من ذا الذي يَكتُبُ، الإنسان أم الحيوان الذي فيه؟
ما بكِ يا هيلّي؟
إنّه عَيْنُ الحيوانِ، يا أمي.
وما شأنُ عَيْنِ الحيوان؟
عَيْنُ الحيوانِ سؤالٌ ميت.
- هيلدا هيلست، السيّدة د. الفاحشة.
إنّ السؤال الذي يخترق الجسد حين يُنظر إلى الحيوان، يُشعل في الإنسان عالمه التقنيّ وملله العميق. فالحقيقة المصنوعة باليد، ومهارة ابتكار العوالم، تُبعِد الإنسان وتحرمه من حيوانيّته، على الأقل في لحظةٍ أولى. ورغم رغبة الإنسان في تهدئة الغريزة والوحش الذي يسكنه، فإنّ اللغة تفيض بهذا الحيوان في الوقت الذي تُنشئ فيه تأجيلاً ما. وفي هذا التبادل المزدوج، حول هذه اللغة المبلّلة، المتعثّرة، بين الإنسانيّ والحيوانيّ، إذ اللغة هي نزع إقليم اللثة واللسان والأسنان (دولوز وغواتاري)، والفم، يمكننا أن نتخيّل ملامح حيوانيّةٍ تنفلت من خلال ما لا يزال يُعدّ تفكيرًا.
فإنْ كانت اللغة، من جهة، ما يُبعِدنا عن التوحّش، فهي، من جهة أخرى، الفضاء الذي نلهو فيه ونجرّب عالماً مطويّاً لا يقترح غايةً بعينها. هناك، في ذلك الحدّ الفاصل الذي لا حدَّ له، يمكن أن نتصوّر، على سبيل المثال، كيف يولد تفكيرٌ حيوانيّ شفّاف في اللغة ومنها، ضمن حوارٍ مستحيلٍ بين لاسلو كراسناهوركاي وفرانز كافكا. فمن ناحيةٍ، ترى سوزان سونتاغ في كراسناهوركاي «السيّد الهنغاريّ للقيامة»، ومن ناحيةٍ أخرى، يُقرأ كافكا، في الغالب، بوصفه البنّاءَ لجدليّةٍ سلبيّة.
في هذا التوازي المتعمّد بين الاثنين، كنوعٍ من تشكيل المعنى، يبرز أنّ الكاتب الهنغاريّ عمل محرّرًا حتّى عام ١٩٨٤، وفي السنة التالية نشر كتابه الأوّل، فأصبح معروفًا في سياق الأدب الهنغاريّ. وفي عام ١٩٩٨ تُرجِم إلى الإنجليزيّة، ممّا أتاح له انتشارًا عالميًّا، وبعد بضع سنوات نال جائزةً دوليّة. ورغم الجوائز، يبدو أنّ فكرة «الكاتب» لم تكن يومًا هدف كراسناهوركاي. ومن أشهر كتبه: «تانغو الشيطان» و«مالنخوليا المقاومة»، وقد حُوّلا إلى السينما على يد صديقه المخرج بيلا تار.
غير أنّ كتابًا صغيرًا، يكاد يُنسى، هو ما يشدّ انتباهنا، عملٌ «تحت الأرض»، كما يقول والتر بنيامين، عنوانه «الوحش في الداخل» صدر عام ٢٠١٠ عن دار New Directions، وترجمته إلى الإنجليزيّة أوتيلي مولزيت، ويتألّف من أربعة عشر نصًّا يرافق كلٌّ منها لوحة من رسم كراسناهوركاي بالتعاون مع الرسّام الألمانيّ ماكس نويمان.
الشخصيّة الرئيسيّة فيه كلب، تُروى حالُه ووجودُه ككائنٍ تارة، ويُخترق بصوتٍ يُفترض أنّه كلامه تارةً أخرى. ثَمّةَ تذبذبٌ بين الاستعمالات والأنظمة اللغويّة التي، في هذا الالتباس، تُلقي بالكلب في عزلةٍ، لكنها، كلعبةٍ، تدفعه أيضًا نحو فكرة الإنسانيّ أو مع الإنسانيّ. وهذه اللعبة البالغة المكر، بين الراوي والشخصيّة، تفجّر صراعًا والتباسًا بين الإنسان والحيوان، والحيوان والإنسان، فتقوّض كلَّ مبدأٍ للتراتبيّة. فراوي كراسناهوركاي يشترك مع الكلب في القلق الإنسانيّ، فيما يبدأ الكلب بدوره في التلفّظ بهذه الهواجس.
ومن اللافت أنّ صورة الحيوان تظهر منذ اللوحة الأولى على هيئة جسدٍ هجين: قوائمه الخلفيّة قد تحوّلت إلى سيقانٍ بشريّة. وهنا يحسن أن نستحضر ما قاله عالم الأحياء الإستونيّ – الألمانيّ ياكوب فون أوكسكول عام ١٩٣٤، حين أعاد تخيّل وصياغة فكرة الـUmwelt، وهي فكرة ستغدو أساسيّةً عند هايدغر لاحقًا، وتتمثّل في «عوالمَ محيطة» تخصّ الإنسان والحيوان؛ إذ يقول:
لقد اعتدنا أن نقود وجودنا بكدٍّ من غايةٍ إلى أخرى، مقتنعين بأنّ الحيوانات تعيش بالطريقة ذاتها التي نعيش بها. وهذا خطأٌ جوهريّ ما يزال، حتّى اليوم، يُساق في الطريق الخاطئ. [...] صحيحٌ أنّ أحدًا لن ينسب غاياتٍ إلى قنفذ البحر أو دودة الأرض، ولكن حين نصف حياة القراد نقول إنّه «يترصّد فريستَه». وبهذا التعبير، من حيث لا نشعر، نكون قد هرّبنا – كما في عمليّة تهريبٍ خفيّة – همومنا اليوميّة الصغيرة إلى حياة القراد التي تحكمها الطبيعة وحدها.
وهكذا، فإنّ الحيوان الذي يكتبه كراسناهوركاي هو الحيوان في الإنسان أو الإنسان في الحيوان، ويظهر في الوقت نفسه في هذا التجرّد: إنسانٌ وكلب، كلبٌ وإنسان، عند حدٍّ فاصلٍ ومنطقةٍ مظلمةٍ تتجلّى في الصوت الذي يتوقّف عن اختراع السلطات في العالم، ليحاول، على العكس، أن يتعرّف في واقعه على ما يأتيه كعزلةِ كلّ فردٍ وأنينه. يتجلّى هنا عالمٌ منقسمٌ لا يقدّم شيئًا، عالمٌ مملوءٌ بالمصائد. وعلى امتداد القصص الأربعة عشر التي يتكوّن منها «الوحش في الداخل»، يتبدّى هذا الحصار مع الحيوان، الكلب الذي يعوي ويُلقى بنفسه في زمنٍ من اليأس، والخَرَس، والغضب.
في إحدى الندوات الأدبية المتقدّم (Master Class) بالولايات المتحدة، التي أدارها الكاتب كولم تويبين، تحدّث لاسلو كراسناهوركاي عن آليات الكتابة التي تثير اهتمامه قائلاً:
أنا أُصغي إلى الفوضى، أختار خطًّا واحدًا وأتبعه. الأشياء لا تُختَلق في ذهني، إنّما أنا فقط أُصغي. الأشخاص في كتبي حقيقيّون، إنهم موجودون (...). ليست هذه صوتي، إنني أُصغي إلى خطابات.
وما قد يُفهَم على أنه مجرّدُ أسلوبٍ شكليّ في النصّ، يرسم في الواقع الملامح الجوهريّة لكتابةٍ متاهيةٍ ولا مركزيّة، تكشف، في كثير من الأحيان، وبدون أيّ مبالغة، عن اللامُواصلَة الملازمة للّغة، وتفضح خيارًا سياسيًّا لكاتبٍ لا يستطيع لمسَ العالم ولا رؤيته إلا من مكانٍ «يُعبره دومًا الحروبُ والانهياراتُ وما إليها. إنّ كتابةً تنبثق من قلب الفوضى وتتبع خيطًا مُختارًا على نحوٍ عشوائيّ، تتيحُ للنصّ أن يطبع في الحاضر أزمنةً متراكبةً بين التمييز واللامعاصرة. هذه التعايشات الزمنيّة تظهر في النصّ، فتنفذ إلى القراءة كشبكةٍ من الذكريات المتشابكة. يسعى راوِي كراسناهوركاي إلى إعادة فتح اللغة على معانٍ أخرى للعالم، ولهذا يبتكر استحالةً آسرة: حوارًا مع الأشباح.
فعلى سبيل المثال، في المقطع الأوّل من الكتاب، نجد ما يلي:
إنه يريد أن يتحرّر، يحاول توسيع الجدران، لكنهم ضغطوه هناك، فبقي في هذا الانقباض، في هذا السجن، وليس له أن يفعل شيئًا سوى أن يندب، والآن ودائمًا لن يكون سوى نَدْبِه وبكائه الحزين، لقد كفّ عن أن يكون ما كان، وكلّ ما لم يكن ليكونه قد فُقِد أيضًا، بحيث إنه لم يَعُدْ له شيءٌ هو هو. لقد وضعوه داخل هذه اللحظة، ولكنهم، بفعلهم ذلك، استبعدوه من اللحظة السابقة كما من اللحظات التالية، فأصبح نحيبه وحيدًا، مطرودًا من الزمن، محشورًا في فضاءٍ سيّئ التناسُب مع قَدِّه، لأنّ المشكلة هي الفضاء، لا يجمعه بهذا الفضاء أيّ شيء مشترك، ولا بهذا العالم المخلوق على يد الإله، ولا بهذه المنظورات، لم يُخلَق ليُوجد داخل هذه المنظورات، ولذلك فهو لا يُوجد أصلاً، إنه فقط يندب، وهذا الندب لا يتطابق مع الوجود، بل على العكس، هو نواحٌ يائس، رعبٌ لا يُوصَف لذاك الذي يستيقظ ليُدرك أنه قد أُقصي من الوجود، ولا طريقَ عودة، وإنْ وُجد طريق، فقد صار فخًّا، لا مهربَ منه؛ وكلّ شيءٍ يؤلم، وهذه الوحيدة التي تخصّه تؤلم، واقعةُ أن يكون قد انتهى إلى هنا، في هذا المكان الضيّق على مقاسه، إنه يندب، يندب، أريد أن أخرج، أريد أن أُوسّع الجدران، لكنهم حبسوني هنا، في هذا المعتقل، ولا شيء آخر لأفعله سوى أن أندب، والآن ودائمًا لن أكون شيئًا سوى سجني ونواحي، كلّ ما كان لي صار لا شيء، وكلّ ما كان يمكن أن يكون لي ليس هو، فليس لي شيءٌ يكون. لقد وضعوني داخل هذه اللحظة، ولكنهم بفعلهم هذا استبعدوني من اللحظة السابقة، كي أندب بعويلٍ، مطرودًا من الزمن، محشورًا في فضاءٍ سيّئ التناسُب مع مقاسي، لأنّ المشكلة هي الفضاء، ليس لي مع هذا الفضاء شيءٌ مشترك، في هذا العالم بأسره المخلوق على يد الإله لا يجمعني شيءٌ بهذه البنية، بهذه المنظورات، وهذه المنظورات لم تُخلَق لأوجد داخلها، إذًا فأنا لا أُوجَد، بل فقط أندب بيأس، رعبُ حال اليأس حين يُدرِك المحكومُ – أنا نفسي – أنه قد أُقصي من الوجود، ولا طريقَ عودة، وإن وُجد، فهو فخّ، لا مهربَ منه، كلُّ شيءٍ يؤلم، وحتى الشيء الوحيد الذي يخصّه يؤلم أيضًا، واقعةُ أنه قد وُجد هنا، في فضاءٍ سيّئ التناسُب مع مقاسه، داخل هذه البنية وتلك المنظورات، ومع نفسه التي لا تفعل إلا الندب والعواء، وهذا ما يندبُه – بالضبط هذا.
من هنا يتّضح أنّ السرد يُكثّف الحاضر عبر طبقاته المتراكبة من التكرار، وهكذا يُرسَم النصّ حول ظروفٍ متعدّدة المعاني، تُعيد في كلّ مقطعٍ تفكيكَ ملامح الإنسانيّ لتكشف عن أطيافٍ ومظاهر من الحيوانيّ. ومن الجدير بالتذكير دائمًا أنّ جاك دريدا، في سياق نقاشه لمسألة الحيوانيّة، يرى في كتابه «الحيوان الذي أنا عليه» أنّه إنْ كان ثمّة «فكرٌ حيوانيّ»، فهو يخصّ الشعر. وقد توصّل دريدا إلى هذه الفكرة انطلاقًا من تجربته في تبادُل النظرات مع قطة، وهي تجربة جعلت منه ومن القطة «ذاتين متقابلتين». هذه الحالة تُبرز الحدَّ الفاصل الحيوانيّ-الإنسانيّ، والإنسانيّ-الحيوانيّ. يقول دريدا:
وككلّ نظرةٍ بلا قاع، كعيني الآخر، تُريني هذه النظرة التي تُسمّى 'نظرة الحيوان' الحدَّ الهاوي للإنسانيّ: اللاإنسانيّ أو ما قبل الإنسانيّ، نهايات الإنسان، أي العبور عبر الحدود التي منها يجرؤ الإنسان على أن يعلن نفسه، ويسمّي نفسه بالاسم الذي يظنّ أنه منحه لنفسه. وفي تلك اللحظات من العُري، أمام نظرة الحيوان، يمكن أن يحدث لي كلّ شيء، فأنا طفلٌ جاهزٌ للقيامة، أنا القيامةُ نفسها، أي الحدث الأخير والأوّل للنهاية، الكشفُ والحُكمُ في آنٍ واحد.
ومن ثمّ، فإنّ هذا الحدّ الفاصل بين الإنسان والحيوان يُعِدُّ الأوّلَ لفنائه الذاتيّ، ويقذفه في الغموض، في ما لا يُفسَّر ولا يُفسَّر أبدًا. ومن هذا الجهد يمكننا أن نقرأ الحيوانَ الذي يكتبه كراسناهوركاي، حين لا يتّضح شيءٌ البتّة، إذ ما يتبدّى للنظر هو «تشعّب النصّ» نحو معانٍ متعدّدة، وتخييلٌ يدور حول بداية الأشياء حين لا تاريخَ ولا زمن. وليس من المصادفة أنّ كراسناهوركاي، في كتبه ومقابلاته المتعدّدة، يترك آثارًا تُعيد فتح حوارٍ حول الحيوانيّة مع كاتبٍ آخر: فرانز كافكا.
أوّل هذه الإشارات تثبتها الإهداء أو الإبيغراف في روايته «تانغو الشيطان»، المنسوبة إلى فرانز كافكا، وهي تُحيلنا إلى الفصل الثامن من رواية «القلعة» لكافكا. إنّ هذا التماس الصريح في البدء مع كافكا يسمح برسم مساراتٍ قرائيّة تربط كتابات كراسناهوركاي بكتابات كافكا، خصوصًا في عمله على «اختراع اللغة ومجابهتها» دون أيّ التزامٍ بوصف الواقع، لا سيّما إذا تذكّرنا أنّ «لوكاتش»، مثلاً، كان يرى أنّ الوصف الأدبيّ يخدم الحفاظ على الأشكال، أي على أنظمة إعادة إنتاج الرأسمال. وفي تأمّلٍ آخر، يذكّرنا جورجيو أغامبن بأنّ كافكا، أثناء تأليفه «القلعة»، كتب في يوميّاته تأمّلاتٍ حول حدود فكرة الأدب نفسها. فالقلعة هي ما يفرض حدًّا على سكّان القرية، وهي البيئة التي يضع فيها كافكا بطله، المساح.
يقول أغامبن في هذا الصدد:
إنّ اختيار المهنة (الذي نسبه ك. إلى نفسه، دون أن يكلّفه به أحد، كما يلاحظ الحاكم، فالقرية ليست في أدنى حاجةٍ إلى عمله) هو في الوقت نفسه إعلان حربٍ واستراتيجيّة. لم يأتِ ليتولّى القياس بين حدائق القرية وبيوتها (التي، حسب قول الحاكم، 'محدّدة ومسجّلة كما ينبغي'). بل منذ اللحظة التي تكون فيها الحياة في القرية محدَّدة تمامًا بالحدود التي تفصلها عن القلعة، وفي الآن ذاته تربطها بها، فإنّ هذه الحدود تحديدًا هي ما يُثيره المسّاح بالسؤال. إنّ 'الهجوم على الحدّ الأخير' هو هجومٌ على الحدود التي تفصل القلعة (العلوّ) عن القرية (السفل). ومرةً أخرى – وهذا هو الحدْسُ الاستراتيجيّ العظيم لكافكا، الكابالا الجديدة التي يُعدّها – الصراع ليس ضدّ الإله أو السيادة العليا (الكونت 'فيستفيست' الذي لا يُذكر في الرواية ذكرًا فعليًّا)، بل ضدّ الملائكة، الرسل، والموظّفين الذين يبدون ممثّلين له (...). ولذلك، لا يدور الأمر – دون الإخلال بالمفسّرين اللاهوتيّين، يهودًا كانوا أم مسيحيين – عن صراعٍ مع الإلهيّ، بل عن مواجهةٍ جسديّة مع أكاذيب البشر (أو الملائكة) حول الإلهيّ، أوّلها تلك التي تنتشر في أوساط المثقّفين اليهود-الغربيين، وعن الحواجز التي أقاموها بين البشر، وبين البشر والإلهيّ، والتي يريد المسّاح أن يشكّك فيها. وهكذا يبدو أكثر خطأً تفسيرُ ك. على أنه يسعى إلى القَبول من القلعة أو إلى الاستقرار في القرية. فالقرية كما هي لا تعنيه، والقلعة أقلّ منه. ما يشغله هو الحدّ الذي يفصل بينهما ويصل، والذي يريد أن يُلغيه، أو بالأحرى أن يجعله بلا وظيفة. وحيث إنّ أحدًا لا يبدو على علمٍ بموضع هذا الحدّ ماديًّا، فربما هو في الحقيقة غير موجود، بل يمرّ، كبابٍ خفيّ، داخل كلّ إنسان.
إنّ ما يرصده أغامبن في نصوص كافكا يمكن أيضًا أن يُشار إليه في نصوص كراسناهوركاي: تركيباتٌ سرديّة تُعِدّ لمواجهةٍ بين أجساد الملائكة الساقطة والإنسان – أي بين الكائن اللوسيفريّ والبشريّ. وفي خواتيم الحكايات لا نبلغ حلًّا أو خلاصًا أو إيضاحًا. ما يُلتفّ هو الفعل الإنسانيّ ذاته، في لعبةٍ تُحاك داخل اللغة، تُنازِلها وتدفعها إلى حدود المستحيل، فتجعلها خاملة، غير تواصليّة، ومن ثمّ قادرة. ففي كلٍّ من كافكا وكراسناهوركاي نقف أمام رميةٍ تُقرّر لقاء الإنسان بحيوانيّته: «غريغور سامسا» يستيقظ من أحلامٍ مضطربة وقد تحوّل إلى «حشرةٍ ضخمةٍ مرعبة»، وفي الطرف الآخر من التفرّع، في «الوحش في الداخل»، تدور معركةٌ داخل الإنسان نفسه، معركةُ التشنّجات الحيوانيّة، صراعٌ حميمٌ و«خارجيّ داخليّ» بين الإنسان والحيوان.
وليس مصادفةً أن يُكرّس كراسناهوركاي تفكيره دومًا لحوارٍ لا نهائيّ ومستحيل مع فرانز كافكا. ففي مقابلةٍ مع جورج سيرتِس، يقول الكاتب الهنغاريّ:
حين لا أقرأ كافكا، أفكّر في كافكا. وحين لا أفكّر في كافكا، أفتقد التفكير فيه.
وإذا مددنا قليلًا أفكار «اللانهاية» و«الاستحالة» إلى «التحوّل» لكافكا، سندرك أنّ ما يبقى للقارئ منذ البدء ليس إلا شظايا الفزع والحركة السرديّة، من غير أيّ تمهيدٍ سابق لحدثٍ واحدٍ فريد: «تحوّل غريغور سامسا إلى حشرةٍ ضخمةٍ مرعبة». فسبب التحوّل، أو شكله، أو أيّ إشارةٍ إلى كيفيّته، لا تُروى أبدًا. الراوي، الذي لا يعرف تمامًا ما الذي يرويه، لا يهتمّ حتى بتقديم تعريفٍ تصنيفيّ للحشرة. وفي تلك الشظايا نعلم أنّ الحشرة تمتلك درعًا صلبًا على ظهرها، وأرجلًا دقيقة، و«بطناً محدّبًا بنّيًّا مقسومًا بعروقٍ مقوّسة». ويضيف الراوي أنّ التحوّل وقع داخل غرفة الشخصية – ذلك المكان الذي يجمع بين أقصى درجات الحميميّة والاغتراب – وأنّ الأمر ليس حلمًا ولا هذيانًا.
إنّ التحوّل يُعرَض كحدثٍ قائمٍ بذاته: سامسا صار حيوانًا، سامسا الآن هو حيوان.
ولا ينبغي أن نغفل أنّ الحشرة هي الحيوان الوحيد الذي لا يمكن – في أيّ بُعدٍ إنسانيّ – أن يُقدَّم قربانًا. وكما يشير المترجم البرازيليّ موديستو كاروني، فإنّ الرواية تقدّم انتقالًا من الكائن الذي يُضحّى به إلى الكائن الذي لا يمكن التضحية به، من الملائم إلى غير الملائم، من المطابِق إلى المختلف، من المعترف به إلى الذي فقد الاعتراف، من المألوف إلى غير المألوف، من «هو» إلى «ذلك»، من الوديع إلى الوحشيّ، ومن الإنسان إلى الحشرة.
ذلك التَّحوُّل إلى الحيوان يُحيل أيضًا إلى مفهوم «الصيرورة الحيوانية»، وهو مفهوم فعليّ ـ نوع من الفعل ـ صاغه جيل دولوز وفيليكس غوتاري في كتابهما «كافكا: من أجل أدب صغير». في صيرورته الحيوانية، لا يُمثِّل سامسا حشرة، ولا يُحاكيها أو يُقلِّدها. إنَّه يكاد، كما لو كان على حافّة العبور، يتجاوز الحدّ الفاصل بين الإنساني والحيواني، ويلمس ذروة تدفّق من الكثافات التي لا يمكن ضغطها في حدٍّ شكليٍّ مُحدَّد. وهنا نتحدَّث عن اللغة، وعن فعل الكتابة تحديدًا، يقول دولوز وغوتاري:
كل الأشكال تتلاشى، وكل الدلالات أيضًا، الدوالّ والمدلولات على السواء، لتفسح المجال لمادّة غير مُشكَّلة، ولتدفّقاتٍ منزوعة الإقليم، ولعلاماتٍ بلا دلالة.
إنَّ الحيوانات لدى كافكا اهتزازات وحركات، لا رموزًا نمطية أو أسطورية. إنّ مضامين وجودها تتحرّر من الدوالّ التي كانت لتُقيّدها ضمن فكرة عن التاريخ أو لصالحها. إنَّ التصوّر البنيوي للعلامة، الذي يجعل من الدال والمدلول وجهين لعملة واحدة مغلقة على ذاتها، يُفكَّك في هذا السياق. وإذا ربطنا كافكا بالتفكيك الذي اقترحه جاك دريدا، لا سيّما في «في علم الكتابة»، أمكن القول إنّ العلامات عنده تتّخذ تلك الهشاشة المتذبذبة التي هي من طبيعتها. لكن هذه الهشاشة لا تنتمي إلى الحقل المجازيّ أو التصويريّ فحسب. إذ لو افترضنا أنّ الاستعارة هي انزياح للدوالّ نحو مدلولاتٍ أخرى، لوجب أن نعترف أيضًا بوجود معنى سابق، أصليّ، ومن ثمّ «أصحّ» من الثاني. إنّ الثنائية بين الحرفيّ والمجازيّ تفترض وجود معانٍ «أكثر صوابًا» وأخرى «أقل صوابًا» لدوالّ معيّنة.
في محاضرته الشهيرة «انسحاب الاستعارة»، التي ألقاها عام ١٩٧٨ في جامعة جنيف، واجه دريدا هذا المأزق قائلاً:
إنّ القول بأنّنا نسكن الاستعارة ونسير عبرها كما في سيارة، ليس مجازًا محضًا. ليس أمرًا مجازيًا ببساطة، ولا هو حرفيّ أو عاديّ أيضًا — وهذه مفاهيم لا أخلط بينها، وإن جمعتها هنا. فهذه 'الصورة' ليست مجازية ولا ضدّ المجازية، بل تقوم على تبادلٍ فريدٍ بين المواقع والوظائف: فهي تجعل من الذات المفترضة للعبارات (المتكلّم أو الكاتب الذي نزعم أنّه يستخدم الاستعارات ويتكلّم على نحوٍ مجازيّ) مادّةً أو محتوىً يُرسَل إلى الأمام، يُقاد في مركبةٍ تفهمه وتحمله وتنقله في اللحظة نفسها التي يتوهّم فيها أنه هو من يوجّهها أو يتحكّم بها، كقبطانٍ في سفينته.
وليس في ذلك منحٌ للمجاز موقعًا متميّزًا كان في السابق من نصيب المعنى الحرفيّ أو «الأصليّ». فاللغة المجازية، بهذا الفهم، ليست «الأصلية» لأنها شعرية أو لأنها أقرب إلى الكلام (أو لأنها، إذا تتبّعنا الخط من أرسطو إلى روسو، الأقدر على ملامسة جوهر «الإنسان الطبيعيّ»)، في حين يأتي المعنى الحرفيّ تابعًا. يقول دريدا:
ليس المقصود، إذن، قلب العلاقة بين المعنى الحرفيّ والمعنى المجازيّ، بل تحديد المعنى 'الحرفيّ' للكتابة بوصفه المجازية ذاتها.
وعليه، فعندما يستيقظ غريغور سامسا وقد تحوّل إلى حشرة، فإننا لا نقف أمام استعارة، ولكننا أيضًا لا نواجه رفضًا للمجاز. العلامات هنا متقلقلة، متردّدة، لا تستقرّ على معنى. فـ«الحشرة غريغور سامسا» ليست دالًّا يتحرّك نحو مدلولٍ خارج النص (ولنتذكّر أنّ المدلولات الخارجة عن النص منقوشة بدورها في دوالّ). وفي الوقت نفسه، لسنا أمام «الحشرة» ذاتها أبدًا، لأنّ العلامة دائمًا ما تُحيل إلى غيابٍ آخر، ولأنّ حضور الشيء في ذاته مؤجَّل دائمًا داخلها (دريدا). ومن ثمّ، فإنّ الادّعاء بوجود حرفيّة خالصة لا يستقيم مع مادّة كاللغة.
ربّما ما تُنتجه هذه العملية الكتابية لدى كافكا، وخصوصًا في تقديمه لحيواناته (حيث تتجاوز المضامين الدوالّ)، هو انزياحٌ مجازيّ، لا نحو الخارج، بل نحو الداخل؛ أي عودة إلى ما هو سابق. والسابق للحشرة غريغور سامسا هو الإنسان غريغور سامسا نفسه، ذاك الذي لا نتعرّف إليه إلا بعد وقوع التحوّل، أي في دائرةٍ من التردّد اللامنتهي بين الحميميّ والخارجيّ. وعندما يتجلّى هذا، كما يذكّرنا دولوز وغاتاري، «فهو بكاءٌ مؤلم يجرّ الصوت ويمزج رنين الكلمات».
لقد نُزِعَ عن العلامة موطنها، فخلّفت وراءها دالًّا فارغًا. وما تبقّى منها هو صوتٌ غير متميّز، اهتزاز، حركة بين الحيوان والإنسان.
وفي تعريفهما لـ«الأدب الصغير» بوصفه ما
يُمثّله كافكا، يُشير دولوز وغوتاري إلى أنّ اللغة تنطوي دومًا على نزعٍ للإقليم عن
الفم واللسان والأسنان. إنّ موطنها الأول هو فعل الأكل، فالغذاء هو موضعها البدائيّ.
والكلام، بل الكتابة على وجه الخصوص، يقفان ضدّ فعل الأكل في عملية اللغة.
أن تتكلّم، وأن تكتب بالأخص، يعني أن تصوم. وكافكا يُبدي هوسًا دائمًا بالطعام، وبالطعام الأسمى، أي الحيوان أو اللحم.
ويجدر التذكير بأنّ تفاحة - هذه المنافسة المشتهاة للغة - هي التي تصيب وتقتل غريغور سامسا وقد صار حشرة. وفي الحكاية القصيرة «فنان الجوع» نجد صائمًا بامتياز؛ أمام الجوع والموت يتكلّم خافتًا، كما لو كان يهمس في أذن المفتّش، لكنّه يتكلّم. ثمّ تصبح قفصه، كما ليس من الغريب، مأوى لنمرٍ مفترس: اللحم، الحيوان، الطعام، خصوم اللغة. إنّه تحوّل آخر بين الحيوان والإنسان، الآن في استبدالٍ جذريّ: تموت اللغة، التي كانت تفترض الصوم، لتفسح المجال لحيوانٍ آكلٍ للحوم، مفترس، ذو أنيابٍ كبيرة.
وكما هو شأن القفص، تعكس غرفة غريغور سامسا
أولاً انفصالًا ثمّ تحوّلًا بين الإنسان والحيوان. فالمكان يتّسخ تدريجيًا كلّما انشغلت
عائلة غريغور - الأب والأم والأخت - بأعمالهم اليوميّة الآلية، وابتعدوا عن حضوره.
بل إنّ انحطاط الغرفة يسير جنبًا إلى جنب مع إدراك العائلة التدريجيّ بأنّ من يسكن
الشقة لم يعد إنسانًا.
أوّلًا، تقترح غريتّه إزالة الأثاث ليحظى
أخوها بمساحةٍ أكبر. فالحشرات، في النهاية، لا تحتاج إلى خزائن أو مكاتب. عند هذه النقطة،
تُبدي الأمّ مقاومة، فهي الشخصية الوحيدة التي تُبدي، ولو للحظة، إيمانًا بأنّ غريغور
قد يعود يومًا إلى صورته البشرية. لكنّها سرعان ما تُقنَع من قِبَل ابنتها الصغرى بضرورة
تكيّف الجميع مع الواقع الجديد وإخلاء الغرفة من الأثاث. ثم تُهمَل النظافة والطعام
على السواء.
كانت الأخت، قبل أن تهرع صباحًا وظهرًا إلى متجرها، تدفع برجْلها، على عجل، طعامًا ما إلى داخل الغرفة، ثم في المساء، سواء أكان قد أكله أم - وهو الأرجح - لم يمسّه، تسحبه بمكنسةٍ إلى الخارج. أمّا تنظيف الغرفة، الذي باتت تقوم به ليلًا، فلم يكن يتمّ إلا بسرعةٍ كبيرة. كانت خطوطٌ من القذارة تمتدّ على الجدران، وهنا وهناك كُتَل من الغبار والقمامة.
ثمّ، مع قدوم المستأجرين الذين استأجروا الغرف الفارغة لتحسين دخل العائلة، بدأ الأثاث الذي لم يُعد يُستعمل يُكدَّس في غرفة غريغور. كل ما لم يُرِد أحد الاحتفاظ به أو بيعه أو رميه صار يُلقى هناك. شيئًا فشيئًا تحوّلت الغرفة إلى علّية، وبدأ غريغور نفسه يُختزل إلى كائن عديم الجدوى بين الخردة.
إنّ هذه الأمكنة الخاصة بالأشياء المنسيّة، المهملة، المتروكة، هي ثابتة أخرى في عالم كافكا. نجدها في «فنان الجوع»، وفي «قلق أبٍ من أبنائه»، وفي «المحاكمة»، وغيرها. إنّها الأشياء، والأمكنة، والأشخاص، والحيوانات - لا فرق - المنسيّة والمرميّة والهامشيّة التي يُوجّه إليها كافكا نظره. غير أنّ هذا النسيان لا يعني الغياب أو عدم الأهمّية، بل على العكس: إنّ الحضور في الغياب هو قوّة تلك الشخصيات. وعودتها إلى الوجود لا تكون إلا عبر إيماءةٍ أخيرة. كما وصف والتر بنيامين في مقاله «فرانز كافكا: في الذكرى العاشرة لوفاته»، فإنّ تلك الإيماءة الأخيرة قادرة على إذابة الحوادث. كهمس فنان الجوع قبل أن يموت في قفصه المنسيّ. وكغريغور الذي، وقد أُصيب بالتهابٍ في جرحٍ سبّبه له أبوه، يلمح إشراق الفجر في الخارج قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. وأمام هذا النفس الأخير، تلك الإيماءة القصوى للوجود، يمكننا أن نتخيّل حوارًا مستحيلًا، يوتوبيا غير قابلة للتحقّق، ولكنها مشبعة بقوّة الحياة، بين كافكا ولاسلو كراسناهوركاي.
