أنا والذّاكرةُ ندمانانِ على خمرِ الماضي
حين نتحدث عن الزمن، لا يسعنا إلا أن نذكر «كرونوس»، الأسطورة الكئيبة بامتياز. فكما كان كرونوس يبتلع أبناءه فور إنجابهم، فإن الماضي يلتهم الحاضر بلا انقطاع. ومن ثمّ، يرتبط الزمن بفكرة أن كل ما مضى قد انتهى، فهو على صلة بالنهاية، وبذلك يرتبط الزمن بموت الأشياء، بل بالموت ذاته. وبعد أن هُزم كرونوس على يد ابنه زيوس، حُكم عليه بأن يعيش في عالم الأموات، أن يعيش في الموت، أو كما يقول بنيامين، أن يعيش في «مكان الحزن الأبدي».
إن علاقتنا بالزمن هي التي تحدد زمننا، إذ تُعدّ المالنخوليا إحدى طرائق الارتباط بالزمن. وبعبارة أخرى، تتجلى المالنخوليا في الكيفية التي نواجه بها مرور الزمن. وحيث إن مسار الزمن يرتبط بما انتهى، فإنه يرتبط أيضًا بما فُقد، بما هو متعذّر المنال، بما لا يرغب المالنخولي في التفريط به. فبالنسبة إلى المالنخولي، من العاجل أن يستعيد ما فُقد، وغيابه يدفعه إلى حالة من الإحباط التام، والملل (taedium vitae)، والاغتراب.
وبعد زمن، أُرجعت أبوة المالنخوليا إلى «ساتورن»، الإله الروماني المكافئ لكرونوس في الأسطورة. فالمالنخوليون يُدعون «أبناء ساتورن». وبما أنّ ساتورن كوكب، يمكننا أن نستنتج – في السياقين الكوني والفلكي – أن ثمة علاقة بين حركته وأداء الشخصية المالنخولية. فبما أن ساتورن كوكب ذو مدار طويل وبطيء، وبما أنّ المسافة التي تفصله عن الأرض بعيدة جدًّا، فهو يُعدّ كوكبًا بطيئًا، باردًا، مظلمًا، بعيدًا ووحيدًا، مؤثّرًا في الميل إلى الكسل، والخمول، واللامبالاة، والتثاقل، والعزلة، وهي سمات تميز المالنخوليين.
وهذه النزعة تنعكس في ابتعادهم عن الأنشطة الدنيوية، وتدفعهم إلى حالة من التأمل العميق، تمنحهم – على النقيض – وجهًا آخر للتجربة الساتورنية، إذ قد تهبهم وجه العبقرية، أو النبوغ، أو حتى موهبة النبوءة. وهذه الازدواجية قد تمنح المالنخوليين الظلمة أو الصفاء، العقم أو الخصب، واليأس أو السعادة. ويمكن أيضًا ربط هذه الازدواجية المالنخولية بأسطورة كرونوس، التي نجد فيها هي الأخرى ثنائية ناجمة عن مصيريه المختلفين المرتبطين بمسألة الزمنية. فمن جهة، تقول الأسطورة إن كرونوس نُفي إلى أعماق «تارتاروس» ليعيش في حزن لا متناهٍ، ومن جهة أخرى، يظهر كرونوس في صورة الإله الحاكم في أسطورة «العصر الذهبي» في «جزر المباركين»، حيث كان الزمن يُعاش كحاضر لا يتغير، وكانت الزمنية متزامنة لا متتابعة، وكانت اللحظات مُتموضعة في المكان، وكان الزمن مؤبّدًا.
المالنخولي هو من يعيش مهووسًا بفكرة هذا الزمن اللامتسلسل. لا يستطيع المالنخولي أن يقبل بالحياة الأرضية كما هي: زائلة. إنهم في بحث دائم عن فردوسٍ غير موجود، وكأنهم يطلبون الامتلاء والسعادة الأبدية. يعيش المالنخولي في سعيٍ لا نهاية له، ومن هنا حال روحه المضطربة، وقلقه الدائم، وألمه المستمر، الذي قد يقوده إلى الجنون أو حتى إلى الانتحار. فالسّاتورني يعيش نوعًا من «الموت في الحياة»، على غرار أبطال أرسطو الأسطوريين في «المسألة الثلاثين» مثل «آياكس» و«هرقل» و«بيليروفون». فالسّاتورني تائه، دائم السير في الطريق.
وفي مقطع من فصل «كومبراي» في الجزء الأول من رواية بروست «البحث عن الزمن المفقود»، يمكننا أن نستشف أنه عاش تجربة المالنخوليا هذه حين وسّع على نفسه شعور القلق الذي عاشه سوان، غير أنه جعله سابقًا على موضوع الفقد:
لقد جاءه ذلك القلق من خلال الحب، الذي هو من أجله، بمعنى ما، مُقدّر سلفًا، والذي سيستولي عليه ويستغله؛ ولكن عندما يمتلك القلق الروح قبل أن يدخل الحبّ الحياةَ بعدُ، فإنه يظلّ هائمًا، ينتظر قدوم الحب، غامضًا، حرًّا، بلا تعلقٍ محدد، متاحًا لهذا الشعور اليوم، ولآخر غدًا، لعاطفة البِرّ البنوي، أو لمودّة صديق.
وهذا يعطينا علامة على أن قلقه كان جزءًا من حالٍ طبيعية، إذ كان شعور الفقد يهيمن عليه منذ الأزل، وهو ما ينسجم مع فكرة جورجيو أغامبن كما صاغتها إيلِت فِربِر بالكلمات الآتية:
يدفع أغامبن الفكرة أبعد من ذلك ليؤكد أن المالنخولي قد فقد ما لم يكن له يومًا ليملكه.
وسنرى لاحقًا كيف واجه بروست مفهوم الزمن، وكيف يمكننا رسم موازاة بين حالاته النفسية والمزاج المالنخولي.
على الرغم من أنّ بروست كتب «البحث عن الزمن المفقود» بوصفه عملاً تخييليًا، فإنّ هناك جوانب عدّة تدفعنا إلى النظر إليه كعملٍ ذي طابعٍ سير ذاتي. فالإحساس بالفقد الذي يستشعره في رحلاته المختلفة نحو الماضي لا يمكن فصله عن التجربة الكئيبة التي عاشها بنفسه. إنّ الصراع الدائم بين الحاضر والماضي الذي يصوّره بروست من خلال الذاكرة اللاإرادية يكشف عن قلقٍ تجاه الحياة كما هي، إذ تتجلّى في نصوصه مالنخوليا متواصلة، وكأنّ هناك خللاً في توافق المؤلف مع ذاته ومع العالم، خللاً يبدو أنّ جذوره تعود إلى طفولته، وقد تفاقم هذا الشعور بعد وفاة أمه. كان هذا المزاج المؤلم وما صحبه من وجع سببًا في عزلته وابتعاده عن الناس، كما توحي بذلك مقاطع كثيرة من أعماله، نقتبس منها ما يلي:
في كومبراي... أصبحت غرفتي النقطة الثابتة التي تتركّز فيها أفكاري الكئيبة والقلقة... لكنّ أحزاني لم تزد بذلك إلا عمقًا.
وبانهيار التأثير المخدّر للعادات، كنت أبدأ بالتفكير – وبالإحساس – بأشياء كئيبة كهذه.
تلك الغرفة التي كنت أرى منها، في وضح النهار، حتى برج روسانفيل-لو-بان، كانت لوقت طويل ملجئي المفضل، ربما لأنها الغرفة الوحيدة التي سُمح لي أن أغلق بابها كلما تطلّب نشاطي عزلةً لا تُنتهك: القراءة، أو أحلام اليقظة، أو الدموع، أو اللذة الحسية.
أشار والتر بنيامين في مقاله «صورة بروست» إلى أنّ بروست نشأ في ظروف صحية شديدة السوء، أشبه بـ«مرضٍ غير مألوف» و«مزاجٍ غير طبيعي». وقد أكّد بروست ذلك نفسه من خلال اقتباسٍ لجدّته باتيلد:
وخاصةً هذا الرجل الصغير، الذي يحتاج إلى كل ما يستطيع جمعه من قوّةٍ وإرادة.
إنّ «المزاج غير الطبيعي» و«نقص القوّة والإرادة» يُكملان الفكرة القائلة إنّ بروست عاش التجربة الساتورنية. ولا ينبغي أن ننسى أنّ الظاهرة المالنخولية يمكن أن تتجلّى في مظاهر نفسية أو عضوية على السواء:
إنهم يميلون إلى أمراضٍ كئيبة، تختلف من شخصٍ لآخر بحسب موضعها في الجسد؛ فبعضهم تظهر عليه أعراض صرعية، وبعضهم سكتية، وبعضهم الآخر يقع في مالنخوليةٍ عميقة أو خوف، وغيرهم تغلب عليهم الثقة المفرطة، كما كان الحال مع أرخيلاوس، ملك مقدونيا.
وقد قيل إنّ مارسيل بروست مات بسبب الجهل ذاته الذي سمح له بكتابة أعماله؛ مات بسبب جهله بالعالم، ولأنه لم يعرف كيف يغيّر ظروف حياته التي بدأت تسحقه، مات لأنه لم يعرف كيف يشعل نارًا أو يفتح نافذة، وبالتأكيد أيضًا بسبب «ربوه النفسي المنشأ».
وإذا ما أقمنا علاقةً مزدوجة بين ذلك «الخلل في التوافق» (الهشاشة والانهزام) وبين «الاستثناء» (العبقرية) التي ميّزت عمله الفريد، فسنعثر من جديد على عناصر تتيح لنا ربطه بالمالنخوليا. فكما ذُكر سابقًا، للمالنخوليا طبيعة مزدوجة، كسيفٍ ذي حدّين؛ فإن وجدنا لدى بروست تجربةً مؤلمة من العذاب الوجودي والانفصال عن العالم، فإننا نجد أيضًا في المقابل خصوبةً خاصة منحته القدرة على الإبداع الشعري.
في هذا العمل، لم يكتب بروست سردًا زمنيًا، بل صاغ تداخلاً بين الزمن الواقعي والماضي، أيقظه من اللاوعي عبر الحدس. ولننظر كيف وصف اللحظة التي لامس فيها جزءٌ من كعكة «المدلين» المبللة فمه، فاستولى عليه فرحٌ مفاجئ انتشله، كالسحر، من سباته الطويل وتجاوز به كل أحزانه:
ما إن لامس السائل الدافئ المختلط بالفتات حلقي، حتى اجتاحني ارتعاشٌ وتوقّفت، منصتًا إلى الشيء العجيب الذي يحدث لي. لقد غزت حواسي لذّةٌ رقيقة، شيءٌ مستقلّ، منفصل، بلا أيّ دلالة على مصدره. وفي الحال أصبحت تقلّبات الحياة لا تعنيني، ومآسيها غير مؤذية، وقصرها وهمًا – إذ إنّ هذا الإحساس الجديد كان له التأثير ذاته الذي للحب، إذ ملأني بجوهرٍ ثمين؛ بل في الحقيقة لم يكن هذا الجوهر فيّ، بل كان هو أنا. لم أعد أشعر أنني عابر، عرضيّ، فانٍ.
إنّ وصفه لهذه اللذّة أحد أبرز المقاطع التي تكشف بحثه الدائم عن شيءٍ يسكّن اضطرابه إلى الحدّ الذي يجعله يتوقف عن «الإحساس بالفناء». لقد كانت البهجة التي غمرته قويةً إلى درجةٍ يمكننا أن نتخيّل أنه، للحظة، شعر وكأنه في الفردوس، وكأنه «كرونوس في العصر الذهبي». كانت تلك هي اللحظات التي سعى إليها، وكانت قدرته على التقاط الانفعالات من الأشياء التي صادفها يومًا ما، ما أطلق عليه بنيامين «تجربة الهالة»، وهي التي مكنته من تكرار حالة السعادة الوهمية بلا نهاية، تلك الصرخة التي عبّر بها بروست عن الحنين، والتي وصفها بنيامين بـ«الفكرة الرثائية للسعادة».
لقد لجأ بروست، الممسوس بشوقٍ هوسي نحو السعادة، إلى الاستذكار بإفراط لتخفيف الحزن والأسى اللذين ولّدهما إدراكه المرير لنهايةٍ حتمية تحكم حياته الداخلية. وقد انخرط في بحثٍ محموم عن صورٍ يحتفظ بها في قلبه، صورٍ من أزمنةٍ ضائعة. هذا البحث يدل على عجزه عن تقبّل غيابها والاعتراف بفقدها، ويشهد على مزاجه المالنخولي. كأنّ بروست، وهو ينسج زمنه بذكرياته التي تنبع من لاوعيه عبر الذاكرة اللاإرادية، كان يبحث عن «ترياقٍ للشيخوخة». وبعد تجربة المدلين تلك، حاول بروست مرارًا إعادة الإحساس نفسه، فكرّر الفعل نفسه ليجعل تلك اللذّة تعود محاولًا فهم سببها:
أريد أن أحاول جعلها تعود. أستعيد أفكاري إلى اللحظة التي احتسيت فيها أول ملعقة من الشاي. أجد الحالة نفسها، لكن دون أن تتّضح لي بنورٍ جديد. أطلب من عقلي أن يبذل جهدًا آخر، ليعيد إليّ الإحساس العابر.
لكنّ هذه المحاولات، إذ كانت خاضعة لسطوة العقل، لم تُجدِ نفعًا. ولمّا انفصل عن هذا الصراع الواعي للفهم، وعاد إلى قلقه اليومي، أعاد إليه اللاوعي فجأةً تلك الذاكرة، فأدرك أنّ الطعم كان طعم قطعة المدلين الصغيرة التي كانت عمّته تقدّمها له صباحات الأحد في كومبراي، بعد أن تغمسها في فنجان الشاي أو الأزهار الخاص بها.
