تمردُ الذرّة الهاربة

إنّ الحديث عن «رحلة في أقاصي الليل» ينبغي أن يُفهم بصيغة الجمع عند الحديث عن لويس-فردينان سيلين. فقبل أن يجعل الكاتب من ذلك استعارةً لاستكشاف أعماق الظلمات في الطبيعة الإنسانية، نجد أثره في بعض كتاباته الحميمة، حين لم يكن بعد سوى لويس فردينان ديتوش. وأولى الشهادات تصلنا من صفحات دفتر ملاحظات مؤرخ في نوفمبر – ديسمبر ١٩١٣، إبّان خدمته العسكرية التي التحق بها متطوعاً قبل عام. لقد تحولت الأزمة الكئيبة التي فجرتها حياة الثكنة، متجاوزةً ظرفها المباشر، إلى لحظة كاشفة لطبيعته الأعمق: «عدم من الطاقة» يكوّن جوهر كيانه، وقوة طاردة ومفكِّكة. في مواجهة شبح الغرق الوجودي، كان الشاب ديتوش يقابل ذلك برفض «الاستمرارية الرخوة»، ويصوغ – بلغة مضطربة – عزمه على حياة مليئة بالمنعطفات:

[…] ما أريده قبل كل شيء هو أن أعيش حياة غنية بالمفاجآت التي آمل أن تضعها العناية في طريقي، وألا أنتهي ككثيرين ممن وضعوا قطباً وحيداً من استمرارية رخوة فوق أرض وحياة لا يعرفون طرقها الجانبية التي تتيح لهم أن يصوغوا تربيةً أخلاقية. […] إذا اجتزتُ أزمات كبرى تُقدّر لي الحياة، فلعلني أكون أقل بؤساً من غيري، لأني أريد أن أعرف وأتعلم. بكلمة: أنا فخور. أهو عيب؟ لا أظن. وسيجلب لي خيبات أو ربما النجاح.

كان في الثامنة عشرة من عمره. وبعد ثلاث سنوات ركب البحر إلى الكاميرون بعقد عمل لسنتين مع إحدى الشركات الاستعمارية. لكنّ التجربة الإفريقية، التي كان يُفترض – في إطار برنامجه الحياتي المعلن – أن تكون فرصة لتحقيق حياة مغامِرة، لم تكن إلا تأكيداً على هشاشة كيانه، وعلى نزوعه الفطري نحو التفتت، هذه المرّة مجرَّباً أساساً في جسده. وتشهد على ذلك بعض البطاقات البريدية والرسائل القصيرة (إلى صديقة وإلى والده) نُشرت بعد وفاته. ففي الشهرين الأولين يكرر – أحياناً بسخرية وأحياناً بلهجة درامية – لا احتمال ظروف العيش، والتهديد المحدق بسلامته الجسدية والنفسية، ورغبته في الهرب، وتجربته لـ«الجحيم». وحدها وعود المكاسب السهلة، وربما الثروات، تَحققت؛ ومعها الحرية الكبرى، الحرية المطلقة:

[…] الحرية الكبرى أمر يسكر، حتى وإن كانت كثيراً ما تُسيء إلى محبّيها. لكنها بالنسبة لي أعزّ الحبيبات، الوحيدة… الحصرية، إلى حد أنها لسوء الحظ تفرّ من أمام الأخريات، وتقطر سماً يقتل كل شيء – الاستقلال.

وبعد عشرة أشهر، قرر فجأة العودة. لم يجد ديتوش في القارة السوداء أي ضوء، ولا حتى ضوء معرفة، بل فقط فرصة – وقد ضاعفت الغربة إحساسه بالمسافة – لتركيز الدرس الذي كان قد تلقّاه في ظلمات الحضارة الأوروبية. فمع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وجد نفسه ملقى في جبهة المارن، جُرح أثناء مهمة تطوع لها، ونال وساماً للشجاعة؛ ثم تنقّل بين مستشفيات عدة إلى أن انتهى به المطاف في عيادة للأمراض النفسية، حيث عولج بالصدمات الكهربائية. كان هذا الجحيم هو ما سيفتح ويشكّل ذلك «رحلة في أقاصي الليل» (وهي الترجمة الأدق لـau bout de la nuit، كما تثبتها كثرة الشواهد المعجمية في النص)، الرواية التي، وهو في الثامنة والثلاثين، أطلّ بها الكاتب سيلين (وقد تخلّى عن لقب والده ليأخذ اسم جدته لأمه) على المشهد الأدبي كأحد أعظم وأشدّ الكتّاب إثارة للجدل في القرن العشرين.

الحرب هي البداية المطلقة للقصة المروية، ولتلك الرحلة البدئية في ليل المجتمع والفرد واللغة التي تشكّل موضوع السرد. إنّ كشف الرعب الذي يصرخ به كورتز في قلب الظلام عند نهاية رحلته، يسبق هنا اللقاء بالقارة السوداء، ليصبح «اغتصاباً» وجودياً تعرّض له في العشرين من عمره. فالحرب، حيث يتحول اللحم البشري (chair) إلى لحوم مذبوحة (viande)، هي مسرح الكشف عن تلك «الحقائق» التي ستغدو الزاد القليل ولكن الثقيل الذي يحمله باردامو. وعلى رأسها حقيقة أساسية، تتكرر بأشكال شتى، تبلغ أقصى تطرفها في تصوير الطبيعة الإنسانية بوصفها «عفناً معلّقاً». ومعها نتيجة طبيعية أن الزمن خدعة: استبداد الوقت يتجلى في التبعثر المكاني. إن الصياغة القطعية للغة السارد تجعل من هذا الانحلال ظاهرة تشمل الكون بأسره: المادة في غليان؛ الإنسان مسيّر بقوة طاردة، غير محتوى في إحداثيات صلبة للزمان والمكان:

الجسد الذي نحمله، المتنكر في جزيئات هائجة وعادية، يتمرّد طوال الوقت على هذه المهزلة المروّعة المسماة بالدوام. جزيئاتنا تريد أن تتبدّد بأسرع ما يمكن في أرجاء الكون، يا لها من جزيئات عزيزة! إنها تتألم لأنها ليست سوى 'نحن'، قرناء اللانهاية المخدوعون. كنّا لننفجر لو ملكنا قليلاً من الشجاعة، لكننا نكتفي بأن نتداعى يوماً بعد يوم. عذابنا المفضَّل يكمن هنا، ذريّاً، في جلدنا نحن، مع كبريائنا.

إنّ البحث عن ترياق لهذه الحال، عبر الحب أو المغامرة أو الدور الاجتماعي، ينتهي دائماً إلى الرفض، إلى النبذ؛ ثم إلى استئناف الرحلة، إلى التوغّل في الليل. والمهرب الوحيد ينتهي بأن يكون السرد نفسه: تحويل سؤال المعنى إلى ميدان اللغة، وجعل أتفه التفاصيل تتفجّر في دوامة من الاستعارات والصور، عتبات أو مفاصل بين التورط والهرب.

صدرت «رحلة في أقاصي الليل» Voyage au bout de la nuit سنة ١٩٣٢، بعد أكثر من عامين بقليل من عمل ليلي. أما النهار، فكان الدكتور ديتوش – وقد نال الدكتوراه بأطروحة عن الطبيب زملفايس، وانخرط سنوات في بعثات وأبحاث لصالح عصبة الأمم – يقضيه في عيادته البلدية أو إلى جانب مرضى كليشي، أحد أحياء الضواحي الشعبية الباريسية. وفي الليل، يعيد تخييل تجربة يومه وحياته الشبابية، ليحوّلها إلى «رحلة متخيلة»، إلى عبور «إلى الجهة الأخرى من الحياة»، كما يُقرأ في الإهداء، جاعلاً منها مادة الأدب وجوهره. قبل أن يجعل من ذلك إحدى مفاتيح شعره وخياره الوجودي – «انقلوا وإلا فالموت»، كما يعلن في مقدمة «فرقة غينيول» الجزء الأول. يتحقق الكاتب من خلال عملية النقل: تحويل تجربته الحياتية إلى أدب. أي إنّه يصوغ حلاً وسطاً بين تشويه ذاتي معلن وبين توظيف بارع وجريء للأكواد السردية، ليمنح السرد قوة أكبر، وليكشف حقائق خفية أو عصيّة على القول:

سيرتي الذاتية كتابي؟ إنها حكاية مرفوعة إلى القوة الثالثة. سيلين يجعل باردامو يهذي فيقول ما يعرفه عن روبنسون. ليست حياة معاشة، بل هذيان. وقبل كل شيء بلا منطق. باردامو ليس أصدق من بانورج، ولا روبنسون أصدق من بيكروشول. لم يُقتطعوا عن الواقع. إنه هذيان!

إن اختيار المادة السير-ذاتية، وإن التزم التعاقب الزمني، يُسقِط الروابط والانتقالات، ليتبع معيار تمثيل التجارب ذات القيمة الجماعية. مقتطَعةً ومؤسطَرة – وإن من أسفل – تصبح التجارب الشخصية سلسلة لوحات كبرى، تطابق الأمكنة التي تُكشَف فيها حال الإنسانية الحديثة بكل رعبها وعبثيتها: ساحات القتال حيث يُساق شباب أوروبا إلى المذابح، إفريقيا النهب الاستعماري، أمريكا الهجرة السرية، بؤس ضواحي باريس، المصح العقلي. السرد بضمير المتكلم، لكنه موضوع على لسان «آخر»، يتيح للكاتب أن يتحدث عن نفسه ويبتعد عنها، فينقل تدفقه العاطفي والمزاجي، لكنه في الوقت نفسه يفلتره. فهذه التجارب تعاش وتُروى عبر شخصية ذات وضع ملتبس بين السير-ذاتي والروائي: يمنحه الكاتب أحد أسمائه – فردينان – ويكمله بكلمة من الأرجو الشعبي – باردامو – التي تذكّر بجنود الحرب العالمية الأولى، أولئك الذين يحملون على أكتافهم البردا، أي الحمل الثقيل. باردامو هو مضاعَف لغوي وهزلي للمؤلف، يبالغ عبر لغة مفرطة وتشويه غروتسكي في ما يروي، وله صوت الهامشي. وهو أيضاً غريب حتى عن أفعاله، يعطي صوتاً لتمرّد مطلق. ويفعل ذلك بلغة شفهية شعبية، متمرّدة على الأعراف والقواعد، يستخرج الكاتب طاقتها العاطفية وثراءها الأسلوبي.

إن السرد وصوت باردامو يعكسان القوة الطاردة التي تجرف البشر والأشياء. لكنهما يفعلان ذلك بتحويل الدلالة: إذ يُنقل الأمر إلى حركة داخلية، تحوّل الوصف الدقيق إلى رؤى مهلوسة، إلى مجاز، إلى حلم تحرري أو كابوس. الكاتب يجعل باردامو يهذي، ويجعل من الهذيان دواءً، إمكاناً للانفلات من حقيقة الموت، وسبيلاً لـ«إجلاس الحياة في رقصة». وهذا الهذيان الإيجابي يقابل الهذيان المزيَّف: بلاغة الوطنية الفارغة و«هستيريا السلم»، وثرثرة المستعمرين والمستغلين – المدانة كجنون إجرامي – وكذلك الهذيان المفكِّك الذي يقود إلى الجنون: ذلك الذي ينفجر في الجندي باردامو ويقوده إلى التشخيص كـ«جنون خوف» في المصح، وذلك الذي يتجسد في ثرثرة مدير المصحة الجهنمية.

وفيما يتكاثر لعب المرايا والإسقاطات عبر شخصيتين أخريين: الطبيب المذكور سابقاً، طبيب المجانين، وقبل كل شيء رفيق المغامرات روبنسون، الذي التقى به في ليل الحرب ثم عاد ليصادفه في كل مرحلة من مراحل الرحلة، لكنه ظل دائماً على حاله، منساقاً مع الأحداث حتى انتهى به الأمر إلى العمى فالموت المفاجئ. إنّ عجزه عن تغليب غريزة حفظ الذات يجعله يمثّل جزءاً من باردامو – بل ومن ذاته – كان لا بدّ من موته. ويساهم في ضبط هذا الانفلات البنيوي للنص تماسكُ بنائه القوي، ابتداءً من وظيفة الإطار، وإن كانت بالكاد ملوّحة، المسندة إلى المطلع والخاتمة. «هكذا بدأت. لم أكن قد قلت شيئاً. لا شيء»: يبدأ وجود باردامو منذ اللحظة التي يتكلم فيها، ويستمر طيلة زمن حكايته؛ و«لا مزيد من الكلام» هي كلماته الأخيرة. صوته يخرج من الصمت ليعود إلى الصمت. المطلع والخاتمة يحددان شكلياً فضاء الكتاب وزمن السرد، معيدَين على مستوى الإنشاء تلك الإحداثيات الزمانية-المكانية التي يعمل السرد على توسيعها، كلياً وعلى مستوى المشاهد والعبارات المفردة.

تقوم الكتابة أيضاً على تداخل نصي واسع، واستعارة مكثفة، وتماسك داخلي قوي للحقل المجازي، الذي يدور حول صور الليل، والمجزرة، والغثيان، والمرض، والهروب. الليل هو الزمن المميز للفعل، للقاءات، للكشوفات: الظلام المليء بالأشباح الذي يتحرك فيه الجنود على الجبهة؛ الليل الإفريقي المهلوس المسكون بالوحوش؛ «الظلمات المخبولة» في نيويورك التي تطيلها ناطحات السحاب حتى في وضح النهار وتحجب السماء؛ الليالي النتنة التي تلفّ حولها الصفقات غير المشروعة ومآسي البؤساء في الضواحي الباريسية؛ وأخيراً الليل الطويل لموت روبنسون ونهاية السرد. مثل الرحلة، يكتسب الليل قيمة تصويرية كبرى: يخفي ويكشف شرور الإنسان، ويغدو صورة لمصير البشر، مكان عودة المكبوت، ودافع الموت. وبإصرار واعٍ يخترقه باردامو لأنه يريد أن يعرف، أن يدرك، أن يفهم حقيقة الناس وحقيقته.

في الرواية التالية، «الموت بالتقسيط» (Mort à crédit)، يفقد الراوي اسمه الثاني، باردامو، لكنه يحتفظ بالاسم الأول، فردينان، مما يلمّح أكثر إلى التطابق بين المؤلف والشخصية. والحكاية المروية تقود من الطفولة حتى الالتحاق بالجيش – أي حتى اللحظة التي يبدأ فيها الرحلة في أقاصي الليل، فيغدو هذا أشبه بمقدّمة له. إنها رحلة أخرى في الذاكرة، بحثاً عن أصول أبعد للشرّ وعن المسار الذي قاده إلى رؤية حضور الموت مهيمناً في كل مكان. كما يلخّص العنوان بدقة. مع الرواية السابقة يكتمل – أو يكاد – نقل المادة السير-ذاتية. وهذه المرة، فإن الرحلة في ظلمات الماضي تكشف جحيم العلاقات الأسرية، وخراب العلاقات الاجتماعية في بيئة البرجوازية الصغيرة من دكاكين وتجار، في المدرسة والعمل. وهي من أبشع تمثيلات أشكال السلطة والعنف المسلّط على الطفولة. وبكثرة استخدام الخطاب المباشر، نجد هنا أيضاً كل أشكال الهذيان، بما في ذلك هذيان مخترع مهجوس، له عظمته ولكنه مع ذلك محكوم بالفشل.

نحن في سنة ١٩٣٦. الموت بالتقسيط، وقد خضع للرقابة من الناشر خوفاً من ملاحقة بتهمة المساس بالآداب، صدر وفيه فراغات بيضاء تشير إلى المقاطع المحذوفة. لكنه، على عكس الرواية الأولى، لم يحصد حتى نجاح الفضائح. عاش سيلين الحدث كأقسى هزيمة، ألقى مسؤوليتها على النقاد والصحفيين. وزادت الجرحَ النرجسي مرارةً وأجّجت الضغينةَ أيضاً رفضات متتالية لمسرحة باليهه الأول الذي كان قد استثمر فيه كثيراً. فـ«الرقص» كان في نظره الوجه الآخر للحياة: طاقة وخفة، انتصار على الثقل والانحلال.

بين أغسطس وسبتمبر من ذلك العام نفسه، قام، مثل كثير من الكتّاب، برحلة إلى الاتحاد السوفييتي، حيث تمكن من إنفاق حقوق الترجمة (المراقبة بالطبع) لـ«الرحلة». عند عودته كتب ونشر كتيّبه الأول القصير: Mea culpa. ومنذ العنوان يعرض بسخرية «تائباً» من الشيوعية، معلناً الانعطاف عن تعاطفه السابق مع اليسار الذي كان لا يزال حيّاً وفاعلاً عام ١٩٣٢. الخيبة، وخداع الآمال، والإقرار بوهم التغيير، انتهت إلى إلغاء كل أوهام إنسانية أو تقدمية، وتكريس نظرة سلبية مطلقة للطبيعة البشرية، و«تسويغ» الكراهية، التي تباهى بها كعاطفة «نقية» ينبغي صيانتها وإظهارها اتقاءً للاختناق وللشعور بالوجود. وكان قد أنذر بذلك في مقدمة الموت بالتقسيط: «أستطيع أن أقول كل كراهيتي. أعرف كيف. وسأفعل لاحقاً». وبعد أشهر قليلة، حملت إهدائية الكتيب لهجة برنامج: «ما زال ينقصني بعض أسباب الكراهية. أنا متأكد أنها موجودة». وفي العام التالي صدرت تفاهات من أجل مذبحة، مستهلاً بهجوم غاضب على النقاد الذين رآهم سبب إخفاقاته، لكنه سرعان ما جعل من اليهود كبش الفداء، الهدف المختار لتفريغ الكراهية. وكان نجاحه التجاري كبيراً. وتوالت الكتيبات: «مدرسة الجثث» (١٩٣٨) و«مآزق جميلة» (١٩٤١).

ماذا حدث في بضع سنوات؟ لقد تضافرت أسباب عدة، لا حاسمة في ذاتها، لتحوّل الأحكام المسبقة الموروثة عن الأب وأيديولوجيا كامنة إلى مادة متفجّرة لا تقاوَم. أفكار كان يمكن حتى ذلك الحين أن تبقى على مسافة، انفجرت بعنف غير مسبوق. بطاقة تدميرية – وأيضاً انتحارية. فمنذ البداية كانت هذه المواقف تعرض مكانته كطبيب بلدي للخطر، أو على الأقل تغذي لديه شعور الاضطهاد، مما قاده سريعاً إلى الاستقالة. وبعد التحرير، شكّلت الكتيبات الركيزة الأساسية لمحاكمته التي انتهت بالحكم عليه بالسجن و«عدم الأهلية الوطنية» (١٩٥٠). واتخذه سارتر نموذجاً في صورة للاسامِيّ (١٩٤٧)، ولتفسير انحراف كاتب يدين له بالكثير (وكان لا يزال عام ١٩٣٨ يضعه في صدر الغثيان) افترض أنه تقاضى أموالاً من الألمان (سارتر، ١٩٤٦).

سلك سيلين درباً شائكاً، متماهياً مع شخصية أخرى سبق أن خصّها بأول كتبه – لم تكن رواية بل أطروحة تخرجه في الطب (١٩٢٤) – ونشرها في ذلك العام الحاسم نفسه: سِملفَيس. جرى تأطير قصة الطبيب المجري الذي اكتشف قبل قرن أنّ موت الوالدات سببه أيدي الأطباء الملوثة من قاعة التشريح، كـ«درب آلام»، وأُعيد بناؤها في ثنائية الضوء ‌والظلام. إنها «مغامرة مأساوية ورائعة» في استكشاف المجهول باتّباع خطى الضوء – أو ومضاته – بحثاً عن الحقيقة التي تفرض نفسها أخيراً بـ«وضوح مبهِر». لكن رفض الوسط العلمي الاعتراف بها دمّر سِملفَيس. يصوّره الكاتب ساقطاً في «الجحيم» خلف أبواب العقل، هائماً في المطلق، مأسوراً بالهلوسات. حتى يصل به هذيانه إلى إقدام جنوني، إذ يُعدي نفسه بجثة ليصيب ذاته بالموت الذي قضى حياته يحاربه. وتُقرأ نهايته كهزيمة – وانتقام – الموت: ليس مجرد الحقيقة التاريخية كما جاء في أشهر مقاطع الكتاب («في تاريخ الأزمنة الحياة مجرد نشوة، أما الحقيقة فهي الموت»)، بل الحقيقة الجوهرية للإنسان، دافع الموت نفسه.

في نص حافل بالإسقاطات والتنبؤات، كان الدكتور دوتوش يستكشف نمط وجود محكوم بالهزيمة، لأنه مثقَل بفرط الحساسية والكبرياء والهشاشة. وعلى أنقاض سِملفَيس، المبدع الشهيد الذي وحّد بين صرامة المنهج العلمي و«حماسة أكثر شعرية»، فكان قادراً على «العيش في عالم من الاكتشافات»، على «الرؤية في الليل»، وُلد بعد عامين باردامو، وقد تعلّم درس سِملفَيس، فصار قادراً على إتمام «رحلته في أقاصي الليل» بلا اكتشافات عظيمة ولكن أيضاً بلا أن يُدمَّر. وبنشر أطروحته، أوضح الكاتب في مقدمة الوظيفةَ النموذجية لقصة الدكتور سِملفَيس: «تُظهر الخطر الكامن في أن تُحب البشر حباً مفرطاً».

على مستوى ما، قد يبدو منعطف ١٩٣٦ ثمرة عجز عن تحمّل الفشل. لكن سيلين قد ينتمي إلى تلك الحالات التي درسها فرويد (مشيراً حتى إلى نفسه)، من أشخاص ينهارون أمام النجاح، لأن الرضا يُشعرهم بأنه غير مشروع، ملطّخ بالذنب لـ«بلوغهم هذه المسافة» قياساً بحالهم الأصلية وبحال الأب. وزيادة على ذلك، فإن والده توفي بالضبط عند لحظة التحقّق (مارس ١٩٣٢، قبل شهر من تسليم مخطوطة الرحلة)، وحين كان الكاتب رمزياً يتنكر له بحذف اسمه خلف اسم مستعار. الرواية التالية، كما ذكرت، هي إدانة قاسية لطفولته، تتمحور على حكم لا استئناف فيه ضد الأب، ينتهي بانفجار غضب وتمرد يصل حدّ الاعتداء الجسدي الحقيقي لإسكاته وإفنائه. وحين لم تلق الرواية النجاح، بدا ذلك وكأنه تأكيد للحكم السلبي القاطع الذي أورثه الأب: الإدانة بأن يكون «عديم القيمة». ومن ثمّ تماهيه مع لغوه العنيف ومع لاساميته. يمكن أن تُقرأ كفعل تعويض. لكنها لا تخلو من عنصر انتحاري: فلويس فردينان يُحقق أيضاً صورة ذاته كما أورثها عنف الأب: وحش، نذل، فاسد؛ ويصبح حقاً «وضيعاً»، فيُدان ويُعاقَب باسم القانون. وربما يصح فيه ما كتبه ماسيمو ريكالكّاتي عن كافكا: دور الأب كمنع محض، حضور اضطهادي، قانون لا إنساني مخيف، يطغى على الوظيفة الرمزية للأب؛ ورد فعل الذات في تحقير نفسها، مع استبطان هذا القانون نفسه بأشكال أخرى، لتصبح ضحية وجلاداً في آن.

لكن أترك هذه التأويلات للمحللين النفسيين، وأكتفي بإضافة ملاحظتين استكمالاً لما سبق. إن العنف المدوّخ للكتابة الجدلية نشأ أيضاً عن التخلي عن الشكل الروائي وعن جمالية تحويل المعيش، التي كانت تضمن توازناً – ولو هشاً – بين الماضي المحكي وحاضر السرد، بين الخيال والسيرة، بين الحكاية والخطاب المباشر. نشأ، باختصار، عن التنازل عن تلك الصيغ التوفيقية الملازمة للكتابة الأدبية التي سمحت باحتواء الهذيان وتمثيله بدلاً من ممارسته. كما أنّ الشرور المعرّاة في الرواية كانت لا تزال داخل عملية معرفية. أما في الكتيبات، فلا وجود لذلك: بل يُمارَس الشر مباشرة. لم يعد متجسداً في شخصيات وحكايات، بل صار حضور الآخر غير المحتمل هاجساً يبلغ الهذيان البارانويدي. صارت تُنسب إلى اليهود كل الشرور التي سبق للرحلة أن ندّدت بها: هيمنة المال، التوحيد، التكنوقراطية، البيروقراطية، أمريكا، الاتحاد السوفييتي – كل شيء يصير «يهودياً». إنه الخطاب الهذياني لكل عنصرية كما لكل تعصب، يشترك معهما في العجز عن قبول الآخر وعن قبول الحدّ. وهو، بالنسبة إلى سيلين، أقصى تطرّف لجمالية العاطفة بعدما تحررت من الضابط، من مجموعة القوانين التي تنظّم السرد؛ وهو مآل أنثروبولوجيا سلبية مؤسسة على قناعة بديهية أن «حقيقة هذا العالم هي الموت»؛ وهو الانحراف الوحشي لتطبيق تلك الملاحقة للجرثومة المسؤولة عن العدوى – التي جعلت من سِملفَيس بطلاً إيجابياً وشهيداً – على الجسد الاجتماعي. ولئن كانت صورة الطبيب المجري هذه هي التي تبنّاها سيلين في مقابلاته الأخيرة: مخترع لشيء بديهي لكنه غير مقبول، مضطهَد حتى الاستشهاد؛ «رائد» يصدم الجمود المنتصر فلا ينال إلا الإهانة والازدراء.

غير أنّ هذا السفر الأشد صخباً في ليله الخاص قد وجد، هو أيضاً، مخرجاً. مرّة أخرى على أرض الكتابة. فعودته إلى فرنسا بفضل عفو عن جرحى الحرب وأصحاب الاستحقاقات (١٩٥١) أتاحت مشروعاً روائياً جديداً، هذه المرة سير-ذاتياً مباشرة، لكنه أراده في الوقت نفسه تأريخاً ورواية؛ وأعلن هذه المفارقة، جاعلاً منها استفزازاً أول. من قلعة إلى أخرى، الشمال، ريغودون، التي تروي بعد عقد تقريباً الفرار إلى ألمانيا المترنّحة تحت قصف الحلفاء، دُعيت لتُقرأ كعمل واحد، كـ«ثلاثية». والذاكرة الطويلة هذه مترددة في أن تتحرك، كما أنها مترددة في أن «تبقى متماسكة». فالوحدات السردية الكبرى تتخللها شظايا من أزمنة وأمكنة أخرى. وهي محاصرة بتضخم الأنا، الذي يحطم السدود ليفيض سيل من الوقائع والتواريخ والأمكنة. في ازدحام متصادم تهيمن عليه الحرب، التجربة التي لا تُمحى والتي وسمت مسار حياة، وقرن، وجنس بشري. هكذا، وهو يعيد رسم حياة منفجرة، ينجح سيلين مرّة أخرى، كما في الثلاثينيات، في جعل تجربته الخاصة شهادة مزلزلة للتاريخ الجمعي. وفي كسب رهانه الأخير: اختراع لغة جديدة، قادرة على استيعاب العدوانية، عنف الحسابات، الضغينة والاستفزاز. قادرة على إدخال الهذيان في السرد، وجعله أداة تجديد تعبيري. لإنقاذ الأدب من حكم الاختناق الذي أنزله به من اجتهدوا في خنق العاطفة وإفراغ اللغة من دمائها. ولإنقاذ نفسه.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق