلت فيها، ولكنّها مليئةٌ بالعوائق أمام الحركة الشعرية. وليست العليّة مجرّد مأوى ماديّ، بل «ملاذٌ للرؤيا الشعرية» التي تُذيب الحدود المعمارية:
أَوَدُّ، لِتَأْلِيفِ قَصَائِدِي الرَّعَوِيَّةِ بِعِفَّةٍ،
أَنْ أَسْتَلْقِيَ إِلَى جِوَارِ السَّمَاءِ، كَالْفَلَكِيِّينَ،
وَبِجَانِبِ النَّوَاقِيسِ، أُصْغِي حَالِمًا
لِتَرَانِيمِهَا الْمَهِيبَةِ الَّتِي تَحْمِلُهَا الرِّيحُ.
وَذَقْنِي عَلَى يَدِي، مِنْ أَعَالِي سَقِيفَتِي،
سَأَرَى الْوَرْشَةَ الَّتِي تُغَنِّي وَتُتَرْبَرُ الْأَنَابِيبَ،
وَأَبْرَاجَ الْأَجْرَاسِ، صَوَارِيَ الْمُدُنِ هَذِهِ
وَالسَّمَاوَاتِ الشَّاسِعَةَ الَّتِي تَدْفَعُ لِلْحُلْمِ بِالْأَبَدِيَّةِ.
فالفنّ الحديث عند بودلير لا يولد من العزلة في العليّة فحسب، ولا من التجوال في الشارع وحده، بل من «التداخل العمودي–الأفقي» بين نوعين من المسير: الماديّ والروحيّ. وبما أنّ موقفه ليس تأمليًّا فحسب، بل بطوليّ في جوهره، فإنّ تجوّل الشاعر في المدينة لا يشبه أبدًا السير المنظّم، العقلاني، الموزون، البارد للمراقب اللامنخرط في الواقع المدينيّ الذي يطوّقه؛ بل هو، في كلّ أعمال بودلير، سيرٌ متطرّف، محفوفٌ بالمخاطر، متعثّرٌ دائمًا، متوتّر التوازن، بعيدٌ عن أمن التنزّه الذي يجري بوعيٍ غائبٍ لا يتطلّب يقظةً دائمة.
ففي قصيدة «الشمس»، لا يكون بودلير متجوّلًا متخيّلًا في طرق الإبداع الأدبيّ فحسب، بل «مبارزًا» في ساحةٍ لغويةٍ، بحثُه الشاقّ عن الكلمات والأبيات يُقارَنُ صراحةً «بتعثّراته واصطداماته في التجوال الحضري»:
أَمْضِي وَحِيدًا لِأَمَارِسُ مُبَارَزَنِي الْخَيَالِيَّة،
مُتَشَمِّمًا فِي كُلِّ رُكْنٍ مُصَادَفَاتِ الْقَافِيَة،
مُتَعَثُرًا فِي الْكَلِمَاتِ مِثْلَمَا فِي أَحْجَارِ الرَّصِيفِ،
مُصْطَدِمًا أَحْيَانًا بِأَبْيَاتٍ حَلَّمْتُ بِهَا مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ..
وفي «البجعة»، تكون «أجنحته العملاقة نفسها» هي ما يمنعه، على الأرض، من السير.
ذَاكِرَتِي الْخِصْبَةُ أَيْنَعَتْ فَجْأَةً
فِيمَا كُنْتُ أَعْبُرُ كَارُوسِيل الْجَدِيد.
لَمْ تَعُدْ هُنَاكَ بَارِيسُ الْقَدِيمَة (فَشَكْلُ الْمَدِينَةِ
يَتَغَيَّرُ، وَا أَسَفَاهِ، بِأَسْرَعَ مِنْ قَلْبِ الْإِنْسَانِ)؛
وفي «الصوت» من «أزهار الشر»، «يسقط في الآبار لأنه ينظر إلى السماء». وفي قصائد كثيرةٍ أخرى — لا يسعنا تعدادها — نراه «يتخبّط، يُصعَق، يزحف، يتسلّق، يشمّ، يتعثّر...». ولعلّ أحد النصوص التي لخّصت هذه الإشكالية — أي «مخاطر المدينة الجسدية والروحية» — بأصفى بيان، هو «فقدان الهالة» (Perte d’auréole)، كما بيّن مارشال برمان. فالتوتّر الذي يتكثّف في نحو عشرين سطرًا من هذه القصيدة النثرية القصيرة ينفجر «فجأةً، في قلب المشهد»: نجد شاعرًا «شاربًا للخلاصات» في «مكانٍ للهلاك»، حيث حضوره مفاجئ كما كان حضور كليمانس عند بلزاك. ثمّ يروي الشاعر حادثة «سقوط الهالة» — حين اجتازَ شارعًا موحلًا وسط ارتجاج العربات وخطر السير. لكن سرعان ما يتبيّن أن «فقدان الهالة ليس كارثةً، بل مصادفةٌ سعيدة»: فهو الحدث الذي يفتح عيني الشاعر أخيرًا، ويسمح له بالانغماس في الحياة، وبإعادة تأسيس صورة الفنان الحديث نفسه.
إنّ تجوّلات بودلير في باريس ليست جولاتٍ وصفيةً ولا مناظرَ مريحةً لمدينةٍ مطمئنة، بل مسيراتٌ أشباحية، عشوائية، خاليةٌ تقريبًا من العلامات المرجعية والإحداثيات. وإنّ المدخل الأساسي إلى هذا النمط الحديث من التفكير — المتلازم مع المعايشة لا مع العزلة — ليس «وحدة الغرفة»، بل التيه الشاعري في شوارع الحياة الحديثة، والاهتزاز المستمر الذي يتعرّض له الشاعر في كلّ خطوةٍ من خطواته.
موت بودلير سنة ١٨٦٧، في عام المعرض العالمي الكبير الذي مثّل ذروة مجد نظام نابوليون الثالث، حال بينه وبين أن يشهد الانهيار القريب لتلك البنية السياسية والثقافية سنة ١٨٧٠. غير أنّ إميل زولا، ما بين ١٨٧٠ و١٨٩٣، أنجز في عشرين رواية تكوّن دورة «آل روغون-ماكار» (التاريخ الطبيعي والاجتماعي لأسرة تحت الإمبراطورية الثانية)، تصفية حساب أدبي مع نزعة الانتصار الزائف لذلك العهد، ورسم من خلالها نظرةً مزدوجةً إلى تحوّلات باريس بفعل الأشغال الكبرى الهاوسمانية، وإلى التحوّلات التي مسّت الباريسيين أنفسهم.
لم يُغْرَ زولا،
في أيّ لحظة، ببريق الإمبراطور ولا بسحر البارون، فـ«آل روغون-ماكار» لم يكونوا سوى
أداةٍ صبّ فيها الكاتب، على نحوٍ هائلٍ في قالب الرواية الطبيعيّة، حكمًا قاطعًا كان
قد عبّر عنه بلغةٍ معماريةٍ في «رسائله الباريسية»، إذ قال:
إنّ باريس السيّد هاوسمان نفاقٌ عظيم، كذبةٌ من اليسوعية الجبارة [...] كلّ الجصّ الجديد، وكلّ الطلاء، وكلّ الزخرف يخفي وراءه شقوقًا مرعبة، ويتستّر على انهيار البيوت، وجراحها التي لا تندمل، وانهدامها الوشيك.
ففي الرواية الأولى، «حظّ آل روغون»، كان ميلاد الإمبراطورية الثانية مرتبطًا ارتباطًا لا يُمحى بانتهازية شبكةٍ كاملة من النخب المحليّة. أمّا الرواية الثانية «الفريسة» (La Curée)، التي ستكون محور اهتمامنا، فقد نقلت هذه الخديعة إلى باريس، واضعةً مشاريع الأشغال الكبرى الأسطورية تحت راية الخداع والفساد. تلك النخب الجديدة، التي تتجسّد في شخص بطل الرواية أريستيد ساكّار، انقضّت على باريس فحوّلتها – وقد غدت مجددًا ميدان صيد – إلى فريستها، وإلى مسرحٍ لمعركةٍ لا رحمة فيها على اقتسام الغنيمة. إنّ المشهد المدهش لحفل التنكّر، بما فيه من نهبٍ لموائد الطعام وتزاحمٍ وحشيٍّ على الولائم، يمثّل استعارةً عن الافتراس الذي تمارسه تلك «الكلاب المسعورة» وهي تنهش بعضها البعض وهي تلتهم مدينتها العاجزة.
إنّ علاقة ساكّار بباريس هي علاقة امتلاكٍ حقيقيّ، كما كانت لراستينياك في «الأب غوريو». وتقديم هذا القرويّ الداهية، الذي يحوم فوق المدينة سنة ١٨٥٢، يأتي في هيئةٍ عدوانيةٍ في مشيته بين أرجائها. غير آبهٍ بدهشة الوافدين الجدد، لا شيء في جولته الأولى بباريس يحمل طابع المنظر الخلاب. فالمدينة لا تُدهشه؛ عظمتها المعمارية لا تزيده إلا تصميمًا على إخضاعها. يتنقّل بين مركز عمله الثابت في البلدية – عملٌ متواضع في الظاهر، لكنه يمنحه معرفةً مسبقةً بتحوّلات باريس المقبلة، بل يتيح له الاطّلاع على المخطط الأسطوري الذي رسم عليه الإمبراطور بنفسه الشوارع الجديدة – وبين حركته المحمومة فوق الرصيف، بخطى المستولي، غريبٍ عن أيّ فضولٍ متسكّع، في تجوالٍ هو في آنٍ واحد وطأةٌ قاسيةٌ تنتهك المدينة، واستطلاعٌ باردٌ لحقل معركةٍ مقبلة:
...شعر بحاجةٍ نهمةٍ لأن يجوب باريس، أن يدوس بأحذيته الفلاحية ذلك الرصيف المتّقد، الذي كان يظنّ أنّه سينفجر تحته بالملايين. كانت تلك لحظة استيلاءٍ حقيقية. سار لا لشيء إلا للسير، ماضياً على الأرصفة كما لو كان في بلادٍ مغلوبة.
إنه – بلا ريب – «تجوال» من نوعٍ مغاير تمامًا لتجوال بودلير.
تبلغ المدينةُ مقامَ الفريسة ذروته في الصفحات الشهيرة التي تصف تأمّل باريس من على مرتفعات مونمارتر على يد أريستيد وزوجته الأولى أنجِل. ففي هذا المقطع الفذّ، الذي يرث تقليد «مناظر الطيور» لباريس، تُقدَّم المدينة كبحرٍ حيٍّ نابض، تنبعث منه الأصوات العميقة للحشود. غير أنّ هذه الرؤية لا تثير في النفس وجدًا شعريًّا، بل تستحضر في الشفق صورةَ «مطرٍ من النقود». من مونمارتر، يصف أريستيد بدقّةٍ المشاريعَ العمرانية الوشيكة، وقد استبدّت به الحُمّى المضاربيّة التي ستعمّ المدينة بأسرها، وتمتدّ إلى جسده نفسه في حركات يديه المتوحّشة التي تشقّ بخيالها باريس القديمة، الغافلة عن مصيرها القريب كفريسةٍ مسلوبة. وحين يتحقّق ذلك أخيرًا، يكون بطلنا قد تهيّأ تمامًا للانقضاض في سباقٍ محمومٍ من المضاربات:
كانت باريس تغرق آنذاك في غيمةٍ من الجصّ. لقد جاءت الأزمنة التي تنبّأ بها ساكّار في جبل مونمارتر. كانت المدينة تُقطع بالسكاكين، وكان يشارك في كلّ القطوع، في كلّ الجراح. له أنقاضه الخاصة في أربع زوايا من المدينة [...] في اليوم نفسه كان يعدو من ورش قوس النصر إلى ورش جادّة سان ميشيل، ومن حفر جادّة مَالزِرب إلى سُطوح شايّو، ساحبًا خلفه جيشًا من العمّال والمأمورين والمساهمين والأقارب واللصوص.
ورغم أنّ بعض هذه الفضاءات الجديدة لم يُستكمل بناؤها بعد، فإنّ ظهور الشوارع والحدائق والجادات الجديدة يعلن عن ولادة أنماطٍ مغايرةٍ من استعمال المدينة، وأشكالٍ جديدةٍ من الحركة، تناقض ما كان قبلها مباشرة. فـ«غابة بولونيه»، مثلًا، التي شكّلت المشهد الافتتاحي للرواية، كانت تتيح، وسط ازدحام العربات العائدة منها إلى باريس، التمتّع بمشهد المدينة الجديدة، ولكن وسط اختناقٍ مروريٍّ يكشف بفظاظةٍ زيف اليوتوبيا الهاوسمانية القائمة على حركةٍ شاملةٍ بلا عوائق.
وتجسّد نوعان من المساكن هذا التضاد بين ثقل الثبات التقليدي وخفة التنقّل الحديث.
في «فندق» أريستيد ساكّار في «بارك مونسو»، الموشوم ببذخ المتسلّقين الاجتماعيين، يدخل ويخرج تيارٌ من الأثرياء الجدد بلا انقطاع، غير أنّ الداخل يبعث على الاختناق الذي يبلغ ذروته في بيت الزجاج، حيث الجوّ الخانق والرطوبة الشهوانية «الاستوائية»، وحيث تتجسّد الحداثة في نوعٍ من رُهاب الأماكن المغلقة الذي يجمع بين الإحاطة الخانقة والرؤية الشفّافة للعالم الخارجي بفضل الجدران الزجاجية. لقد كان ساكّار يحلم بتحويل باريس نفسها إلى «بيت زجاجيٍّ عملاق».
ويقابله «فندق بيرو» القديم من القرن السابع عشر، في جزيرة سان لوي، بقايا إيقاع الحياة البطيء في مواجهة جنون باريس الجديدة. في داخله يسود ترفٌ تقليديٌّ وأثاثٌ صلب، وصاحبته لا تغادره خشية أن تضيع في مدينةٍ لم تعد تعرفها. إنّ تجربة «التيه في مدينتك نفسها» كانت جديدةً، وإنّ آخرين مجّدوا ذلك التيه بوصفه علامةً على العصر الجديد:
تخيّلوا أنني، أنا الباريسي العجوز، لم أعد أعرف باريس! أمس، تهتُ وأنا ذاهب من البلدية إلى لوكسمبورغ. إنه لأمرٌ مدهش، مدهش حقًّا! يقول أحد ضيوف ساكّار.
غير أنّ ذروة هذا التجوال المضاربيّ الذي يملأ صفحات «الفريسة» تتجلّى في المشهد الشاحب لزيارة لجنة نزع الملكيّة لموقع أشغال «شارع الأمير أوجين» (الذي سيُعرف منذ ١٨٧٠ بـ«بولفار فولتير»)، منطلقةً من «ساحة الجمهورية». يقطع أعضاء اللجنة طريقهم وسط مشهدٍ طيفيٍّ من الأراضي المهدومة، حيث لم يعد ثمّة مجالٌ لشاعرية الأطلال. إنّه فضاءٌ يصعب السير فيه بسبب الركام والطين والحفر، لكن زولا يلتقط فيه التباين الغني – لا في الألوان فحسب بل في الرموز – بين أحذية أعضاء اللجنة اللامعة وستراتهم الفاخرة، وبين الصفرة القذرة التي تغمر المكان:
أولئك السادة، بأحذيتهم الملمّعة وستراتهم وقفّاتهم العالية، كانوا يشكّلون مظهرًا غريبًا في ذلك المشهد الطيني ذي الصفرة القذرة، حيث لا يمرّ إلا عمّالٌ شاحبون وخيولٌ مغطّاة بالطين حتى ظهورها وعرباتٌ تخفيها قشرة الغبار. كانوا يسيرون في صفٍّ واحد، قافزين من حجرٍ إلى حجر، متجنّبين برك الوحل السائل، غارقين أحيانًا حتى الكعبين، فيلعنون وهم ينفضون أقدامهم.
إنّ هذا التجوال المرهق – الذي لا يشبه من شعرية التجوال البودليري إلا مظاهره الخارجية – موسومٌ برؤيةٍ أخرويةٍ للبيوت الممزّقة، وللغرف العارية التي تكشف أحشائها للهواء وتُبرز، كالأطراف المبتورة، ما تبقّى من ورق الجدران الممزّق:
على الجانبين، جدرانٌ مهشّمةٌ لا تزال قائمة؛ مبانٍ عاليةٌ مبقورةٌ تُظهر أحشاءها الهزيلة، وتفتح في الهواء سلالمها الفارغة وغرفها المعلّقة، كأدراجٍ مكسورةٍ في قطعة أثاثٍ قبيحة. لا شيء أتعس من أوراق الجدران تلك، مربّعات صفراء أو زرقاء تتدلّى في خيوطٍ مهترئة، كاشفةً، على علوّ خمسة أو ستّة طوابق، حتى أسفل السقف، عن كبائن ضيّقةٍ بائسة ربما احتوت يومًا حياةً بشريةً كاملة.
غير أنّ ما يُستعاد في هذا التجوال ليس بقايا المباني ولا خرائط باريس القديمة فحسب، بل ماضي بعض أعضاء «الكلاب المسعورة» أنفسهم. أحدهم، وقد كان عامل سنّ سكاكينٍ فقيرًا ثم اغتنى، يُصدم إذ يتعرّف في تلك الغرف الفاضحة بلا جدران على مسكنه القديم البائس، الذي عاش فيه أولى أيام فقره في باريس، وما زال يرى فيه المسمار الذي علّق عليه أدواته الحقيرة. غير أنّ صدمة الماضي لا تدوم طويلًا، إذ تعيد كلمات ساكّار إلى الأذهان مملكة البضاعة، فتنتزع الرجل من حزنه وتعيده إلى وعيه الجديد كأحد طيور الافتراس.
إنّ موت رينيه الجسدي في «فندق بيرو» القديم، والموت الرمزيّ لذاك العامل الفقير – عبر النسيان – يعبّران معًا عن الانتصار النائي لمدينة البضاعة، وعن أفول العالم القديم وولادة نظامٍ عمرانيٍّ واجتماعيٍّ جديد. وفي النهاية، تخبرنا الأمثلة الثلاثة المختارة – رغم اختلاف لحظاتها – بالحقيقة ذاتها: إنّ يوتوبيا الحركة المطلقة، والانسياب بلا عوائق، كانت من نفس الجوهر الأسطوري الذي صدّق على «شفافية» قصر الكريستال أو بيت ساكّار الزجاجي.