في مثل هذه التجارب، حيث يفاجَأ المرء بإحساساتٍ غير متوقعة مرتبطة بلحظاتٍ وجيزة من الحاضر تستثير الذاكرة اللاإرادية التي تستجيب فورًا، يمكن للإنسان أن يُنقل على نحوٍ سارّ إلى مواقف عاشها في أزمانٍ بعيدة. وهكذا يمكن خداع الإحساس بالفقد مؤقتًا، بينما ننقاد، كما في حلمٍ هذياني، نحو الماضي. فكل لحظة تنبع من اللاوعي على شكل ذكرى هي لحظة منتهية، واستحضارها محاولة لإتمام حدادٍ لم يُنجز بعد، وربما لن يُنجز أبدًا. ووفقًا لوصف بنيامين الآتي، فإنّ البهجة الخاطفة التي تجلبها الذاكرة تخفي الألم الناجم عن الحرمان:
الحداد هو الحالة النفسية التي تُعيد فيها العاطفةُ إحياء العالم الخاوي على هيئة قناع، وتستمدّ من تأمّله رضًا غامضًا.
ويمكن أن يحدث العكس أيضًا، حين يخدعنا الوعي عبر إخفاء الفقد وإحلال «سعادةٍ» ظاهرية مكانه. هذا الوهم يسمح لنا باحتمال الفقد، إذ نخدع أنفسنا إلى حدّ يجعلنا قادرين على العيش على هذا النحو زمناً طويلاً، بل وربما طوال الحياة إن لم تُمنح لنا فرصة للمواجهة. وعندما تأتي الفرصة، تُقوَّض هذه السعادة الظاهرية، ويهتزّ «التفاؤل الإجباري» الذي فرضه الوعي، حين يوقظنا اللاوعي بذاكرة الشيء المفقود، فيعيد إلينا إدراك الاستحالة. وكيفية تعاملنا مع هذه الإحساسات هي ما يحدّد استجابتنا للأحداث التي كانت مصدر آلامنا وأحزاننا الدائمة، وفي هذه العلاقة يتجلّى «مدى عمق كآبتنا».
إنّ المزاج المالنخولي لدى بروست، المرتبط بالشيء المفقود، يوسّع شعور الاستحالة الذي لا يستطيع احتماله. ويتجلى إسقاط هذه العجز بوضوح في استخدامه لكلمة «أبدًا»:
لن تعود مثل هذه اللحظات ممكنةً لي أبدًا. ولكنني في الآونة الأخيرة صرت أستطيع أكثر فأكثر أن ألتقط، إن أصغيت بانتباه، صدى النشيج الذي كنت أملك الشجاعة لكبته في حضرة أبي، والذي كان لا ينفجر إلا حين أكون وحدي مع أمي. في الحقيقة، لم يتوقّف صداه قط.
إنّ الإحساس الدائم بالاستحالة، وبالعجز عن إشباع الرغبة في العودة إلى الماضي، كان مولّد القلق والحزن المالنخولي اللذين لازماه منذ الأزل. والإسقاط الذي توحي به كلمة «أبدًا» في الجملة السابقة، مع القسم الأخير من الفقرة ذاتها، قد يجعلنا نقرأ إسقاطًا آخر، كأنّ عبارة «لم يتوقف صداه قط» تعني «لن يتوقف أبدًا»، مما يفسح المجال أمام «يأسٍ كئيبٍ» جديد، ويشير مرةً أخرى إلى تداخل الأزمنة. إنّ مثل هذه الإشارات إلى استحالة العودة تتكرّر في مواضع عديدة من الفصل، وتكشف هوس بروست بصور الماضي:
كنت أعلم أن مثل تلك الليلة لن تتكرر... فغدًا ستعود كآبتي، ولن تبقى أمي إلى جانبي.
ويقول بنيامين تعليقًا على ذلك:
الأبدية التي يكشفها بروست ليست زمنًا بلا حدود، بل زمنٌ متشابكٌ ملتفّ على نفسه.
بالليل، كما في الحلم أو الشرود، وكما تنسج العنكبوت شِباكها بحنكة، نسج بروست، لا بأقل مهارة، نسيجاً من الذكريات من حياته الماضية التي اجتاحته على نحوٍ لا إرادي. كانت تلك الذكريات أداته وسلاحه في معركته ضد الحزن الأبدي والضيق الذي كان يهيمن على وجوده. فمن جهة، كان هناك نسيج من ذكريات ما كان مرغوباً فيه لا شعورياً، ذلك الذي كان يملأه بنوعٍ من السعادة، ومن جهة أخرى، كان هناك انحلال ذلك النسيج مع بزوغ الفجر، حين تتلاشى الذكريات وتستيقظ من جديد مشاعر الإحباط والمعاناة والخيبة. وكما تساءل بنيامين: أليس بروست أقرب إلى النسيان منه إلى التذكّر، على عكس بينيلوب؟
فها هو النهار يفكّ ما كانت قد نسجته الليلة.
من خلال الحياة اليومية والتذكّر الواعي، يُقاد الإنسان إلى تبديد حقائق الماضي التي تتحول إلى آثارٍ واهية لما قد عاشه، فتقوده إلى النسيان. ووفقاً لتلميذ فرويد، ثيودور رايك، فإنّ التذكّر (Gedächtnis) عند بروست هو الذاكرة اللاإرادية التي تحفظ الذكريات، في حين أنّ الذاكرة (Erinnerung)، أي الذاكرة الإرادية، فهي مدمّرة. هذا التصور مؤسس على فرضيات فرويد التي تقول:
إنّ الوعي وترك أثرٍ من الذاكرة عمليتان لا يمكن أن تتوافرا في نظامٍ واحد في آنٍ معاً.
واستناداً إلى انطباعات مستمدة من التجربة التحليلية النفسية،
نفترض أن جميع العمليات التنبيهية التي تحدث في الأنظمة الأخرى تترك وراءها آثاراً دائمة تشكّل أساس الذاكرة. وهذه الآثار لا علاقة لها بعملية الوعي نفسها؛ بل إنها غالباً ما تكون أكثر قوةً وديمومةً حين تكون العملية التي خلّفتها لم تدخل حيّز الوعي أصلاً.
وهذا يتوافق مع فكرة بروست التي ترى أنّ ما لا يحمل طابع «التجربة المعزولة» (Erlebnis)، بل «التجربة المعيشة» (Erfahrung)، وحده يمكن أن يكون جزءاً من الذاكرة اللاإرادية. فبالنسبة إلى فرويد، إنّ الوعي يعمل أيضاً كآلية حماية ضدّ المنبّهات في تلقي الصدمات، فيستوعبها على شكل «تجارب معزولة» ويجعلها عقيمة بالنسبة للعمل الإبداعي. ولا تصبح الصدمة تجربةً فعلية إلا عندما تدخل مجال اللاوعي، كما في حالة الفزع، إذ عندها يُبطل مفعول المقاومة أمامها. هكذا، في نظريته التحليلية، يلقي فرويد ببحثه خارج نطاق الوعي، محاولاً بلوغ جوهر الصدمة النفسية.
كان بروست قارئاً نَهِماً لكتاب «أزهار الشر» لبودلير، وقد استوعب في تجربته الشخصية جوانب كثيرة من التجربة التي تتضمنها تلك القصائد. ووفقاً لبنيامين، فإنّ بودلير أدخل «المبارزة» في شعره كصورةٍ لتجربة الصدمة، فكانت بمثابة صرخته. ففي «أزهار الشر»، كانت المبارزة بالسيف هي الصورة التي بها صدّ بودلير ضربات الحياة وصدماتها:
أمضي وحدي لأُمارس مبارزتي الخيالية،
مُتشممًا في كل ركن مصادفات القافية،
متعثرًا في الكلمات مِثلما في أحجار الرّصيف،
مُصطدمًا أحيانًا بأبياتٍ حَلُمت بها منذ أمدٍ بعيد.
ومن خلال هذا النسج ذاته للذكريات، كان قلم بروست يشذّبها ويصوغها، فصار هذا النسيج ذاته عمليته الإبداعية. والصراع بين الحاضر والماضي، الذي كان يتجلى بين حالة اليقظة واللحظات بين النوم واليقظة أو بين الاستغراق والنوم، كان هو «مبارزته» الخاصة:
حين ينام الإنسان، يكون حوله في دائرةٍ متصلة سلسلة الساعات وتعاقب الأعوام ونظام الأجرام السماوية. وهو، حين يستيقظ، يستشيرها غريزياً، وفي لحظة يقرأ موقعه على سطح الأرض والزمن الذي انقضى خلال نومه؛ غير أنّ هذا التتابع المنظم قد يختلط وتتفكك صفوفه.
وإلى الفكرة التي تفيد بأنّ التأمل يوفّر لنا حاجزاً ضدّ الصدمات، يمكننا أن نربط أيضاً فكرة أنّ القصد أو النية يخففان من الحزن والحداد، كما أشار فيربر من خلال اقتباس بنيامين حول ملاحظات غوته بشأن العلاقة بين النية والحزن:
حزنٌ كان سيكون بلا حدود لولا حضور تلك القصدية التي يعدّها غوته عنصراً جوهرياً في كلّ عملٍ فني، والتي تظهر بحزمٍ يدفع الحداد بعيداً. إنّه، باختصار، لعب الحداد (Trauer-Spiel).
وعند بروست، تكمن الصدمة حين يُجمّل غياب أمّه من خلال حضورها الذي ينذر به:
غير أنّ تلك التحية المسائية كانت تدوم زمناً قصيراً جداً، إذ كانت تنزل من جديد بعد قليل، فكانت اللحظة التي أسمع فيها صعودها على الدرج، ثم ألتقط خشخشة ثوبها الأزرق من الموسلين، تتدلى منه شرابات صغيرة من القش المضفور، وهو يهمس عبر الرواق ذي البابين — كانت تلك اللحظة عندي أشدّ لحظات الألم، إذ كانت تبشّر باللحظة التالية التي ستتركني فيها وتنزل ثانية.
تكمن الصدمة في الترقب المؤلم للفاجعة القادمة، كأنها تضاعف الحنين إلى ما لم يحدث بعد. النشوة في تلك اللحظة كامنة في الجملة الأخيرة، ويعزّزها ما يليها حيث يعبّر بروست عن رغبته في تأجيل الشرّ المحتوم:
بلغتُ حدّ أن صرتُ أتمنى أن تأتي تلك التحية المسائية التي أحبّها متأخرة قدر المستطاع.
إنّ الحنين المبكر لدى بروست، الناجم عن الصدمة العاطفية لفقدانٍ لم يحدث بعد، يشبه ذلك الحنين الكامن في المزاج الكئيب الذي كشفه الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، من خلال متخيله برناردو سواريس، في «اللاطمأنينة» حين قال:
آه، ما من شوقٍ أشدّ إيلاماً من الشوق إلى أشياء لم تكن قط!
هكذا يعيش المالخولي في حنينٍ دائم، يجعل الغياب حاضراً لما يشتهيه أكثر، وهو ما سيبقى بالنسبة له مستحيلاً، وإن كان يعانق السعي وراءه كما لو كان مهمته. كان بروست في حاجة ملحّة إلى تخليد ذلك الحنين الذي عاشه دوماً، وقد فعل ذلك بالكتابة.
أما فكرة برغسون عن «تفعيل المدة» (la durée) التي أشار إليها بنيامين، فكانت الأداة التي لجأ إليها بروست في علاقته المهووسة بالزمن. كان هدفه استعادة دوام الزمن، وغالباً ما كان ذلك من خلال الانطباعات الحسية، إذ كانت الصور تصل إليه عبر التناظرات (correspondances)، وهي فكرة استقاها جزئياً من قراءاته لـ«أزهار الشر». فكان الزمن يُحتجز في النكهات والروائح واللمسات، ومن خلال السمعيات والبصريات والحسيات المتداخلة (synesthésies) كانت التجربة تتحقق. ولنقرأ كيف احتفظ العطر في السطور التالية بآلام روحه، مانحاً إياها الأولوية، وكيف أكد بروست أنّ العقل لا يملك قدرة على مقاومتها:
ذلك الدرج المقيت، الذي كنتُ أصعده كل مساء بحزنٍ بالغ، كان يفوح منه عبير الورنيش الذي امتصّ، كما لو أنه تبلور، الخصوصية المميزة لتلك المالنخوليا التي كنت أشعر بها كل مساء، وجعلها أشدّ قسوة على حسي، لأنّها حين اتخذت هذا الشكل الشمي، أصبح عقلي عاجزاً عن مقاومتها.
لقد مارس بروست «التذكّر» طوال حياته، من خلال اللقاء مع صورٍ احتفظ بها اللاوعي، وكانت تظهر له عرضاً دون أن تخضع لتجربةٍ معزولة. وفي محاولاته لاستعادة الماضي إرادياً، أوضح بروست بجلاء أنّ أيّ جهدٍ في هذا الاتجاه عقيم، وأنّ النتيجة لا تتحقق إلا عبر مصادفة لقاءٍ ماديٍّ يثير الإحساس الضروري لذلك:
وهكذا هو حال ماضينا؛ إنّه جهدٌ عبثي أن نحاول استعادته. فكل جهود العقل ستبوء بالفشل. الماضي مخبوء في مكانٍ ما خارج متناول الفكر، في شيءٍ ماديٍّ (في الإحساس الذي يمنحنا إياه هذا الشيء المادي) لا نملك أدنى فكرة عنه. ويتوقف الأمر على المصادفة إن كنا سنعثر على هذا الشيء قبل أن نموت.
بينما في حالة الذاكرة الإرادية يكون التذكّر خاضعاً لسيطرة الفكر والوعي، فإنّ الذاكرة اللاإرادية هي التي تملي القواعد بنفسها، ولا تكون خاضعةً لنا، بل نحن نكون، في تلك الحالة، تحت مظلة العالم الحسّي.
لقد كنا نتناول المالنخوليا (المالنخوليا السوداوية) بوصفها ظاهرةً ترتبط بقابليةٍ طبيعيةٍ لدى بعض الأفراد، أو حتى لدى جميعهم، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة من شخصٍ إلى آخر، على نحوٍ يقترب من رأي أرسطو الوارد في «المسألة الثلاثين» من كتاب «المشكلات». فلنقترب الآن من منظور فرويد.
خلافاً لرؤية بنيامين حول المالنخوليا، ميّز فرويد بين «المالنخوليا» و«الحداد». ففي الحالتين نحن أمام ردّ فعلٍ إزاء فقدانٍ ما، غير أنّ فرويد يتعامل مع المالنخوليا بوصفها «حالة مرضية»، كما يشرح في مقاله الشهير «الحداد والمالنخوليا». فعند العجز عن تقبّل فقدان الموضوع المحبوب أو فقدان التجريد الذي حلّ محلّه، يلتقي الحداد والمالنخوليا في نقطةٍ واحدة، لكنهما يفترقان في الطريقة التي يُدرَك بها الفقد ويُستوعَب.
يقول فرويد إنّ المالنخوليا تتجلّى في «فقدان تقدير الذات»، وظهور «إحساسٍ عميقٍ بالذنب» يقود صاحبه إلى حزنٍ دائمٍ لا مؤقت، بخلاف الحداد الذي يُعدّ حالةً انتقالية. ففي الحداد، يتموضع الفقد ضمن نطاق «الوعي» (Cs)، إذ يكون الموضوع المفقود واضحاً ومحدداً. أمّا في المالنخوليا، فالفقد يُستبعد كلياً من دائرة الوعي لينتقل إلى نطاق «اللاوعي» (Ucs)، مكتسباً طبيعةً خياليةً أكثر. وغالباً ما يكون الموضوع هنا غامضاً وغير قابلٍ للتفسير، حتى بالنسبة إلى الشخص المالنخولي نفسه.
أمّا في سياق عمل الحداد (Trauerarbeit) الذي يتمّ عبر عمليةٍ بطيئةٍ ومتدرجة، فإنّ «الأنا» (Ego) ينجح في تحرير الليبيدو من ارتباطه بالموضوع المحبوب إلى أن يشعر المرء بالقدرة على توجيه حبه إلى موضوعٍ جديد. بينما في حالة المالنخوليا، تنتقل الطاقة الليبيدية من الموضوع المحبوب إلى الأنا ذاته، فيبقى الحبّ للموضوع حياً في داخل الذات، ولا يُسمح بانطفائه. وقد عبّر فرويد عن ذلك بقوله:
وهكذا، باللجوء إلى الأنا، ينجو الحبّ من الفناء.
ومن هنا يمكننا تفسير أنّ الإحباط العميق، وفقدان الاهتمام بالعالم، والعجز عن الحبّ، والخمول، حين تكون جزءاً من عمل الحداد، تنتهي إلى الزوال. أمّا في حالة المالنخوليا، فنحن أمام ولاءٍ هدّام من الذات تجاه الموضوع المفقود، إذ يُدمج داخل الأنا فلا تعود الذات قادرة على التمييز بين الموضوع المفقود في داخلها وبين نفسها. وبكلمات فرويد:
في الحداد، العالم هو الذي يغدو فقيراً وخاوياً؛ أمّا في المالنخوليا، فالأنا ذاته هو الذي يصير كذلك.
غير أنّ هذه الحالة تظلّ «ملتبسة»، إذ إنّ المالنخولي يضمن حضور الموضوع المحبوب عبر «تدميره»، فيخلق من أجله «صوراً وأوهاماً وأحلاماً وأطيافاً» للموضوع المفقود، محاولاً من خلالها التواصل معه، وبذلك يحافظ على إخلاصه له. تختلف الفلسفة هنا عن المنظور الفرويدي الذي يعدّ المالنخوليا مرضاً. فالفكر الفلسفي يرى في قدرة المالنخولي على استيعاب الموضوع المفقود من خلال خلق صورٍ متعددةٍ له، «طريقاً نحو الإبداع الفني». وكما في أسطورة «كرونوس»، فإنّ «الدمار هو ما يضمن الخلق». وهكذا، لا يضمن المالنخولي بقاء الموضوع المحبوب فحسب، بل يضمن أيضاً «بقاءه هو نفسه».
وعودةً إلى الطريقة التي يتصرّف بها الوعي واللاوعي إزاء المنبّهات، نجد في كلمات بروست ما ينسجم مع الإطار الفرويدي للمالنخوليا، إذ تدلّ على وجود شرٍّ لا إراديٍّ مستقرٍّ في لاوعيه لا يملك حياله أيّ سلطة:
لم يُنظر إلى تعاستي بعد الآن كذنبٍ يستوجب العقاب، بل كداءٍ لا إراديٍّ تمّ الاعتراف به رسمياً، حالةٍ عصبيةٍ لستُ مسؤولاً عنها البتة.
ولتهدئة روحه القلقة، بحث بروست بإصرارٍ عن الصور المخزّنة في لاوعيه، في ما يشبه – ضمن السياق الفرويدي – نوعاً من العلاج الذاتي، أو التحليل النفسي الذاتي، الذي حاول من خلاله محاربة الحنين الذي كان غارقاً فيه. غير أنّ ما منحته له هذه الحالة خارج ذلك السياق كان «الخلق الفني نفسه».
أما والتر بنيامين فلم يفرّق بين الحداد والمالنخوليا. فبحسب فيربر، استخدم بنيامين أحياناً مصطلحي «الحداد (Trauer) و«المالنخوليا» (Melancholie) بلا تمييزٍ بينهما، لينتهي إلى الحديث عن شيءٍ يقع بين هذين المفهومين الفرويديَّين، مع «الفقدان» كقاسمٍ مشتركٍ بينهما. وفي كتابه «أصل الدراما المأساوية الألمانية»، يرى بنيامين أنّ الفقد هو الشرط الأساسي لإمكان المأساة»، وأنّ لعبة الحداد (Trauerspiel) كامنة في جوهر الحداد والمالنخوليا معاً. فهذه اللعبة هي نتاج الحداثة؛ ومع اللوثرية والإصلاح البروتستانتي، فقدت «الخلاص بالأعمال الصالحة» أهميتها أمام «الخلاص بالإيمان»، وبدون «الأعمال الصالحة» انتُزعت من الإنسان كلّ إمكانيةٍ للفداء. وهكذا، غدت الحياة بلا معنى، وغرق الإنسان الحديث في «حدادٍ لا نهاية له».
يسقط المالنخولي، وفق بنيامين، في «تأملٍ عميق»، يغوص في «أجساد الأشياء» لينقذها، كما يتجلى في نقش «ألبرخت دورر» (Melencolia I) غير أنّ عمل الحداد عند بنيامين لا يؤدي إلى «محو غياب الموضوع» كما عند فرويد، بل إلى تجسيده، إذ يضعه فقط في «حالة سكونٍ مؤقتة». في هذا السياق، يصبح الزمن في لعبة الحداد «زمنًا لا سردياً»، يظهر كـ«لحظةٍ واحدةٍ أبدية». فالزمن يُمَكَّن مكانياً ويغدو «غير غائيٍّا» (non-teleological).
في أعمال بروست، نشهد «وفاءً لخرائب موضوعه المفقود»، إذ إنّ الفقد ذاته هو جوهر حداده. لم يكن هدفه أن يبني سرداً يقدّم أدباً تصويرياً أو أدباً مأساوياً؛ بل إنّ بروست، من خلال «الزمن المركّب والمتشابك»، جعل ماضيه «حاضراً باستمرار». لقد أنقذ نفسه من الحنين عبر «إنقاذ موضوعه المحبوب».
إنّ «البحث عن الزمن المفقود» عملٌ تصويريٌّ (figural) تمتلئ صفحاته بالإحساسات المستخلصة من الذاكرة اللاإرادية، وتكشف نسيجاً من الذكريات كما سجّلها بروست لا كما عاشها. وبهذه الطريقة، حارب بلا كللٍ «يأسه المالنخولي»، بجعل إحساس الحاضر وإحساس الماضي يتعانقان إيقاعياً، حتى تتجلى «الصورة» (الهيئة) التي، وإن لم تُشبع جوعه إلى السعادة، فقد كانت كافية على الأقل لضمان بقائه.
لقد جعلت المالنخوليا من بروست «بيليروفون» أبدياً، وكانت كتابته أشبه «بتيه البطل الأسطوري في الإلياذة»:
لكنّ بيليروفون أغضب الآلهة جميعاً،
فهام وحيداً على سهل أليان،
مكتئب الروح، هائماً هناك، مجانباً الجميع.
فهو، إذ لم ينتمِ إلى عالم الآلهة (الماضي)، لم يتكيّف أيضاً مع العالم الأرضي (الحاضر)، فعاش في «وحدةٍ دائمة». كانت هوسه بالذاكرة بالغ الشدة حتى إنه، في سنواته الأخيرة، ولئلا يفلت منه أيّ تفصيل، خصّص الليل لكتابة الإحساسات التي كان يسعى وراءها على نحوٍ متزايدٍ من الحماسة والعناد. ونختم باقتباسين من مقابلة جورج جيرار مع غاليمار، ناشر بروست، نُشرت في «نشرة بيت الكتاب» (Bulletin de la Maison du Livre)، وردا في هامش ترجمة «جواو بارينتو» لأعمال بنيامين بالبرتغالية، وهما شاهدان على بحث بروست الذي لا يعرف نهاية:
مسودّات بروست؟ لكنه لم يُصحّحها قط! لم يُعدّل حتى خطأً مطبعياً واحداً. فالمسودات بالنسبة إليه لم تكن لتصحيح النص، بل لإضافة نص. ما دام هناك مسودّات، كان يضيف جُملاً جديدة.
قال لي ذات مرة إنه لو كان الأمر ممكناً، لودّ أن يرى عمله كلّه منشوراً في مجلدٍ واحدٍ، بعمودين، دون فقرةٍ واحدة.
