تشارلز بوكوفسكي

 

إن الوصول إلى تقييم عادل ومنصف لجسد تشارلز بوكوفسكي الواسع من الشعر والنثر يشكّل تحدياً شاقاً أمام الباحث والناقد. فمن ناحية، تبدو أسلوبية كتاباته وبنيتها بدائية، خامة، غير متشكلة، غير منضبطة؛ علاوة على ذلك، فإن المضمون يثير قضايا جدّية، ومخاوف مشروعة بشأن ما يُعدّ مناسباً كموضوع للتعبير الأدبي. ثمة عناصر من كراهية الإنسان، وكراهية المرأة، بل وحتى انحراف جنسي ينبغي التوقف عنده. وكان رد الفعل العام للأكاديمية خلال مسيرته الطويلة ومنذ وفاته يتمثل في تجاهل بوكوفسكي ككاتب مهم، ورفض فكرة اعتباره شخصية أدبية بارزة. غير أن الصعوبة في هذا الموقف تكمن – بطبيعة الحال – في الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، وهي أنّ الاهتمام بأعماله – بل يمكن القول الافتتان بها – لا يزال يتزايد مع مرور الزمن. فلا يوجد أي شاعر أمريكي معاصر يقترب من مستوى شعبية بوكوفسكي، أو من نجاحه المالي. ولا أحد يضاهي إنتاجيته الهائلة، وهي مذهلة بحق. ومع ذلك، فقد تم استبعاده من الطبعة الثالثة من «أنطولوجيا نورتون للشعر الحديث والمعاصر». وبالنظر إلى اتساع جاذبيته، يتساءل المرء: لماذا؟

ترى إحدى المدارس النقدية أنّه، مهما بلغ بوكوفسكي من شعبية، فإن مادته ببساطة لا تستحق الدراسة المتأنية. فبحسب آدم كيرش في مقال له عام ٢٠٠٥ في مجلة «النيويوركر»، فإن بوكوفسكي «من السهل أن يُحب، خصوصاً لدى القرّاء المبتدئين قليلي الخبرة بالتحديات الحقيقية للشعر»، ولكنه «يبقى صعب الإعجاب به بالنسبة للقرّاء الأكثر تطلباً». وبالنسبة لكيرش، فإن بوكوفسكي يجسد – في أفضل الأحوال – نوعاً من الأدب الخفيف، نسخة كرتونية هزلية من الأدب الحقيقي. إنه ليس سوى «مشاكس أسطوري، شخصية من حكاية مبالغ فيها – مشاكس، مقامر، رفيق للمتشردين والعاهرات، سكير ذو عطش لا يُروى»، أما عمله فليس سوى «كرتون ملوّن بقوة، لكنه بسيط أخلاقياً، نسخة مُبسطة من الحقيقة». والمشكلة في مثل هذه التعميمات الجارفة أنّها غالباً ما تبالغ في الطرح. فمدى «بساطة» البنية الأخلاقية في أعمال بوكوفسكي مسألة سأوليها عناية خاصة في الأسطر التالية. غير أنّ ما يجب فهمه في هذه المرحلة هو أنّ كيرش، ومن يشاركه الرأي، يرون أنّه مهما بلغت شعبية بوكوفسكي بين جمهوره العريض والمتحمّس على مستوى العالم، فإن أعماله موجّهة حصراً للمراهقين فكرياً والهواة أدبياً.

وهذا التقييم المتشكك والمهين ليس جديداً. فقد خلص جيمس ر. هيب وورث، وهو يراجع كتاب الشعر «الحب كلب من الجحيم» الذي صدر قبيل رواية «نساء» عام ١٩٧٧، إلى أنّه «في أفضل حالاته، يمنح بوكوفسكي التعبير عن حيوية وأشواق الإنسان العادي. أما في أسوئها، فهو معادٍ للفكر، يجمع بين العدوانية والتقليدية، ويعود إلى أبسط أشكال سيكولوجية الحدود؛» وعلاقته بالأدب «طفيلية». ليس سوى «رقيق المشاعر، رومانسي مبتذل». ليس لديه أي مهارة حقيقية كصانع كلمات، ولا عمق في الحساسية أو البصيرة. يربط هيب وورث حجته بمقال لفيليب راهف عام ١٩٤٩، الذي يميز بين «الوجوه الشاحبة» و«الهنود الحمر»، أي «الأرستقراطيين» و«العوام» في الأدب الأمريكي: الأولون هم الكُتّاب المثقفون من مثقفي بوسطن وكونكورد؛ أما الآخرون فهم أبناء الطبقات الشعبية الذين يكتبون في الأحياء الفقيرة والمدن غير الراقية. ويعتقد راهف أنّ هناك انقساماً في الأدب الأمريكي «بين التجربة والوعي – بين الطاقة والحساسية... بين الحياة بوصفها فرصة، والحياة بوصفها انضباطاً». على جانب نجد هاوثورن، ملفيل، وجيمس؛ وعلى الجانب الآخر نجد ويتمان وتوين. ومن منظور معيّن، لا تبدو الصحبة الأخيرة سيئة إلى هذا الحد؛ ولعل بوكوفسكي كان سيُسرّ بالمقارنة، حتى لو لم يقصد هيب وورث إطراءه بوصفه «هنديّاً أحمر».

إنّ هذه الصفة «الهندية الحمراء» هي تحديداً ما يجذب جمهوره الواسع، حتى بين بعض النقاد. فكِنِث ك. برانت يشيد بما يعتبره «ازدراء بوكوفسكي المستمر لمختلف أشكال الامتثال الاجتماعي والأدبي»، وحقيقة أنّه «يسجّل بإصرار سخطه من الوضع القائم الذي يخنق الأصالة والعفوية». إنّ البساطة والمباشرة في اللغة، عوض أن تكون معاداة للفكر، تضيف قيمة إلى الكتابة باعتبارها أداة للفهم، لأنها تكشف «قدرة المؤلف على التعبير عن بصيرة نفسية حيوية في قصيدة غنائية تتواصل مباشرة مع القارئ – متجاوزة بذكاء القائمين على المؤسسة النقدية الذين يميلون إلى استخراج معانٍ مدفونة». وميزة بوكوفسكي أنّه يملك شجاعة «نقل رؤيته بأقصى قدر ممكن من الإقناع والنقاء، غير مشوّهة بترتيب مصطنع للشكل أو برفع متكلّف في الأسلوب».

ويتفق محللون آخرون اتفاقاً تاماً. فـجيف ويدل يرى أن شعر بوكوفسكي يظهر «نطاقاً فريداً ورؤيوياً يتجاوز بسهولة الشعر الأكثر جموداً وتكلّفاً الذي تحتفي به كلاب الحراسة الثقافية في أقسام الأدب بالجامعات». أما جيم هاريسون، ففي مقالة له في «نيويورك تايمز» خريف و٢٠٠٧، فينصح بأنّ «قوة بوكوفسكي تكمن في ضخامة مادته، وفي الامتداد العنيف للحكاية، والحنق اللحني من غير تعفّن الصالونات أو الصفوف الدراسية، كما لو كان يكتب وهو جالس على حائط إسمنتي أو على مقعد حانة مسنّن بالأشواك. لم يرتكب ذلك الفعل الكارثي الذي يرتكبه بعض الشعراء بطلب الإذن لصوته النزق». أما دورن روبنز فيزعم أنّ «بوكوفسكي قد حوّل الصراحة إلى فن»، وأنّ «لغته تأتي من القاع، إنها سفلية، واضحة، متقنة الصياغة لتكون كذلك، وكل شيء فيها مسموح».

ويزيد لوس غلايزر في التأكيد، إذ يرى أن افتقار بوكوفسكي إلى «التعقيد» هو ما يمنح رسالته عمقاً وقيمة: «من دون نظريات معقدة أو تعبيرات متشابكة عسيرة، يقدّم بوكوفسكي إجابة صافية وبسيطة بأسلوب واضح ومباشر: الجواب هنا أمامك. إنه بوضوح النظر في المرآة». أما جوليان سميث فيذهب أبعد، زاعماً أن كتابات بوكوفسكي «تظهر موارد هائلة في تشغيل مضمون تخريبي على المستوى اللغوي»، وتنقل «نقداً ساخراً للرأسمالية، والأخلاق البرجوازية، والثقافة التقليدية» عبر أسلوب متعمّد قائم على «تركيب نحوي فوضوي متعمد... يحدث أثره عبر اختلاف جذري عن الكتابة المصقولة الأكثر أدبية»، من خلال «إيحاء بالعفوية غير المصطنعة... لغة شارع حيوية لا تلجأ إلى كلمات معقدة أو مفاهيم فكرية... بنهج لا يعرف المراوغة، كما لو أن المتحدث مشغول للغاية بقول الحقيقة بحيث لا يلطّفها بقيم ثقافية رفيعة».

وبوساطة هذا النهج المضاد للأدب وللنخبوية، يخبرنا باري ميلز أن بوكوفسكي «أعطى صوتاً للمهمشين، للمجانين والمختلين، لعمال المصانع، للطبقات العاملة، للسكارى والمشاغبين. وكان حريصاً على أن يكتب بوضوح بحيث يعرف الناس تماماً ما يقوله». ويضيف روبنز أنّه لأنه يتحدث إلى – وعن – البسطاء، فإن بوكوفسكي يجعل المؤسسة الأدبية تشعر بعدم الارتياح، فتفضّل تجاهله بدلاً من مواجهته، وكأنّه لا وجود له (على الرغم من أنه يطرد معظم الشعراء الآخرين من رفوف المكتبات، حتى بعد أربعة عشر عاماً من موته):

إنّ غالبية أقسام الأدب الإنجليزي، التي تتكوّن في معظمها من 'الأغلبية الأخلاقية للأدب'، ستظل دوماً ترغب في شواء الأعمال الكاملة لتشارلز بوكوفسكي حيّة. وأنا واثق أنّ بوكوفسكي كان سيخجل لو لم يفعلوا ذلك. وهكذا ينبغي أن يكون.... إن أسلوب بوكوفسكي يجذب، أو يهدد. إنه يقول الأمور كما هي. لغته، والواقع الذي تنقله لغته (وهو واقع ولغة معترف بهما دولياً في معظم عالم المدن)، لا يمثلان دفاعاً ضد، أو حتى رفضاً صريحاً، للأنظمة القيمية السائدة، بل عرضاً عارياً لما يعنيه أن تكون ضحية واعية داخل مجتمع يفشل – بوحشية شبه مطلقة – تجاه أولئك الذين ليسوا أغنياء، أو لا يقدمون خدمات للأغنياء.

ويكرر جيرالد لوكلين صدى هذه الإشادات كلها، مضيفاً إليها بُعداً تاريخياً – بطبيعة الحال من تاريخ «الهنود الحمر» الأدبي:

لقد فتحت قصائد بوكوفسكي آفاقاً جديدة أمام الشعراء الأمريكيين في ما يتعلق بالوصولية، وباللغة العامية، وبروح الدعابة، وبالمشهد الحضري في لوس أنجلوس، وبصراعات الطبقة العاملة (وحتى العاطلين)، وبحياة الحانات، وبحروب النوع الاجتماعي، والأهم من ذلك برفض سلطة المؤسسة الأكاديمية والأدبية (الشرقية إلى حد كبير).... لقد كان مؤرخاً لظواهر عصرنا... لقد منح البروليتاري صوتاً. ربما يكون أكثر الشعراء موهبة ممن تكلموا يوماً من أقصى الطيف الاجتماعي-الاقتصادي السفلي... إنّ لغة بوكوفسكي هي نتاج حركة تعود على الأقل إلى مقدمة وردزورث للطبعة الثانية من الأناشيد الغنائية. وفي أمريكا، نجد خيطها ممتداً عبر ويتمان، روبنسون، فروست، ماسترز، ليندسي، وليامز، أوبن، ريزنيكوف، راكوسي، غينسبرغ، أوهارا، وإدوارد فيلد، لتصبح النمط السائد للشعراء اليوم، وخاصة في جنوب كاليفورنيا.

إنّ الحجة الأساسية عند معجبيه، إذن، هي أنّ بوكوفسكي قد رُفض ظلماً وتُجنِّب من قبل المؤسسة الأدبية النخبوية التي تحتقر بساطته ومباشرته، وإهماله للشكل، فضلاً عن إصراره على معالجة قضايا المهمّشين. ولأنه يرفض تلميع قسوة العالم الذي يعيش فيه، فإنه يصبح شوكة في ضمير من يحكمون، ومن يخدم مصالحهم. إنه يظهر، نصف مجنون، كثيف اللحية، أشعث الهيئة، في هيئة ديوجين الحديث، صوتاً صارخاً في برية المدن. يأخذ دونالد ماسترْسون هذه الفكرة خطوة أبعد، مؤكداً أنّ بوكوفسكي يهاجم بشراسة عالماً فاسداً، وأن رؤيته الأبوكاليبسية لنتائج مأساوية لا بد أن تصاحب الانحطاط المعاصر – وهي رؤية يشترك فيها مع بطله وملهمه روبنسون جيفرز – هي ما يجعل النخب تنبذه، لأنها لا تريد مواجهة تبعات الانحراف الإرادي:

من الواضح أنّ بوكوفسكي وجيفرز ما زالا يثيران ما يكفي من القلق بين صنّاع القانون الأدبي لضمان بقاء هاتين الشخصيتين الصعبتين، بل المستعصيتين، مستبعدتين. ومن بين قضايا أخرى، ربما تكون رؤيتهما الأبوكاليبسية المشتركة هي ما أقلق النقاد والمحررين أكثر من غيره. فنادراً ما يُقدَّر أصحاب الرؤى الأبوكاليبسية في زمنهم... كلا الشاعرين رفضا بقوة المادية الفاسدة التي غذّت الحلم الأمريكي وهي تشكّل ثقافة هذا البلد في منتصف القرن... وتنبّأ كل منهما بالنتائج الكارثية لمجتمع متدهور.

ويظل الاستياء قائماً بين معجبي بوكوفسكي بشأن استبعاده من القانون الأدبي على يد الأكاديمية والمؤسسة الثقافية – «البراهمة» في ثقافة الصفوة الأمريكية. ويُعدّ هذا الإقصاء فاضحاً لدى الكثيرين، ومهيناً مضاعفاً لأنه يتم من دون تفسير يُذكر، إذ لا يكتفي النقاد والتيار الأكاديمي برفض هذا الكاتب المتمرّد، بل يتجاهلونه كلياً. فرغم أنّ رواياته وشعره لا يزالان مطلوبين في أنحاء العالم أكثر من أي وقت مضى، فإن البحث في فهرس MLA اليوم – بعد أكثر من عقد على وفاته – يكشف عن قلة واضحة في الدراسات النقدية والأكاديمية. وما هو موجود أغلبه صادر من أنصار يرون بجدية أنّ لبوكوفسكي مكاناً مشروعاً في القانون الأدبي، ويطالبون له بالتكريم والاعتراف المستحقّ منذ زمن بعيد. وحتى الآن، لم تُجرَ سوى دراسة جادة واحدة في كتاب كامل عن أعماله (إلى جانب عدد محدود من السير الذاتية والمذكرات من أصدقائه ومعارفه)، وهي كتاب راسل هاريسون ضد الحلم الأمريكي: مقالات عن تشارلز بوكوفسكي، ومن اللافت أنه صدر بعد عام واحد فقط من وفاة الشاعر عن دار «بلاك سبارو برس»، التي نشرت معظم أعمال بوكوفسكي في حياته. ولذلك لا يمكننا أن نطمئن إلى أنّ هذا الاهتمام صادر عن جهة محايدة أو موضوعية، أو أنه يمثل تقديراً أوسع لقيمة الكاتب وأهميته.

يرى هاريسون أنّ المؤسسة الأدبية قد رفضت بوكوفسكي لأنه يكشف جانباً من أمريكا لا يريد معظم المواطنين، وخاصة النخب، الاعتراف بوجوده، مهما كان واضحاً. فمواضيع بوكوفسكي تدور حول صراعات الطبقة العاملة والفقراء، هؤلاء الذين تم إقصاؤهم ورميهم جانباً في خضم الوعود بالازدهار. وبالنسبة لهاريسون، فإن «رفض بوكوفسكي وتجاهله هو نتيجة تردّد كثير من الأمريكيين في الإقرار بحقيقة أنّ مجتمعنا طبقي، وهو ما تذكّرنا به أعمال بوكوفسكي باستمرار؛» فهو «الكاتب الأمريكي الكبير الوحيد بعد الحرب الذي أنكر فعالية الحلم الأمريكي». إن نقده يتضمن «مطالبة ضمنية بشيء أكثر من مجرد الرفاهية المادية». إنّ بوكوفسكي يسخر من فكرة «الاستهلاك والتراكم بوصفهما غايات في ذاتها». ونتيجة لذلك، «يُرفض باعتباره ساخطاً، متذمّراً مزمناً، فرداً فشل في التكيّف».

مؤكّد أنّ مقاطع عديدة في شعر بوكوفسكي ونثره تعكس الحسّ والاتجاه اللذين يتحدّث عنهما هاريسون. ومن بين هذه المقاطع يبرز اقتباس من قصة قصيرة بعنوان «الفعل» (ضمن حساء السبعيني)، إذ يظهر بصورة بالغة العاطفة والبلاغة كمثال ممثّل حقًا. يتأمل تشيناسكي في الناس من حوله في مضمار السباق، في المقاعد المخصّصة للصفوة حيث يجلس الأثرياء، ويقارنهم بجماهير الناس العاديين في المدرجات، أولئك الذين يشعر بالراحة بينهم والألفة:

كانت النساء جميعًا يبدون أصغر سنًّا، أكثر مرونة، مفعمات بالنكات الصغيرة في هذا القسم المتميّز من المضمار. حتى النساء الأكبر سنًّا كنّ يبدين في هيئة حسنة. أحزن ذلك هنري. لماذا كان على نساء الفقراء أن يبدين بمثل تلك الحال؟ لم يكن ذلك عدلًا. لكن ما هو العدل أصلًا؟ هل وُجد زمن عادل يومًا للإنسان البسيط؟ كلّ تلك الترهات التي أُطعِمها عن الديمقراطية والفرص لم تكن سوى وسيلة لمنعهم من إحراق القصر. صحيح أنّ رجلًا ما ينجح بين حين وآخر في الإفلات من الركام والصعود. لكن مقابل كلّ واحد منهم، هناك مئات الآلاف على أرصفة التشرّد أو في السجون أو في المصحات العقلية، أو منتحرون أو غارقون في المخدرات أو الخمر. وهناك الكثير غيرهم يكدحون في وظائف تافهة ضئيلة الأجر، يبدّدون أعوامهم لقاء مجرد الكفاف.

إنّ العبودية لم تُلغَ، بل توسّعت لتشمل تسعة أعشار البشر. في كلّ مكان. يا إلهي!

تكمن مشكلة في تحليل هاريسون، تتجلى في الكلمتين الأخيرتين من هذا المقطع المؤثر: «يا إلهي!». فهذه العبارة السوقية تبدو مبتذلة وتُضعف الأثر العام، أو على الأقل تعكس شعورًا بأنّه لا سبيل لعمل أي شيء حيال الوضع، عدا التفرّج والتأمّل في عبث حزنه. إنّ عبارة «يا إلهي!» تتردّد فيها نغمة: «ماذا عساك تعرف في ذلك؟» أو «ما العمل؟» أو «حسنًا، ماذا يمكن أن يفعل المرء أصلًا؟». والجواب الضمني عن هذه الأسئلة البلاغية جميعها هو: «لا شيء. هكذا هي الأمور».

بوكوفسكي يعالج فعلًا قضية الظلم في مكان العمل، ولا سيما في روايته الأولى «مكتب البريد»، ويعلّق باستمرار على مآسي الفقر، ساخرًا من الأثرياء، كما في قصيدته «هل كان لي بو مخطئًا؟»، حيث يصطف بوضوح مع المحرومين. لكن يبدو لي أنّه لا يفعل ذلك على نحو متسق أو منهجي. ففي مواضع أخرى، نراه يلوم الأفراد في أسفل السلّم الاجتماعي، محمّلًا إيّاهم كامل المسؤولية عن مصائرهم التعيسة، بدلًا من انتقاد النظام الاقتصادي الذي يطحنهم. ونجد أمثلة على ذلك في هجائه اللاذع والعدمي تقريبًا في قصيدته «الجماهير»، وكذلك في تعليقه السياسي التوبيخي «الديمقراطية».

يذهب لوس غلايزر إلى أنّ مكتب البريد «يقدّم الإنسان بوصفه مجرّد فضول، أعمى عن مسؤوليته في خلق مسار نزع إنسانيته عبر خضوعه له»، ويرى أنّ بوكوفسكي يؤمن بأنّ «إمساك الإنسان بزمام مصيره، مهما تكن النتيجة، يشرع في عملية استعادة إنسانيته». ويبدو الشاعر فعلًا متمسّكًا بهذا التصوّر، كما نراه في هذه الأبيات من قصيدة «الخلاصة» في «حساء السبعيني»:

أتذكر يوم الإثنين أكثر من سواه،

حين كان الآخرون يبدؤون أسبوع عملهم،

محاصَرين بحلم الصناعة، صناعة

ستبصقهم خارجًا

حين يغدو وجودهم غير ضروري.

كنا قد بصقنا أنفسنا سلفًا، مؤمنين

بغير شيء من ذلك، قاطعين

تهديد الأسياد الرتيبين، كنا قريبين جدًّا من

الحرية، كنا مليونيرات الإثنين، ولم

يكن ممكنًا أن نخسرها.

لكن يبقى السؤال الحاسم بلا جواب: ماذا عساه يفعل الفرد إذا لم يمتلك موهبة استثنائية كموهبة تشارلز بوكوفسكي، ولم يتوفر له ضمان دخل شهري، مهما كان متواضعًا، من مطبوعة محلية تحت الأرض تؤمّن له قوت يومه بعدما ألقى عن كاهله «تهديد الأسياد الرتيبين»؟

هذا الإشكال تحديدًا يتناوله مقال متبصّر بقلم تاماش دوبوزي، الذي يتعامل مع بوكوفسكي بوصفه شخصية أدبية معاصرة مهمة، ولكن دون الاندفاع المتفانِي وغير الناقد الذي لمسناه عند معجبيه وأنصاره. فبالنسبة إلى دوبوزي، لا يكتفي بوكوفسكي بالفشل في اتباع مقاربة تحليلية متسقة تجاه القضايا التي يطرحها (وهو ما قد يؤكّد النقد القائل إنه ضدّ الفكر في جوهر معناه، كما يرى كيرش وهيبوورث)، بل إنه أناني في النتائج التي يستخلصها والمعتقدات التي يعتنقها. (وهذا يثير مسألة لجوئه إلى صيغة الجمع في الضمير «نحن» في الأبيات السابقة – فمن هؤلاء الـ«نحن» الذين اقتربوا جدًّا من الحرية؟ إذ يبدو بوكوفسكي شديد الانفراد، متّكئًا على موهبة فريدة وطاقة لا تقهر وإرادة صلبة).

يرى دوبوزي أنّ بوكوفسكي:

يستعرض ازدراءه للتسلسل المنطقي والاتساق والمساءلة. لا يكتفي بوعيه بالتناقض داخل نصه، بل يحتفي بنفاق متعمّد، مستعرضًا – ومجنّدًا لمصلحته – تناقضات الرأسمالية ما بعد الصناعية. إنه يحوّل السلبية إلى ممارسة تخريبية من خلال عرضه الذاتي لخضوعه لعدم يقين رأس المال، مكرّرًا وموظّفًا هذا الاضطراب لتمكين ذاته.

باختصار، حلّ بوكوفسكي لمعضلة «الحلم الأميركي» قائم على نهج فردي جذري «يحول دون نشوء أيديولوجيا جماعية قابلة للحياة». وعلى النقيض تمامًا من موقف هاريسون وغيره من المعجبين، يؤكّد دوبوزي أنّ «بوكوفسكي ليس واقعيًا نقديًا أو اجتماعيًا… بل واقعيًّا قذرًا (dirty realist)... فبجانب انحيازه للطبقة العاملة وتعاطفه معها… يكمن في المقابل لا مبالاة، بل وربما متعة بمعاناتها».

وبهذا يكون بوكوفسكي، في جوهره، داروينيًا اجتماعيًا مثل أندرو كارنيغي. (وللمفارقة القصوى، يلفت آدم كيرش إلى أنّ حقوق نشر أعمال بوكوفسكي صارت تحت سيطرة روبرت مردوخ). ينقل بوكوفسكي فكرة: «لقد نجحتُ أنا في الإفلات من النظام وحققتُ نجاحًا، إذًا يستطيع أي شخص أن يفعل ذلك. ومن يفشل فهو المسؤول الوحيد عن فشله». هذه الفكرة تتجلّى بوضوح في قصيدتي «الجماهير» و«الديمقراطية». يعتقد دوبوزي أنّ بوكوفسكي يرسم صورة لـ«صراع مجتمعي» ليس على هيئة «طبقة ضد طبقة»، بل «صراع أبدي داخل كلّ طبقة اجتماعية… حيث يتحدّد الموقع لا بالطبقة، بل بالموهبة الفطرية؛ فمَن يعلو القمّة ومَن يبقى في القاع إنما يفعل ذلك بفائض أو عجز بيولوجي في الموهبة». وفي النهاية، الأمر كلّه يتعلّق بـ«البقاء للأصلح».

إلى هنا، هل هذا تقريب منصف لما يقوله بوكوفسكي؟ عند التمعّن في بعض أبيات قصيدة «الجماهير»، يبدو أنّ دوبوزي يقترب، بشكل مقلق، من توصيف حقيقة مزعجة لمعجبي بوكوفسكي من أمثال هاريسون وروبنس:

يلومون الحياة، يلومون

الظروف، يلومون الآخرين، بينما هم في الواقع

بلا جاذبية على الإطلاق، تقليديون حدّ السقم،

جبناء، مستسلمون، غارقون في الشفقة على الذات،

بعدما لم يفعلوا شيئًا صائبًا، ما زالوا يشعرون بالظلم،

يجوبون الأرض بشكاواهم، بأحقادهم

عيون ميّتة في قلب اللا مكان، هؤلاء الملايين من الأخطاء البشرية

وفي قصيدة «الديمقراطية»، يتفلسف بوكوفسكي:

الشخص التالي الذي تمرّ به في الشارع،

ضاعفه بـ٣ أو ٤ أو ٣٠ أو ٤٠ مليونًا،

وسوف تعرف على الفور

لماذا تظل الأمور غير صالحة للعمل

بالنسبة لمعظمنا.

في مواضع أخرى، يعبّر بوكوفسكي عن التعاطف والتضامن مع العمّال المقهورين والفقراء؛ لكن في مقاطع مثل ما سبق، يظهر لا كمتعاطف بل كمتكبّر، بل حتى كاره للبشر. فما العمل إذًا مع «هذه الأخطاء البشرية» جميعها؟

من زاوية ما، يمكن القول إنّ سبب إقصاء بوكوفسكي من «الكانون» الأدبي وإهماله من قبل المؤسسة الأكاديمية يعود إلى الالتباس واللايقين الناجمَين عن عمله الواسع، غير التقليدي، الفوضوي والساخر. لكن هناك أيضًا مسألة بالغة الجدية تتعلّق بالانزعاج والخيبة من بعض ما يستبطنه هذا العمل من إيحاءات غير سارة. مواجهة ردود الفعل المتناقضة – بين رفض صارم وإعجاب أعمى – تجاه كتابة بوكوفسكي تذكّرني بوصف فيليب راهف عام ١٩٤٩ للمشكلة نفسها في ما يتعلّق بهنري ميلر، الذي يشبهه بوكوفسكي في أوجه كثيرة:

إذا كان وضع هنري ميلر في مجتمعنا الأدبي لا يزال موضع جدل كبير، فربما لأنّه من طينة الكتاب الذين لا يمكنهم إلا أن يعرّضوا أنفسهم لتقييمات متطرفة مع كل صفحة يضيفونها إلى أعمالهم المجمّعة. إنّه يُبالَغ في تقديره بسهولة، ويُهمَل أو يُسفَّه بالسهولة نفسها… باستثناءات قليلة، النقّاد الرفيعي الثقافة، الذين تربّوا في مدرسة إليوت على معايير جمالية صارمة ولا شخصية، مصمّمون على ازدرائه. فما بين نبرته الخطابية الساحرة، وطقوسه الفاحشة، ووقاحته الشعبية، واحتقاره للمعايير الشكلية، إنّه لا يصلح مادة جيّدة لهم، وهم يعرفون ذلك. أما معجبوه، فمن فرط التحمّس في مديحهم يثيرون الشكوك في تعلق عبادي به. وهم يتفادون ضرورة التمييز بين فن استغلال الشخصية الذاتية وفن استغلال المادة، أيًا يكن مصدرها، لأغراض إبداعية.

ويشهد أحد معجبيه من النقّاد، أندرو ج. مادين، على هذه الظاهرة بالذات، إذ يقول إنّ «جاذبية بوكوفسكي أشبه بالطائفية… إذ يميل القرّاء إلى التهام كتبه بشراهة دينية». وقد تكون هناك أسباب وجيهة لذلك. فمن الممكن أن بوكوفسكي يجذب القرّاء لأنّه، مثل ميلر قبله، حرّر موضوع الجنس الحاسم، الذي كان مكبوتًا ومحرّمًا في ثقافة بروتستانتية صارمة؛ فأدخل جمال الفعل الجسدي وغموضه إلى ضوء النهار. وفعل ذلك بصراحة وفكاهة منعشة ومحرِّرة – كما في حادثة «الاغتصاب» المتصلة برسالة التسليم الخاصّ وأصص الغرنوق المتساقطة في «مكتب البريد»، أو مقاطعات الأطفال أثناء لقاءات تشيناسكي الأولى مع ليديا في «نساء»، فضلًا عن معركة ليديا وميندي التي انتهت بسؤال رجال الشرطة: «أيّ المرأتين تريد؟».

بوكوفسكي يجذب القرّاء لأنّ، كما يقول دورن روبنز، «كل شيء مسموح». يستطيع المرء أن ينغمس – بالوكالة – في شتى المغامرات الجنسية: من الجماع إلى العلاقات الثلاثية، ومن التقاط النساء في الشوارع والحانات، إلى دفع المال للمومسات، إلى العراك مع القوادين، إلى مغازلة زوجات الأصدقاء، إلى التعرّض للملاحقة من المعجبات في قراءات الشعر (أو الطرق على أبواب الطالبات في المهاجع بعدهن)، إلى المواعيد الغرامية مع غرباء في المطارات، وصولًا إلى الزيارات المفاجئة لنساء يافعات حالِمات جئن من أقاصي الأرض. لا حدود للسقف. وإلى ذلك، تأتي فصول من الانغماس المتهوّر في الكحول، وقيادة السيارات بطيش، وتعاطي مخدرات متنوعة غير مسمّاة. يرى آدم كيرش أنّ هذا الانفلات الذي يتيحه أدب بوكوفسكي أشبه بفانتازيا مراهقة: «لا أحد يجبرك على تنظيف غرفتك، أو النهوض صباحًا، أو التوقف عن الشرب قبل أن تفقد وعيك».

أعتقد أنّ الأمر أبعد من ذلك. فالقارئ يعيش متعة الرهان على حياته كما في لعبة الروليت الروسي الدائمة – مع الخمر الذي لا ينتهي والنساء الجامحات، والسجائر المتواصلة، والحبوب المجهولة، والطائرات المشبوهة، وحواف النوافذ الخطرة، والطرق المجلّدة، والسيارات المنفلتة التي تتحوّل في لحظات الغيرة إلى أسلحة فتاكة على الأرصفة. بعد مواجهة عنيفة وشرسة مع ليديا، عندما نجحت أخيرًا في تحطيم آخر زجاجة «كاتي سارك» في منتصف الليل، تاركة إيّاه يابس الحلق بلا نشوة، لا يتردّد بطلنا الصامد في متابعة نزوعه الانتحاري بينما ينتظر فتح متاجر الخمر عند الفجر:

في قعر ما تبقّى من الزجاجة لمحت جرعة ويسكي. ممدّدًا على الرصيف، تناولتها ورفعتها إلى فمي. كادت شظيّة زجاج طويلة أن تفقأ عيني وأنا أشرب ما بقي. ثم نهضت ودخلت. كان العطش في داخلي رهيبًا. أخذت أطوف بين قوارير البيرة، أرتشف ما تبقّى فيها. في إحدى المرات حصلت على رشفة من الرماد إذ كنت كثيرًا ما أستخدم الزجاجات منفضات سجائر. كانت الساعة ٤:١٤ فجرًا. جلست أراقب الساعة.

مثل هذا الانغماس الطائش قد يبدو كوميديًا قاتمًا، أو رومانسيًا متهوّرًا، في صفحات كتاب، خاصةً حين لا تبدو هناك عواقب وخيمة للبطل سوى طعم رماد عابر. والحق أنّ، كما يشير كيرش، «من أساس الأسطورة أنّ السُكر والخمول لا يزيدان بوكوفسكي إلا جاذبية لدى النساء». ومع ذلك، فإنّ هذا الجنون الجامح، غير المسيطر عليه، يثير بطبيعة الحال أسئلة حول الآثار المضلِّلة المحتملة لمثل هذه الكتابة على القرّاء المراهقين المولَعين به. وكما يحذّر أندرو ج. مادين: «حيوات بوكوفسكي المليئة باليأس الحانق كثيرًا ما تبرّر – وربما تمجّد – تعاطي المخدرات، وإدمان الكحول، وكراهية البشر».

ولا شكّ أنّ هذا أحد التحفّظات الكثيرة، بحق أو بغير حق، لدى المؤسسة الأدبية تجاه إدراج بوكوفسكي في الكانون، أو إخضاع أعماله لدراسة منهجية. إذ ما زال كثير من النقّاد مقتنعين، رغم التشكيك السائد في الأسواق، بأنّ وظيفة الأدب، والفن عمومًا، هي أن تعكس قيمًا إنسانية أرفع – أن ترفع الروح وتلهمها وتسمو بها، لا أن تكتفي بالإثارة والتسلية.

إنّ من حقّ الناقد أن يشعر بالقلق ويعبّر عنه إزاء عمل فني قد يهوّل ويشوه الواقع، خصوصًا إذا كان ذلك بطريقة قد تؤدي إلى ضرر فعلي لمن هم سذّج أو ساذجون بما يكفي ليسيئوا الفهم. فكما يحذّر الأهل أطفالهم أثناء مشاهدتهم بيتر بان من أنّ ما يرونه مجرّد خيال، وينبّهونهم ألا يحاولوا الطيران من نوافذ غرفهم بعد إطفاء الأنوار، كذلك ينبغي الحذر هنا: فنجاة تشيناسكي من فقء عينه بالزجاج المكسور لا يجعل من تصرّفه مثالًا يُحتذى. إذ لطالما قادت الشجاعة العمياء الكثير من الحمقى إلى موت مبكّر ومذلّ.

ربما تكمن المشكلة لا فقط في أنّ بوكوفسكي يكتب بطريقة مثيرة عن محاولة كادت تفقأ عينه بزجاجة محطّمة، بل في أنّه يبدو فخورًا بطيشه ذاك، واثقًا من مناعته الظاهرة ضد الأذى – أو لا مباليًا أصلًا باحتمال الكارثة. كثيرًا ما يظهر لديه احتقار كامل للعواقب، وافتقار تامّ للحذر والندم. في نهاية جدال صاخب مع تامي، يلتقط قطة حبلى ويرميها في وجهها، دون أي شعور بالذنب أو قلق على ما قد يصيب الأم الصغيرة أو صغارها المرتقبين. وفي موضع آخر، تكاد ليديا الهائجة تدهسه بسيارتها في شارع عام، مفوّتة إيّاه ببضعة سنتيمترات، ليكون رد فعله البسيط المباشر هو العودة إلى المنزل وممارسة الجنس معها – وكأنّه مجرّد فصل آخر في لعبة الحب.

يُلوَّح بالكحول في وجه القارئ كما لو كان رايةَ تحدٍّ، علَماً للاستقلال. فهو ما يجعل الحياة محتملة، وما يغدو ضرورياً للبقاء، والشيء الوحيد الذي يجعل الكتابة ممكنة. في قصيدةٍ معنونة بـ«من يحتاجه؟»، يأتي الجواب على العنوان جازماً: إنّه يحتاج إلى الكحول ليتمكّن من الكتابة، أو على الأقل ليكتب كتابةً جيّدة. فبدون ذلك الوقود للنار، أو الزيت لعجلات الآلة، لن يسير المسار ببساطة. وإذا أُجبر القارئ على مواجهة قصيدة لبوكوفسكي لم تُلهِمها الخمرة، فسيحتاج هو ذاته إلى كأس. هذه هي الحقيقة كما هي. غير أنّ السؤال: كيف ينبغي لنا أن نُفسّر أطروحات جمالية كهذه؟ غالباً ما يتملّك المرء الانطباع بأن بوكوفسكي لا يفعل أكثر من استخدام فكرة الكتابة لتبرير هوس شخصي، أو لتمويه مرضٍ عضال. ستان ثايس يريد لنا أن نصدّق بأن الشرب المفرط والكتابة العظيمة يمكن أن يكونا مرتبطين على نحو ما. فهو يزعم أنّ بوكوفسكي يبدو فخوراً، إلى حدّ ما، بكونه قد غدا أبرع سكير ممكن مع الحفاظ في الوقت ذاته على قدرته على الكتابة بفاعلية. لم يشعر بندم على شيء من ذلك. بل إنه يستمتع باحتمال أن يكون جزءاً من سلسلة أفضل الكتّاب-السكارى: أونيل، فوكنر، همنغواي، لندن وغيرهم. يعرف بوكوفسكي حياة السُكارى الغريبة واليائسة أكثر من معظم الناس. ولأجله، كما لأجل تشيناسكي، فإن الخمرة لا تفعل إلا أن تُحرّر مفاتيح الآلة الكاتبة لتؤدّي خدمتها على نحوٍ أفضل.

أمّا أنا، فلا يسعني إلّا أن أتساءل: أليس هذا محضُ رومنطيقية، وعرضاً لما وصفه راهف حين تحدّث عن المبالغات والمثاليّات الناشئة عن «تعلّقٍ عبادي»؟ نحن نعلم أنّ الكحول المفرط يُبلّد القدرات الذهنية، لا أنّه يُيسّر البصيرة أو الفهم. ولدينا كل الأسباب التي تجعلنا نعتقد أنّ فوكنر وهمنغواي قد تآكلا تدريجياً ككتّاب وكبشر على السواء بسبب سُكرهم المزمن، لا أنّهم استُداموا أو تعزّزوا بفضله؛ ولهذا السبب جاء أفضل نتاجهم في بدايات مسيرتهم، قبل أن تلحق بهم آثار الانحلال المتراكمة. يطرح ثايس سؤالاً بلاغياً حول هذه المسألة ثم يجيب عنه، لكن استنتاجه، في أحسن الأحوال، يبقى قابلاً للجدل. وهو يستشهد من هوليوود، رواية بوكوفسكي المنشورة سنة ١٩٨٩: «لقد انتهت أيّام نضالي. أن أفكّر أنّي كنتُ يوماً أزن ١٤٤ رطلاً على قامة ستة أقدام: تلك الأيّام العظيمة، أيّام الجوع، حين كنت أكتب أشياء جيّدة». ثم يسأل: «هل تُخلق الأعمال الجيّدة تحت ظروف الحرمان الشديد والمشقّة، فيما يُنتَج ما هو أقل جودة في المنحدر اللاحق للاعتراف والنجاح، حين تقمع حالة الرضا الناضج أيّ نزعة إلى التجريب؟ مثل هذا التطوّر لا ينطبق على نتاج بوكوفسكي».

غير أنّ الأدلّة على هذا اليقين السطحي ليست بادية. فإذا درس المرء أسلوب الكتابة وكثافتها في هوليوود، ومعظم القصص والقصائد في «حساء سبعيني» المنشور بعد عام واحد، يتضح سريعاً، وبأسى، أنّ البديهة الحادّة، والطاقة المتدفّقة، والبريق والجاذبية الانفجارية التي وسمت أعمالاً سابقة مثل «مكتب البريد» و«نساء» و«الحب كلب من الجحيم» قد اختفت ببساطة. قد يقدّم «هوليوود» تعليقاً ساخراً على صناعة السينما الأمريكية، لكنّه لا يحمل مادة ثوريّة، ولا شيئاً لم يُقل مراراً من قبل وبنَفَس أكثر اختراقاً. في الغالب، يبدو الكتاب منصبّاً على كيف يحب المؤلّف أن يتخيّل ذاته في صورة حسنة، وعلى الفخر الذي يأخذه بقدرةٍ تبدو غير محدودة على احتساء النبيذ الفاخر. إنّه مُطمئن إلى سمعته كنجم أدبٍ تحت-أرضي، ويجد متعة في إعلاء شأنه بإطلاق انتقاصات متعالية وازدرائية على كتّاب مرموقين آخرين، من أمثال سارتر ومايلر. ويُقال إنّ مايلر قد عبّر لزوجة تشيناسكي في لحظةٍ ما عن امتنانه وتقديره لكون تشيناسكي امتنع عن انتقاد كتاباته علناً؛ غير أنّ النظر في الأعمال المجموعة لكلا الرجلين يجعل هذا صعبَ التصديق. مثل هذا التبجّح الوقح والتعظيم الذاتي الفجّ يُشبه الهذيان شبه-الهلوسي لسكير أكثر ممّا يُشبه ملاحظةً متفحّصةً من فنان أدبي جاد.

يتملّك المرء الانطباع بأن بوكوفسكي على وعي بكونه مدمناً للكحول، لكنّه، شأنه شأن الصنف المتطرّف المستعصي من تلك الفئة، يبقى في حالة إنكار، مُصرّاً على الدفاع عن حقّه في الإفراط بالشرب، وفي الوقت ذاته منكراً لأيّ تبعات قد تنجم عن ذلك على شخصه أو على فنّه. والنتيجة هي تقييم مشوّه للذات، ونظرة ساخرة للآخرين من حوله. ففي «حساء سبعيني» نجد هذه الأبيات في قصيدة إهداء إلى «صديقي الأفضل»:

أمدّ يدي ثانية

نحو الزجاجة

لا لكوني

ضعيفاً

بل

قويّاً:

آخذاً تلك الضربة العظيمة

واضعاً الزجاجة جانباً

من جديد: كلّ رجل

يهزم

الاحتمالات

بطريقته المختلفة.

ربما يكون الأمر كذلك. ومع ذلك، فإن شيئاً من هذا لا يفسّر كيف يجعل الكحولُ المرءَ كاتباً أفضل. مثل هذا الإنكار العنيد والدفاعية الجامحة يأخذان منحىً كارهًا للبشر في قصيدة أخرى من المجلّد نفسه، بعنوان «تطهير الصفوف»، حيث يهاجم المؤلّف – بحدّة يمكن وصفها بالفاجعة – السُكارى الذين يدخلون برامج العلاج مثل «الكحوليّون المجهولون»، زاعماً أنّهم:

أناسٌ فظيعون... ما أدخلهم في ذاك الارتباك السخيف، حالة الكحولية الحقيرة هو عينُ ما أستخدمه للتدرّج والانقطاع... بعض الناس يفشلون في كلّ شيء... وهذا ما يثير امتعاض القبيلة الأصيلة: لقد كسبنا مكاننا، نشعر باستحقاقنا وبتكريم في مقامنا، نفضّل ألّا يُمثّلنا دجّالون عديمو القيمة: لا يمكن للمرء أن يتخلّى عن شيء، لم يملكه قطّ.

يبدو ساذجاً وبعيد المنال أن يُدّعى امتياز لمَرضٍ يُدمّر العقل ويلوي الشخصية حتى تصبح عقداً معقدة، ثم الإصرار على أنّ عملية الانحلال التدريجي هذه قادرة على أن تُحوّل المرء إلى كاتبٍ أفضل. هذا الهوس بالشرب ينعكس في الشعر كلّه تقريباً؛ فنجد إهداءً آخر إلى «صديقي الأفضل» في قصيدة لاحقة بعنوان «الشراب الأخير». يُدعى القارئ هنا للتأمّل في مزايا الكأس الأخيرة من النبيذ في المساء (أو الصباح)، مصحوباً بالإيحاء المعتاد بأنّه لولا هذا الشراب الثمين لتبخّر مصدر الإلهام الشعري المقدّس ببساطة. بوكوفسكي، مرّة أخرى، يدافع عن هوسه، ويطلب مصادقتنا وموافقتنا. وبما أنّ التركيز النقدي يجب أن يظلّ منصبّاً على العمل الفني أكثر من عادات الكاتب الشخصية، فإن رسالة القصيدة تصبح في جوهرها بلا صلة؛ إذ لا يبقى بين أيدينا سوى إمكانية إصدار حكم جمالي. ومع أنّ شعر بوكوفسكي قد يكون بليغاً، عميقاً، ومؤثّراً في أفضل حالاته، فإنّه هنا – وفي مواضع أخرى كثيرة، خصوصاً في الأعمال المتأخرة، حين بدأت آثار الإدمان المزمن والوخيم على الكحول تُحدث فعلها الكامل – يبدو مسطّحاً، شبه باهت.

يُثار التساؤل حول مدى إمكان تمييز الأسطر الشعرية عند بوكوفسكي من النثر، وهل لم يكن انكسار الأسطر في كثير من الأحيان اعتباطياً، مصطنعاً فقط لجعل الكلمات تبدو على الصفحة في هيئة قصيدة. تعليق آدم كيرش في هذا الصدد يبدو دقيقاً، وإن لم يكن ينطبق بالضرورة على كل شعره: «شعر بوكوفسكي الحرّ ليس سوى سلسلة من الجمل الخبرية تُقسَّم في عمود ضيّق طويل، فتُعطي الأسطر القصيرة انطباعاً بالسرعة والاقتضاب، حتى حين تكون اللغة عاطفية مبتذلة». وبرأيي، يصعب أن يجد المرء شيئاً أكثر «عاطفية وابتذالاً» من ذلك التأمّل المحبّب المشوّش في كأس النبيذ الأخيرة في «الشراب الأخير».

ونجد النوع نفسه من الاستغراق الضبابي في قصيدة أخرى من الفترة ذاتها، بعنوان «سكران مع بوذا»، حيث يظهر الشاعر مفعماً بالرضى عن ذاته ومسالماً: «نواصل العمل، ونحن نعلم كل شيء عن الموت وعن الفناء... قيودنا [مثل الإفراط في الشراب؟] هي قوّتنا... لقد قطعتَ شوطاً طويلاً، يا صغيري... أواصل الطباعة، ناثراً أي عدد من، الآفاق». وكما أرى، فإن السطر الوحيد الذي يكاد يقترب من تعبير شعري هو الأخير، ذاك الذي يتحدّث عن «نثر الآفاق». أمّا الإشارة إلى كليشيه نسوي سبعيني فلا تستحق تعليقاً، ولا سيما في ارتباطها بإعلانات السجائر في تلك الحقبة. يجادل راسل هاريسون بأن قصائد بوكوفسكي المتأخرة قد تبدو وكأنها تعاني من نقص التعبير التصويري، السمة التقليدية للشعر، وأنها تميل بدلاً من ذلك إلى الطابع الحرفي (أشبه بسلسلة من الجمل الخبرية المقطّعة عشوائياً في أسطر قصيرة). لكنّه يرى أنّ هذا نتاج قصد فنّي متعمّد. فبوكوفسكي – بحسبه – يهجر الاستعارة لصالح المجاز المرسل (metonymy)، ليؤكّد صورة الفرد المحاصر في عالم لا شخصي من أشياء بلا معنى: «إن غياب الاستعارة والإلحاح المستمر على المجاز المرسل يؤكّدان معاً مدى تغلغل العالم المادّي في الذات المهدَّدة، ومدى انصهار الذات ذاتها في ذلك العالم: إذ تُعرَّف الذات في السرد ومن خلال علاقاتها المجاورة بالأشياء».

غير أنّ ما يقصده هاريسون هنا ليس واضحاً لي تماماً. فالمجاز المرسل – وإن كان مغايراً للاستعارة كأداة بلاغية – يظلّ شكلاً من أشكال اللغة المجازية، لأنّه يُبدّل الكلمات بأخرى، وبالتالي يعتمد على التشابه لنقل المعنى، تماماً كما يفعل التشبيه والاستعارة. والحقيقة أنّ ألفاظ بوكوفسكي في قصائده كثيراً ما تبدو حرفية لأنّها كذلك بالفعل. علاوة على ذلك، كما يؤكّد كيرش، فإن «الشعر» يُقرأ كنثر تفسيري. فهل يقرأ هاريسون في نصوص بوكوفسكي أكثر ممّا هو موجود فيها حقّاً؟ وهل ينبع هذا من فرط إعجابٍ ورغبة في الإطراء على النحو الذي وصفه راهف؟ إحساسي أنّ نثر بوكوفسكي وشعره في الأعمال الأولى كانا بالفعل أكثر أدبية وفنية؛ فقد كانا يعالجان خبرات قاسية عصيّة على الفهم السهل، ما جعلها تنزع طبيعياً – بل تتطلّب – لغةً مجازية. أما الكثير من أعماله المتأخرة فانبثق من مزاج أكثر رضا، حساسية مترخية بفعل الأمن المالي والشهرة الشخصية. وقد جادل بعض النقّاد بأن بوكوفسكي خفّف من شرابه تحت تأثير زوجته ليندا. لكن يبدو أنّه وإن انتقل من المشروبات القويّة إلى النبيذ في الغالب، إلا أنّه استهلك كحولاً أكثر من أي وقت مضى، كما يشهد باري ميلز، وكما يظل بوكوفسكي نفسه يفاخر في أعماله المتأخرة.

في إحدى القصص الأخيرة من «حساء سبعيني»، بعنوان «غاضب بما يكفي»، يروي بوكوفسكي ما يبدو أنه حادثة واقعية، تكشف الكثير عن شربه، وعلاقته بزوجته، وموقفه من الكتابة. حين يلتقي بالمعنيّين بإنتاج وتصوير فيلم مأخوذ عن أحد كتبه، تكون بادرته الأولى أن يتحدّى الممثل الرئيس في مسابقة شرب. وبعدها، حين يُلحّ عليه أحد الصحافيين بوصفه «الكاتب الشهير» أن يقدّم بعض الملاحظات الحكيمة عن الحياة، يقدّم هذه الجواهر كدليل على عبقريته الفطرية:

كلّنا محاصرون بالظروف ونصبح عاجزين ونحن نحاول الهرب... وهناك دوماً ذلك اللعين على الطريق السريع الذي يحاول أن يزعجك، وهو لا يعرف من تكون ولا يُبالي. أسوأ من اللامبالاة: أنّه قد يقتلك عن طيب خاطر... كل شيء يتآمر، وقليل جداً ما يهم. والأشياء الكبيرة نادراً ما تهم... ما يهم هو الأمور الصغيرة، مثل التأكّد من أنّ لديك ماءً كافياً في مبرد سيارتك، أو أنّ أظافرك مقصوصة، أو أنّ لديك ما يكفي من ورق المرحاض، أو مصباح احتياطي، أشياء من هذا القبيل... إذا أحسنت تدبير شؤونك التافهة فإن الشؤون الجسيمة ستأخذ مكانها المنطقي... حتى الموت سيكتسب منطقاً كاملاً.

ولكي يطمئننا إلى حكمة هذه الملاحظات، يضيف الكاتب الشهير، حين يعلّق محاوره، على نحو رتيب، «أعجبني ذلك»: «أعجبني أنا أيضاً... حتى لو لم يكن صحيحاً». مثل هذه الالتواءات الساخرة تعزّز صورة الحكمة الغامضة التي لا يمتلكها سوى العبقري، ذاك الذي يظلّ مترفّعاً، معزولاً، ومحصّناً.

ويمضي المؤلّف الشهير في شرابه حتى العرض الأوّل للفيلم، فيهرّب زجاجتين من النبيذ في كيس ورقي إلى صالة العرض، ثم يشرع بالصراخ في ثورةٍ سكرى حين لا يوافق على ما يراه على الشاشة. يحاول الجمهور إسكاتَه، لكنه يصرخ غاضباً، مؤكّداً حقّه، بصفته كاتب السيناريو، في تعطيل المشاهدة. وفي طريق العودة إلى المنزل، يوقفه شرطة لوس أنجلس بتهمة القيادة المخمورة، ويُجبر على الاستلقاء ووجهه إلى الأسفل على الإسفلت المبتلّ تحت المطر بينما يقيدونه، وهو يصرخ طوال الوقت:

أنا أعظم كاتب في القرن العشرين! أهذا ما تفعلونه بخالدينكم؟

بذكاء، يتمكّن تشيناسكي من الهرب من مركز الشرطة بفضل مفتاح سيارة مخبّأ؛ ثم، وهو ما يزال ثملاً، ينطلق بسرعة على الطريق السريع عائداً إلى منزله. تتوسّل زوجته أن يُبطئ، ثم تهجم عليه، بينما لا يزال عند المقود، في ذعر يائس، مخدوشةً وجهه بخدوش استلزمت عناية طبية في اليوم التالي. وفي خاتمة القصة، تأتي نبرة الكاتب متعجرفة. لا ينقل أيّ شعور بأنّه ربما أحرج نفسه، أو عرّض أحداً للخطر. بل يبدو أنّه يعتقد فعلاً أنّه خالد، وفوق اللوم.

تقدّم دورن روبنز ادعاءً معقولاً حين تؤكّد أنّ أفضل قصائد بوكوفسكي «نادراً ما يُجاريها غيرها». ونجد الدليل الواضح على ذلك، إضافةً إلى المقطعين الأبوكاليبتيين المذكورين («دينوصوريا، نحن» و«شيء يطرق الباب»)، في قصيدة «شيء من أجل المراهنين، الراهبات، بائعي البقالة وأنت...» وكذلك في «قصيدة لمديري الموارد البشرية»، وهناك أيضاً الحوار الشعري البالغ القوة، الغامض التأثير، المعنون «حديث» في «حساء سبعيني»، والذي يبدو كأنه محادثة بين جانبين من ذات الشاعر نفسه، أو تبادل مع قرينٍ داخلي، ويحتوي على سطور غنائية آسرة، مقلقة، تلاحق القارئ، مثل:

كلاب السنوات كانت تطاردني والموسيقى رديئة، والطعام مسموم والسجون، مكتظّة... لقد جرعتُ زجاجات لا تُحصى اتّقاءً، للرعب الدائم من الاستيقاظ صباحاً، مقيّداً إلى اللاشيء، عاجزاً عن الدعاء والسحر، شربتُ ما يكفي من الخمر لقتل نصف دستة من الثيران الصحيّة، ومع ذلك استيقظتُ، حياتي المترهّلة تمضي بلا نبض، بلا فرصة للقلب، كما تعلم... فيما الفتيات الحلوات بفساتين الكاروهات يمتصصن جذور الوحوش... النصيحة للعاجزين، قلتُ، قد تكون اختراعاً مرعباً من خنازير ساديّة، متخمة بعصارتها الرثّة... إضافةُ المعرفة إلى المعرفة أمرٌ غير كافٍ... تلك السجّادة التي أكلتها خطوات العالقين ممّن مرّوا، من قبل... أولئك التعساء المساوَم عليهم... أنهار الهول الجارف، لا تجري سوى في اتجاه واحد، إنها تجري نحوك، الحياة لا تمنحك إياها والموت، لا يستطيع أن ينتزعها منك...

ومن المثير أن نلاحظ هنا أنّ ما يزعمه كيرش عن أسطر بوكوفسكي الشعرية قد يكون صحيحاً إلى حد بعيد – أي أنها مؤلّفة من جُمل خبرية تُكسَر اعتباطياً لتبدو في هيئة شعر – إلا أنّ الأسطر المقتبسة أعلاه يصعب وصفها بالابتذال أو العاطفية الساذجة. فقلب التركيب في قوله: «عاجزاً عن الدعاء والسحر»، واللفظة الصادمة في تعبيره: «المساوَم عليهم»، لا يبرزان إلا مثالين على الابتكار واللمعان. هنا يقدّم بوكوفسكي نبرة جبّارة وأسلوباً متفرّداً بحق، يقف – كما تؤكد روبنز – إلى جانب أعظم ما كُتب من شعر.

وهناك مثال آخر بالغ الدلالة على هذا النمط من الإنجاز، تجلٍّ آخر لعبقرية بوكوفسكي، في قصيدة سابقة من الحب كلب من الجحيم، كتبها لشاعرة لم يلتقِها قط، بل راسلها بين الحين والآخر حتى بلغه خبر انتحارها:

فمضيتِ مع المشهورين، وكتبتِ

عن المشهورين، وما وجدتِه، بطبيعة الحال،

أنّ المشهورين قَلِقون على شهرتهم

لا على تلك الفتاة الفاتنة الشابّة في فراشهم،

التي تمنحهم ذاتها، ثم تصحو صباحًا

لتكتب بالحروف الكبيرة قصائد عن

الملائكة والرب.

ونحن نعلم أنّ الرب قد مات، هكذا أخبرونا،

لكن وأنا أُصغي إليكِ لم أكن واثقًا.

ربما كان السبب هو الحروف الكبيرة.

هذه الأسطر رقيقة، حزينة، دقيقة الظلال، وجميلة. لكن الأعوام تمضي، ويستمر تدفّق الكحول. ووفقاً للسيرة التي كتبها باري ميلز، ورغم أنّ العبقري انتقل في الغالب إلى النبيذ، بإصرارٍ من زوجته ليندا، إلا أنّ استهلاكه اليومي صار أكبر من أي وقت مضى، وهو أمر كان الكاتب يتباهى به صراحة. فننتهي إلى قصائد أقل غنائية وأقل شعرية بالفعل، سواء لأن العبقري غدا مترهّلاً أو واثقاً أكثر مما ينبغي، أو لمجرد أنه صار مشوش الذهن بعض الشيء؛ من المستحيل الجزم. لكن الواضح أننا نخطو خطوة كبرى إلى أسفل مع قصائد متأخرة مثل «رغبتي الخاصة»، حيث يفيض علينا الشاعر بمديح للكركند وسرطان البحر في عشاء ليلة الأحد:

حتى وهم أحياء يجعلونني جائعاً... يقولون لي إنهم يسلقونهم، أحياء، وهذا، يثير في داخلي بعض الاضطراب الطفيف، لكن عدا ذلك، فإن الكركند وسرطان البحر من القلائل الذين، يجعلون الأرض مكاناً سعيداً... السرطانات، البيرة، الكركند، امرأة بين الحين والآخر... أقول وأنا أشعل سيجارتي، مفكّراً في عشاء الكركند ليلة الأحد، حب حب حب، يركض جامحاً، من الجيّد أحياناً فقط أن تكون حيّاً، ولديك شيء جميل كهذا، ينتظرك.

لعلّ هذه إحدى القصائد التي كانت روبنز تقصد أنّه يجدر حذفها، وإن كانت بالكاد نتاج «هوس كحولي»؛ فهي، على أية حال، غير ضارّة تماماً. وربما وُصفت بالابتذال والتفاهة. لكن، مهما يكن، فالفارق واضح وصارخ بينها وبين ما كان يبدعه العبقري في سنواته الأولى، الأقل راحة، والأقل فساداً.

الصديق المعاصر، الشاعر أ. د. وِنانز، يحثّنا على أن نوجّه أنظارنا إلى موضع آخر لنقدّر تماماً عبقرية بوكوفسكي واستحقاقه موقعاً في الكانون الأدبي:

حين كان الأصدقاء والكُتّاب المقرّبون يهيمون إعجاباً بشعر بوكوفسكي، كنتُ أحثّهم على قراءة نثره. أجد نثره سريعاً، آسرَ الإيقاع، ومشحوناً دوماً بروح الدعابة. في رأيي، نثره أكثر تكثيفاً وانضباطاً من شعره، الذي يميل أحياناً إلى الترهل وينعكس كثيراً في خواتيم قسرية. وهذا لا يُنقص من حقيقة أنّ كثيراً من قصائده قوية بقدر أيّ قصيدة كُتبت على الإطلاق.

وقد لاحظنا بالفعل أمثلة على شعرٍ يندرج تحت هذه الفئة التي يصفها وِنانز (في توافق مع روبنز هنا أيضاً) – لكن يظل السؤال: كم من قصائد بوكوفسكي تستحق فعلاً مثل هذا الإطراء، لا سيما بين تلك التي نُظمت في سنواته المتأخرة؟ لذلك أرى من المفيد أن نتبع نصيحته ونتحوّل إلى النثر لنرى ما إذا كان ثمّة تغيّر نوعي في كتابات بوكوفسكي عبر الزمن في هذا الميدان. إحساسي أنّ الجواب بالإيجاب، وعلى الأرجح للأسباب ذاتها. فبعض قصصه القصيرة المبكرة، إلى جانب روايات مثل «مكتب البريد»، «العاطل»، «نساء»، و« شطيرة لحم على خبز الجاودار - Ham on Rye»، تقف – في رأيي – بين أرقى ما أُنتج في الأدب الأمريكي. وإذا كان ثمّة جدل حول هذا التقييم، فهو نابع من طبيعة المحتوى المثير للمشكلات، لا من جودة الكتابة ذاتها.

بطبيعة الحال، يتطلّب الأمر بحثاً مطوّلاً لتأريخ جميع المواد الضخمة التي نُشرت حتى الآن بدقة (وهو عمل يتجاوز نطاق هذه الدراسة)، لكن من المؤكّد أن قصة مثل «حياة شحّاذ»، في الصفحات الأولى من «حساء سبعيني»، كُتبت في فترة أسبق بكثير من نصوص أخرى في الكتاب نفسه. أما قصص مثل «كامو»، «شهرة»، و«لا جناح عالياً»، فتميزها سمات القسر وغياب المعقولية أكثر مما يميزها البريق الأدبي. لكن في «حياة شحّاذ» نجد كتابة لا تُنسى بحق. يخبرنا السارد عن هاري: «كان راسياً عند البار. كان ملاذه الوحيد. كان بلا رحمة ودقيقاً». ويتأمّل شخصية رفيقه في الشرب، مكدف: «لم تكن تستطيع أن تكرهه ولا أن تحبه. كان مثل تقويم أو حاملة أقلام». أجواء البار مزيج من الأُلفة والوحشة: «كان يصبح مميتاً بين الشراب والشراب. الروّاد كانوا بحاجة فقط إلى الجلوس في مكان ما. كان هناك حزن عام وخوف لطيف وحاجة إلى الرفقة والثرثرة قليلاً؛ وهذا كان يخفف عنهم».

يرافق هاري مونك، منظّف النوافذ (الذي سيدفعه لاحقاً أمام حافلة)، إلى الحلاق، ويراقب ثرثرته على الكرسي: «ضحك مونك. كان ضحكه أشبه بمشقّ سكين صدئ لقطعة مشمّع. أو ربما كان صرخة موت». هاري، الموشك على الجنون من عطشه إلى الجرعة التالية، يوصي نفسه: «لا تعبث مع الجنون، الجنون لا يعبث». ويسجّل غرور مونك المتعجرف: «حبّ ذاتٍ لا يشوبه إلا وخزة شك». أمّا الطباخ العدواني في مطعم اللحوم الرخيص، حين ينحني على هاري عبر الطاولة: «كان له شعر أنفي طويل، يبعث على الترهيب بقوة، ككابوس غير مُدرج في جدول الأحلام». وفي ختام القصة يتأمّل هاري حركة المرور المسائية: «ألقى نظرة على السائقين. كانوا بائسين. العالم كان بائساً. الناس في الظلمة. الناس مذعورون ومخذولون. الناس عالقون في فخاخ. الناس متوتّرون ومذعورون. كانوا يشعرون وكأن حياتهم تُهدر. وكانوا محقّين».

الغرض من هذا التحليل النصي هو إظهار الجودة الأدبية الرفيعة للكتابة في هذه القصة: استخدام التكرار (anaphora)، الإيقاع السريع المقطوع، النبرة المفعمة بالشجن، وموضوع الحزن الذي يرنّ كمرثية للحمل المأساوي الذي يرزح تحته الإنسان في الحياة اليومية. والأكثر إدهاشاً أن كل هذا يُنجز في بضع صفحات، تروي كيف يتعلّق شحّاذ بائع بيرة براعٍ متفاخر، ثم يدفعه أمام حافلة مسرعة، ويسرق محفظته فيما هو ممدّد يحتضر، ثم ينطلق ليقتات على وجبة مزدوجة من لحم دهني وبطاطس مقلية في مطعم رخيص. لكن في القصص اللاحقة في الكتاب، تتراجع جودة الكتابة. ففي «كامو» مثلاً، يُطلب منا أن نصدّق أنّ أستاذاً جامعياً يتحدّى طالباً لمبارزة بالأيدي على عشب الحرم الجامعي، ثم تعرض عليه طالبة حسناء الجنس مقابل درجة A. ربما، لكن يبدو الأمر مفتعلاً. والأدهى أنه لا توجد هنا أسطر تشدّ البصر كتلك التي في «حياة شحّاذ». ولا حتى قريباً منها. وهذا الحكم يكاد ينطبق على سائر القصص الأخرى، باستثناء محتمل لقصة «أكشن»، التي يبدو هي الأخرى أنّها كُتبت في وقت أبكر.

وإذا عدنا إلى رواية «نساء» بحثاً عن مزيد من الأمثلة على أسلوب النثر وجودته في البدايات، نجد كنوزاً لغوية مشابهة – مهما كان المحتوى فاضحاً، طائشاً، أو متمرّداً. بعض صور بوكوفسكي ليست مبتكرة فحسب، بل مدهشة إلى حد البهجة. أخت ليديا، مثلاً، تُوصف بأنها ثرثارة هوسية أحادية الصوت، ويبدو أنّ الطبع يسري في العائلة:

جلست غليندولين على كرسي وبدأت الكلام. كانت تتكلّم. لو كانت أبا الهول لتكلّمت، لو كانت حجراً لتكلّمت. تساءلتُ متى ستتعب وترحل. حتى بعد أن كففت عن الاستماع كان الأمر أشبه بتلقي وابل من كرات تنس الطاولة الصغيرة... ثم بدأ عرض الأخوات. بدأن يتحدثن معاً. كانتا واقفتين، تلوّحان بأذرعهما، ترتفع أصواتهما، تهدّدان بعضهما بالأذى الجسدي. وأخيراً – عند مشارف نهاية العالم – أدارت غليندولين جذعها دوراناً ضخماً، وانطلقت خارج الباب عبر صرير هائل لباب الشبك، وغابت – لكن ظل صوتها يُسمع، متّقداً متذمّراً – حتى شقتها في آخر الباحة.

إيقاع النثر يقفز بخفّة مرحة. التشبيهات مضحكة – و«كأنها كرات تنس الطاولة» تكفي وحدها لرفع قيمة المقطع بأسره. هذا النوع من الدعابة الصاخبة يملأ النص، ولا سيما في النصف الأول، حيث نتعامل مع ليديا، التي يجب أن تُسجّل كواحدة من أزهى، أجنّ، وأكثر الشخصيات النسائية خطورة وإثارة في الأدب كله. قد يجادل البعض أنّ شخصيتها مستوحاة من امرأة حقيقية هي ليندا كينغ، وليست من اختراع بوكوفسكي. لكن براعة السرد هنا – التوقيت، تنويع النغمة والنسيج، طبقات الظلّ، المزيج بين الهزل والرثاء، وحِدّة الحبكة وجاذبيتها – تبقى فوق النقاش، ونادراً ما وُجد لها نظير.

في رواية «نساء»، نجد مقاطع متكرّرة تنبض بإيقاع خاص وتدفّق طاقي فريد، يجمع بين التأمل الشخصي والانعكاس الفلسفي في مزيج آسِر ومؤثّر، مهما بدا التفكير الكامن خلفها غير منهجي أو عارضًا. هذه المقاطع تكشف عن بُعد إنساني متعاطف، حنون وصادق، في شخصية ذلك العبقري النزِق، المتمرّد على كل مألوف.

حين يذهب تشيناسكي إلى مباريات الملاكمة مع كاثرين (الوحيدة من بين نحو ثلاثٍ وعشرين امرأة يمارس معهنّ الجنس عبر الرواية – وقد عرض الأمر على غيرهنّ أيضًا – التي يفكر فعلًا في الزواج منها)، يجد نفسه قادرًا على الربط بين النساء والكتابة ومعاناة الفقراء دفعةً واحدة، في تأملٍ حرّ أقرب إلى تداعي الخواطر:

كانت العلاقات الإنسانية غريبة. أعني، تكون مع شخصٍ ما لفترة، تأكلان وتنامان وتعيشان معًا، تحبّان بعضكما، تتحدثان، تذهبان معًا إلى أماكن مختلفة، ثمّ يتوقّف كلّ ذلك. وبعد فترة قصيرة دون أيّ أحد، تظهر امرأة أخرى، فتأكل معها وتمارس الحبّ، ويبدو كلّ شيء طبيعيًا، كأنك كنت تنتظرها هي بالذات، وكأنها كانت تنتظرك. لم أشعر أبدًا بالارتياح في الوحدة؛ أحيانًا كانت تبدو مريحة، لكنها لم تكن يومًا صحيحة.

ثمّ يضيف في مقطع آخر:

كانت المباراة الأولى جيدة، مليئة بالدماء والشجاعة. كان هناك ما يمكن أن يتعلّمه المرء عن الكتابة من مشاهدة مباريات الملاكمة أو سباقات الخيول. الرسالة لم تكن واضحة، لكنها أفادتني. وهذا هو المهم: أن تكون الرسالة غير واضحة. كانت بلا كلمات، مثل بيتٍ يحترق، أو زلزالٍ، أو طوفان، أو امرأةٍ تخرج من سيارة وتُظهر ساقيها. لم أكن أعرف ما يحتاجه الكتّاب الآخرون، ولم أُبالِ، لم أكن أستطيع قراءتهم على أيّ حال. كنتُ محبوسًا في عاداتي، في أحكامي المسبقة. لم يكن الجهل سيئًا إن كان جهلَك الخاص. كنت أعلم أنّي سأكتب عن كاثرين يومًا ما، وأن ذلك سيكون صعبًا. كان من السهل أن تكتب عن العاهرات، لكنّ الكتابة عن امرأةٍ طيبة كانت أصعب بكثير.

المباراة الثانية كانت جيّدة أيضًا. كان الجمهور يصرخ ويهتف ويحتسي البيرة. لقد تحرّر مؤقتًا من المصانع والمخازن والمسالخ ومحطّات غسل السيارات – سيعودون إلى الأسر في اليوم التالي، لكنهم الآن طلقاء – كانوا مسعورين بالحرية. لم يكونوا يفكرون في عبودية الفقر، ولا في عبودية الإعانة الاجتماعية أو قسائم الطعام. سنكون جميعًا بخير حتى يتعلّم الفقراء كيف يصنعون القنابل الذرية في أقبية منازلهم.

تتكرّر في الرواية مقاطع بهذا المستوى من الحيوية والذكاء واللذّة الخالصة في الإيقاع والأصالة اللغوية، وهي أكثر من أن تُحصى. يكفي القول إنّ هذه الرواية من تلك التي يقرأها المرء بنهمٍ ورغبةٍ ألا تنتهي أبدًا، ثم يعود إليها مرارًا متزايدة اللذّة. ولا يمكن قول ذلك عن كثيرٍ من الكتب.

لكن حين ننتقل إلى رواية «هوليوود»، الصادرة بعد أكثر من عقدٍ بقليل، نجد شيئًا مختلفًا تمامًا. فعلى الرغم من أن كلتا الروايتين تُرويان بضمير المتكلم، فإنّ بؤرة السرد قد تغيّرت. في «نساء» كان الراوي بمثابة مرآةٍ لفرقةٍ مذهلة من الشخصيات التي لا تُنسى – بعضهنّ، مثل ليديا وتامي، من أكثر الشخصيات إثارة في الأدب الحديث. أمّا في «هوليوود»، فقد تحوّل المركز نحو الكاتب ذاته – نحو عبقريته المزعومة، وتميّزه وانفصاله وتعاليه، وهو ينظر بازدراءٍ متعجرف حتى إلى رموزٍ أدبية كـ«ميلر» و«سارتر» و«غودار»، ويعاضد نجوم السينما، ويظلّ – على الدوام – يتباهى بقدرته الخارقة على احتساء الخمر دون أن يفقد بريق عبقريته المذهلة.

أما مادة الرواية – فساد صناعة السينما – فليست جديدة، ولا تُروى بأسلوبٍ مبتكر أو بذاكرة أدبية مميزة. أكثر ما يبقى في الذهن بعد القراءة هو الانطباع عن نهم الكاتب الذي لا يُروى للكحول، وعن قدرته التي لا تعرف حدًا على الشرب. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الحالة على نثره، فتتراجع النية الفنية والعمق والأثر الجمالي، كما نلمس في هذا المقطع النموذجي:

ما جعل الأمر كلّه عفن الرائحة هو أن كثيرين من الأغنياء والمشاهير كانوا في الواقع حمقى وأوغادًا. لقد حصلوا على مكافآت ضخمة في مكانٍ ما، أو أغنتهم حماقة الجماهير. كانوا عادةً بلا موهبة، بلا بصيرة، بلا روح، مجرد قطعٍ متحركة من الروث، لكنّ العامة كانوا يرونهم آلهةً، جميلين، مبجّلين. الذوق السيّئ يصنع مليونيراتٍ أكثر بكثير من الذوق الجيّد. في النهاية يتلخّص كلّ شيء في عدد الأصوات التي تحصدها. في أرض الخلدان يكون الخلد ملكًا.

قد يرى المريد المتعصّب لبوكوفسكي في الجمل الثلاث الأخيرة أقوالًا مأثورة عميقة، لكنها، في نظري، ليست سوى أحكامٍ سطحية مكرّرة، بل مبتذلة. فليس في هذا المقطع ما يُعدّ أصيلًا أو مثيرًا من حيث الكتابة أو الفكر. ومن المشروع أن نتساءل: هل كان بوكوفسكي ليحظى بذات الشهرة لو أنّ «هوليوود» نُشرت قبل «نساء» أو «مكتب البريد»؟ أظنّ أنّ الإطراء الذي حظيت به الأخيرة مبالغ فيه، لأنها ببساطة صدرت من كاتبٍ بات اسمه سلعةً تجاريةً رائجة. والمفارقة أنّ ما يهاجمه بوكوفسكي هنا بسخطٍ وسخرية – مزيجٍ بين الهجاء وكراهية البشر – ينطبق عليه هو نفسه تمامًا، وإن كان آخر من يعترف بذلك.

صحيحٌ أنّ بوكوفسكي انحدر من الطبقة العاملة، وأنه يُبدي أحيانًا تعاطفًا مع البائسين، لكن لا ينبغي الخلط بين هذا وبين إيمانٍ فعليّ بالتضامن أو بروح الجماعة. كما يحذّر «لوس غلايزر»:

الجميع موضعُ شكّ... وحده الفنان يقف متفرّدًا، متفوّقًا على سائر البشر... أيّ مظهرٍ يوحي بأنه رجلٌ عادي، صديق الجميع، ليس إلاّ قناعًا. بوكوفسكي الحقيقي هو الفنان الشيطاني المنعزل، الذي يمجّد عزلته.

ومع تزايد نجاحه، تزايد شعوره بالأهمية الذاتية، وتسرّبت إلى سلوكه قسوةٌ وتعالٍ. تعكس قصيدته «اللا مكان» هذه النزعة بوضوح؛ إذ يتساءل، بنبرةٍ استعراضية، عن مكان «الأساتذة» الحقيقيين، مستعرضًا الكبار الذين تعلّم أسماءهم من مكتبة لوس أنجلوس العامة، كما لو أنه سكرانٌ متفاخر في حفلة كوكتيل، يوحي ضمنًا بأنه أحدهم، بينما لا يستحقّ أيّ من الكتّاب الأحياء هذا اللقب. يقول في سخطٍ:

هؤلاء الآن، ما هم إلاّ رقائق لينة... أيّ بلادةٍ في اللغة! يا لها من حيلةٍ خسيسة ضد الورق... ضد الصفحات... ضد الشهيق والزفير.

وكما تساءلنا في عبارته عن «الأخطاء الإنسانية» لدى «الجماهير»، يمكن أن نتساءل هنا عمّا يقصده حين يدين هؤلاء بما يسميه «جرائم ضد التنفّس». هل كان يعني التطهير العرقي الأدبي؟

يملك بوكوفسكي، دون شك، حقّ الدفاع عن حرّيته الإبداعية في أن يخلق بشروطه الخاصة، متحرّرًا من القوالب المفروضة عليه بالتقليد أو العُرف. بل يمكن القول إنّ هذا واجبٌ أصيل لكلّ فنان، فبدونه لا يمكن للتجربة الإنسانية أن تتقدّم. غير أنّ بيانه الشعري «اغتصاب الأمّ المقدّسة»، على ما فيه من حماسةٍ وبلاغة، يفيض غضبًا يكاد يفرط في الدفاع عن حرية التعبير، حتى يبدو وكأنه ينقلب إلى عداءٍ للإنسانية ذاتها. فالنقّاد – بحسبه – ينتمون إلى «هيكل المنافقين والدجّالين»، يعيشون حياةً ذليلة يخشون فيها فقدان «زوجاتهم، سياراتهم، عشيقاتهم، وظائفهم الجامعية»، وهم ببساطة «الأموات المولودون بالتزاوج الداخلي». النغمة صريحةٌ وغاضبة، لكنها أيضًا تنضح بالكراهية والاحتقار. إنّ المطالبة بمكانٍ مشروعٍ للذات أمر، وازدراء الآخرين جميعًا أمرٌ آخر تمامًا.

ولا ريب أنّ تشارلز بوكوفسكي يستحقّ أن يُعدّ من الأسماء الأدبية الكبرى، لكن مع الاعتراف بعثراته وانحرافاته – بما ولّدته اللامبالاة، والتراخي، والإدمان الشديد على الكحول، والنرجسية المفرطة. يمكن اعتباره النموذج الأقصى للأنانية في ثقافةٍ تُكرّس الانغماس في الذات بوصفه القاعدة الحتمية. غير أنّ تطرفه أحيانًا في ممارسة حرية التعبير يستدعي التوقّف والمساءلة.

في «نساء»، مثلًا، يخاطب تشيناسكي طفلًا في الثامنة، هو «تونتو» ابن «ليديا»، فيقول له مشيرًا إلى صرخات أمه أثناء العلاقة:

أنت تعرف أنّ أمك حين تصرخ ليلًا فأنا لا أضربها. أنت تعرف من المتورّط حقًا... لماذا لا تأتي وتساعدني؟

قد تُعتبر هذه الجرأة تجاوزًا فكاهيًا للتابوهات، لكنها أيضًا تثير قلقًا أخلاقيًا حول تعريض طفل لمثل هذا الخطاب. ثمّة أيضًا مسألة الحدود التي يبلغها تشيناسكي في تبنّي فكرة انعدام الكبح، ومدى انحداره الأخلاقي. فالجنس في عالمه غالبًا ما يبدو عنيفًا، وحشيًا، بل قاتلًا. يقول معترفًا:

فكرة الجنس كشيءٍ محرّم كانت تثيرني إلى حدّ الجنون. كان الأمر أشبه بحيوانٍ يطعن آخر حتى يخضع له.

يتكرّر هذا المعنى بصيغ مختلفة في الرواية. فحين ترفض «ميرسيدس» المواقعة الطبيعية، يعتدي عليها قسرًا. ومع «كاثرين» يخبرنا بأن الجنس معها «كان كاغتصاب العذراء مريم». أما مع «نيكول»، فهو يقول ببرودٍ: «أعطيتها ثلاث أو أربع طعناتٍ قاسية، فشهقت. الآن عرفت ما معنى أن تعرف كاتبًا معرفة شخصية... كنت أضاجع مثقفة... لم أشعر باهتمامٍ خاصّ بها، كان الأمر مجرّد تسلية».

تمتدّ هذه النزعة إلى تامي، التي يفرض عليها العلاقة وهي شبه غائبة عن الوعي في فندق تشيلسي:

اتجهت مباشرةً إلى لبّ تامي. على طريقة الكلاب. فالكلاب تعرف الأفضل... كانت تحاول أن تتكلم رغم الحبوب. قالت: 'هانك'...

ومع «آيريس»، الشابّة المتحمّسة التي يلتقيها في فانكوفر، لا يختلف المشهد كثيرًا:

منحتها جماعًا قاسيًا قديم الطراز... لطالما أحببت لحم الخنزير الكندي... تلك العاهرة بحذائها الأحمر وجواربها الطويلة – كانت تستحق ما سيأتيها مني. حاولت أن أشطرها نصفين... كان الأمر كجريمة قتل. امتلكتها.

وفي لقاءٍ عابر مع معجبة، حين يكتشف أن شكلها لا يروق له، يعلّق ببرودٍ:

لم تكن فالنسيا على ذوقي بأيّ معنى من المعاني. كرهتها. هناك أناسٌ تزدريهم فور لقائهم.

لكنّ ذلك لا يمنعه من المضيّ قائلًا:

مجامعةٌ أخرى. بحثٌ ميداني. لا إحساس بالانتهاك. الفقر والجهل يخلقان حقيقتَهما الخاصة. كانت لي. كنّا حيوانين في الغابة، وكنت أقتلها.

أما «تانيا»، التي تبدو بالكاد في الثامنة عشرة، فتستثير فيه نغمةً من أبشع ما كتب:

كانت طفلةً تغتصبني... لحمٌ بلا حبّ. كنّا نملأ الهواء برائحة الجنس الخالص. طفلتي، طفلتي. كيف لجسدك الصغير أن يفعل هذا؟... كنّا غريبين تمامًا. كان الأمر كأن تضاجع قذارتك الخاصة.

لا شكّ أنّ كتابات بوكوفسكي أسهمت في تحرير موضوع الجنس الإنساني بوصفه مادّة أدبية مشروعة، تمامًا كما فعل هنري ميلر من قبله. ومن هذه الناحية، فإنها تبعث على الجرأة والتجديد، إذ إنّ الكبت وحده هو ما يحوّل الرغبة إلى انحراف. غير أنّ بين الحرية والانفلات خيطًا رفيعًا، يتطلّب حسًّا أخلاقيًا مرهفًا للتمييز.

حتى تشيناسكي نفسه يتأمل في ذلك وهو يودّع «آيريس» في المطار:

كان الجنس رائعًا... لم يكن بلا إحساس، لم يكن لحمًا ميتًا يلتقي لحمًا ميتًا. كنت أكره ذلك النوع من العلاقات العابرة... غرباء عند اللقاء، غرباء عند الفراق – صالة رياضية لأجسادٍ تستمني بعضها البعض. الناس بلا أخلاق يظنون أنفسهم أحرارًا، لكنهم في الغالب عاجزون عن الشعور أو عن الحبّ. فصاروا متأرجحين، أموات يجامعون الأموات. لم يكن في لعبتهم مقامرة ولا فكاهة – كانت جثةً تضاجع جثة. الأخلاق مقيّدة، لكنها متجذّرة في الخبرة البشرية عبر القرون. بعض الأخلاق تُبقي الناس عبيدًا في المصانع، في الكنائس، أو أوفياء للدولة. وأخرى ببساطةٍ منطقية. الأمر أشبه ببستانٍ فيه ثمارٌ سامّة وأخرى طيبة، عليك أن تعرف ما تأكله وما تدعه.

كلامٌ يبدو معقولًا بما يكفي، وقد يرغب القارئ في منحه الثقة على توازنه بين الحرية والانضباط، لما تمنحه كتاباته من تحرّرٍ نشِط من القيود التطهرية الفارغة. ومع ذلك، تبقى إشارات مقلقة في نصوصه، تجعل المرء يتساءل إلى أيّ مدى يمكن أن يذهب، وإلى أين يقودنا ذلك. ففي قصيدةٍ كتبها تقريبًا في فترة «نساء» بعنوان «مُلوّحًا ومُلوّحًا بالوداع»، يقول:

تمدّدتُ ومارست العادة السرية وأنا أفكر بفتاة صغيرة رأيتها قبل أسبوعٍ تركب درّاجةً حمراء.

قد لا يُعرف من يقصد تحديدًا، لكن اقتران عبارة «فتاة صغيرة» بـ«درّاجة» يبعث على القلق. وفي قصيدة «فتيات في الجوارب النايلون» من المجموعة نفسها، يتخيّل مشهدًا شهوانيًا لفتياتٍ في الثالثة عشرة عند موقف الحافلة؛ وربما يُظنّ ذلك خيالًا عابرًا، غير أنّه بعد صفحاتٍ قليلة فقط يكرّر المشهد نفسه، لكن هذه المرة يصرّح:

أنا مهووس بالتلصص، أدور حول المكان وأتوقف، أحدّق وأمارس العادة السرية.

في قصة قصيرة تتناول معاناة الكاتب مع جمود الإبداع، ومحاولته ابتكار حلقة جديدة من سلسلته الشهرية في مجلة إباحية، يتأمل الراوي فكرة صادمة ومثيرة للاشمئزاز، إذ تخطر بباله إمكانية الاعتداء على طفلة صغيرة في عيادة طبيب الأسنان كـ«بحث ميداني» يساعده على كسر جمود الكتابة: «وجدتها! هكذا قال مارتن في نفسه: رجل يتحرش بطفلة صغيرة في غرفة انتظار طبيب الأسنان بينما أمها تُستأصل لها ضرس العقل. اجعلها واقعية ومروّعة، ولكن طريفة في الوقت نفسه. الرجل يريد أن يفعل، لكنه لا يريد، ومع ذلك، بطريقة ما، الطفلة تغريه. وعندما تخرج الأم، يكون الرجل قد وضع سروال الطفلة الداخلي على رأسه».

يتقدّم الراوي نحو الطفلة، لكن الأم تعود في اللحظة الأخيرة، فيكتفي بأن يتحرش بالممرضة بدلًا منها. من الصعب تحديد الأبعاد الأخلاقية لمثل هذه القصة أو استجلاء مقاصدها، وليس هذا ما أهدف إليه هنا. ما أريد الإشارة إليه ببساطة هو سبب آخر يجعل تقييم أعمال بوكوفسكي نقديًا وأكاديميًا، وتحديد مكانته الحقيقية في السرد الأدبي، أمرًا إشكاليًا للغاية. فالهجوم الكلي عليه ورفضه المطلق أمر غير منصف، لكن تمجيده الأعمى ورفعه إلى مرتبة الأيقونة عبث مبالغ فيه في المقابل. التقييم المنصف، في رأيي، يحتاج إلى كثير من التفكير والتمحيص الدقيق والفرز الواعي بين الغث والسمين.

وأرى قبل كل شيء أن الإطراء على الرجل بوصفه «الكاتب السكير» يسيء إليه أكثر مما يمجده، كما فعل جيفري غوميز في مقال نشره عام ١٩٩٢ بعنوان جذّاب لكنه ساذج ومضلّل: «قلم وكأس». يقول غوميز:

قلة من الإرث الأدبي يمكن أن تكون متصلبة كما هو الحال مع إرث بوكوفسكي – تلك الصورة الضبابية لـ 'هانك' بوكوفسكي وزجاجته الجميلة. هذه الصلة الأمريكية الفريدة بين الكتابة والخمر ربما وضع أسسها فولكنر، فيتزجيرالد، همنغواي، ولوري، لكن أكثر من أيٍّ منهم، بوكوفسكي هو من حافظ على أسطورة السكران الأديب. ورغم أن أولئك السابقين تركوا لنا بعض الروائع، فإنهم ماتوا ضحايا للزجاجة. أما بوكوفسكي، ففي الحادية والسبعين من عمره، ما زال يطحن بعناد لا يلين: يكتب ويشرب، يشرب ويكتب.

اعذروني إن لم أشارك هذا التبجيل الساذج، لكنه محض هراء. فالكثير مما كتبه بوكوفسكي تحت تأثير الخمر كان ضعيف المستوى، وبعضه مريب من حيث الذوق والأخلاق الأساسية. أنكر الرجل إدمانه، وراح يفتن تدريجيًا بنجاحه وشهرته، حين كان الأجدر به أن يظل مثابرًا، مدركًا مسؤوليته كفنان. كثير من أعماله، وسلوكه الشخصي أيضًا، يعكسان نزعة عدوانية متعجرفة مصدرها السكر والعُجب. لقد انغمس في فكرة عبقريته الخاصة، وأخذ يتصرف ويكتب كما لو أن الروائع تتدفق طبيعيًا من أصابعه كلما جلس إلى طاولته وبجانبه زجاجته «الجميلة».

ومع ذلك، فإن عبقرية تشارلز بوكوفسكي كانت حقيقية، وبقيت قوة فاعلة حتى اللحظات الأخيرة من حياته. فروايته الأخيرة «أدب رخيص» أصيلة ببراعة في جوانب كثيرة، وإن كانت تفتقر إلى النَفَس اللغوي القوي والمفعم بالألوان الذي ميّز أعماله في السبعينيات والثمانينيات. والمثير للإعجاب والعاطفة في آن، أنه ظل يكتب الشعر حتى خلال مرضه الأخير. بل إني أعتقد أن إحدى آخر قصائده، بعنوان « تدنو الشمس من المغيب»، التي يتأمل فيها اقتراب موته، تُعدّ من أروع ما كتب على الإطلاق. حين نظمها، كانت العاطفة التي حركت أصابعه على المفاتيح متصلة بعمق بالصوت الغنائي والقلب الشجاع الذي أنتج عبر العقود كمًّا هائلًا من الكلمات، ومنحنا بعضًا من أجمل سطور ذلك المتمرّد العجوز:

إنها تزعج الشباب أكثر، أظن:

موت بطيء بلا عنف.

ومع ذلك، تجعل أي إنسانٍ يحلم؛

تتمنى سفينة قديمة،

بشراع أبيض متقشر بالملح،

والبحر يهتزّ معلنًا عن لمحاتٍ من الخلود.

البحر في الأنف،

البحر في الشعر،

البحر في النخاع، في العيون،

نعم، هناك في الصدر أيضًا.

هل سنفتقد

حب امرأة، أو موسيقى، أو طعامًا،

أم الوثبة المجنونة للحصان العظيم

وهو يركل التراب والمصير

عاليًا وبعيدًا،

في لحظةٍ واحدةٍ من لحظات غروب الشمس؟

إن عبقرية الرجل، مثل شجاعته التي لا تلين، واستقلاله الصارم عن كل قيد، كانت هائلة. غير أن عقله اللامع أثقلته الخمر أكثر مما حررته. فقد بدأت كدرعه في وجه الألم، ثم تحولت شيئًا فشيئًا إلى أسوار قلعته التي احتمى خلفها من عالمٍ ازدرَاه. كتاباته، وقراءه، خسروا الكثير بسبب ذلك. يمكننا أن نحتفي بأعظم أعماله دون شعور بالذنب أو التردد، ويجب أن نواصل المطالبة بالاهتمام والتقدير الذي تستحقه عن جدارة. لكننا لا نكرّمه حقًا إن نحن رفعناه إلى مقام القداسة، أو أوهمنا أنفسنا بشأن حدود عطائه، وأبعاده الحقيقية، في عالم الأدب الإنساني.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق