جرحُ الأدب حين يخاصم نفسه

 

كلُّ تنظيرٍ هو فرار. يجب أن نحكم أنفسنا بالموقف ذاته، وهذا لا يُقال فيه شيء على وجه الدقة هنا، إذ هو شيء لا نستطيع أن نقترب منه بما يكفي، مهما حاولنا جاهدين، كأن نزحف تحت الشَّبكة.

- إيريس مردوخ، تحت الشباك.

في ١٦ فبراير ١٩٨٠، قال رولان بارت لمستمعي محاضراته في «كلية فرنسا»، في سلسلة «تحضير الرواية - الجزء الثاني»، إنّه في صيف العام السابق، بتاريخ ٢٩ أغسطس ١٩٧٩، قرأ باسكال في الطائرة المتجهة إلى بياريتز (بالقرب من أورت حيث كان له بيت صيفي). شعر أنّه «منقول» بفعل نص باسكال، وفكّر في نفسه:

إن حبّ الأدب هو، منذ لحظة البدء بالقراءة، طردُ كلّ شكّ ممكن حول حضوره، حول راهنيته، حول آنّيته، هو الإيمان، هو الرؤية بأنّ رجلاً حيّاً يخاطبني كما لو كان جسده بجانبي، أكثر واقعيةً عندي من الخميني أو بوكاسا؛ هو باسكال خائفاً من الموت، أو مغموراً به إلى حدّ الدوار؛ هو اكتشاف أنّ تلك الصياغات القديمة (مثلاً: 'بؤس الإنسان'، 'الشهوة'، إلخ) تعبّر تعبيراً تاماً عمّا هو حاضر في داخلي الآن؛ هو عدم الإحساس بالحاجة إلى لغة أخرى ¬ في الحقيقة، الحاضر = مفهوم متميّز عن الراهن؛ الحاضر حيّ (إنني في طور خلقه بنفسي) ≠ الراهن لا يمكن أن يكون سوى ضجيج.

كان هذا بارت، كما تبيّن لاحقاً، قبل أيام قليلة فقط من أن تصدمه شاحنة غسيل، في حادثٍ قاده إلى الموت بعد شهر، في ٢٦ مارس، عن عمر ٦٤ عاماً. إن صياغة باسكال القديمة، «بؤس الإنسان» (Misère de l’homme)، تبدو ملائمةً بمرارة. إن خضوع بارت للحقيقة التي اكتشفها في صياغة باسكال يجعل الأمر تطبيقاً مُرّاً لشكلٍ من التعشيق المرآوي (mise en abyme) الذي أحبّه كثيراً. لكن ثمّة تعشيقاً مرآوياً أسعد، تكراراً تأكيدياً، يحدّده بارت في الأدب. فـ«الأشياء التي في داخلي» يعبّر عنها تماماً بأشكال اللغة القديمة، وبهذا يؤكّد الأدب «حاضريته، راهنيته (son actualité)، آنّيته»، وفوريّته. الأدب يبدّد الحاجة إلى لغة جديدة: ما يحتاج إلى التعبير يجد شكله فيه سلفاً؛ الأدب يمنحنا الحاضر لا الراهن (l’actuel)، إذ «الراهن قد لا يكون سوى ضجيج».

يُعبّر بارت عن حبه لتكرارية الأدب الحيّة كحبٍّ للأركايكي. فالأدب «لم يعد له أي رواج في حقل الحروف»، وغيابه عن الوعي الجمعي الراهن هو ما يشعل في بارت حبّه «بالطريقة نفسها التي يحبّ ويعانق فيها المرء شيئاً مشرفاً على الموت».

في «تحضير الرواية - الجزء الثاني»، إن ما يقلق بارت هو موت الأدب، لا بمعنى أنّه يريد أن يفعل شيئاً حياله، بل بمعنى أنّه يريد أن يشارك فيه بالطريقة التي يكشف عنها تدريجياً في درسه. فمنذ كتابه «الكتابة في درجة الصفر» (١٩٥٣) ارتبط أبرز ما قاله بارت عن الأدب بالموت: «الأدب كالفسفور: يتوهج بأقصى لمعانه في اللحظة التي يحاول فيها أن يموت». وفي مقالة قصيرة من عام ١٩٥٩ بعنوان «الأدب واللغة-الميتافيزيقية» لا تتجاوز صفحتين، يقول إن الأدب الفرنسي «يلعب منذ مئة عام لعبة خطيرة مع موته». في بدايات مسيرته، كان الروائي الطليعي هو المكلّف بهندسة هذا الموت للأدب وللمجتمع في وجوده المنظّم، الدائم، في رعب «الرعب أو المعقولية». أما في أواخر مسيرته، وقد خفّ قبض النظريات عنه، أصبح بارت واثقاً بما يكفي ليصرّح بأذواقه الأدبية على أنها «كلاسيكية»، وكانت كذلك منذ البداية. الأدب الكلاسيكي عنده ليس شيئاً يظل حيّاً إلى الأبد؛ بل شيئاً يموت إلى الأبد.

ما يجعل الأدب «كلاسيكياً» عند بارت هو أنّه يمنح القارئ «لحظة حقيقة». سلسلة محاضراته «تحضير الرواية» امتدّت فصلين دراسيين، ويظهر مفهوم «لحظة الحقيقة» في الفصل الأول (ديسمبر ١٩٧٨ – مارس ١٩٧٩). شيء في القصة —تفصيل ملموس، يشبه الهايكو - haiku، من ذلك الذي يسمّيه بارت في التصوير الفوتوغرافي «الوخزة» (punctum) — يولّد «اقتراناً بين انفعال جارف (إلى حدّ البكاء، إلى حدّ الضيق) وحقيقة بديهية تولّد في داخلنا يقيناً بأن ما نقرأه هو الحقيقة». هذه الحقيقة تنتقل من الكتاب إلى «ما في داخلي»، إلى ذلك «الداخلي» الحاضر لكن غير الراهن. خوف باسكال من الموت يصبح هو ذاته الخوف الحشوي من موتي أنا أو موت من أحب. «لحظة الحقيقة» هي في الحقيقة لحظتان: «لحظة موت ولحظة حب». ذلك التفصيل الملموس (كما في بروست، حين يجرح مشط فرانسواز رأس الجدة أثناء تسريح شعرها). يجعل الموت حيّاً إلى أقصى حدّ. والـ«فضيحة» أن الاثنين يتعايشان: الرّب خلق الموت والحب معاً. هذا الاقتران غير القابل للمصالحة يدفع القارئ نحو الميتافيزيقي «(كل تلك الأنظمة التي تحاول تجاوز معاناة الإنسان)». أما بالنسبة للكاتب، فإن لحظة الحقيقة هي ميتافيزيقية كذلك: ليست حقيقة موجودة هي التي تنكشف، بل «انفجار المفهوم غير القابل للتأويل، الدرجة الأخيرة من المعنى، ذلك الذي بعده لا شيء يُقال». وعند نقطة الـ«لا شيء بعد» لا تُستخدم إلا كلمات تعترف بالتعايش المستمر بين الموت والحب، كلمات «كلاسيكية»: «بؤس الإنسان»، «الشفقة»، كلمات مرتبطة بالمأساة، كلمات تمنح أثر التطهير.

إن لحظة الحقيقة في الأدب — الموت والحب متشابكان بلا انفكاك — تحدث كثيراً، في التعشيق المرآوي، للأدب نفسه، بطرق عدة. فالأدب الكلاسيكي يؤدّي موته الذاتي لأنه لا يستطيع تجاوز نقطة اللاشيء القابل للقول. الأدب الكلاسيكي يموت أيضاً لأن انقراض لغته لا يلقى شفقة حديثة. يمنح بارت هذا الفنّ الفاني شفقته الكلاسيكية ويستشهد بتفاني فلوبير الكئيب تجاه الجملة «ما دامت اللغة لا تزال حية». وهناك أيضاً التعشيق المرآوي لبارت القارئ الفردي، الذي اختبر مؤخراً موت أمه، وهو يقرأ عن لحظتين نموذجيّتين للحقيقة في تولستوي وبروست. «الكلاسيكي» عند بارت هو دوماً مأساوي لأنه «الداخل» لديه؛ لحظات حقيقته دوماً حزينة لأنها وحدها التي ترفع؛ منطقه دوماً شخصي لأنه وحده ما يفتح باب السرّ.

الأدب عند بارت هو الأدب الكلاسيكي، أدب «العمل» (Oeuvre) المكتوب بـ«اللغة الكلاسيكية» التي يربطها بكتّاب من روسو إلى بروست (مع امتدادات إلى باسكال، مونتين، نيتشه، تولستوي، وكافكا). «الأدب الكلاسيكي» عند بارت هو بالأحرى مجموعة شخصية أكثر مما هو مصادق عليها ثقافياً — إنه النوع من الأدب الذي يتمنّى أن يكتبه هو نفسه. يعتبر بارت هذا الأدب «أدباً رومانسياً»، ويريد أن ينضم إليه، رغم أنّ هذا يبدو، متأخراً هكذا، سعياً أحمق. يتساءل بارت: «هل من الممكن أن نكتب اليوم بلغة كلاسيكية؟ (أعني من غير أن نخاطر بأن نكون خارج إيقاع العصر)». في الحقيقة، إن «الخروج من إيقاع العصر» هو خطر يتقصّده بارت. تصبح اللغة الكلاسيكية، «اللغة الجوهرية»، ممكنة بالنسبة له لأنها لم تعد اليوم مُطالَباً بها، ولا محترَمة، ولا محفوظة، ولا محبوبة، ولا مُمَارَسة أو مُدافَع عنها؛ بل تُعتبر «شكلاً عتيقاً، قانونياً، تقليدياً، قمعياً، إلخ». إن هذا الهجران الكوني للغة الكلاسيكية هو ما يحوّلها من ضريحٍ يرقد فيه ما هو متين ثقافياً إلى رمز هشاشةٍ، وبالتالي إلى جديد: «ما هو هشّ دوماً جديد… إنه بسبب أن الكتابة الأدبية لم تعد متينة أنها تحرّرت من ثقلها المحافظ وأمكن التفكير فيها بفاعلية كصيرورة، كشيء خفيف، فعّال، مسكر، نضِر».

«ما هو هشّ دوماً جديد» — عبارة مُحيّرة لا تكتسب معناها إلا لمن يقبل بمعارضة بارت في القيمة بين المتين (الخامل) والهشّ (الفاعل)، وبقناعته أن المجتمع الحديث هو ثمرة دوكسا متغطرسة ينبغي أن يُستثنى منها. لا شيء جديد، لا صيرورة، يمكن أن يُعبَّر عنه في أشكال ثابتة، متينة. تعيش اللغة الكلاسيكية في مستقبل مُغترب للحداثة، متانتها منخورة، هشّة، بالكاد معترف بها، لم تعد مُمَارَسة، لم تعد محبوبة. لكنها بسبب عدم ملاءمتها المخزية يمكن أن تصبح طازجة من جديد، قوةً فاعلة للجديد في يد من يلتقطها: تعود الصياغات القديمة إلى الحياة ويصبح مؤلفها ذلك «الرجل الحي الذي يخاطبني كأن جسده هنا، بجانب جسدي، أوقع من الخميني أو بوكاسا». إن اللغة الكلاسيكية، كطائر الفينيق، لا بد أن تموت كي تتخفف من ثقلها وتعيش من جديد، نادرة وخفيفة. ومع شعور بارت بالكتابة الكلاسيكية تستعيد فاعليتها في داخله، تُنعش كلمات أخرى من مفردات مُستهجنة بالحضور، بالراهنية، بالآنّية: «الجوهرية»، «الباثوس»، «المقدّس»، «الأخلاق»، «النبل»، «الأرستقراطية» (و«الحضور» نفسه). أحياناً يضع بارت علامات التنصيص حول هذه الكلمات، ربما لمصالحة رصانته الطليعية السابقة، لكن أن تنجلي جوهرية الأشياء على حافة انقراضها هو وعي يهيمن على كلّ التحضير للرواية. يريد بارت أن يستبدل الكتابة ضمن علامات التنصيص بكتابة «قدر الإمكان على الوجه المباشر». في انعكاس دال، تنتقل علامات التنصيص عند بارت المتأخر من تفكيك الميتافيزيقا إلى تفكيك السخرية: ففي مذكّرات «أمسيات باريس» بتاريخ ٣ سبتمبر ١٩٧٩، مثلاً، يرى بارت (جالساً في مقهى فلور، لا يزال يقرأ خواطر باسكال) صديقه رونو كامو يمرّ: «لم أعرف أحداً أقل ميتافيزيقية، أي أكثر 'سخرية' (مع ما يستلزمه هذا من مسحة غير مريحة بعض الشيء)».

من قاتلٍ للآباء، ينبغي أن يصبح العمل الأدبي «بنويّاً»: أن يعترف بـ«وراثته للقيم النبيلة»، أن يكون أرستقراطياً «كما أنّ الأرستقراطي الذي لا يملك مالاً… يظل أرستقراطياً». يصبح السؤال الهادي: «هل كان بروست سيحبّه؟». يطرح بارت هذا السؤال خصوصاً في مقالٍ كتبه لمجلة فوغ-أوم في ماي ١٩٧٨ حيث استعرض افتتاح ملهى الرقص لو بالاس. بروست، على الأرجح، كان سيحبّه: «خُيّل إليّ أني أتعرف، وقد نُقل إلى الراهن، شيئاً كنت قرأته في بروست». أما روايات اليوم، فربما لم يكن بروست ليحبّها. إذ «لم تعد تبدو مستودعاً لأي هدف جدير، لأي مشروع أخلاقي أو شغف»، «لم تعد هناك روايات 'عظيمة' بعد الآن». لم تعد الروايات الحديثة «تعارض منظومة قيم (الحب، العدالة، الحرية) بنظام اجتماعي تحدّده القوانين الاقتصادية».

في كتابها «بارت: سيرة ذاتية»، تتناول تيفين سمويو دور الصداقة التي جمعت رولان بارت ببرنار دورت منذ لقائهما سنة ١٩٥٤، وقد جمعهما آنذاك اهتمامهما بالمسرح البريشتي، ذلك الاهتمام الذي سيتخلى عنه بارت لاحقاً. تكتب سمويو: «كانا يفضلان هشاشة البُنى الناشئة… على أي شكل مكتمل، أيّاً كان نوعه». وهذه الهشاشة في البنى الناشئة هي ما سيقرنها بارت شيئاً فشيئاً بالأدب الكلاسيكي. ففي مقالته «الأسلوب وصورته» (١٩٦٩) يكتب بارت أنّ الجديد هشّ لأنه يتشكل على صورة القديم. وفي قراءته لقصة «سارازين» بالزاك يجد نفسه مستعملاً «شذرات من الجمل، وصيغاً مأخوذة عفوياً من نص بالزاك». ثم يعلّق: «الحياة ذاتها تأتي إلينا مكتملة بوصفها كتابة أدبية: فالكتابة الناشئة كتابة ماضية»

إحدى أولى مقالات بارت المنشورة كانت «المتعة مع الكلاسيكيات»، وهي بمثابة اعتذار أو دفاع عن «الأسلوب الكلاسيكي». ظهرت في عدد أبريل ١٩٤٤ من مجلة Existences، وهي المجلة الطموحة لمصحة سان-إيلير-دو-توفيه حيث أقام بارت فترات طويلة بين ١٩٤٢ و١٩٤٦. في هذا المقال يكتب بارت عن «وضوح» الكلاسيكيات، وهي سمة طالما نُسبت إلى الأدب الفرنسي الكلاسيكي. غير أنّ ذلك الوضوح يكشف «فجوات مقلقة. وهذه الفجوات تُدار ببراعة بحيث لا ندري إن كان الكُتّاب المعنيون وضعوها قصداً، أم تركوها بلا قصد». وتعلّق سمويو: «يتضح أنّه لا جدوى من مقابلة الكلاسيكي بالحديث لدى بارت، إذ لا يكتسب الكلاسيكي قيمة إيجابية إلا إذا استوعب سمات الحداثة (الصمت، النقصان، الارتياب، الانفتاح)، أو إذا أمكن للكتّاب المحدثين الإفادة منه». ومع ذلك فإن بارت يقيم نوعاً من التضاد بينهما. ففي «أمسيات باريس» كتب في ٢٥ أغسطس ١٩٧٩ أنه كان يقرأ في سريره «آخر رواية لإيف نافار» (ربما روايته الزمن المراد، ١٩٧٩)، لكنه وضعها جانباً ليلتفت «مرتاحاً إلى شاتوبريان، إلى الكتاب الحقيقي. دائماً هذه الفكرة: ماذا لو كان الحداثيون مخطئين؟ ماذا لو لم يكن لديهم موهبة؟»

وإن افتقدوا الموهبة، فلأنهم عاجزون عن بثّ «التهوية» التي تميّز «الكلاسيكي» بما فيه من فجوات وانفتاحات، تلك التي يجسدها، بأوجز صورة، جنس الهايكو. والمفهومان اليابانيان ما (الفاصل، الفراغ الحيوي، المسافة السالبة ولكن الضرورية، كما بين الزهور في تنسيقها) وأوتسوروي (اللحظة الهشة الفاصلة الواصلة بين حالتين، بين الحياة والموت)، مضافاً إليهما افتتان بارت بالمحسوسيات (التفاصيل الملموسة التي تجعل تصوير الحب والموت لحظات حقيقة دامغة)، جميعها تفتح مجالاً لا للتأويل والمعنى، بل للخيال. فهايكو بوسون: «قمر الخريف، هكذا، على المنضدة، سأفتح، النصوص القديمة»، يحقق عند بارت هذه التهوية وذلك التفصيل المحسوس («المنضدة»)، فيعلّق قائلاً: «خيال أعرفه جيداً: أن أشتغل على النصوص الكلاسيكية (من دون عدوانية الحداثة)، في الدفء، شتاءً».

وهذا يقوله بارت بكل جدية: فلا سخرية في الرغبة الحقيقية المحددة. في محاضراته السابقة عن الحياد، سجّل رغبته في الامتناع عن الأيديولوجيا. وضمن مداره الفكري المألوف، يعني ذلك أنه وإن أبقى صداقاته القديمة، فقد ابتعد خاصة عن أيديولوجيا «تيل كيل» اليسارية. فهو حين يقرأ صحيفة ليبيراسيون اليسارية يقرّ بنبل قضاياها، لكنه يشعر أيضاً بجذب «انسحاب مذنب نحو الأثرية». بل ويكتب تعليقاً على صورة للكاتبة الصالونية المعادية للسامية جيب (الكونتيسة دو مارتيل) المرتبطة بماوراس وبارييس وإيريديا: «أيام سعيدة تلك حين كان هناك كُتّاب ومثقفون يمينيون!».

غير أن تراجعه عن الأيديولوجيا اليسارية لا يعني انجذابه إلى نقيضها اليميني. ففي لذة النص (١٩٧٣) كان قد شرح أنه يكتب «بالحذف» لأنه «لا يريد الكلمات التي يجدها». هذه الكلمات التي يحذفها هي ما يُفصح عن الأيديولوجيا. فالحذف لا يعني إضافة أيديولوجيا مضادة، بل هي تنقية للنص كي يُتاح له أن يمنح لذّة؛ واللذة هي تعليق لكل أيديولوجيا، «لا تفضّل إحداها على أخرى»، «ولا يمكن أن تستحوذ عليها أي جماعة أو عقلية أو لهجة أيديولوجية»، بل هي لا اجتماعية، «لا موضع لها»، «فاضحة»، «محايدة». والصورة اللافتة التي يقدمها بارت عن القراءة في حال التعليق الأيديولوجي هي صورة ذبابة تحوم في غرفة، تقوم بانعطافات مفاجئة تبدو حاسمة لكنها في الحقيقة «حارة وعقيمة». وأما الأيديولوجيا؟ فإنها تتسلل على القارئ والنص «كما يتورد الخجل على وجه…: لا شيء متضاد حقاً، كل شيء تعددي. أمرّ بخفة عبر ظلمة رجعية [كما في عمل الخصوبة لزولا]».

هذا الحذف الأيديولوجي، أو «التهوية»، هو عند بارت محاولة للتخلص من «الغراء» على حد تعبير جون كيج وهو يصف الانفتاح المتقطع في موسيقى ساتي وفيرن، التي مكّنته هو وزملاءه في مدرسة نيويورك من ضمان أن «الأصوات تكون هي نفسها». وهكذا جعل بارت نفسه تعشيقا مرآويا، أي منفتحاً دوماً، وبالتالي جديداً أبداً. والجدة التي يبتغيها بارت هي «حياة جديدة» (Vita Nova)، حياة جديدة لكاتب لرواية، ودروس التحضير للرواية هي الخطة التي تبيّن ما يستلزمه هذا.

إن «تحضير الرواية - الجزء الثاني» هو، في وجوه كثيرة، شرح لمتن لذة النص؛ إذ يقدّم توضيحاً لذلك النص السابق من خلال الانتقال في المنظور من القراءة إلى الكتابة، ومن الإيجاز إلى التوسّع، مبرزاً النص السابق بوصفه بذرة اللاحق. فلذة النص مؤلف من ملاحظات قصيرة مترابطة عن القارئ ولذّته، لكن جزءاً من تلك اللذة سرعان ما يصبح وعياً بوجود «الآخر، المؤلف». وهنا يكرر بارت مقولته الشهيرة عام ١٩٦٧ أنّ المؤلف قد مات، لكنه يضيف الآن قيداً: المؤلف ميت «كمؤسسة»، لكن «في النص، بطريقة ما، أرغب بالمؤلف: أحتاج صورته… كما يحتاج هو صورتي».

فـ«تحضير الرواية - الجزء الثاني» هو عن هذا التوق إلى المؤلف. وبارت يعترف أن استعادته للمؤلف إنما هي انعكاس لمسار كان هو نفسه قد أسهم في ترسيخه عبر كتاباته السابقة، وخصوصاً «موت المؤلف». وهو الآن يتوب: «الموت، انعدام الفضول عودة الفضول، عودة المؤلف». لقد صار بارت، في محاضراته الأخيرة بكلية فرنسا، مثقلاً بما يراه الآخرون فيه، متأثرين بصورته السابقة: «تُعاب كتابتي بأنها فكرانية، يقال إنها تفتقر إلى الغريزة، الدفء…، وأنا أحلم بكتابة مضادة تقول عكس ما أقوله، كتابة أشعر بها تغلي داخلي: العاطفة، التعاطف، السخط، إلخ». تحضير الرواية هو إذن استعداد لهذه الكتابة المضادة. وفي هذه اللحظة يجد بارت نفسه أقرب إلى قول كافكا: «الكتاب يجب أن يكون فأساً للبحر المتجمد في داخلنا».

إن الرغبة أقوى من اللذة، وتحضير الرواية يطلب مستوى من الكثافة أرفع مما تطلبه لذة النص. فالكتاب الأول يهيّئ للثاني. في لذة النص يميز بارت بين لذة متساهلة ورغبة منتصرة: «الرغبة لها كرامة معرفية، واللذة لا». فالرغبة منوطة بالقيم النبيلة: «الحقيقة، الموت، التقدم، النضال، الفرح…»، بينما تُقرن اللذة بالقيم الدونية: «الشعب لا يعرف الرغبة، بل اللذات فقط». قد يكون بارت هنا مخطئاً، كما يخطئ غالباً حين ينجذب إلى الثنائيات حين تلائمه، ثم ينقضها متى لا تناسبه. ومع ذلك فإن عودته إلى المؤلف (وإلى القيم النبيلة) تتخذ شكل رغبة ذات موضوع محدد: إنه بارت نفسه الذي يرغب أن يكون مؤلفاً، والرواية الكلاسيكية هي ما يرغب أن يكتب. غير أنّ هذه الرغبة، كما هي حال الرغبات عادة، ملفوفة بخيال: خيال الأبوّة الأدبية. لقد سجل بارت في نفسه نزعة إلى الكتابة، لكن كيف يتحول هذا الميل إلى وجود فعلي ككاتب؟

في تخيله لذاته وهو يستعد للكتابة، لا ينظر بارت إلى النصوص الروائية ذاتها بقدر ما ينظر إلى «ما فوق الأدب» (Métalittérature): اليوميات، المراسلات، الخطط، الجداول اليومية، العادات الغذائية، الترتيبات المنزلية، أشكال الأنا…، أي كل ما قد يمنحه دلالة عن كيفية الانتقال من «الإرادة في الكتابة» إلى «القدرة على الكتابة». ففي لذة النص يبدأ سرور القارئ من عبور «فن العيش» لدى المؤلف إلى خيال القارئ المنخرط في ذلك الفن: «البيت، الريف، ساعة الطعام، المصباح، العائلة حيث يجب أن تكون، أي قريبة ولكن غير قريبة جداً… تعزيز استثنائي للأنا (بالخيال)». وفي «تحضير الرواية - الجزء الثاني» يواصل بارت جمع «سُدُم سيرية»، فيبني شيئاً فشيئاً صورة عن حياة الكُتّاب المفضلين لديه بوصفها تهيؤاً أو انخراطاً في فعل الكتابة. وهذه العملية ليست تحليلية بل تركيبية، تشبه ملء مستطيل متخيل، أي تكثيف الصورة وإحكامها، تماماً كما فعل بروست في البحث عن الزمن الضائع عبر تقنية «المايونيز»، أي الإضافة المستمرة للزيت حتى «تتماسك».

ليست هذه التشكيلات مجرد «تأديب» Bildung تخصّ الكاتب المعجَب به وحده، بل هي أيضاً تأديب للذات نفسها؛ إذ إنّ استثمار الخيال في المؤلّف يمنح الذات شرعيّة وجودها. ومن هنا يأمل بارت، أو يتخيّل على الأقل، أن يستطيع الانتقال من مقام «ما فوق الأدب» إلى مقام «الأدب»، أي من صورة الكاهن إلى صورة الفنان، بحسب تصنيف نيتشه.

هذا الانغماس في تفاصيل حياة المؤلفين يجعل «تحضير الرواية - الجزء الثاني» نصاً في «ما فوق ما فوق الأدب»، لكن لا بمعنى التصعيد في التجريد، بل على العكس تماماً: نحو مزيد من الحميمة. وهنا يفي بارت بوعده: «أن أقدّم الحميمي، لا الشخصي». فهو يعرف، أو يظن، منذ البدء أنه يعيش نوعاً من أبوة أدبية شبحيّة: اندماجاً عميقاً مع مؤلفيه الكلاسيكيين، اشتراكاً معهم في الرغبة بالعمل، بل في هوس التفاني لعمل غير موجود بعد، وربما سيظل مؤجلاً إلى الأبد أو، حين يُنجز، قد يخيب أو يقود إلى رغبة في هجر الكتابة. وفي رغبته في الكتابة يعترف بارت أيضاً برغبة أخرى قريبة منها: تلك الرغبة اللامجتمعية المطلقة في «فعل لا شيء». فـ«إرادة الكتابة» تنطوي على «إرادة السبات»، مثل جندي روسيا الذي يذكره نيتشه في «هذا هو الإنسان»، وهو استعراض ذاتي لحياته وأعماله – والنوع من ما فوق الأدب الذي يجذب بارت. ذلك الجندي، وقد أثقلت الحملة كاهله، يستسلم أخيراً للثلج، في سلبية متعالية، «أخلاق عسيرة للامتناع عن الرد على الشر». وبارت يرى في هذا اللا-فعل الأخلاقي شكلاً جذاباً من «الحساسية» إزاء حدود الممكن؛ أما الكتابة، فهي صراع مع تلك الحدود: «إرادة، إنهاك، تآكل، تنويعات، نزوات، اصطناعات، أي المستحيل».

إنّ «إرادة السُّبات» إذ تتجاور وتتماهى مع «إرادة الكتابة» تجعل حياة الكاتب في معظمها استعدادًا للكتابة، وتردّدًا، وتعثّرًا، وتخلّيًا، وكلّها أحوال يتقنها بارت. وفي جميع هذه الحركات يستطيع بارت أن يصحب مؤلفيه في حجٍّ ذهني من الخيال العميق والتماهي. فنيتشه في عنوانه الفرعي لـ«هذا هو الإنسان» يعلن بثقة: «كيف يصبح المرء ما هو عليه»؛ أمّا بارت، في «تحضير الرواية»، إذ ينظر إلى الذين صاروا ما هم عليه، فإنّه يشرح بتردّدٍ ما يأمل أن يصير إليه هو نفسه. ويميز في هذا الأمل عنصران اثنان: الأوّل هو خيال القطيعة التامّة مع الحياة القديمة التي كبّلته، أي ميلاد جديد، «حياة جديدة» Vita Nova؛ والثاني هو السمة القدسيّة التي يلاحقها المرء وهو يستعدّ لكتابة الرواية.

الحياة المتخيّلة الجديدة تعني إقامة بيت جديد، معزول، مؤهَّل للاكتفاء الذاتي، يتيح الانفصال عن العادات القديمة وتأسيس عادات أخرى: «اعتدال، تواضع، حياة رصينة». وفيها لا يكون «الجديد» قيمة منفصلة عن العمل، بل يُستبطن كلّياً: إنّه هو العمل نفسه. وعناصر هذا البيت الجديد تُنتزع من ملاحظات بارت على علاقة الكتّاب بمكاتبهم، وأسِرَّتهم، ومصابيحهم، وأقلامهم ومحابرهم، وقهوتهم وأدويتهم، وسائر «الأنساق المكانية – proxemics» للكتابة التي يستخرجها من تلك السّير المبعثرة التي يلتهمها، مضافًا إليها ذكرياته الشخصيّة من أيّامه في المصحّات السريريّة.

وفي حفره في حيوات الآخرين الكتبية يكشف بارت بعض أنساقه هو نفسه (فهو إنسان صباحيّ، لا يستطيع العمل في المكتب، ويضجر حين يفترض طلبة الدكتوراه أنّه لا يزال ثابتًا عند «البنيويّة الأيقونيّة» أو «أسطورة الألعاب والأزياء» في حين أنّه تجاوز ذلك منذ زمن). ويسأل: «أكلّ هذا تافه؟ مبالغ فيه؟» ثمّ يجيب على خجله باستناد إلى ربط نيتشه المتين في هذا هو الإنسان بين الخيارات الجسديّة الهامشيّة - في التغذية والمناخ والمكان واللهو - وبين فلسفته العميقة. والسؤال نفسه طرحه بارت في لذة النص: «لماذا هذه الفضولية تجاه التفصيلات الصغيرة: الجداول، العادات، الوجبات، المساكن، الملابس؟» وكان جوابه هناك أفضل، منسجمًا مع رغبته التي عبّر عنها في «تحضير الرواية»، أن يصبح، بصفته قارئًا، كاتبًا. فـ«المشهد الصغير الخاص» الذي يعيد بناؤه فضول بارت، ألا يتيح له أن يتخيّل مشهدًا «يمكنني أن أجد مكاني فيه بسهولة؟». غرض الحياة الجديدة التي يتخيّل بارت أن يجد مكانه فيها هو العمل الذي يصبح، إذ ينبثق من جدة تلك الحياة الراديكاليّة، موضوعًا مقدّسًا. فمع أنّ «الجديد» في الحياة الجديدة مستبطن كلّه في العمل، فإنّ الحياة الجديدة تُقدَّس بواسطة موضوع تكريسها الكامل. ويشكو بارت من أنّ الكتاب اليوم «منزوع القداسة»، أنّه لم يعد «مهيبًا»، وأنّ الكتّاب لم يعودوا ينظرون إلى كتبهم بوصفها «أشياء مقدّسة عظمى». إنّ فشل الحداثة، في نظره، هو فشل في توق القدسي، في الاعتراف بأشواق أعمق.

وللقدسي وضع أنطولوجي غريب: إنّه يوجد متى أُكّد بتيقّن مطلق. القدسيّ هو ما يراه المرء مقدّسًا. ومع أنّه مصطلح دينيّ، إلّا أنّه لا يحتاج إلى سياق لاهوتيّ محدّد ولا إلى مؤسّسة كنسيّة. هذا ما أعلنه وليام جيمس قبل أكثر من قرن في تنويعات الخبرة الدينيّة: فالتعاليم والمؤسّسات ليست إلا نموًّا ثانويًا للدين؛ أمّا جوهر الدين فهو «المشاعر والأفعال والخبرات التي يعيشها الأفراد في عزلتهم، بقدر ما يدركون أنفسهم في علاقة بما يرونه إلهيًّا». فالأفراد في وحدتهم «يدركون» ما «يعتبرونه» إلهيًا. إنّ الإخلاص المستمر، الفردي، العزلي، هو الذي يستحضر القدسي. وحين يتأمل جيمس في لفظ «الإلهي» (الذي يقارب، في رأيي، لفظ «المقدس» عند بارت) وما يقتضيه من موقف في الفرد، يقترح أن يعني «الإلهي» لدينا فقط تلك الحقيقة الأولى التي يشعر الفرد بأنّه مدفوع لأن يستجيب لها بجدّ ورهبة، لا بلعن ولا بسخرية. إنّ إخلاص بارت من هذا النوع الجليل: ففي رغبته أن يكتب، وأن يكتب عملاً كلاسيكيًا، يقدّس العمل والذات معًا.

وتبدأ الحياة الجديدة عند الكاتب بالاختيار العسير لصيغة أو جنس أدبيّ يُكتب فيه. فهذا الاختيار صياغة لقيمة تُستبطن في العمل. وبالاستناد إلى تمييز ستيفان مالارميه بين «الكتاب» و«الألبوم»، يفرّق بارت بين معتقدين أساسيين حول العالم يعبّر عنهما العمل. إمّا أن يتصوّر الكاتب الكون واحدًا منظّمًا ومركّبًا؛ أو أن يراه مجموعة مبعثرة من عناصر طارئة. فإذا اخترت الكتاب، فإنّك تؤكّد اعتقادك بعالم موحّد منظّم ومقصود، وعلى الكتاب أن يكون مماثلاً لذلك النظام المعماري. أمّا إذا اخترت الألبوم، فإنّك تختار صيغة التشتّت لأنّك ترى أنّ العالم محض طارئ مطلق. وداخل هذا الخيار الثاني لا بدّ من اتخاذ موقف من موقفين متضادّين: إمّا أن ترفض التفتّت الذي تسجّله أو أن (مع نيتشه) تعتنق هذا التبعثر بوصفه بهاءً وتفرح بأنّ السطح يخفي وراءه لا عمقًا.

فماذا يختار بارت الكاتب المتخيَّل: الكتاب أم الألبوم؟ وإن كان الألبوم، فأيّ الموقفين؟ لا يقول صراحة. فدانتي هو أنجح من أنجز كتابًا، إذ عكس في الكوميديا الإلهية كون عصره موحّدًا. ومالارميه وبروست طمحا إلى الكتاب، لكنّ الألبوم تسلّل إلى أعمالهما. والموقف الأول من الألبوم، أي حسرته الحداثيّة على استحالة الكتاب الواحدي، يتناغم مع توق بارت إلى المستحيل في كونٍ أركيولوجي. لكنّ الابتهاج ما بعد الحداثي بتلألؤ السطح أقرب إلى بارت في لحظاته الأقلّ نوستالجيا. ومع ذلك يتعثّر بارت في هذا الخيار، ولكن على نحو مثير: فمع انتقال ثنائيّة كتاب أو ألبوم إلى الممارسة الفعلية للكتابة تنهار دائمًا، لمصلحة الألبوم. فالكتاب يبدأ ككتلة من الملاحظات والأفكار المبعثرة، وقد لا يتسع العمر لترتيبه في كتاب (كما في خواطر باسكال). ثم إنّ الكتاب يتحوّل دائمًا في ذاكرة القرّاء إلى ألبوم من العبارات والمشاهد البارزة: وفي الكوميديا الإلهية تبقى عبارة «اتركوا كلَّ أملٍ يا مَن تدخلون هاهنا» أوّل المرشّحين. الألبوم ينتصر دائمًا في النهاية: «مستقبل الكتاب هو الألبوم، كما أنّ مستقبل النصب هو الخراب».

الكتاب والألبوم: صيغتان للكينونة والصيرورة. غير أنّ الكينونة وهم، أمّا الصيرورة فممارسة. ولهذا أعاد بارت في «تحضير الرواية» صياغتهما في ثنائيّة «الدائم» (كينونة) و«الهشّ» (صيرورة) مع كون مهمّة الكتابة أن تجعل الدائم هشًّا، وبهذا جديدًا. وفي لذة النص، التي تظلل «تحضير الرواية» كما كثيرًا ما تفعل، يعزو بارت عجزنا الراهن إلى فقدان دقّة تخيّل «علم حقيقي للصيرورة». ودع نيتشه يتكلّم بلسانه: «إنّ الثابت لا يوجد إلّا بفضل أعضائنا الغليظة التي تختزل الأشياء إلى مسلَّمات مبتذلة، في حين أنّ لا شيء يوجد في هذه الصيغة [صيغة الثبات]». وكما أنّ «الشجرة شيء جديد في كلّ لحظة» كذلك الكتاب عمل لا تتحقق كينونته إلا في عمليّة صيرورة. وهي تقنيّة «المايونيز» التي جعلت البحث عن الزمن المفقود عند بروست كتابًا: إضافة الزيت باستمرار يثبّته. وهذا الاختيار للجنس الأدبي (وما يرافقه من شكّ) هو المحنة الأولى من ثلاث، حيث يرى بارت أنّها تشكّل التجربة الكتابية. وأمّا الاثنتان الأخريان فهما الصبر والانفصال، وهما متعلّقتان بعلاقة الكاتب المرتقب بمجتمعه، أي بعلاقة العمل بالعالم. فالصبر يعني تحويل الحياة إلى منهجيّة متواصلة بحيث يتأتّى العمل. وهذا الصبر سيبدو للعالم أنانيةً، أو غرابةً، أو تجهّمًا، أو عزلة. لكنّه سيتيح للكاتب المرتقب أن يطوّر ممارسة للكتابة تقوى على مواجهة الأزمات والعقبات والكآبات التي تعترضه في الطريق. وإذا كان الصبر يتطلّب من الكاتب المرتقب انكفاءً جسديًا شبه دائم عن العالم، فإنّ الانفصال يقتضي اعتزالاً «عن القيم المعترف بها في العالم».

وهذان الشكلان من الانفصال - المادي والأخلاقي - أي التجربتان الثانية والثالثة للكتابة، كلاهما يستلزم من المتهيّئ للكتابة أن يقدّس نفسه وعمله. فالصبر يفرض ذلك عبر العزلة، والانفصال عبر البطولة. والعزلة التي يطالب بها الكاتب المرتقب إنّما غايتها أن تفسح له مجالاً لتلك الدينيّة الدنيويّة التي وصفها وليام جيمس: «مشاعر وأفعال وخبرات الأفراد في عزلتهم، ما داموا يدركون أنفسهم في علاقة بما يعدّونه إلهيًا». وهذه العزلة المثالية تتوازن مع توغلات خيرية فيها، يستطيع الكاتب أن يدبّرها بمساعدة مقدار من الأناويّة يجد مبرّره في حركة تقديس الذات، والقدسيّ هو تلك «السلطة التي تشارك أيضًا في الدينيّ». ثم تأتي المحنة الثالثة: الانفصال. فمن العزلة يجب أن تنبثق بطولة الانتماء إلى الأركيولوجي. وهذه البطولة هي «تمرين على أن تكون وحدك، حتى يغدو الأمر لعنة، أي حتى تستدعي سخرية العالم المبطّنة». ويقدّم بارت نفسه كمنفيّ: «أتصوّر، أخطّط، أعمل، لكنّني مضطرّ أن أفعل ذلك وأنا مغمور، إن صحّ التعبير، في (بيوسفير) فكريّ لا أشعر أنّه متوافق مع عملي، مع رغبتي».

في تأملاته حول العزلة والبطولة، وقد رقّقها إلى حدّ يتجاوز قدرة البشر على التدبير، وفي منحه نفسه فرصة ضئيلة حدّ التلاشي للانتقال من مرحلة الإعداد إلى الإنجاز، وضع بارت نفسه في موقع الفشل في العبور من مقام الكاهن إلى مقام الفنان. لم يكتب بارت قطّ «العمل» بالمعنى الكلاسيكي، وربما لم يبدأ حتى فعليًا في مشروع حياة جديدة، ولو أنه امتلك العمر الكافي لذلك. فثمّة ثماني أوراق من حجم A4 موضوعة في ملفّ بعنوان «حياة جديدة»، أُعيد نشرها ونقلها في آخر كتاب الاستعداد للرواية، وقد دوّن عليها تاريخ وفاة أمّه، ٢٥ أكتوبر ١٩٧٧، باعتباره المنعطف الحاسم نحو الحياة الجديدة. لكن هذه الأوراق لا توحي بما يمكن أن يتّسع إلى رواية. ترى ديانا نايت أنّ علينا النظر إليها كـ«خطة»، وكخطة بالفعل تبدو امتدادًا لتلك النزعة الطوباوية في التخطيط للجديد الذي لا يتحقق أبدًا. وربما كان إخلاص بارت لفكرة قداسة المؤلف قد اصطدم بعجزه عن الإيمان بالقدسي نفسه، أو التفكير فيه إلا بين علامتي تنصيص. في أوّل دروسه في كلية فرنسا، بعنوان كيف نعيش معًا، أي قبل عامين من «تحضير الرواية - الجزء الثاني»، يحاول بارت أن ينقذ القدسي في ممارسة للقراءة لا تعمل إلا مع الدوال وتستغني عن المدلولات: كقراءة المتصوفة «من دون إله»، أو حيث يكون «الإله مجرّد دال»، أو قراءة سارتر «من دون مدلول الالتزام». لكن، هل يمكن الاستغناء عن المدلول حين يتخيّل المرء نفسه كاتبًا «كلاسيكيًّا» لا مجرّد قارئ؟ لماذا نكتب إذا كانت الكتابة لا تدلّ على شيء؟ في كيف نعيش معًا يتأمّل بارت في آثار هذا «الإعفاء من الإيمان»، حتى من الإيمان السياسي «الذي صار بديلاً عن الإيمان الديني بالنسبة للطبقة المثقفة بأسرها»، ويرى أنّ هذه الآثار «لا تُقاس، بل تكاد تكون غير محتملة»، لأن تهميش المدلول على هذا النحو أحد «مولّدات الذنب». فهل كان بارت مذنبًا أكثر من أن يكتب «عملاً»؟ وبعد كلّ استعداداته، هل كان هناك بالفعل «لا شيء آخر ليقال؟»

ثمّة سبب آخر يجعلنا نرجّح أن بارت لم يجد ما يقوله في صيغة الرواية الكلاسيكية. د. أ. ميلر، في مقالته إبراز رولان بارت، المرافقة لنشر وقائع بعد وفاة بارت، يكشف عن هذا السبب. يشير ميلر إلى حادثة في حياة بارت (رواها بصيغة الغائب في بارت ٢٠١٠) حين مرّ صدفة بنهاية عرس كنسي، فشعر بالاستبعاد. وضع الزوجين جانبًا باحتقار وسمّاهما «برجوازيين صغارًا»، غير أنه كان يغبطهما في قرارة نفسه. بارت كان شديد التحفظ في كتاباته العلنية بشأن مثليته، لكن في «أمسيات باريس» عام ١٩٧٩ لم يبقَ الكثير من تلك الحيوية الجنسية المثلية المفعمة بالمغامرة التي دوّنها قبل عشر سنوات في «وقائع». «أمسيات» تقدّم صورة كئيبة لرجل مثلي مسنّ لا يجد سوى شباب هامشيين يملأون مقاهي وشوارع باريس في السبعينيات. وينتهي النص بندم على «القصة» التي لن تكون يومًا قصته. ففي أحد أيام الأحد من سبتمبر ١٩٧٩ قضى بارت وقتًا مع أوليفييه ج.، آخر سلسلة أصدقائه الذين أحبّهم، لكن بعد الظهيرة لم تمضِ كما يشتهي: «لن يبقى لي سوى الصعاليك… ثم صرفته قائلًا إن لديّ عملًا، وأنا أعلم أن الأمر انتهى، وأن ما انتهى أكثر من أوليفييه: لقد انتهى حبّ صبيّ واحد».

حزن بارت على فقدان حبيب كان أيضًا إدراكًا لحرمانه من السرد: ثمة نوع من القصص لا يمكنه النفاذ إليه، ذلك النوع الذي يتاح للزوجين البرجوازيين بصورة طبيعية. إنّه القصة، أو كما يقول ميلر «القصة التي لا نبالغ إن وصفناها في ثقافتنا بأنها القصة». وكما يصرّح بارت في رولان بارت بقلم رولان بارت: «لو نجحنا في القضاء على عقدة أوديب والزواج، فماذا سيبقى لنرويه؟». بالنسبة له، الطريق إلى الرواية الكلاسيكية كان مسدودًا. وارتباطه بالثقافة المهيمنة المغايرة جنسيًّا كان هشًّا للغاية، وهذا ما اضطرّه لأن يكون جديدًا، ولأن يبحث عن شكل جديد. الجديد عند بارت، كما يرى ميلر، هو الروائي الممزّق (le romanesque) لا الروائي الصرف (le romanesque romanesque). الروائي الممزّق هو شكل معدَّل من الروائي الكلاسيكي. ومن خلال هذا التعديل يبتكر نظيرًا شكليًّا لما حُرم من قوله. فالسرد المثليّ يختار التركيز على «حادثة منفصلة عن غائية الحبكة»، يختار (كما فعل بارت) «الواقعة، الهايكو، البيوغرافيم». نصوص مثل رولان بارت بقلم رولان بارت، خطاب العاشق، ولذة النص هي نصوص روائية ممزّقة. ومن الممكن تخيّلها وقد عبرت نحو الرواية (كرواية تَكوين، أو قصة حب، أو يوميات قارئ متخيّلة)، والاستعداد للرواية ليس إلا خوض بارت في هذا التمنّي، في هذه الرغبة، في هذه الفانتازيا بالعبور. لكنه، في النهاية، يقاوم الرواية ويتمسّك بأسلوبه المتشظي، الذي يلمّح إلى السرد أحيانًا، لكنه يبقي هذا النزوع الروائي في منأى، مسيطرًا عليه بخطابه النقدي-المقالاتي الذي يحرم الكاتب والقارئ معًا من متعة النص الكاملة.

والواقع أن بارت كان مرتابًا من الرواية بسبب قدرتها على إزالة الاختلاف وتحويله إلى حبكة. وفي حديثه عن الروايات المثلية، يوافقه ميلر هذا الارتياب: ثمة إمكانية لكتابة «حبكة زواج مثلية» — فتى يلقى فتى، أو فتاة تنال فتاة — لكن ذلك لا يفعل سوى أن يعترف بأسبقية الحبكة الكبرى ويكرّسها بالمحاكاة، وفي هذا إلغاء للهشاشة الاجتماعية للتجربة المثلية. كانت الأولى بهذه التجربة أن تبرز هشاشتها بخلق جنس أدبي أكثر هشاشة من الرواية نفسها. أبطاله: جيد، بروست، فعل ذلك بالفعل. جيد بشذراته و«خواتمه غير الحاسمة» كسر فكرة الإغلاق السردي للرواية في القرن العشرين؛ وبروست، بأنسجته المتناهية الدقة حول الحياة الجنسية والاجتماعية، نسج «بالتلبّد» لا بالتصميم، وبطموح وحيد للحبكة: «حكاية الذات التي تريد أن تكتب». كتابة بارت لم تكتفِ بالكشف عن هذا النوع من التجريب السردي والترويج له، بل كانت ممارسة سردية تجريبية بذاتها. غير أن أوضاع المثليّة تغيّرت كثيرًا منذ سبعينيات بارت، ففقدت جزءًا كبيرًا من هشاشتها الاجتماعية في أماكن عديدة من العالم. وبذلك باتت الرواية أقل تحفّظًا في التعامل مع ما بقي من تلك الهشاشة، بل قادرة على أن تتبنّاها وتحوّلها إلى حبكة لا يشترط أن تكون حبكة زواج، بل يمكن أن تكون أيضًا احتفالًا بالرغبة والمتعة. لقد أخذت الرواية الحديثة دروسًا من تقنيات الروائي الممزّق في التشظي والانقطاع، وأصبحت أكثر ترحيبًا بتجارب الحياة المثلية، وأقرب إلى استيعابها داخل بنيتها. ومع ذلك، لو عاش بارت بعد ١٩٨٠، فهل كان سيُعجب بهذا؟ على الأرجح لا، فقد كان يجد السبعينيات نفسها حداثية أكثر مما يحتمل. كان بارت، في كتاباته الخاصة غير المنشورة، يعبّر عن ضيقه من الروايات الحديثة وصعوبة قراءتها، كما كان يكره مظاهر المكاشفة العلنية للحياة الشخصية. وفي إحدى يومياته يدوّن امتعاضه من احتمال أن يطلب منه أحد أصدقائه «تفسير» ميوله السادية-المازخية، فيقول: «كيف أشرح نفسي بخصوص ما لا وجود له أصلًا؟». سؤاله المرجعي كان دائمًا: «هل كان بروست سيحبّ ذلك؟» أو «هل كان فورييه سيحبّ ذلك؟». أن يعيش في عين كتّابه المفضّلين هو جزء من كيفية تقديسه لحياته.

برات كان، قبل كل شيء، ابنًا: ابنًا لأمه، بالطبع، فكل نسخ حياة جديدة وخطط روايته الكلاسيكية تبدأ من «الفقد» — فقد المرشد الحقيقي، الأم. لكنه كان أيضًا ابنًا لبروست، جيد، فورييه، باسكال: خياله أن يجعل عمله «بنويًّا»، وفي هذه البنوة تكمن «لحظات الحقيقة». فمنذ مقاله الشهير «موت المؤلف»، كان أكثر صورة رفضها بارت هي صورة المؤلف كأب لعمله. كونه مثليًّا، كان مفهوم الأبوة بعيدًا عنه تمامًا. كان ابنًا لأمه، لكن بالكاد لأبيه الذي مات في الحرب العالمية الأولى قبل أن يبلغ هو عامه الأول. وهذا ما جعله، كما تلاحظ سامويولت، يُسقط أيضًا تلك الحكاية الكبرى الأخرى: عقدة أوديب. إذا كان وفاة الأمير بولكونسكي في الحرب والسلم، أو وفاة الجدة في البحث عن الزمن المفقود، تمثّل «لحظات الحقيقة»، فالحقيقة دائمًا تسافر من موت الكبار الأحبّة. وبما أن بارت يقرأ دومًا تحت علامة هذا الفقد، فقد كانت قراءته شديدة النفاذ والدقّة. أي رواية تزعم لنفسها جدةً موضوعية أو وصفية أو عاطفية أو تحررية أو أيديولوجية كانت ستبدو له، بحداثتها، فاقدة لتلك الرهافة اللازمة لإقامة «لحظة الحقيقة». أن يكتب رواية كهذه كان سيبدو له خيانةً بنويّة. الرواية كانت تجذبه فقط في صورتها الكلاسيكية المستحيلة، صورة اليوتوبيا. لا الكاتب هو من يجدّد هذا الشكل، بل القارئ المصدوم من الفقد، الهشّ، هو وحده من يبتكر الجديد الهشّ.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق