فيض الليل الكوني

 

ضمن النقاش العلمي الدائر حول العواطف، الذي ساهمت فيه الفلسفة وعلم النفس وما تزالان تمدّانه بزادٍ نظري، يبرز فكر لودفيغ غلاكيس (١٨٧٢-١٩٥٦) كصوتٍ خارجٍ عن السرب. وليس هذا لمجرّد المسافة الزمنية التي تفصل حاضرنا عن تاريخ نشر أعماله الكبرى (الفترة التي شهدت تحوّل دراسة المجال العاطفي إلى موضوع اهتمام لعلم النفس العلمي الناشئ)، بل لأنه، في جوهره، ما يزال اليوم كما كان آنذاك: مفكّراً غير معاصر. وهذه السمة من «اللاتعاصر» تجعل من العسير على من يتناولون موضوع العواطف – المجبولين في الغالب ببُنى العلوم المعرفية – أن يتفقوا أو حتى أن يفهموا المنظور «الظاهراتي» (الفينومينولوجي) عند غلاكيس.

لقد سمّى غلاكيس مذهبه Erscheinungslehre (حرفياً: «نظرية ما يظهر»)، وذلك في محاولة واضحة منه للتأكيد على استقلاله عن الفينومينولوجيا الكلاسيكية. وقد نشأ هذا المشروع الفكري في خضمّ عصرٍ زاخر بالتحوّلات السياسية والثقافية، متزامناً مع شيوع نماذج جديدة لتفسير الواقع بدت وكأنها قد تخلّت نهائياً عن أي صلة بالتجربة المباشرة للعالم. وداخل هذا الإطار يجب أن نضع ميتافيزيقاه، إذ تقوم على قراءة ظاهراتية للعالم، شرط تحرير المصطلح من مرجعيته الهوسرلية وتطوراته. فالفوارق كثيرة بينه وبين هوسرل ومسعاه إلى بناء «علم صارم»، وأبرزها إرادة غلاكيس القاطعة ألّا «يُختزل» أبداً واقع الحياة إلى ظواهر داخلية في الوعي.

إن التضاد الذي لا فكاك منه بين بُعدٍ أصيلٍ حيّ وآخر عقيمٍ وخطِر، حيث تصبح ظواهر العالم محض «أشياء» للإدراك، يمثّل جوهر القراءة البديلة للواقع عند غلاكيس، والتي لم تكن معزولةً في تلك الفترة. بل يمكن بحقّ إدراجها في مجمل التأملات الفلسفية التي نشأت في القرن العشرين إثر أزمة النماذج التفسيرية التقليدية و«تجزئة» المعرفة، والتي قوبلت منذ البداية بردود فعل شديدة، من بينها تصوّرات للعالم ذات نزعة عضوية أو كلّية، حازت موطئ قدم خاصةً في ألمانيا والنمسا. وقد ساهم غلاكيس في هذه «الثورة المحافظة» عبر نقد جذري لفكرة التقدّم، مقرونٍ برؤية «مأساوية» للوجود، حيث يُنظر إلى امتلاء الحياة وسيلانها باعتبارهما محكومين قدراً إلى زوالٍ تدريجي وحتمي بفعل «آلية العالم»، التي «أصبحت عمياء بلا رجعة إزاء مسائل الحياة الأضخم والأهم بما لا يُقاس».

وفي مؤلفاته اللاحقة، سيتحوّل هذا التضاد بين أصالة الوجود الحيّ وموته عبر الموضوعية إلى خصومة أنطولوجية بين بعدين متقابلين في العالم: النفس (Seele) والروح (Geist). وقد مثّل صراعهما، كما سنرى، محور الميتافيزيقا الكلاگيسية منذ بدايات العشرينيات، ليجد تمام صياغته في عمله الأكبر «الروح بوصفها خصم النفس» Der Geist als Widersacher der Seele.

وإذ يتعلّق هذا الصراع بكل مظاهر الحياة في العالم، التي لا يُعدّ الإنسان سوى جزء منها، فهو يمسّ أيضاً آليات الإدراك والشعور، بما في ذلك العواطف والأحاسيس الإنسانية. لكن، نظراً إلى خصوصية البناء المفاهيمي لدى غلاكيس، وإلى الصعوبة التي يثيرها فكره لغير المتخصصين لما فيه من طابع غير مألوف، كان لا بدّ، قبل تناول الوضعية الخاصة التي تحظى بها المشاعر (ولا سيما «الإيروس») في فلسفته، من تقديم عرض موجز لأهم ملامح «علم الظهور» عنده (Erscheinungswissenschaft)، الذي واجه به النزعة السيكولوجية السائدة آنذاك بفلسفةٍ «كلّ نفسية» حيوية من إرث الرومانسية المتأخرة، وهو ما أكسبه ــ من جملة ما أكسب ــ سمعة المفكر «اللاعقلاني».

وُلد غلاكيس في العام نفسه الذي صدر فيه كتاب «مولد التراجيديا» لنيتشه (١٨٧٢)، وكان ابن ألمانيا التي لم تكد تخرج من عملية توحيدها. وقد نشأ بعينٍ مشدودةٍ إلى ماضٍ أسطوريّ-رمزيّ فقد العالم كلّ أثرٍ ملموس له. متأثراً بالعدمية النيتشوية وبفلسفة التاريخ الرمزية عند «باخوفن»، جاءت رؤيته للعالم (Weltanschauung) بطابعٍ مضادّ للحداثة، اتسم بمناهضة العقلانية المجرّدة، والتقنية، والتفاؤل الوضعي، وبالتمرّد على كل النزعات «الروحية» التي - في رأيه - ساهمت في «تجريد» العالم من روحه، وجعلته غير أصيلٍ، أجوفَ وخامداً. وقد ظلّ هذا الطابع علامة مميّزة لفكره منذ بدايات إنتاجه حتى اكتماله في مؤلف «الخصم» (Widersacher) في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين. كان تكوينه العلمي في البداية متنوّعاً؛ إذ مال أولاً إلى الفيزياء والكيمياء (نال الدكتوراه فيها)، قبل أن يتفرّغ للفلسفة وعلم النفس، اللذين شكّلا معاً منطلقاً لوضع أسس علم الغرافولوجيا (علم الخطوط)، الذي يُعَدّ مؤسِّسَه، وقد فتح له المجال لممارسة مهنةٍ قائمة بذاتها رغم عدم دخوله السلك الأكاديمي.

لكن أهم محطات حياته كانت إقامته الطويلة في ميونخ (١٨٩٣-١٩١٤)، التي وجّهت مساره الفكري، وألهمته صياغة فلسفة الحياة. ففي ميونخ توثّقت صلته بالشاعر شتيفان جورجه والمفكّر ألفرد شولهر، ونشأت جماعة «الحلقة الكونية» (Kosmiker-Kreis)، وتجدّدت قراءته لباخوفن، كما تأثر هناك بالجيل الثاني من الرومانسيين النمساويين-الألمان، ذوي النزعة المضادة للحداثة والميول إلى الحياة «التأملية الليلية».

في أجواء مزيجٍ من وثنيةٍ محدثة، وتيارات غنوصية، وتمجيد للحياة، ورفض للرؤية «العلموية»، نسج غلاكيس صلاتٍ فكرية مع رموز عصره، منهم الظاهراتي ماكس شيلر وعالم النفس تيودور ليبس. فإذا كان قد شارك الأول بعض القواسم النظرية والمنهجية، فإنه تباعد عن الثاني منذ البدء، فارضاً بذلك تبلور رؤيته «اللا-سيكولوجية» للعالم، حيث تُدرَك ظواهر النفس من منظور السيكولوجيا الرومانسية (كاروس وشوبيرت خصوصاً) بدلاً من السيكولوجيا العلمية الحديثة. فـ«علم النفس» عنده (Seelenkunde) يرى أساس الشخصية والطبع في «العمليات الحيوية والوقائع الحياتية الغريبة بطبيعتها عن الوعي»، جاعلاً من الديناميات الروحية أمراً ثانوياً.

لقد كان مسعاه، إذن، قلب العلاقة بين الوعي والحياة، بغية استعادة ديناميكيةٍ سابقة على «روحنة العالم»، التي ضاعت إثرها الوحدة الأصلية المنسجمة بين الماكروكوسم والميكروكوسم. وإن تنوّعت اتجاهاته الفكرية، إلا أنّها في جوهرها مترابطة ومتسقة بفعل جذرها في ثنائية «النفس أو الروح»، مما يؤكّد قول لوكاتش: إنّ فلسفة غلاكيس ليست سوى «تنويعات على هذا الفكر الأساسي» الذي يرى الحياة، بوصفها «حالة كونية مطابقة للطبيعة، عضوية وحيّة»، وقد طُردت ودُمّرت بفعل الروح. وهذه العملية التدميرية التي يقودها الـGeist بدأت منذ ما بعد البدائية، وهي، في نظره، تقدّمية ولا رجعة فيها، مولّدة صراعاً بين المبدأين المكوِّنين للعالم، اللذين نسب إليهما حكماً مانويّاً: للنفس طابع الحياة النابضة المتحوّلة في علاقة وجدانية بالعالم، وللروح طابع نفي الحياة عبر «سلطان المفهوم». فالروح عنده فكرٌ محض، يُسطِّح كل شيء في شِباك اللوغوس، ويُقصي البعد التأملي للحياة، ويجسّد - على الأخص - إرادة متعاظمة للقوة، انطلقت من الإغريق ووصلت إلى حاضرنا. وبكلمات أخرى، الروح هو تجسيد لكل الشرور والأخطاء الغربية، والغرب نفسه متّهمٌ بعدم الحفاظ على المنبع البدئي الحيّ المتدفّق، الذي كان يمنح الواقع كله معنى وجوهراً.

وعبر إرساء هذه الثنائية القاطعة، أعاد غلاكيس قراءة التاريخ الفلسفي الغربي بأسره كتفكك تدريجي للعنصر الحيوي-النَّفسي في العصور الأولى، وقد حلّ محله تدريجياً سلطان الروح الأنطو-ثيولوجي. فالقوة الأصلية للحياة نفسها تكاد تكون قد استُنفدت كلياً بفعل تأليه الوعي، الذي يتجلّى في إرادة عمياء ومتغطرسة لسيطرة الإنسان على العالم. وهنا، يصبح استدعاء البعد الإرادي ضرورياً لتوضيح فئة أساسية أخرى تأمّل بها غلاكيس ثنائية النفس-الروح، هي التضاد بين «الانفعالية» و«الإرادة»، وقد صاغه في مواجهة صريحة مع إرادة القوة النيتشوية (وكذلك الأطروحات الشوبنهاورية). فشرحه للروح باعتباره إرادة، مقترناً بتمجيد البعد الاستقبالي، يُعَدّ من أبرز وجوه فكره غرابةً وأهميةً. إنه يعرّف الـGeist كقوة يُجري «عملها التدميري قَطعاً في لحم الحياة»، فيحبس التعبير النَّفسي الخالص في شِباك إثبات الذات، مستبدلاً بمرحلة الفكر البروميثيوسي الخاضع للحياة (lebensabhängig) مرحلة الفكر الهِرَقلي المنفصل عن الحياة (lebengelöst).

في مقال بعنوان «الوعي والحياة»، الذي سبق تأليف «الخصم» بما يقارب العشرين عاماً، كان غلاكيس قد أوضح منذ البداية أنّ الشكل الوحيد الممكن لـ«المشاركة» في الواقع ينبغي أن يقوم على الحدس، ذلك أنّ الحياة ستبقى على الدوام عصيّة على أي دينامية للفهم (Verstehen) أو للإدراك الوسيط عبر الفكر (Wahrnehmen)، إذ إنّ كلا هذين النمطين لا يفعلان سوى إحصاء الأشياء، أو موضوعات لها هيئة الأشياء، أو عمليات موضوعية شاملة. فالفهم، في طبيعته، لا يستطيع سوى القبض على أشياء وآليات، وهو بهذا - بحكم نهمه المحموم لبلوغ مفاهيم دقيقة - يدمّر الصلة الانفعالية-العاطفية بالمجال الحيوي، ذلك المجال الذي لا يمكن إدراكه إلا عبر التجربة المعيشة (Erleben)، ما دامت «الروح تعرف، والوجود يكون، لكن الحياة وحدها تحيا!». إنّ عيش الحياة يعني إذن الشعور بها، الجريان معها وفيها، اختراقها بقوة العاطفة، والانسياب مع إيقاعها.

الحياة ليست مُدرَكة، بل محسوسة بكثافة غامضة. وما علينا إلا التأمل في هذا الإحساس كي ندرك حقيقة الحياة بيقينٍ لا يتجاوزه أي يقين آخر. فإذا حكمنا أو فكرنا أو أردنا، أو رغبنا وحلمنا وتخيلنا، فإنّ التيار الواحد نفسه، تيار الشعور الأولي بالحياة، هو ما يسند كل ذلك ويغمره. إنه لا يُقارن بشيء، ولا يُردّ إلى شيء، ولا يُعقَل ولا يُحلَّل، وبالطبع لا يُفهم أبداً. وبما أننا، في عيشنا، نشعر بالحياة، فإننا نلتقي بالحياة أيضاً في صورة العالم. باختصار: نحن نحيا حياتنا، وفيها نحيا الحياة الكونية.

وبعد سنوات قليلة، في كتابه «طبيعة الوعي» (١٩٢١)، ورغم حفاظه على أولوية البعد ما قبل الانعكاسي (النَّفسي) على حساب البعد الروحي، سيعيد غلاكيس قراءة الإدراك (Wahrnehmung) باعتباره الفعل المؤسِّس للتجربة الأصلية للعالم، مقابل مجال التمثّل (Vorstellung)، الذي عُدّ النتيجة النهائية لفعل الاغتراب الذي يمارسه الروح (Geist)، إذ يحوّل الصور-الظواهر الخالصة (Bilder) للواقع إلى وحدات موضوعية جامدة. ورغم التباينات الاصطلاحية، فمن الواضح أن ثنائية النفس-الروح لا تظل قائمة فحسب، بل تتصلّب وتترسّخ، فتتجسّد أحياناً في صور أزواج متقابلة أخرى. كذلك يبقى الطابع الانفعالي للظاهراتية الكلاگيسية راسخاً، مشدِّداً على الطبيعة السلبية والوجدانية في العلاقة مع الواقع، الذي لا يمكن الالتقاء به على نحو أصيل إلا لو لم يكن مظهره الحسّي قد تلوث بعمليات التجريد والتفكير المفهومي. ويبدو أن السمة الانفعالية التي «تشكل» علم الظواهر عند غلاكيس توحي بأن الواقع لا يمكن أبداً أن يُمسك به (begreifen) دون أن يخضع لذلك التبخيس الناجم عن تحويل الصورة-الظاهرة (Bild) إلى مفهوم (Begriff). وإذا كان المفهوم لا يحتاج إلى إيضاح خاص، فإنّ فئة الظواهر تقتضي تعميق النظر، على الأقل لتبيان الاختلاف الجذري بين الصورة (Bild) والتمثّل (Vorstellung).

إلى جانب ثنائية النفس والروح، أدخل غلاكيس – بصفته مفكّراً «قطبياً» – ثنائية أخرى في ميتافيزيقاه، لا تقوم هذه المرّة على التضاد، بل على علاقة انتماء متبادلة: النفس والصورة. ورغم أنّ هذا الثنائي ذي النكهة الرومانسية قد أوحى (وليس دوماً عن خطأ) بقراءة لاعقلانية لفكره، وهي قراءة حجبت أحياناً طموحاته «الظاهراتية»، إلا أنّ العلاقة بين النفس والصورة ذات مرجعية ملموسة تماماً، إذ تعود لا إلى عالم غامض مأهول بأطيافٍ أو بظواهر متشيّئة في تمثّلات، بل إلى دينامية العملية المعرفية التي يقيمها الكائن (قبل تبلوره في «أنا» صلدة) مع الواقع الظاهراتي.

وهنا تكمن، في تقديري، طموحات غلاكيس: إعادة المعرفة إلى أساسٍ نفسي-انفعالي لا ينحصر في التجربة النفسية للفرد ككائن فردي، بل يتّخذ بعداً عابراً للأفراد وكونيّاً. فـ«النفس» - بما أنها لا تُحيل إلى أي عالم سيكولوجي - لا ينبغي أن تُفهم كصفة لمجال داخلي مفترض، بل كمبدأ الحياة المطلق. أما صورها المقابلة، فينبغي أن تُفهم بوصفها ظهورات-ظواهر خالصة تسبق أي استيلاء مفهومي-عقلي عليها. ومن ثَمّ، فالحقيقة الأصيلة هي دائماً عند غلاكيس «حقيقة الصور»، التي هي الوطن الحق للأرواح، تلك الأرواح التي لن تجد لها مأوى في عالم يتألّف بالكامل من أشياء وأسباب ونتائج وقوى.

النفس والصورة في حوارٍ دائم، لأنّ كل واحدة تشارك الأخرى، وهذا ممكن لأنّ كليهما، من زاوية أنطولوجية أيضاً، لا يُفسَّران كأشياء، بل فقط كظواهر نفسية ذات طابع كوني: أي بوصفهما ذاتاً وموضوعاً للحدس الحسّي. ولأن الصور غير موضوعية بطبيعتها، فإنها لا يمكن أن تُمسك أو تُفهَم مفهوماً، بل فقط أن تُتأمل على هيئة رؤية-إدراك عن بُعد، وهو ما يسميه غلاكيس Schauung. ومن خلالها وحدها، يمكن صون البعد الوحيد الكفيل بضمان تجربة انفعالية و«خارجة عن الروح» (بالمعنى: خارجة وغريبة عن الـGeist) للعالم، وهو بُعد المسافة. والمقصود بها بُعد مكاني وزماني معاً، وهي من التأسيس بحيث تُشكّل الشرط المسبق لعلاقة النفس-الصورة؛ أو بتعبير أدق: «الغُربة والابتعاد هما السمات الجوهرية للصورة، ومن ثمّ للواقع، الذي لا تستطيع سوى النفس الانفعالية أن تقيم معه حواراً».

فالواقع، في خلاصة، لا ينبغي أن يبدو لنا ككتلة منظّمة من الأشياء، بل كظواهر أو مظاهر في تحوّل مستمر، تتجلّى ومع ذلك تحافظ على إحجامها عن التصلّب في ماهيات ثابتة ونهائية. هذه الـErscheinungen هي بالضبط ما يسميه غلاكيس Bilder، أي «صوراً لا تُنال إلا بشرط أن تبقى عصيّة»، أي بشرط ألّا تقع أسيرة شِباك الروح الجورجونية. فلا العلم، إذن، هو من يهبنا مفتاح الولوج إلى عالم الصور، بل ذاك البحث الخاص المنبثق من حوار النفس-الصورة، الذي يسميه غلاكيس «علم النفس» (Seelenkunde) ففي طبيعة الوعي نقرأ:

ليست الأشياء، بل الصور هي التي تحيا: هذه هي المفاتيح التي تفتح كامل نظرية الحياة. ولا يمكن لأيّ 'علم طبيعي' أن يمتلكها، لأنّ واقعية العلم ليست إلا عالم الأشياء المشتق، لا عالم الصور الحدسية الأصلي. فإذا كانت الأشياء […] لا يمكن أن تحيا، فلا بدّ أن تكون الصور هي الحيّة!

وهكذا تصبح النفس، بوصفها في آنٍ واحدٍ مكمّلة للصورة وضدّاً للروح، هي المحور الذي تدور حوله الثنائية المزدوجة في ميتافيزيقا غلاكيس، الممتدة، كما أسلفنا، إلى كل أبعاد العلاقة بين الإنسان والعالم، بما يشمل أيضاً مجال الوجدان والعاطفة. ومن هنا ستتوجّه الفقرات التالية إلى تعميق النظر في فئة المشاعر عامة، ثم في بُعد الإيروس خاصة، ذلك البُعد الذي أفرد له غلاكيس تأملاً طويلاً ومعقداً.

في المقالة القصيرة التي كتبها غلاكيس عام ١٩٣٢ والمكرّسة لغوته، الذي كانت نظرياته المورفولوجية موضوع عنايةٍ وإلهامٍ دائمَين لمفكرنا، قدّم تمييزاً – نجده أيضاً في بعض مواضع الخصم – بين Wirklichkeit و Tatsächlichkeit، أي بين «الواقع الفعلي» الحيّ والنفسي المنسوب إلى العالم البدائي-التصويري، و«الواقع الوقائعي» (إذ إن كلمة Tatsache الألمانية تشير تحديداً إلى «الواقعة» أو «المعطى») الذي يطبع الحياة الملوّثة بالـGeist. إن هذه الثنائية الإضافية توسّع وتستكمل التضاد بين التجربة الحيوية والوعي، مبيّنةً على نحوٍ أدق دينامية العملية المعرفية، التي تمتد من منظور الفرد إلى كامل الواقع عبر التقابل بين Bild (الصورة) وVorstellung (التمثّل).

وعلى صعيد الذات، يمكن ترجمة التضاد بين Leben وBewusstsein، وفق ما كتب غلاكيس في تمهيد إلى علم الطباع، إلى ثنائية أخرى، أقل غرابة بالنسبة لزمنه: هي ثنائية الأنا (Ich) والهو (Es). لكن غلاكيس، وقد حرّر المصطلحين من التأويلات التحليل-نفسية الصارمة، يستخدم الضمير الألماني المحايد لوصف ذلك الأساس النفسي في الكيان الإنساني، الباقي في مجرى الوجود غير الشخصي، والمختلف عن الأنا باعتباره تجسيداً روحياً متصلباً. فالهوّ هو في هذا المعنى المركز الحيوي للشخص – المرتبط دوماً بالبعد الجسدي – والمتفاعل باستمرار مع نظيره الواعي، أي الأنا، الذي تنبثق فيه الإرادة.

إن اللقاء-الصدام المتواصل بين الحيوية والإرادة عاملٌ حاسم في تحديد الميول والمواقف الإنسانية، إذ «يُغني» البنية العامة (الطبع) وفق تغلّب إحدى القوتين على الأخرى. والمؤكد أنّه بدون جذرٍ اندفاعي، لا يمكن للتفكّر ولا للإرادة أن يوجدا، إذ يفقدان القاعدة التي يتشكلان عليها. الذي يتغيّر، بالأحرى، هو تركيبهما الداخلي: تبعاً للقدر الذي ينقاد فيه الأنا إلى الهوّ، أو للعكس، أي مقدار كبح الهوّ بتدخل الروح، تنشأ طبيعة وسلوك إمّا أكثر اندفاعاً أو أكثر «تحكماً». وهذا التبادل بين الأنا والهوّ، الممتد إلى كل ما يتحول – بدءاً من دفعةٍ ما – إلى ردود أفعال أو حركات، يشمل مباشرةً الانفعالات العاطفية، التي تكون دائماً نتاج عنصر غريزي يتجلّى تباعاً في «إحساسات» أو في «مشاعر» متباينة في شدتها ونوعها ومزاجها (Stimmung). وهنا أيضاً تظل مقاربة غلاكيس اتساقاً مع نزوعه المضاد للنفسانية، لأنها ترى في إدخال محتويات وعمليات تنتمي إلى «الكُلّ الحيّ» في الداخل الذاتي نوعاً من انحطاط للحظة الحيوية-النفسية. ومن هذا الباب بالذات، يخاصم الفيلسوف تيودور ليبس، متهماً إياه بعدم التمييز الفعلي بين الوجه الحيوي للمشاعر ونظيره الأنوي، وبمبالغته في تقدير العنصر الروحي في الحياة العاطفية على حساب عنصرها النفسي.

سعياً لقلب موازين القوى بين القطبين، يقترح غلاكيس تصنيفاً للأنفس في منظور طباع-نفسي، محدِّداً خمسة أصناف يُستخلص منها الطبع الفردي: المادة، البنية، النوعية، التركيب، والمظهر. ومن بينها، يكتسب الصنف الثالث – أي النوعية – أهمية خاصة، لأنه يحدّد طبيعة الطبع وفقاً للحياة العاطفية للفرد: إذ يميل المرء لأن يكون أكثر شعوريّة أو أكثر إرادية تبعاً لسيادة إحدى المكونات. يقول غلاكيس: «إذا نحن، في النوعية، نظرنا إلى طبيعة الشعور، التي منها يتوقف ميلُنا نحو شيء أو نفورنا من آخر، أمكننا أن نحدد الخصائص باعتبارها مزاجات شعورية؛ أما إذا نظرنا إليها في ارتباط بالمشاركة الفاعلة للإرادة، فإننا نسمّي هذه المزاجات دوافع أو (اهتمامات)».

وبناء على ذلك، يتسم الشعور (Gefühl) بطابع مزدوج: طابع المزاج (Stimmung) حين يكون ميلاً طبيعياً نحو شيء ما، أو طابع الاهتمام حين يكون الباعث متصلاً بالجانب الإرادي-الروحي للأنا. وفي كلا الحالين، تبرز أهمية الشعور من كون غلاكيس عَدّه – إلى جانب الإرادة والعقل – أحد المكوّنات الأساسية للشخصية، معترفاً له بمرتبة مستقلة وبحيّز ذي شأن في تكوين الفرد.

ومن أجل هذا الطابع المزدوج، لا ترتبط المشاعر بالساحة الأنوية وحدها، بل أيضاً بالساحة الاندفاعية للهو. يشهد على ذلك ترابطها الوثيق مع الانطباعات الحسية أو «الإحساسات» بالمعنى النفسي، الأمر الذي يؤكد أطروحة التمهيد القائلة بأن لكل شعور وجهه الحسي، وأن كلّ حركة نفسية-عاطفية تصحبها بالضرورة استجابة جسدية. فالنفس والجسد (Leib) يؤلفان عند غلاكيس وحدة لا تنفصم، خلية حيّة (Lebenszelle) تقف في أصل الوجود الإنساني: «افصل عضواً عن آخر، ينكسر العالم قطعاً». وقد تبرهن الحياة اليومية هذه الحقيقة: «من يبقى طويلاً في حالة سوء مزاجٍ عميق وانكسارٍ حزين لا بد أن يلحظ صنوفاً من الإحساسات المؤذية في بدنه». ومن هذا التداخل بين الحالة العاطفية للنفس والاستجابة الجسدية تولد أنماط شتّى من المشاعر: منها ما هو حسيّ بالدرجة الأولى، ومنها ما هو نفسي، ومنها ما هو روحي. ففرحة العالِم حين ينجح أخيراً في حل مسألة استعصت طويلاً هي شعور يغلب عليه الطابع الروحي، في حين أنّ الحنين إلى طفولةٍ مفقودة شعور يغلب عليه الطابع النفسي، وأما الجوع والعطش فهما شعوران حسيّان بامتياز، حتى إن مظاهرهما البدنية الداخلية لا تكاد تُخفى.

تتفرع هذه الأنماط بحسب معايير شدة الشعور، ونوعه، وكيفية حدوثه. ويصف غلاكيس ذلك في فصل «الأمزجة والاضطرابات». فاختلاف الدرجة مثلاً يحدد قوة الشعور، فيسرّع أو يبطئ الحركات الجسدية. ذلك أن في أصل كل شعور دَفعةً إلى الحركة تتجه دوماً إلى مقصد: الغضب، مثلاً، يسعى إلى الفناء، والدهشة إلى التوجيه، والفرح إلى إشعاع السعادة، والميل إلى الاتحاد بالموضوع، والنفور إلى الدفاع، والخوف إلى الهرب، والإعجاب إلى رفع موضوعه… إلخ. وبما أنّ لكل شعورٍ وجهةً، فإننا نصف الغضب بدافع الفناء، والدهشة بدافع التوجيه، والفرح بدافع العطاء، والميل بدافع الاتحاد، والنفور بدافع الدفاع، والخوف بدافع الفرار، والإعجاب بدافع التمجيد. وإلى جانب البعد الاندفاعي، يتصف كل شعور أيضاً بعمقٍ خاص، قد يتوافق أو يتعارض مع شدّته. فقد يحسّ المرء بعمق شعور ما دون أن يصحبه أي تسارع في الحركة:

يمكن للشعور العميق أن يكون في آنٍ معاً هائجاً أو غير هائج، كما يمكن للهياج العنيف أن يكون عميقاً مربكاً، أو سطحياً للغاية. فلن ينسب أحد عمقاً إلى غضبٍ عنيف باغته، ولن يسمّي أحدٌ إثارةً عنيفةً ذلك التأثر العميق لرؤية قرص الشمس الأحمر يغيب في البحر؛ بينما يكشف فرحُ الحبيبين العنيف عند لقائهما بعد فراقٍ طويل عن عمقٍ وشدّة معاً.

حتى هذه المرحلة، لا تبتعد أطروحة غلاكيس كثيراً عن الفكرة التي يتفق عليها علم النفس اليوم، وهي أنّ الشعور إحدى الوظائف النفسية الأساسية للفرد. كما يوافق في ما يخص «العاطفة» على التمييز السائد الذي لا يسوي بينها وبين الشعور: فالعاطفة أشدّ قوة وأقصر زمناً، وأكثر فجائيةً وتفاعليةً من الشعور، الذي يتسم بقدر أكبر من الثبات، بل وقد يخلو من أي ارتكاس جسدي ظاهر.

وعليه، فإن البعد العاطفي الأعمق في الشخص الإنساني يتمثل أساساً في ميدان المشاعر، إذ إن الجانب الانفعالي أقرب إلى «الهوى» و«الاضطراب»، أي إلى الطابع الحدثيّ لا المزاجيّ (بالمعنى الـStimmungen) للحالة الوجدانية. والفيصل الحاسم بين المشاعر والانفعالات هو مقياس المدة، يضاف إليه عنصر فارق آخر: فالمشاعر تخصّ الإنسان وحده، لأنه الكائن الوحيد المزود بـ«أنا». فمن دون إسهام الأنا لا يمكن أن يوجد أي شعور، كما أنه لا يقوم إلا بمشاركة المكوّن الحيوي. أي إن المشاعر، في دورها الأساسي في تكوين الطبع والشخصية، ثمرة تفاعل بين الأنا والهوّ، فهي ليست محض ظاهرة للوعي، ولا مجرد حياة عارية. والخطأ الذي ارتكبه الفكر الأوروبي لا يكمن فقط في «رَوْحَنة» للمجال الشعوري، بل أيضاً في إهماله المفرط لمكوّنه النفسي، الذي يشكّل أساسه البنيوي. وهذا يقود غلاكيس من جهة إلى تفكير في أنساب الشعور على أساس أولوية النفس (Seele)، ومن جهة أخرى إلى بيان طبيعة الشعور المزدوجة، الذي يتكشف دوماً في مساحة التفاعل بين الوعي والحياة.

فإذا كان سلطان الروح لم يفعل سوى إضفاء الشرعية على ما يسمّى بالمشاعر الفكرية والإرادية، فإن هيمنة الهو المطلقة تُنتج على الضد وضعيةً قصوى أخرى، يغدو فيها الإنسان في تماهٍ تام مع الواقع، عاجزاً عن التمييز بين ذاته وعالمه وشعوره، ساقطاً في حالات استثنائية منعدمة الوعي مثل النوم أو النشوة. ومن ثمّ، يبقى من الضروري التمسك بالقطبية، إذ إن الميل إلى هذا القطب أو ذاك وحده هو الذي يحدد الفروق في الدرجة بين رجال الشعور ورجال الإرادة.

إن ما يميّز مذهب غلاكيس عن سواه ليس إنكاره للمكوّن المعرفي-العقلي الكامن في العواطف – إذ إنّه يعدّه أمراً لا يُستغنى عنه – بل رفضه لعملية «تسطيح» سيكولوجي مبتذل، يزعم خطأً أنّها «قوى فاعلة في الباطن».

الفاعل، هو الـEs (الجسد الحيّ) أو، بوجه أعم، الحياة، والفاعل هو الـIo أو، بوجه أعم، الروح؛ أما العواطف، فليست سوى أعراض – وإن كانت الأهم – للتفاعل المتبادل بين الحياة والروح. أمّا الميول والانفعالات والعواطف فلا 'تفعل'، بل تؤلّف [...] الجسر الأيسر سلوكاً من وقائع الوعي إلى الجواهر التي تسندها وتشترطها.

من هذه الزاوية، فإن القيمة التجديدية لفكر غلاكيس تكمن أساساً في نقده العنيف، لما يعدّه هو، مساواة زائفة ومصطنعة بين «النفسي» و«الداخلي»، وهي المساواة التي رسّخها الفكر اللوغوس-مركزي الأوروبي استناداً إلى نموذج باطني متجذّر منذ آلاف السنين، وكانت نتيجته تعميق الانقسام بين داخل وخارج، مما أدى تدريجياً إلى ضياع البنية النفسية-التصويرية للعالم. ومن هنا تتخذ «الرؤية الانفعالية» (patica) التي أعاد بها غلاكيس قراءة علاقتنا بالواقع موقعاً محورياً في فكره، إذ أتاحت ردّ العنصر النفسي إلى أفق خارجي، حيث حتى حالات النفس – رغم طابعها الذاتي – لا تُحصر في مجالٍ خاص محض. ذلك أنّ «الأنا»، رغم كونها العنصر المركزي المهيمن على الشخص،

لا يملك أي نشاط [...]، ولا أي عملية تفكير أو إرادة، ولا أي فعل يخلو من دخول العواطف فيه. [...] فلكلّ فعل من أفعالي هيئةٌ شعورية خاصة تعبّر عن علاقة فعلي أو تركي بالفعل، وعن علاقة ذاتي مع الحالة المتزامنة لحيويتي.

وعليه، فإن المكوّن النفسي يلازم كل حالة وجدانية تُعزى للفرد، بصرف النظر عن شدّة الشعور وعمقه، أو عن مدى انغراسه في الوعي، أو عن الطبيعة الأكثر أو أقل تقبّلاً عند الشخص نفسه. بكلمات أخرى: لا يقوم أحد القطبين دون الآخر؛ وهذا يصحّ – بطرق مختلفة – على الفرح كما على الحزن، على الأمل كما على الأسى، على الغضب كما على الدهشة، وعلى كل أثر نفسي آخر من بهجةٍ أو غضبٍ أو خوف، يلازمه بالضرورة تبدّل في حال الجسد (Leib). وبطبيعة الحال، يدخل في عداد العواطف أيضاً الحب (Liebe)، وهو لفظ يجمع تحت مظلته أشكالاً وجدانية متباينة: من التفضيل والتفاني، إلى الحاجة والرغبة. حتى الرابطة بين النفس والصورة تُعزى عند غلاكيس إلى «شكلٍ من أشكال الحب»، أسماه إيروس، وخصّه بمؤلف كامل. غير أنّ إيروس ليس – على الحقيقة – وليد شعورٍ حبّي، بل هو «تجسيد» لعلاقة، لا يمنحه غلاكيس صفات العواطف الأخرى، بل يصفه كطاقة ذات وظيفة أنطولوجية أساسية في دينامية Seele-Bild. ولقوة خصائصه لا يعبَّر عنه بلفظ Liebe، بل يحتاج إلى اسم آخر هو «إيروس». ومن اللافت أنّ هذا الاسم يغيب عن التمهيد، حيث تُذكر سائر العواطف. والسبب، في جوهره، واحد: أنّ إيروس ليس عاطفة.

إيروس ليست اللذّة العمياء الحيوانية؛ تلك لا تغذّيه إلا عرضاً. إيروس هي اللذّة التي ترى. من امتلأ بإيروس-ديونيسوس هو شيطان، وإن ظلّ إنساناً. ينظر في ليل الصور المتلظّي عبر جسد الأشياء الظليل. هو نفسه القدر، رُعب الغورغونات. طاقات الأرض، عواصف السماء، مسارات الكواكب فيه، وسلطانه يمتدّ وراء زحل.

في سنة ١٩٢٢ نشر غلاكيس دراسته عن الإيروس الكوسموغوني (Vom kosmogonischen Eros)، التي حازت على انتشاراً كبيراً خارج الأوساط الأكاديمية، فثبّتت مكانته كصوت بارز في الفكر الألماني بين الحربين. وقد صرّح في المقدّمة بأنّها ثمرة دورة عن علم الأسطورة ألقاها عام ١٩١٨، وكان غرضها استعادة المعنى الأولي لما سمّاه «الإيروس البدئي»، مميّزاً إياه منذ البداية عن مفهوم «الحب» الذي جرى – خطأً – خلطه به. انطلق غلاكيس من تحليل لغوي لمعاني كلمة «حب» المتعددة، ليستخلص طبيعة الإيروس مما ليس هو. فقد وجّه نقداً لقصور مفهوم Liebe، بوصفه لفظاً مظلياً يغطي خصالاً متباينة للنفس، ما أدى إلى التباس بل وتناقض في الدلالات. فالحب بمعنى التفاني في الفضيلة أو الحقيقة، أو الاندفاع نحو الاتحاد الجسدي، أو الإعجاب العابر، أو الميل القلبي، أو القرابة الروحية... كل ذلك عنده ليس «درجات» من شعور واحد، بل اختلافات نوعية، تكشف ضيق أدواتنا اللغوية في التعبير عن الميول والتفضيلات والعواطف الخاصة.

كذلك يكثر الخلط بين الحب والدوافع الغريزية، سواء أكانت محاطة برعاية وحنان كالحب الأمومي، أو مرتبطة باللذة الحسية كحب الطعام، أو مجرّدة في حب الجسد واللذة الجنسية. غير أنّ أياً من هذه المعاني لا يضيء حقيقة «الإيروس البدئي»، الذي يرد أصله إلى طور بدائي من تاريخ الإنسانية، كان فيه الإيروس والدافع الجنسي ظاهرتين متمايزتين. ولهذا، حتى في الخصم عند حديثه عن «عالم الصور» (Weltbild)، يتحدّث غلاكيس عن الإيروس لا كعاطفة، بل كحالة من الانخطاف الصوفي لدى الإنسان التصويري، يتيح له تحطيم حاجز التفرد والذوبان في حياة العناصر. وهو سُكر يشبه، إلى حد، الديونيسي النيتشوي، لكنه لا يُفهم بوصفه تلبية حاجة، بل:

اندفاع فيّاض، فيضٌ مشعّ، بذلٌ بلا قياس. ليس عوزاً ولا نقصاً، بل فائض امتلاء، لهبٌ يذرّ ذهباً، وحَملٌ ممتلئ بالعوالم.

بهذا الطابع البدئي من «هذيان منفلت» أو «خطفٍ بلوري»، يظهر الإيروس كقوة أصيلة، جارفة، متقدة، لا تُخمد جذوتها، ولا يمكن اختزالها في مجرّد فكرة. فهو، على رغم شموله، كيان لا ملموس، غير موضوعي، لا يجد محلّ ظهوره الحق إلا في التأمّل المشهدي (Schauung). لذا يصوّره غلاكيس، بلغة شعرية مكثفة، كقوة عنصرية – كوسموغونية:

يُسمّى الإيروس بدئياً أو كوسموغونياً، لأن الكائن الذي يستولي عليه الإيروس يحسّ نفسه مخترقاً بخفقات، ومغموراً بتيار كهربائي شبيه بالمغناطيس، يتجاوز الحدود ليدفع نفسين بعيدتين إلى التلاقي، فيحوّل الزمان والمكان الفاصلين بين الأجساد إلى عنصر كلّي، محيطٍ كالماء. وهكذا يوحّد، بلا أن يُبطل تنوّعها الذي لا يُختزل، أقطاب العالم. ويُسمّى كوسموغونياً لأنّه حالة امتلاءٍ متفجّر، يُحوِّل الداخل إلى خارج، ويجعل منه في اللحظة عينها عالماً وواقعاً يظهر.

فالإيروس، إذن، لا يصدر عن محض لذّة (Wollust) بوصفها إشباع دافع (Trieb)، ولا يتماهى مع العاطفة (Leidenschaft) أو الشهوة (Begierde) أو الرغبة (Wunsch). بل هو منبع ذلك النهر الفيّاض المتفجّر من النبع الذي تلتقي فيه أقطاب العالم. إنه شكل فريد من «الحب»، لا يصل بين أشياء أو أشخاص، بل بين المبادئ المؤسسة للوجود نفسه؛ ومن دونها يفقد العالم معناه وقيمته كلياً.

من خلال ما تقدّم، يتبيّن لنا بوضوح أنّ غلاكيس يُقيم مسافة أنطولوجية ولغوية فاصلة بين الإيروس وبين مختلف تدرّجات الدافع أو الإثارة الجنسية، بما في ذلك الاتحاد الجسدي الذي يستبعده تماماً من المجال الإيروسي. غير أنّ سبب هذا الاستبعاد لا يكمن في إنكار شرعية الجسد أو استبعاده من دائرة الإيروس، بل في الحطّ من قيمة فعل الاندماج – الانصهار، الذي يُفقد الثنائية الأصيلة الكامنة في أساس كل اتحاد، ويُفرغ معنى الرابطة الإيروسية من محتواها. فالإيروس، في جوهره، يرمي إلى الحفاظ على الخصائص المميزة لكلٍّ من عنصري الثنائية، لا إلى إلغائها. ومن أجل أن يتحقّق هذا، يجب على الإيروس ذاته أن يحافظ على نفسه، بإدخال مسافة فاصلة بين القطبين، بحيث لا يبتلع أحدهما الآخر، ولا يحلّ كلٌّ غامض ومشوَّش محلّ الأجزاء المكوِّنة. فالإيروس الكوسموغوني، حتى في لحظة ذروته القصوى، يبقى إيروس البُعد - Eros der Ferne؛ والمنتشي بالآخر يظلّ دوماً «ثانياً» لا يذوب في الآخر، عيناً للكلّ تنظر إليه من ليلٍ أرجواني. والانقياد له لا يعني اشتهاؤه؛ ومعانقته لا تعني التحوّل إلى كيانٍ واحد معه؛ والغياب فيه يعني، في الحقيقة، اليقظة!

وعليه، فكل ما يتعلّق بالتأمّل المشهدي (Schauung) هو ذو طبيعة إيروسية، إذ يرفض أي طموح للتملّك أو الاستحواذ. في جوهره، ليس الإيروس سوى مرآة للرؤية الانفعالية (patica) للعالم، التي يعتبرها غلاكيس السبيل الأصيل والوحيد للولوج إلى الواقع. فـ«البُعد الإيروسي» يمكن أن يُقرأ، على نحو أوسع، بوصفه تراجعاً عن نزعة التملّك المتزايدة سعياً لفهم ما نحن عليه وما نعيشه وما نفعله عبر فعل استحواذ، سواء أكان مادياً أم مفهوماً. ومن ثمّ تتحوّل المسافة إلى قيمة للإنصات السلبي للحواس، وإلى إدراك تأمّلي يستسلم لتدفّق الظواهر بحرية، من غير أن ينزلق مع ذلك إلى سكونية خامدة أو لا مبالاة غارقة في التيّار.

إن محاولة وضع ملامح فينومينولوجيا للعواطف، وإن كانت لا تزال في صورة أولية، تُظهر بجلاء أنّ غلاكيس لا يفهم علاقة الإنسان بعالم الصور على أنّها اندماج كليّ وغير متميّز، بل يعترف للشخص – من حيث هو كائن ذو «أنا» - (Io) بموضعية خاصة، أو كما قال بْلِسْنَر: «موضعية لا-مركزية» داخل الكون. فإذا كانت هذه الوضعية تجعل الإنسان ضحية (وربما خالقاً) لقوة الروح الماحقة، فإنّها تمنحه في المقابل سمات حصرية لا يمتلكها سواه: العقل، والفكر، واللغة، والإرادة، أي كل ما يندرج في مجال «الإنساني، المفرط في إنسانيته»، الذي هو مجال الأنا. فبغير هذا الأخير، لن يكون بوسع الحياة الغريزية العارية للـEs أن تمارس الإحساس في شكل العواطف «المحدَّدة والمتميّزة»، التي تمثّل – إلى جانب اللغة الشعرية – البوابة الوحيدة التي يُطلّ منها الأفق النفسي المضيء من وراء صورة الروح المولَخية – Moloch (Geist) التي وصلت إلينا في هيئة قدر لا فكاك منه. حتى طموحه في إقامة علم غرافولوجي (خطوط) يرتكز على تصوّره الميتافيزيقي للعالم، يكشف أنّ مذهبه «الكلّ-نفساني» (pan-psychismus) كان مصحوباً بتوجّه أنثروبولوجي قوي، أثّر بلا شك في بعض المفكرين الذين سيندرجون لاحقاً تحت مسمّى «الأنثروبولوجيا الفلسفية».

وعند نهاية هذا المسار، نستطيع القول إنّ غلاكيس – الغريب بطريقته، الرجعي في بعض جوانبه، المتبصّر والرؤيوي في جوانب أخرى – قد أسهم بطريقته الخاصة في النقاش الفينومينولوجي في النصف الأول من القرن العشرين، مُبدعاً ميتافيزيقا للإدراك تقوم على أولوية البُعد الوجداني-العاطفي. وهو بُعد يؤسّس في آن واحد المجال الكوني-الكوسمي الذي يربط النفس بـ«عالم الصور» (Weltbild) في صورة الإيروس، كما يؤسّس الدائرة الأضيق للعاطفة الإنسانية، في تفرّعها الشخصي والفوق-فردي. وعلى الرغم من أنّ بعض حدوسه لا تجد اليوم ما يثبتها في علم النفس المعاصر، فإنّ له فضل إبراز علاقة التكافؤ بين الأصالة والمظهر، ومجابهة أي نزعة إلى تملّك العالم مفهوماً كان أم مادة، والدفاع عن حقّ الإنسان في أن يشعر وفي أن «يُصاب» بالأثر. وهذا – كما يذكّرنا غلاكيس بلغة شعرية متدفقة – لا يتحقّق إلا بقوّة العاطفة:

أن تعيش التجربة بالتأمّل يعني أن تعيش الصور؛ أن تعيشها بالإحساس يعني أن تعيش الصور وقد صارت جسداً؛ أن تعيشها بالعاطفة يعني أن تعيش قوّة الجذب الكامنة في الصور.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق