لم يَبقَ شبحٌ يَخطرُ بين الأرجاءِ

 

المأساة هي أسمى تعبير عن القيمة اللامتناهية للحياة الإنسانية.

– ج. ك. تشسترتون، اثنا عشر رجلًا

قال ويليام فوكنر في خطابه عند تسلّمه جائزة نوبل: «أؤمن بأن الإنسان لن يكتفي بأن يصمد فحسب، بل سيتغلّب وينتصر. فهو خالد، لا لأنه وحده بين المخلوقات يمتلك صوتاً لا ينضب، بل لأنه يملك روحاً، قادراً بها على التعاطف والتضحية والصبر. إن واجب الشاعر والكاتب أن يكتب عن هذه الأشياء».

في زمنٍ أرهقته حربان عالميتان، وألقى الخوف بظلاله على القلوب، وأضحى سؤال بقاء الإنسان مطروحاً على ألسنة الكثيرين، جاء فوكنر ليذكّر الفنان بأن واجبه لا يقتصر على تسجيل ملامح المناخ الثقافي الراهن، بل أن ينفذ إلى أعماق الروح الإنسانية ويكتب عن الخصال الخالدة التي تصنع جوهر إنسانيتنا. لقد كان يخشى أن يكون الانغماس المفرط في هموم الحاضر قد أنسى الإنسان تلك «الشجاعة والكرامة والأمل والكبرياء والرحمة والشفقة والتضحية التي كانت مجد ماضيه». وإذا ما نسيها، فهو مهدد بفقدان إنسانيته.

لم يكن فوكنر يخشى فقط من أن الحروب والقنابل قد أنست الإنسان إنسانيته؛ بل كان يخاف أن الروح الحداثية نفسها، بما حملته من نفعية وفردانية وسعي نَهِم وراء القوة والملكية، تنزع عن الإنسان الفضائل والحقائق التي تشكّل روحه. ومن خلال أعماله وقف مقاوماً لما اعتبره شروراً في الرؤية الحداثية، تهدد جوهر القلب البشري. وكما يرى إدموند فولب في كتابه «دليل القارئ إلى فوكنر»، فإن المجتمع الحديث في أعمال فوكنر هو قفرٌ قاحل، «يُجرّد الإنسان من إنسانيته بإجباره على استزراع قيم زائفة وتشجيع ضمور الفضائل الجوهرية: الشجاعة والجلَد والصدق والصلاح».

وفي خطابه أمام «النادي الإنجليزي بجامعة فرجينيا»، يشير فوكنر إلى أن شخصيات الرواية الحديثة، التي تعكس صورة الإنسان الحديث، تختلف عن رجال الماضي الذين كانوا «جماًّ غفيراً يغلي ويضطرب، ولكنه آمن واعتقد وسلك وفقاً لا لمصالح، بل لمبادئ أخلاقية». ومع فقدان هذه المبادئ، فقد الإنسان روحه وانقطع عن إنسانيته الجامعة، إذ لم يعد ثمة مكان «يمكن أن يخاطب فيه إنسان فردٌ إنساناً فرداً آخر عن أشياء بسيطة كالأمانة مع النفس والمسؤولية تجاه الغير وحماية الضعيف والرحمة والشفقة على الجميع، لأنها لم تعد موجودة». لقد صار المجتمع الحديث يعرف الإنسان لا بصفته فرداً، بل عضواً في «جماعة منظّمة من فصيل اعتباطي من نوعه». فعندما يُستبدل الإنسان بوظيفته، يفقد جوهره. وهكذا عُزل الإنسان وسُلب فرديته وانتماءه، ولم يعد سوى ترسٍ في آلة الصناعة والتقدّم.

وبسبب هذا الانحراف القيمي، كان المجتمع الحديث يهبط بالإنسان إلى مرتبة الحيوان، إلى مجرد قشرة باهتة وظلّ لصورة إلهية سابقة. وفي خطابه نفسه، يحذّر فوكنر من خطورة اعتبار الإنسان مجرد حيوان منتج متعاون وفق مهام مشتركة، مستشهداً برواية سالينغر «الحارس في حقل الشوفان». ويقول إن مأساة هولدن كولفيلد لم تكن لأنه «لم يكن صلباً أو شجاعاً أو جديراً بما يكفي ليُقبل في إنسانية البشر»، بل لأن «حين حاول الدخول إلى الجنس البشري لم يجد هناك جنساً بشرياً». فالحداثة، إذ جردت الإنسان من القيم المتعالية التي تشكّل روحه الخالدة، سلبته ما يميزه عن الحيوان. وكان فوكنر يرى أن هذا التحوّل الثقافي والانزياح القيمي قد ينزع عن الإنسان إنسانيته بطريقتين: إما عبر إذعانه للقيم الحداثية الجديدة، أو عبر تمسكه بالتقاليد الجنوبية البالية. وقد اعتبر أن كليهما، الروح الحداثية والرموز الجنوبية العتيقة، يخلو من الفضائل الجوهرية التي تحيي الروح.

فكما أن الانغماس في الحداثة يهدد بطمس الروح الإنسانية، فإن مقاومة التغيير على نحو جامد لا يقل خطراً. ومع انتقال الثقافة الحديثة بالمجتمع الجنوبي إلى ما بعد تاريخه وإرسائها نظاماً جديداً، صارت التقاليد التي يتمسك بها البعض أوهاماً خاوية. ويرى فوكنر أن القيم الثقافية إذا انفصلت عن الفضائل والحقائق المتعالية للروح الإنسانية، فإنها تصير هدّامة ويجب نبذها. ويؤكد في «الجلسة الثانية عشرة» من مقابلاته بجامعة فرجينيا أنه رغم كراهيته لخصائص كثيرة في «الجنوب الجديد»، «[فمن] الحماقة أن يكون المرء ضد التقدّم، إذ إن كل إنسان جزء من التقدّم وعليه أن يتعامل معه». وفي انسجام مع ذلك، يصرّح ريتشارد بي. آدامز في كتابه «ويليام فوكنر: الأسطورة والحركة»: «لكي ينضج الجنوبي الشاب في عصرنا، عليه أن يطرح جانباً أي تعلّق عاطفي مفرط بالجنوب القديم [...] ويصبح مواطناً في العالم كما هو الآن، ليسهم بجهده في صياغة مستقبله». فالتقاليد، متى اقتلعت من جذورها الروحية، قد تدمر الروح كما تفعل الحداثة ذاتها. ومن أراد أن يحافظ على روحه، وجب عليه أن يواكب حركة الثقافة دون أن يسمح لنظامها القيمي بتجريده من إنسانيته.

ولأن فوكنر كان يرى أن الثقافة الحديثة تُجرّد الإنسان من إنسانيته وترفض القيم الجوهرية المكوّنة لروحه، فقد وجّه تحدّياً للشباب من الكتّاب في خطابه بجامعة فرجينيا قائلاً: 

مأزق الكاتب الشاب [...] هو أن ينقذ البشرية من أن تُخصى كما يُخصى الفحل أو الخنزير أو الثور؛ أن ينقذ الفرد من الذوبان في المجهول قبل أن يفوت الأوان وتختفي الإنسانية من الكائن الذي يُدعى إنساناً. ومن أحق بإنقاذ إنسانية الإنسان من الكاتب والشاعر والفنان، إذ من ذا يخشى فقدانها أكثر منهم، وهي دمهم الذي يحيون به؟

مدفوعاً بهذا اليقين، كرّس فوكنر نفسه لكتابة قصص تعكس قلب الإنسان وترفعه وتلهمه ليستعيد إنسانيته المسلوبة على يد الحداثة. بدأ هذه المسيرة مبكراً في عمله المأساوي «الصخب والعنف» الذي يصوّر سقوط عائلة كومبسون، وأتمّها في روايته الفائزة بـ«بوليتزر» «مثَل» (A Fable). فمع أنه لم يكن قد بلور حكماً متكاملاً على الحداثة بعد حين كتب «الصخب والعنف»، إلا أنه شرع منذ ذلك الحين في استكشاف آثار النظرة الطبيعية والميكانيكية إلى الإنسان، وهي الرؤية التي اكتملت عنده في «مثَل». وتشكل الروايتان معاً استقصاءً متكاملاً للطرق المدمرة التي قد يستجيب بها الإنسان للتحوّل القيمي الحديث، والأهم من ذلك: كيف يمكن للإنسان أن يتغلّب ويثبت إنسانيته في خضمه.

ففي «الصخب والعنف»، يبدأ فوكنر استقصاءه لآثار الحداثة المؤلمة عبر تصوير انحدار عائلة كومبسون الآيلة إلى الفناء. إذ تمثل العائلة شِقَّيْ أثر الحداثة: الانغماس في قيمها من جهة، والعجز عن الفكاك من تقاليد الجنوب المحتضر من جهة أخرى. ويجسد السيد كومبسون أبلغ صورة لرؤية الحداثة البائسة للإنسان والمعنى؛ فهو يرى القيم المتعالية مجرد أوهام اخترعها البشر، ويختزل الإنسان في جملة من الجزيئات الميتة. في حديثه مع كوينتن يقول إن الإنسان «مجموع تجاربه المناخية [...] الإنسان مجموع ما شئت. مسألة خصائص مشوبة، يُساق إزعاجها نحو لا شيء ثابت: جمود من غبار ورغبة». وهذه النظرة المظلمة تدفع كوينتن إلى اليأس، إذ لا يستطيع أن يتخلّص من كلمات أبيه الطبيعية القاسية: «كان الأب يعلّمنا أن الناس جميعاً مجرد دمى محشوة بنشارة الخشب، كُنسَت من المزابل حيث أُلقيت الدمى السابقة، تسيل نشارة الخشب من جرحٍ ما في جانبٍ ما، ذاك الذي مات لا من أجلي». إن هذا التذكر الأليم يعكس رفضاً مزدوجاً: لقيمة الإنسان الفطرية، ولشخص أنبل الذي يمثل التقاء المتعالي بالمادي، مانحاً الأمل بأن لمحنة الإنسان معنى باقياً. وهكذا جسّد السيد كومبسون يأس الروح الحداثية.

غير أن التقاليد الجنوبية لم تحمل أملاً كذلك، كما يبين حال عائلة كومبسون كلها. فهم يعيشون في الماضي وفق «شيفرة الجنوب»، كما ترمز إليه الساعات التي لا تشير إلى الوقت الصحيح. فالساعة التي تشير دوماً إلى زمنٍ غابر إنما تمثل العائلة ذاتها: «كانت الساعة تدق ببطء وجلال. كأنها النبض الجاف للبيت الآيل إلى الخراب نفسه». لقد ظلوا يقاومون الزمن، وبسبب رفضهم أن يتحركوا مع العالم، أخذوا يتلاشى وجودهم شيئاً فشيئاً. وكما يلاحظ جان بول سارتر في مقاله «الزمن عند فوكنر: الصخب والعنف»: «يمضي الإنسان حياته يصارع الزمن؛ والزمن، كالحامض، يأكل الإنسان، يقتلع الإنسان من نفسه ويحول بينه وبين إدراك إنسانيته. فكل شيء يغدو عبثاً». فكما أن الانغماس في قيم الحداثة يجرّد المرء من إنسانيته، فإن مقاومة التغيير تودي به إلى المصير ذاته.

وتجسد السيدة كومبسون خطر مقاومة الزمن والثقافة؛ إذ تتمسك بجمودٍ بالتقاليد القديمة، فتغدو خاوية من الفضيلة الحقيقية. إنها أنانية تماماً ولا تبالي إلا بنفسها، ومع ذلك تتوهم أنها فاضلة لأنها «سيدة جنوبية». حين تسأل ديلسي عن السبب الذي جعل الرّب يسمح بانتحار كوينتن تقول: «لا يمكن أن يكون ذلك لمجرد تحديني وإيذائي. أياً كان الرب فلن يسمح بهذا. فأنا سيدة». إنها تعتقد أنها تضحي لأجل الجميع وتجسد رقة الجنوب، لكنها لا تفعل شيئاً من ذلك. وإيمانها بدوره أجوف: تطلب من ديلسي أن تعطيها الكتاب المقدس، لكنها ترفض أن يُفتح النور في غرفتها لتقرأه. إنها تمثل عزلةً وجموداً عن حركة الثقافة، مما يجعل خصال الجنوب التي كانت يوماً ما تمنح الحياة، خاوية جوفاء. وبتمسكها بهذه التقاليد الميتة، تفقد روحها.

خلال الرواية، يدرك الزنوج أن عائلة كومبسون ليست على ما ينبغي أن تكون عليه: يقول روسكوس: «لا وجود للحظ في هذا البيت». فهم يدركون أن هذه العائلة آيلة إلى الفناء؛ إذ إن جنازة «دامَدي» التي تُروى في أحد أهم الاسترجاعات في القسم الأول، إنما ترمز إلى موت العائلة بأكملها. وكما يلاحظ مايكل ميلغيت في مقالته «الصخب والعنف»، فإن «الشفق» كان العنوان الأول الذي اختاره فوكنر للرواية، ورغم أنه لم يصبح العنوان النهائي، فإنه يعبّر بدقة عن الحالة الوجودية لعائلة كومبسون: «فبصفته عنواناً للرواية كلها، فإن الكلمة توحي فوراً بانحلال العائلة، وقد أُمسكت عند اللحظة التي توشك فيها أمجاد الماضي المشرق أن تتلاشى إلى زوال نهائي». كما أن ذكريات كوينتن الكثيرة عن كادي في أوقات الغسق تعزز صورة الشفق باعتباره رمزاً مركزياً في الرواية. فـ«كادي»، التي تمثل الأمل والحياة والمعنى، أخذت تتلاشى في الظلمة، تماماً كما كانت العائلة برمتها تنحدر إلى الفناء. وهكذا يصبح انحدار عائلة كومبسون رمزاً مزدوجاً: تدميرية الحداثة، وانحلال القيم الجنوبية القديمة في آنٍ واحد.

إن استقصاء فوكنر لآثار التحوّل الحداثي المدمرة قويّ في الصخب والعنف، لكنه لم يتطرق فيه إلى مدى شمول هذه التدميرية. ولم يتسع منظوره إلا في مثَل (A Fable)، حيث وضع الصراع الداخلي نفسه في مسرح العالم، مقارباً الحداثة في إطار الإنسانية جمعاء. وبوصفها إعادة صياغة للموضوعات التي ظهرت أولاً في الصخب والعنف، تمضي رواية مثَل في استكشاف آثار الروح الحداثية بعمق أكبر. فالوصف والشخصيات فيها وُضِعَت عمداً كرموز للثقافة وردود أفعالها تجاهها. ومناخ الحرب يمثل مناخ العصر الحديث: «الأسلاك، والخنادق المكتظة، الصامتة بأسلحة نائمة ورجال مذهولين، مرتبكين، يقظين، مشوشين ومندهشين بالأمل». وعبر خلفية الحرب العالمية الأولى والشخصيات التي تتحرك في فضائها، تعكس الرواية تصور الحداثة أن الإنسان ليس كائناً أخلاقياً ذا قيمة ذاتية، بل مجرد أداة، قطعة بلا قيمة في آلة العالم. إن التسلسل الهرمي العسكري، والنظرة إلى الجنود كأدوات للحرب، هما انعكاس للنظرة الحداثية الأشمل التي ترى الإنسان مجرد ترسٍ في سلسلة من الأجزاء الوظيفية، سواء في التجارة أو المجتمع أو الدين. وبحق يؤكد فولب أن «التسلسل الهرمي العسكري، الذي يمثل في الرواية جميع المؤسسات التي تمارس السلطة على الفرد، إنما هو من صنع الإنسان، وبذلك فهو يمثل أحد معضلات الحداثة: أن الإنسان قد صنع وحشاً يُرجعه مجرد أداة».

وبسبب موقف فوكنر السلبي تجاه الروح الحداثية، ينتقده نورمان بودهوريتز في مقالته «ويليام فوكنر ومشكلة الحرب: مثَله في الإيمان»، قائلاً إنه يقدم تصوراً تبسيطياً للحداثة. إذ يرى بودهوريتز أن فهم فوكنر للحداثة ضيق، وأنه لا يعترف بمزاياها، مثل «العقلانية والتسوية والتسامح والاختيار الرصين» التي اتسمت بها الطبقة الوسطى. ويزعم أن فوكنر، في مثَل، ومن خلال استدعائه لقصة المسيح كمثَل أساسي للحكاية، إنما يكشف عن «نزوع للهروب من تعقيد عالم لا يصبر عليه، ولا يستطيع فهمه». غير أن بودهوريتز في هذا مخطئ؛ ففوكنر لا يسعى إلى الهروب من تعقيد الحداثة، بل إلى بيان أنها بتعقيدها فقدت ما يجعل الإنسان إنساناً: الخصائص التي تجلت أوضح ما تكون في شخص المسيح، «ابن الإنسان»، الذي جسّد فضائل الشجاعة والكرامة والأمل والرحمة والشفقة والتضحية. ويرى روبرت بن وارن هذا الرأي في مقالته «فوكنر: الجنوب، الزنجي، والزمن»، مؤكداً أنه وإن كان بودهوريتز محقاً في الإشارة إلى بعض إيجابيات الحداثة التي تجاهلها فوكنر، فإن «كل مكسب في الحياة يحمل معه احتمالات الخسارة. فالمستقبل يظل مفتوحاً، و'التقدّم' ليس قطاراً آلياً يفضي بالضرورة إلى النجوم، ولا يوجد ضمان مكتوب بأن أخلاق الطبقة الوسطى أو التقني (أو العالِم) ستصمد أمام اختبار النجاح». فإذا كان للحداثة بعض القيمة، فإن الاتجاه الثقافي العام، كسائر «روح العصر»، يظل مستحقاً للنقد.

ولم يكن مقصد فوكنر مجرد إدانة الثقافة الحديثة بدافع كراهية، بل أراد أن يوقظ القارئ من أبناء زمنه ليناضل ضد آثارها المجرِّدة للإنسانية، إذ إنها تسلب البشر جوهر إنسانيتهم. وإن تحليل بودهوريتز لرواية مثَل هو بحد ذاته تأكيد حزين لمخاوف فوكنر من أن الحداثة أفقدتنا القيم التي تصوغ قلب الإنسان: يقول بودهوريتز: «في النهاية، تجعلنا الرواية نتساءل إن كان سيأتي يوم يستطيع فيه كاتب أن يصرف النظر عن السياسة لصالح الاعتبارات الكبرى دون أن يبدو كصدى بارد لعالم ميت». فهذا القول، الذي يفترض أن الكاتب لم يعد قادراً أن يكتب عن الغاية والفضيلة والروح الإنسانية دون أن يُتّهم باللاعصرنة، إنما يؤكد خوف فوكنر من أننا بالفعل نفقد إنسانيتنا؛ فـ«الاعتبارات الكبرى»، مثل الإيمان والأمل والعدالة والنزاهة والشجاعة والكرامة، قد غابت إلى حد أن الكثيرين يعدونها من بقايا الماضي، لا من صميم الروح الإنسانية. وفي مثَل، يتجاوز فوكنر بعض الجوانب الإيجابية للحداثة ليعزل المشكلات الكامنة في صميم رؤيتها للعالم، تلك التي تخوض حرباً ضد قلب إنسانيتنا.

وهذا الصراع نفسه على القوة والمكانة والموقع هو الذي صاغ غاية الحرب، ومن ثمّ غدت الحرب في مثَل خلفية للصراع الاجتماعي الأعظم بين الحداثة والقلب الإنساني الذي يجاهد ليحافظ على كرامته وقيمته في خضم الجشع والتعطش للسلطة والمادية. ففي الرواية، لا ينظر الأشرار إلى الوسائل إلا من حيث فعاليتها في بلوغ غاياتهم؛ فهم ليسوا بشراً بل آلات، يرون الإنسان مجرد منتج، لا كائناً ذا قيمة ذاتية. وتجلى هذا المنظور الحداثي للإنسان، ولنزوعه المحموم للإنتاج، أوضح ما يكون في مشهد الإغواء بين «الجنرال العجوز» و«العريف». فالجنرال العجوز يتحدث عن الإنسان الحديث الذي سيواصل إنتاج الآلات حتى «يزحف مرتجفاً من جحره البارد ليتقرفص بين قضبان هوائياته الميتة كأنها هندسة رشيقة، تحت مطر صاخب من الأقراص والمؤشرات والمفاتيح وشظايا الجلد الخالية من الدم»، منتظراً الصراع الأخير بينه وبين «فرانكشتاين» الذي صنعه، أي الآلة ذاتها. ويؤكد الجنرال أن الإنسان سيبقى وينتصر لأنه سيواصل الكلام وسيواصل الإنتاج، كما قال للعريف في مشهد الإغواء:

أجل، إنه سيبقى [...] لأنه يحمل في داخله ما يدوم حتى بعد أن يتوقف أخيراً ذلك الدق العقيم، المتجمد ببطء في آخر غروب أحمر بلا حرارة [...] صوته الضئيل الذي لا ينفد ولا يموت، ما يزال يتكلم ويخطط [...] صوته، يخطط لبناء شيء أعلى وأسرع وأعلى صوتاً؛ أكثر كفاءة وأعلى صوتاً وأسرع من أي وقت مضى.

غير أن «العريف» يوافقه فقط في أن الإنسان سيبقى، لكنه يرى أن روح الإنسانية لن تسود إلا إذا ذُكِّر الإنسان بالفضائل الخالدة المتعالية التي تشكل جوهره. فالسؤال عند فوكنر لم يكن: هل سيستمر الجنس البشري في البقاء؟ بل: هل ستستمر إنسانيتنا معه؟

ولم يكتف فوكنر في الصخب والعنف ومثَل بعرض الأخطار التي رآها في الثقافة الحديثة، بل أوضح أيضاً كيف يمكن للإنسان أن يستجيب لهذا التحوّل القيمي. فالبعض يندمج في العالم الحديث ويفقد إنسانيته. ونرى مثالاً جلياً لهذا في شخصية «جيسون» في الصخب والعنف. فقسمه من الرواية منطقي أوضح وأيسر للفهم من القسمين السابقين، لأنه – كما تقول أولغا فيكري في كتابها «روايات ويليام فوكنر» – يمثل تأكيد الحداثة على العقلانية والمنطق على حساب العاطفة. فجيسون الغاضب الحاقد يجسد الطابع الجشع، الأناني، النفعي لثقافة العصر الحديث. فمنذ طفولته، كانت يداه دائماً في جيوبه، دليلاً على طمعه، وهذا الطمع لم يفارقه؛ إذ يهتم بوظيفته في المصرف أكثر من أسرته، وحين يفقد عمله وماله، يسرق مال ابنة أخيه انتقاماً. وهو دائماً يحسب ويرسم كيف يكسب لنفسه، أو كيف تسير الأمور لما فيه مصلحته. وكما تشير فيكري: «عالمه عالم محكوم بالحساب، لا يُسمح فيه بأي ادعاءات ذاتية، ولا يوجد فيه هامش للخطأ».

وهذه الذهنية نفسها تطبع علاقاته. فكما تلاحظ فيكري بمهارة، فإن جيسون ينظر إلى جميع علاقاته كعقود بلا محبة؛ حتى إنه لا يسمح لعشيقته «لورين» أن تتصل به في أيام عمله لئلا يؤثر ذلك على مساره الوظيفي. وعنايته بأسرته بعد وفاة والده ليست إلا واجباً يثقل عليه، يؤديه كما يؤدي الإنسان عقداً قانونياً. وعندما تسرق كوينتن ماله، لا يتصرف كأبٍ فيؤدبها، بل يستدعي الشرطة ويحاول إلقاء القبض عليها، إذ لا يرى في ذلك جزءاً من التزامه كربّ للأسرة. وهو أكثر انشغالاً بـ«أشكال الأفعال لا الأفعال ذاتها»، فلا يقوم بشيء بدافع المحبة. وحتى علاقته الجنسية مع «لورين» خالية من الحب؛ وكما يؤكد روبرت بن وارن، فإن الجنس عند جيسون «مجرد إشباع آلي، لا معنى له لأنه يتم بلا فهم أو تقدير أو حب». فجيسون يفضل مومساً على زوجة محبة. وبسبب نظرته الآلية للجنس والعلاقات، ولأنه لم ينجب ولداً قط، يفقد إنسانيته ويغدو مثالاً على عجز الحداثة عن إنجاب إنسانية حقيقية. إنه يمثل جميع الذين انغمسوا في المنظومة الآلية النفعية الانعزالية التي صنعتها الروح الحداثية.

يجسد الجنرال العجوز في رواية «مثل» صورة الإنسان الذي انصهر تماماً في قيم الحداثة واستبطنها حتى صارت كيانه. فهو يمثل كل ما هو فاسد في مؤسسات البشر؛ إذ إن محبته للسلطة تفوق محبته للإنسان، مما يجعله نقيضاً واضحاً «للعريف». في الواقع، إن الجنرال العجوز، بصفته تجسيداً للطبيعة الافتراسية للروح الحداثية، هو بمثابة «المسيح الدجال». كان «الجنرال المسؤول عن التموين» يؤمن يوماً بأن الجنرال العجوز سيكون مخلّص فرنسا ومخلّص البشرية بأسرها: «لقد اعتقدت أنك كنتَ مختاراً لتكون ذاك الذي يتحرر من كل أشكال الخوف والضعف والشك التي تجعلنا نحن الآخرين عاجزين عن القيام بما أنت كنت قادراً عليه». غير أنّ الجنرال العجوز لم يحقق توقعات «الجنرال المسؤول عن التموين». فعندما بادر العريف إلى صنع السلام على الجبهة، وأدرك الجنرال العجوز إمكانية إنهاء الحرب وإنقاذ مئات الآلاف من الجنود والمدنيين، رتّب لقاءً مع الجنرال العدو ليضمن أن تُستأنف الحرب من جديد. لقد استغل موقعه في قمة الهرم العسكري ليحافظ على صورته بوصفه «بطل فرنسا». وهكذا، فعلى الرغم من أنّ الشعب الفرنسي أحبه بوصفه مخلّصهم، وهو ما يتجلى في جنازته الباذخة في نهاية الرواية، فإنه يظل في جوهره مضاداً للمسيح، لأنه رفض أن ينقذ قلب الإنسانية. وكحال «جيسون» في «الصخب والعنف»، فقد الجنرال العجوز إنسانيته وسط بحر من الفردانية والنفعية والجشع.

كثير من شخصيات فوكنر ترى التأثيرات المدمرة لثقافة الحداثة لكنها تعجز أو ترفض القيام بأي تغيير؛ ولا يبقى لها سوى الرثاء. وهنا يبرز «بنجي» في «الصخب والعنف» بوصفه التجسيد الأبلغ لهذه النزعة. فرغم أنه «أبله»، غير قادر على الفهم أو التأويل، فإنه يدرك أن خللاً عظيماً قد أصاب عالمه. إنه يئن ويصرخ ويولول طوال الرواية. وكلما واجه حقيقة غياب «كادي»، ارتفع عويله. كانت بالنسبة إليه «تفوح برائحة الأشجار»، وكانت الوحيدة التي أحبته. تمثل «كادي» بالنسبة له قيم القلب الإنساني التي كان فوكنر يجلّها: الوفاء، والحب، والإخلاص. كانت حياته كلها، وهو عاجز عن احتمال غيابها. يقول فوكنر في لقائه مع «ذا باريس ريفيو»: «لم يكن بنجي، لكونه أبلهاً، مدركاً في ذاته أن كادي غائبة، بل كان واعياً فقط بأن ثمة شيئاً خطأ، فامتلأ بالفراغ الذي لا يملك حياله سوى الرثاء».. وكلما سمع اسمها، سواء حين ينادي لاعبو الغولف على «الكادي» أو حين يوشوش «ليستر» اسمها في أذنه بسخرية، انفجر في بكاء. وفي مقدمته عام ١٩٣٣ لـ«الصخب والعنف»، كتب فوكنر: «إن كل معرفة عنده تبدأ وتنتهي بتلك الهيئة اللاهثة، المنحنية، الرطبة التي تفوح برائحة الأشجار. لن ينضج أبداً إلى الحد الذي يتيح فيه لفجيعة الفقد أن تمتزج بشيء من الفهم». إنه يعرف أنه فقد شيئاً ثميناً، لكنه لا يستطيع إلا أن يرثي عجزه عن الفهم أو الفعل.

إن أنين بنجي يطوّق الرواية من بدايتها إلى نهايتها، فهو أنين الجنس البشري كله إزاء عجزه عن فهم العبث والفوضى الناتجة عن ضياع كل ما كان يمثل الحياة والمعنى: «ثم عوى بنجي، عويلاً يائساً ممتداً. لم يكن شيئاً. مجرد صوت. ربما كان كل الزمن والظلم والحزن قد انبعث صوتياً للحظة بفعل تقاطع الكواكب». ورغم أن بنجي يفهم أن شيئاً ما خطأ، ورغم أنه يرثي فقدان كل ما يمثل الحياة والفضيلة في شخص «كادي»، فإنه عاجز عن القيام بأي شيء حياله. خصاؤه، الذي حرمه من القدرة على الإنجاب، يرمز أيضاً إلى عجزه عن تغيير بيئته أو مواجهة فقدان القيم الكامن فيها. وكحال بنجي، كثيرون يدركون ضياع الحياة والمعنى بسبب روح الحداثة، لكنهم لا يفعلون شيئاً.

أما «الجنرال المسؤول عن التموين» في «مَثل»، فيجسد الرجل الحداثي العاجز أمام الشرور التي يراها من حوله. وهو أسوأ من «بنجي»، لأنه كان يملك القدرة على إيقاف الحرب العبثية ومنع الجنرال العجوز من مواصلة سلطته الميكانيكية على البشر، لكنه بقي سلبياً واكتفى بالرثاء. تمثل سلبيته سلبية الرجال والنساء الذين يرون أن ثقافة الحداثة تدمر فضائل القلب لكنهم يرفضون فعل أي شيء. كما يقول فوكنر في ملاحظة حول «مَثَل»: «إن الجنرال الفرنسي العجوز المسؤول عن التموين يرمز إلى الثلث السلبي من البشر، الذين يقولون: سأتحمل كليهما، الشر والعالم معاً، وأرثي لهما». وفي نقاشه مع الجنرال العجوز قبل إعدام العريف، يعترف بخيبته حين أدرك أن الجنرال العجوز قد أخفق في أن يكون مخلّص الإنسان كما ظن الجميع: «لقد اعتقدت، منذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها في ذلك الباب قبل سبعة وأربعين عاماً، أنك كنت مقدّراً أن تخلصنا».

ومع أن الجنرال العجوز أنقذ فرنسا، فإنه فشل في إنقاذ البشرية، وصار قوة مدمّرة تكرّس الصراع بين الإنسان والإنسان، منتجاً واقعاً آلياً لا إنسانيّاً، وهو ما أدرك الجنرال المسؤول عن التموين أنه نتيجة فشله في منع الجنرال العجوز من إعادة إشعال الحرب. يقول لاحقاً: «لقد كان لدي خيار بين 'يمكن' و'سوف'، بين 'ينبغي' و'يجب' و'لا يمكن'، بين 'يجب' و'لا أجرؤ'، بين 'سأفعل' و'أخشى أن أفعل': كان لدي ذلك الخيار، ووجدت نفسي خائفاً». لقد أدرك أن الجنرال العجوز أراد حماية فرنسا كـ«مؤسسة»، لكنه لم يرد حماية إنسانية مواطنيها أو جنودها. وانتهى به الأمر إلى القول: «كان عليك أن تستدعي ذلك العدو لتستعين به ضد الأمل البسيط الموحد وحلم الإنسان البسيط». ومع ذلك، لم يفعل شيئاً، وفي النهاية لم يستطع سوى البكاء. في ختام الرواية، يحدق بالعدّاء الممزق والجريح والمشوَّه، ثم ينفجر في بكاء؛ وكحال بنجي، تنتهي الرواية بدموعه. إنه يدرك حاجة الإنسان إلى الصمود والانتصار، لكنه عاجز عن فعل أي شيء سوى أن يرثي كم سيكون الثمن باهظاً على أمثال «العدّاء» من أجل إبقاء الأمل حيّاً.

بعض شخصيات فوكنر الأكثر مأساوية تذهب خطوة أبعد من مجرد الخيبة لتغرق في اليأس. وهو يصوّر هذه المأساة بقوة من خلال شخصية «كوينتن» في «الصخب والعنف». ففي «كوينتن»، ومن خلال إتاحة الدخول إلى وعيه الداخلي، ينقل فوكنر اليأس والخيبة في أعمق تجلياتها. يمثل «كوينتن» الإنسان الذي يرى بوضوح شرور العالم لكنه يعجز عن فعل أي شيء تجاهها. يجد القارئ نفسه محاصَراً في رأس «كوينتن» تماماً كما هو محاصر في ذكرياته. يحاول عبثاً أن يفر من ذكرياته وإحباطاته حيال الجنوب ومنظور والده العدمي لطبيعة الإنسان. إن صراعه ذو وجهين: فهو عاجز عن التماهي مع مثاله عن النبل، وعاجز عن تحمل خواء القيم الثقافية الجنوبية التي لا ترتبط بأي حب أو فضيلة إنسانية حقيقية. وهذا العجز عن محبة الجنوب يعمّق عجزه عن بلوغ مثاليات النبل الجنوبي. وقد أدرك أن لا أحد بعدُ يمثل صورة «الرجل الجنوبي» الأصيل، كما عكسته كلمات أبيه: «في الماضي، كان المرء يُعرف بكتبه؛ أما اليوم، فيُعرف بالكتب التي لم يُعدها»: ففي الجنوب الحداثي لم يعد ثمة وجود للنزاهة.

أمام هذا الإدراك، يحاول «كوينتن» أن يعيش وفقاً لمثاله المثالي عن النبل، لكنه يفشل دائماً. وهو يتجول في المدينة، تطارده ذكريات معركته الخاسرة مع «دالتون إيمز» دفاعاً عن شرف شقيقته. وكحال «بروفروك» عند إليوت، فإن «كوينتن» ضعيف ومتردد؛ لا يستطيع الارتقاء إلى مثاله. حتى «هربرت هيد» يسخر منه أمام «كادي» بوصفه «غالهاد نصف ناضج»، معترفاً برغبته في أن يكون بطلاً لكن بعجزه عن ذلك. وحتى في يوم موته، حين يحاول إنقاذ فتاة ضائعة، يجد نفسه متهماً بالاختطاف، مما يزيد من خيبته. ومع ذلك، لا يستطيع أن يتخلص من اقتناع أبيه بأن البطولة والشرف بلا قيمة، وغير متعالية: «علينا فقط أن نظل يقظين ونشهد الشر يقع لفترة قصيرة، فهي ليست دائمة، ولا يلزم أن تدوم طويلاً بالنسبة لرجل شجاع. وكل إنسان هو حَكم فضائله الخاصة، سواء اعتبرت ذلك شجاعة أم لا، فإن الأمر أهم من الفعل ذاته، ومن أي فعل، وإلا لما أمكنك أن تكون جاداً». يحاول الأب أن يقنع «كوينتن» أن البطولة والشجاعة والفضيلة مفاهيم نسبية تمنح الناس وهماً عاطفياً بأنهم يوقفون الشر، فيدفعه ذلك شيئاً فشيئاً إلى فقدان إيمانه بالنبل والشرف الجنوبي.

إن خيبة «كوينتن» في الجنوب والنبل الجنوبي تقوده إلى خيبته الأعمق في الإنسانية وفي الحقيقة المتعالية. لم يستطع أن يطرد من ذهنه رفض أبيه للقيم والأخلاق والحقائق، فسقط في يأس قاتل. إن افتتاحية مقطع «كوينتن» تعكس هذا اليأس حين يتأمل في كلمات أبيه وهو يعطيه الساعة:

أمنحك ضريح كل الأمل والرغبة؛ إنه لمن المناسب، بشكل موجع، أن تستخدمها لبلوغ السخف النهائي للتجربة الإنسانية. أمنحك إياها لا لكي تتذكر الزمن، بل لكي تنساه بين حين وآخر، فلا تهدر أنفاسك في محاولة قهره. إذ لا معركة تُحسم قط. ولا تُخاض حتى. إنما يكشف الميدان للإنسان حماقته ويأسه، والانتصار وهم الفلاسفة والحمقى.

وبينما يفكك القارئ حكاية «كوينتن» في سياق بحثه عن المعنى والقيم المتعالية، تتضح صراعات طفولته. فقد كان يحاول أن يقنع والده، الذي شكّلت نزعاته الطبيعية رؤيته للأخلاق، أن الخير والشر موجودان كقوى متعالية، لا كقوى نسبية. هذه القناعة دفعته لمحاولة إقناع والده بأنه ارتكب خطيئة زنا المحارم مع «كادي»: «لو أننا فقط فعلنا شيئاً فظيعاً، وقال أبي: ذلك أيضاً مؤلم، فالناس لا يستطيعون فعل ما هو فظيع فعلاً، لا يستطيعون فعل أي شيء فظيع على الإطلاق، ولا يستطيعون حتى أن يتذكروا غداً ما بدا فظيعاً اليوم». وكما يقول «فيكري»: «يقف كوينتن يائساً أمام الهاوية التي فجأة فصلت بين التجربة ومفهومه لما ينبغي أن تكون عليه التجربة. وحين فشلت كل جهوده في إخضاع التجربة بكلمة «زنا محارم»، اختار الموت كسبيل وحيد لإنهاء تورطه القسري في الواقع». لقد أوصلته طبيعية والده إلى نتيجتها المنطقية، فبقي مجرداً من الأمل.

ويعيد «السيد كومبسون» تكرار ملاحظته بأن مرور الوقت كفيل بجعل كل شيء بلا قيمة. هذا المنظور النسبي، وهو من سمات الحداثة، يدفع «كوينتن» إلى اليأس إذ يدرك أنه وحيد في عالم لا وجود فيه لما هو خطأ: «الأمر ليس حين تدرك أن شيئاً لا يمكن أن يساعدك – لا الدين، ولا الكبرياء، ولا أي شيء – بل حين تدرك أنك لست بحاجة لأي عون». وإزاء عالم بلا معنى، يصرخ متمنياً حتى وجود الجحيم: «لأنه لو كان هناك مجرد جحيم؛ لو كان ذلك كل شيء». فالجحيم خير من انعدام المعنى. ومع أنه يعي تماماً النتائج الشريرة لهذه الرؤية الطبيعية، فإنه لا يستطيع فعل أي شيء لمواجهتها. وكما يقول «ميلغيت»: «على امتداد هذا المقطع تدور معركة بين مثالية كوينتن الرومانسية وواقعية أبيه الساخرة، وهي سلسلة من المناوشات التي تؤدي إلى تآكل تدريجي لموقف كوينتن واستنزاف متواصل لموارده». إنه لا يفشل فقط في التصدي لرؤية أبيه، بل يعجز عن مواجهة الشر الذي يراه من حوله. وعندما تفشل كل محاولاته لمواجهة الشر، كما تجسّد في «دالتون إيمز» و«هربرت هيد» وفقدان «كادي» لعذريتها، يغرق نفسه.

وهذا الصراع ذاته واليأس يتجسدان في شخصية «لفين» في «مَثل». فقد وجد قيمته في مجد الحياة العسكرية وشرفها، وجعل كل اعتزازه الذاتي في كونه طياراً عسكرياً يحصد الشرف والأوسمة في خدمة وطنه. لكن حين حاول إسقاط طائرة الجنرال الألماني ليكتشف أن أسلحته محشوة بالطلقات الفارغة وأن تحطم الطائرة كان مدبّراً، بدأ يدرك أن الجيش ليس المؤسسة المثالية المقدسة التي تصورها. وعندما اتضح له أن الحلفاء والعدو متواطئون لإطالة أمد الحرب، انهارت رؤيته الثنائية للعالم، والجيش، وطبيعة الحرب؛ وحين أدرك أن الأمة التي أحبها، والجيش الذي التزم به، والمجد الذي طمح إليه لا تتفق مع مثاله الرومانسي، غرق في اليأس. وكما يقول «فيكري»:

بسبب شبابه والتزامه العاطفي بالأمة، يعاني لفين أعمق أشكال الخيبة. ففي لحظة واحدة يُحرم من مثالياته، والأهم، يُحرم من الإيمان نفسه. وانتحاره محاولة يائسة للهروب من عالم يبدو فيه كل شيء زائفاً.

إن الرومانسي المخذول، حين يواجه شرور النظام العسكري الذي نذر له حياته، يعجز عن مواجهته أو تغييره، فيبقى رد فعله الوحيد أن يقتل نفسه ليهرب منه. وكحال «كوينتن»، لم يكن لديه من القوة ما يمكّنه من مواجهة عالم لا يعكس مثالياته، فأطلق النار على نفسه. ومع أن انتحاره مأساوي، فإن فوكنر لا يترك القارئ فريسة لليأس؛ إذ يجسّد «العريف» الأمل بأن العالم لا يزال يضم أناساً يقاتلون من أجل إنسانيتنا المشتركة ويواجهون الشر القابع في هذا العالم.

في «أحاديث ناغانو في المعهد الديني» يناقش فوكنر مع الطلبة اليابانيين أهمية أن ينهض الإنسان من أجل الأخلاق ومن أجل أخيه الإنسان، حفاظاً على إنسانية البشر جمعاء، «حتى وإن كان يعلم في قرارة نفسه أنّه قد يفشل حين تحين اللحظة الفاصلة التي يُطلب منه فيها أن يضحي، لكي يُحمى الضعفاء، ولكي لا يكون الإنسان لا إنسانياً تجاه أخيه الإنسان». ويجد فوكنر في قصة المسيح وصلبه المثال الأسمى لهذه الإرادة في التضحية: «[الصلب] يبين للإنسان كيف يكتشف ذاته»، كما يوضح فوكنر في لقائه مع شتاين، «[وكيف] يصوغ لنفسه شريعة أخلاقية ومقياساً يتناسب مع طاقاته وتطلعاته، وذلك بأن يُعطى مثالاً لا يُضاهى في الألم والتضحية مع وعدٍ بالأمل». لقد جسّد المسيح صفات «المحبة، والشرف، والشفقة، والكبرياء، والرحمة، والتضحية» الكامنة في قلب كل إنسان، وهي صفات تستحق أن يُقاتل المرء ويموت من أجلها، ولو فقط ليُمكّن الإنسان من احتمال البقاء زمناً أطول في هذا العالم المجرّد من الإنسانية.

لقد كان المسيح يمثّل الإنسان الذي لم يكتف بتجسيد هذه القيم والقتال والموت في سبيلها، بل انتصر من خلالها بالقيامة. وكذلك يستطيع الإنسان أن ينتصر ويثبت رغم شرور المجتمع وآثار الحداثة المجرّدة للإنسان من إنسانيته، إذا ما اقتدى بالمسيح. ورغم أنّ فوكنر لم تكن له عاطفة دينية تجاه المسيح أو المسيحية، فقد كان يرى في قصة المسيح والصلب أسطورة ثقافية قوية تحتضن كل ما أراد للإنسان أن يبلغه. في «الصخب والعنف» يلمح فوكنر إلى المسيح في حوارات عديدة بين آل كومبسون، غير أنّ الإشارة الحقيقية الوحيدة إلى المسيح وقيامته تأتي في عظة القس شيغوغ. أما في «مَثَل» (A Fable) فيُعطي فوكنر أهمية أعظم لشخص المسيح من خلال تجسيده في شخصية «العريف». ويشرح فوكنر ذلك في «لقاء المركز الثقافي الأمريكي بطوكيو» قائلاً:

لقد جاءت [مَثَل] عرضاً من تأملٍ لطالما خطر ببال غيري أيضاً: من عساه يكون في ضريح الجندي المجهول؟ وماذا لو أنّ المسيح قد ظهر ثانيةً في عام ١٩١٤–١٩١٥؟ كان سيُصلب مرة أخرى. وقد كانت الفكرة أن أروي تلك القصة بطريقة قوية إلى الحد الذي يجعل القارئ يقول: لا بد ألا يتكرر هذا. أي إذا كان القدر أو العناية أو الإله، سمِّه ما شئت، قد حاول أن يُنقذ العالم مرة أولى، ويُنقذ البشر بتضحية ابنه، وفشلت المحاولة، ثم حاول ثانية وفشلت، فربما لا يحاول ثالثة، ولهذا وجب أن نحذر لأنه قد لا يسعى لإنقاذنا بتلك الطريقة مرة أخرى.

العريف بلا شك يمثّل هذه الصورة المسيحية، صورة المخلّص الذي جاء ليضحّي بنفسه من أجل إنقاذ البشر من المؤسسات والقيم الحداثية التي جرّدت الإنسان من إنسانيته وحوّلته إلى مجرد حيوان. وتتجلى مسيحانيته في رموز واضحة: له اثنا عشر تابعاً؛ يخونه أحدهم، «بولتشيك»، وينكره آخر، «بيوتر»؛ ترافقه ثلاث نساء: أمه وأختاه، مارت وماريا؛ قبيل إعدامه يتناول العشاء الأخير مع أتباعه؛ وعند موته تلتف حول رأسه أسلاك شائكة أشبه بإكليل الشوك». غير أنّ هذه الرموز ليست وحدها ما يربط بين العريف والمسيح؛ الأهم أنّ العريف، مثل المسيح، يمثل مخلّص البشرية الذي، بموته لإيقاف شرور الحرب وتجريد المؤسسة العسكرية للجنود من إنسانيتهم، يُلهم الإنسان ليخلّص نفسه باستعادة قيم التضحية والشرف والشجاعة التي جسّدها. ويؤكد فولب في تحليله للعريف بوصفه صورةً للمسيح:

العريف لم يصنع معجزات، ولم يَدّعِ ألوهية، لكنه حقق ما حققه المسيح، وعبّر عما عبّر عنه، لأنه جسّد أو على الأقل مثّل الإمكانات الكامنة في كل إنسان [. . .]. إن الخصائص والقدرات التي يمثّلها تتجاوز الأفراد؛ فهي التراث الخالد للإنسانية.

في النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى العريف ليخلّصه؛ إنما يحتاج إلى أن يُمكَّن من تخليص نفسه باستعادة القيم الأزلية للقلب البشري التي جسّدها العريف. ويعترف الجنرال المسؤول عن التموين بقدرة الإنسان على تخليص نفسه في حواره مع «الجنرال العجوز»: «[الإنسانية] قادرة على إنقاذ نفسها [. . .]. إنها فقط تحتاج إلى أن تُحمى منك». وكان العريف هو هذا الحامي. ولذا فإن تضحيته هي العدو الأكبر للجنرال العجوز الذي أراد أن يمنع البشر من إنقاذ أنفسهم، فحاول أن يُغوي العريف بالنجاة من الإعدام والحفاظ على حياته. يأخذه الجنرال العجوز إلى تلّ يطل على المدينة ويأمره بـ«أن يمتلك الأرض»، كما جرّب الشيطان المسيح حين عرض عليه ممالك الأرض كلها. بل عرض أن يقتل الخائن بولتشيك بدلاً عنه كذبيحة بديلة، لأنه كان يعلم أن موت العريف سيلهم البشر لإنقاذ أنفسهم. لكن العريف يرفض، وموته يبعث الأمل في نفوس الناس. ومع ذلك، فالعريف ليس الإنسان الذي ينتصر في وجه الحداثة، لأنه ليس إنساناً بل رمز وفكرة وإلهام. جلّ اهتمام فوكنر ينصب على الرجال والنساء الذين يستلهمون هذا الرمز ويقررون القتال والصمود في العالم الحديث.

تمثل ديلسي، في «الصخب والعنف»، هؤلاء الرجال والنساء المنتصرين. فهي الثابتة الوحيدة، والشخصية السوية وسط كل شخصيات الرواية، متميزةً عنهم جميعاً لأنها لم تكن أنانية، بل محبة. يقول فوكنر عنها في لقائه مع شتاين: «إن ديلسي إحدى شخصياتي المفضلة، لأنها شجاعة، كريمة، لطيفة، وصادقة». بينما «كوينتن» ضعيف، هي قوية؛ بينما «جيسون» بخيل عديم الكرم، هي سخية؛ بينما السيدة كومبسون أنانية، ديلسي مضحية؛ بينما ساعات بيت كومبسون دائماً خاطئة، فهي تعرف الوقت دائماً؛ وبينما تصر السيدة كومبسون على أنها «سيدة»، فإن ديلسي هي الملكية الحقيقية الوحيدة في بيت كومبسون، كما يدل على ذلك «قبعتها القرمزية» و«ثوبها الحريري الأرجواني» في القسم الأخير من الرواية. وكالمسيح المُعذّب، تآكلت قواها بفعل العمر والعمل «حتى كأن كل عضلة ونسيج قد استُهلك في الشجاعة والصبر حتى لم يبقَ سوى هيكل لا يُقهر». وغناؤها الدائم يرمز إلى حياتها الداخلية، في مقابل الموت الذي يخيم على بيت كومبسون.

إن فضيلتها وقدرتها على حب الأسرة وتحمل سقوطها تجسّد الخصائص الخالدة للإنسان – الخصائص التي تجلت في المسيح المصلوب. كما أنها تعكس قيامة المسيح – ومن ثم صمود الإنسان – عبر تمسكها بتلك الصفات وإصرارها على حب أسرة كومبسون وخدمتها بأمانة. وليس عبثاً أن يكون قسمها في الرواية واقعاً في عيد الفصح، إذ تجسد في استجابتها للحياة ومرور الزمن الطريقة التي يمكن للإنسان أن ينهض بها من رماد ما جلبته الحداثة. حتى عظة القس شيغوغ تعكس موضوع القيامة إذ يهتف: «لقد نلتُ الذكرى ودم الحَمَل!». وفي موعظته، يتحدث عن الراحلين والباقين:

[إذ] الأجيال تمضي. كان رجلٌ غنيّ: أين هو الآن يا إخوتي؟ [. . .] أقول لكم، إن لم يكن فيكم لبن وخمرة الخلاص القديم، حين تمرّ السنوات الباردة الطويلة! [. . .] فماذا سيقول يسوع، يا إخوتي؟ [. . .] هل نلتم الذكرى ودم الحمل؟ لأني لن أحمل الأثقال إلى السماء!

نرى هنا التباين بين آل كومبسون الأثرياء الزائلين وبين شخص مثل ديلسي التي تحمل دم الحمل ورجاء القيامة. وكما يؤكد آدامز: «العظة [. . .] تؤكد قوة الحياة في وجه الموت واليأس. إن المسيح، هنا كما في أعمال فوكنر الأخرى، يمثل انتصار الحياة، والحركة، على جميع العوائق». ونرى أيضاً المفارقة بين المجتمع المتماسك في الكنيسة الزنجية والعزلة في بيت كومبسون. فالكنيسة، كما يقول ميلغيت، هي «تقديسٌ للبساطة والبراءة والمحبة». ديلسي، المندمجة في مجتمعٍ والمتمسكة برسالة الأمل والصبر، تسمو فوق آل كومبسون لأنها وحدها الحيّة حقاً: «لقد رأيت البداية والنهاية» تقول باكية حين تدرك أنها شهدت نهاية أسرة كومبسون. ومع ذلك تصمد، وفي صمودها يكمن رجاء البشرية.

لكن سارتر، في «الزمن عند فوكنر: الصخب والعنف»، يرفض فكرة وجود أمل في الرواية، ويرى أن اليأس الذي يعيشه آل كومبسون يعكس يأس فوكنر من الجنس البشري. وهو يلاحظ أن التركيز على الزمن والجمود والماضي يدل على أن آل كومبسون بلا مستقبل، غير أنه يبالغ حين يقرر أنهم يمثلون كل البشر: «إن فوكنر يجعل من الإنسان كائناً بلا مستقبل، مجرد 'حصيلة تجاربه المناخية'، 'حصيلة مصائبه'، 'حصيلة أيّاً ما كان'»؛ ويربط بين «عبثية الزمن» وعبثية الحياة نفسها. ويخلص سارتر إلى أنّه بما أنه لا مستقبل لآل كومبسون، فإن فوكنر لا يرى مستقبلاً للبشرية. غير أن تفسيره مضلل، لأنه أغفل أهمية قسم ديلسي باعتباره التعبير الحقيقي عن طبيعة الروح الإنسانية التي ستصمد عبر أشخاص مثلها. وتوضح إيفلين سكوت هذا المعنى في كتابها «عن الصخب والعنف» بقولها:

ها هنا إنسانية جُرّدت من معظم ما كانت الفكتوريانية تدّعيه لها، والمشهد مؤثر كما لا تكون أي دراما مغلفة بالسكر. والنتيجة عند القارئ [. . .] هي انتعاش إيمان بالإنسانية. إنه إيمان بلا حجّة بعد، لكنه هو ذاته الإيمان الذي عاش دوماً في أسمى تعبيرات الروح الإنسانية.

وهكذا، يبيّن قسم ديلسي رجاءً في مستقبل الإنسان إذا ما صمد. وسارتر يُخطئ حين يساوي بين أقوال السيد كومبسون ومعتقدات فوكنر نفسه، لأن فوكنر يوضح بجلاء أن الإنسان إن تمسك بخصائص القلب الأزلية – الخصائص التي تجلّت في صلب المسيح – فإنه يملك رجاءً. وديلسي هي هذا الرجاء. يصفها فوكنر في «الجلسة العاشرة» من محاضراته في جامعة فرجينيا بقوله: «[كانت] إنسانة جيدة [. . .]. [لقد] حافظت على تلك الأسرة، لا طمعاً في أجر، بل فقط لأنه الشيء اللائق والصحيح». إن ديلسي تمثل كل الخصائص التي يعجب بها فوكنر: الشجاعة، والتضحية، والمحبة، والقدرة على الصمود، والرحمة. وإذا بقيت في العالم «ديلسيات» تقاتل من أجل إنقاذ الجنس البشري وتتشبث بهذه الفضائل الفطرية للقلب، فحينها حقاً يبقى هناك رجاء للبشرية.

لكن رغم أن ديلسي تحمل الخصائص الخالدة التي أحبها فوكنر، فإن القارئ لا يرى تطورها الشخصي؛ ولا نعرف كيف غدت حصن الأمل البشري. ولهذا فهي لا تمثل تماماً من يعيشون في العصر الحديث ويصارعون للبقاء والقتال من أجل روح الإنسان. ويتجلى إتمام صورة ديلسي في شخصية العدّاء في «مَثَل»، إذ يجمع صفاتها كلّها لكنه يُجسد أكثر الصراع الداخلي والإرادة في القتال. في بداية الرواية يكره العدّاء الجنس البشري بسبب عنفه وبغضه وأنانيته. وبعد خمسة أشهر كضابط يملك سلطة على حياة الناس، يستقيل ويطلب أن يكون مجرد عدّاء كتيبة، شارحاً كرهه للإنسانية:

أنا أكره الإنسان هكذا. [. . .] حين أكون، عالماً بما كنتُ وما أنا الآن وما سأبقى عليه [. . .] قادراً، بمجرد ارتدائي هذه الشارة الصغيرة على معطفي، أن أمتلك السلطة، مدعوماً بحكومة عسكرية كاملة، لأقول لجحافل البشر ما يفعلون، بل أن أملك الحق في أن أطلق النار بيدي على من يعصي، حينها أدرك كم هو مستحق لأي خوف أو اشمئزاز أو كراهية.

لقد فقد الأمل في البشرية، ولم يبدأ قلبه يصدق أن الإنسان ليس مجرد حيوان مفترس إلا بعد سماعه قصة تمرّد العريف. غير أن الأمل لم يُبعث فيه حقاً إلا حين سمع قصة الحصان وصاحبه من القس سَترْفيلد، إذ كانت تلك القصة تجسيداً مكثفاً لروح التضحية والمحبة التي قدّرها في قصة تمرّد العريف. وعند لقائه سترفيلد، كان رأيه في البشر مشابهاً لرأي الجنرال العجوز؛ وصفه للبشر كان مليئاً بالتشاؤم واليأس:

[الإنسان] قادر على تحمل أي شيء، شريطة أن يبقى لديه شيء، ولو شيء ضئيل: نزاهته ككائنٍ قاسٍ قادر على الصمود، لا يأمل ولا يؤمن حتى بغياب الأمل، ولا يفتقده، بل يقسو ويصمد إلى أن يأتي الوميض، الانفجار، أيّاً يكن، حين لن يكون شيئاً بعد الآن، ولن يكون لأيّ شيء أهمية بعد ذلك، حتى كونه صمد إلى حينها.

إن قصة الحصان، بوصفها إعادة صياغة أقصر لروح «مَثَل» الكبرى، تصبح الإلهام والتجسيد للقيم التي تبعث الأمل الضروري في قلب العدّاء الذي كان يفتقر إليه بشدة.

مثل العريف، يمثّل الحصان صفات المحبة والتضحية، ومن ثمّ يُلهم رجالاً كالعامل (الـGroom) ليتعقّبوه ويتبعوه ويدافعوا عنه. وكما يوضّح فوكنر في «الجلسة الثامنة» من مقابلاته في جامعة فيرجينيا، فإنّ الدفاع عن الحصان يبرهن أنّ «ذلك المربّي اللندني الوضيع والملوَّث كان لا يزال قادراً على الحب لشيء ما. [...] لقد كان قادراً على أن يحب شيئاً واحداً، أن يضحّي من أجله وأن يدافع عنه، حتى وإن لم يكن سوى حصان». وكما أنّ العامل، وهو رجل ملوَّث وشرير، يمثّل البشريّة التي لا تزال قادرة على المحبة رغم عيوبها، فإنّ الحصان بدوره يجسّد روح الإنسان التي، وإن كانت مثخنة بالجراح، تبقى ملكاً نفيساً يستحق أن يُدافع عنه ويُحمى ويُضحّى لأجله. وكما يشير فولبي، فإنّ السلطات التي تطارد الحصان محاولةً استعادته، تجسّد الخصائص الميكانيكية والسلطوية نفسها التي يمثّلها الهرم العسكري في السرد الأوسع.

إنّ قصة الحب والتضحية في سبيل الحصان المثخن بالجراح تحمل الأمل نفسه الذي يحمله السرد الأكبر. إذ يؤكّد فولبي بحق: «إنها، باختصار، المحبة الخالدة، المتجاوزة للأفراد الذين اختبروها، لأنّ قدرة الإنسان على المحبة – على أن يُلهمه شغف إلى حدّ أن يضحّي بمساره المهني، أو ثروته، أو عرشه، أو حياته نفسها في سبيله – هي [...] إرث الإنسان الخالد». وهذه المحبة والتضحية المتمثلة في القصة تُلهم العدّاء ليؤمن بروح الإنسان، وتمهّد له الطريق ليتبع رسالة العريف في إنقاذ روح البشرية. مدفوعاً بهذا الرجاء الجديد، يسعى للتوفيق بين الجيشين، فينطلق وسط نيران العدو والحلفاء معاً، ليُصاب ويُترك وحيداً. ومع ذلك لا يستسلم، بل يقرر في نهاية الرواية أن يحمل رسالة العريف–رسالة المحبة والشجاعة والقدرة على الاحتمال–إلى العالم.

يصير العدّاء أشبه ببولس الرسول الذي، وقد ألهمه موت العريف، يسعى إلى نشر هذه الرسالة في العالم. حتى الكاهن يفهم أنّه من دون حاملٍ لرسالة العريف، سيموت الأمل بموته. ففي مشهد الإغواء بين الكاهن والعريف، يحاول الكاهن إقناعه بألا يضحّي بنفسه، بل أن يترك الجنرال غرانيون يموت شهيداً، ويتخذ هو موضع الرسول بولس، ناشراً رسالة الأمل في أرجاء العالم الروماني. فيقول إنّ ما غيّر العالم لم يكن تضحية المسيح حقاً، بل كان «بولس، الذي كان ثلثاه إنساناً وثلثه حُلماً، ونصفه روماني، فكان قادراً على التعامل مع روما. لقد أنجز أكثر؛ إذ وهو يقدّم لقيصر ما لقيصر، غزا روما». غير أنّ الكاهن لم يدرك أنّ بولس ليس العريف نفسه، بل العدّاء–الروماني بين الرومان، والمستوحى من استشهاد العريف–الذي سينقل خبر موته والقيم التي جسّدها إلى العالم الحديث.

بسعيه إلى مصالحة الجيشين، وبإصابته وإعاقته جراء ذلك، يمثّل العدّاء كيف ينبغي للإنسان أن يضحّي ويتجاوز عوائق تبدو مستحيلة ليحافظ على إنسانيته؛ غير أنّه سينتصر، وهذا هو الأهم. فهو، إذن، شبيه بدلزي: يقاتل، يواصل، ينتصر. إنه الرجل المثالي والبطل المثالي عند فوكنر؛ ذاك الذي يرى بوضوح الطبيعة الافتراسية والميكانيكية للثقافة الحديثة ومؤسسات الإنسان، ويقاتل ليستعيد الإنسانية التي تهددها. يستطيع الإنسان أن ينتصر، رغم أنّ الثقافة الحديثة ستضربه وتُدمّي صورته وتُحبط روحه. فلن يموت الإنسان ولن يتلاشى ما دام يواصل القتال كما قاتل العدّاء. ولهذا، فإنّ العدّاء، وإن صار أعوراً وأعرج، و«ندبة متحركة قائمة»، هو أجمل تجسيد لفوكنر للإنسان في أبهى حالاته–إنسان يقاتل ليستعيد فضائل الروح الإنسانية المهدَّدة بالضياع.

من خلال هذين العملين العظيمين، يوضّح فوكنر منظومة القيم الحديثة المعقّدة، ويستكشف مختلف الاستجابات التي قد يُبديها الإنسان إزاءها؛ ومن خلال شخصيتَي دلزي والعدّاء، يجسّد الفضائل القوية: الشجاعة، والشرف، والرحمة، والشفقة، والتضحية – التي تمنح القدرة على المثابرة وسط المشهد الطبيعي - الميكانيكي للحداثة. غير أنّنا لا نستطيع أن نقرأ هذه الصور والشخصيات ونقدّرها بوصفها مجرّد أساطير أو حكايات أو رموز. يجب أن نستجيب لأعمال فوكنر باستعداد للتعلّم والاقتداء والارتقاء؛ فقد اعتبر ذلك الغاية الوحيدة لفنه. كما قال في «خطاب إلى خريجي كلية باين مانور جونيور»:

[إن الرب] استخدم الشعراء والفلاسفة ليذكّرونا، من خلال عذابنا المسجَّل، بقدرتنا على الشجاعة والاحتمال. ولكن نحن أنفسنا من يجب أن نوظّف تلك القدرة. هذه المرة [...] نحن، لا كجماعات أو طبقات، بل كأفراد، رجالاً ونساء بسطاء، أحراراً فرادى وقادرين على الحرية والقرار، يجب أن نقرر، أن نؤكد ببساطة وحزم وإلى الأبد ألّا نُقاد كقطيعٍ إلى السلام والأمن.

يجب ألّا نسمح للثقافة الحديثة أو المساعي الميكانيكية النهمة وراء المجد أو الثروة أو السعادة أن تجعلنا ننسى أو نُبخس قيمة فضائل الشجاعة والشرف والرحمة والشفقة والتضحية التي توحّدنا كبشر؛ ففي هذه الفضائل وفي أخوّتنا نستطيع أن ننتصر ونزدهر وسط الخراب والشر المحيط بنا.

علينا أن ندرك إنسانيتنا المشتركة، وأن نؤكد سمو أرواحنا الخالدة، وأن نقاتل لنحافظ على كرامتنا الإنسانية. فلا ينبغي أن نظلّ سلبيين أو يائسين أمام فساد ثقافتنا، لكن لا ينبغي أن ننصهر فيها أيضاً. علينا أن نرعى لا حاجات المناخ الثقافي وحسب، بل مناخ أرواحنا، وأن نتمسّك بفضائل الروح الإنسانية وثوابتها التي كافح فوكنر لإبقاء جذوتها حيّة في أعماله. إذ إن أهملنا ذلك، قد نجد أنفسنا عما قريب نتلاشى في غياهب الطموحات الباطلة والمطامح الجوفاء.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق