ثنائية التردد ومأساة الحياة المستفيقة

 

الرؤية المأساوية للعالم لا تقدم أي مكافأة سوى ذاتها، سوى أنك موجود بوعي.

- ماريا يانيون، هل ستدرك ما الذي عشته؟

هيرمان هيسه: رحّالة من الشرق، متوحدٌ يعبر فضاءات الثقافة الغربية الحديثة. في مواجهة النزعات التي تدعو إلى التوحيد الثقافي في عصره، كان يرفع راية الفردانية، ويؤكد في رواياته على ضرورة الحفاظ على الذاتية، الحكمة، والقدرة على التفكير المستقل. وكما لاحظ يوجين دروفرمان، فإن إبداع هيسه، الذي يمتاز بالتحليل الدقيق والتحرر من القيود، «يساعدنا على السير في طريقنا الفردي نحو الإنسانية بشكل لم يفعله أي كاتب ألماني آخر». هذه الفردانية والانتقاد الذي يوجهه هيسه للظروف الاجتماعية والثقافية المدمرة للإنسانية، جعل شخصياته تتفاعل بحساسية ضد القواعد والقيود الصارمة، سواء كانت أخلاقية أو دينية. أبطاله دائمًا ما يتمردون ضد القمع الذي يسلب إرادتهم.

في رواية «لعبة الكريات الزجاجية»، يقاوم البطل جوزيف كنيخت القواعد الصارمة وغير الإنسانية لكاستاليا، ويقرر تكريس حياته لقيم تعليمية أصيلة وحرة. أما هانز جيبنراث في «العالم الأعلى»، فيتحرر من الانضباط الداخلي الذي فرضته عليه القواعد المدرسية، حفاظًا على نموه الذاتي. وفي «ذئب البراري»، يخوض هاري هالر صراعًا مريرًا للحفاظ على أصالته، وهو يتأرجح بين عزلة تفقده المعنى وبين توافق اجتماعي يدمر شخصيته. كل رواية من روايات هيسه تؤكد أن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان في حياته هو بناء شخصيته وتحقيق ذاته، متحديًا كل ما تشوهه الثقافة والمجتمع من تنميط وتجريد وتوحيد. في هذا الصراع، الذي يتجلى في أعمال هيسه، يظهر المأساوي في حياة الإنسان: إذا كانت الشخصية تسعى، كما يسعى أبطال هيسه، وراء القيم الأصيلة وسط ضباب القواعد المتجمدة، فإن هذا الصراع هو مأساة بحد ذاته.

الحياة المأساوية ليست فقط صراعًا ضد المجتمع الذي يُمكِّن الإنسان من الوجود، لكنها أيضًا مواجهة ضد كون الحياة، دون هذا الصراع، تتحول إلى سطحية وعبث. كما أظهر هيسه في «لعبة الكريات الزجاجية»: السبيل الوحيد لتحقيق مقاطعة كاستاليا المثالية، القائمة على تكامل الفرد مع النظام، هو تجريد الذات من إدراكها للصراع بين الفرد والمجتمع. لقد أدرك هيسه تمامًا أن التمرد على هذا النظام الاجتماعي يجرّد الحياة من جمالها المأساوي، ولكنه أيضًا يجعل هذا التمرد ضروريًا. بدون هذه المواجهة، لن يكون هناك صراع سامٍ، مليء بالألم والمعاناة، ولكنه في الوقت ذاته جميل لأنه يحمل قيمًا أسمى. لذلك، فإن هذا المأساوي، كما يصفه هيسه عند الحديث عن جوزيف كنيخت، هو خاصية أساسية لأي حياة تُكرَّس للقيم الروحية العليا. في هذه الحياة، تصبح «أعظم النعم مصدرًا للمعاناة، بسبب العزلة التي تفرضها». فالمجتمع لا يريد أن يعترف بتلك القيم، بل يرفضها أحيانًا بشكل صريح.

هيسه، الذي عرف معنى هذه العزلة، تمرد على الحرب وانتقد المثقفين الذين دعموا الصراعات التي لم يفهموا معناها الحقيقي. بسبب مواقفه، اعتُبر شخصًا ذا آراء خطرة وغير مريحة لدولة مشبعة بالأحلام العسكرية. لكن نقده للعالم الحديث لم يكن مقتصرًا على سياسته العامة فقط، بل امتد إلى حياته الشخصية. ففي عام ١٩١٩، غادر منزله العائلي بسبب اشمئزازه من الحياة البرجوازية التي انخدع بها لسنوات. وكما كتب حينها: «عاش من يملك ومن يستقر، من هو مخلص وصالح [...]. يمكنني أن أحبه، أن أحترمه، أن أغبطه. لكنني أضعت نصف حياتي محاولًا تقليد فضائله».

هذا أقوى انكسار عرفه مسار الكاتب، انكسار كان يتراكم على مدى سنوات، وتأجج بالأزمات العائلية التي أحاطت به، مما دفعه إلى الشروع من جديد، إلى استيقاظ لحياة أعمق وأكثر إبداعاً. تلك الثورة، المتصلة بموقف نقدي تجاه الأيديولوجيا البرجوازية العمياء بعقلية الحرب، لم تكن ثورة منتصرة. سيكون مخطئاً من يرى في هيرمان هيسه ناقداً أيديولوجياً أحادي الجانب للواقع. أجل، لم يقبل بالواقع، لكنه في الوقت نفسه كان يطمح إلى إيجاد ملاذ فيه. كان رجلاً مشدوداً بشدة إلى ما يرفضه، كما كان منخرطاً في روح الاستقلالية. لم يكن غريباً أن يظهره كتّاب سيرته كإنسان ممزق بين توجهين متناقضين يكملان بعضهما البعض؛ رحالة يبحث عن الاستقرار، محرر لنفسه بشكل يكاد يكون فضيحة من عائلته، لكنه بقي وفياً للروحانية التي انبثقت منها. أسس عائلته الخاصة، وأضحى رجلاً عاقلاً يملك منزله، ويحيا حياة مستقرة كبرجوازي ألماني، ومع ذلك ظل يتألم بسبب هذا الاستقرار الذي كان يتمناه لكنه لم يتحمله.

هذه الازدواجية التي تخللت حياته الخاصة، ووعيه العميق بتناقضاته، أُبرزت في كتاباته بفضل التحليل النفسي الذي خضع له على يد يونغ. اكتشف أن حياته مثقلة بمفارقة مأساوية: تأرجح دائم بين قطبي الحياة المتعارضين، بين الفردية النقدية والعزلة من جهة، وبين البحث عن تحقيق الذات وسط المجتمع من جهة أخرى. وكما قال بنفسه: «لو كنت موسيقياً، لألفت لحناً ذا صوتين؛ خطين متداخلين، يتجاوبان ويكملان بعضهما البعض، يتصارعان، ومع ذلك يرتبطان في كل لحظة برابط حيوي وعميق. كل من يستطيع قراءة النوتة الموسيقية، سيستطيع فهم لحن التناقض الذي أعيشه، وسيسمع في كل نغمة صوتاً مضاداً: الأخ، العدو، النقيض».

اليوم، نعلم أن هيسه نجح ببراعة في التعبير عن هذا التمزق الداخلي. كل رواية له كانت تضحية بروح ممزقة ومتألمة، لكنها ليست مجرد سير ذاتية؛ إنها صور عميقة للإنسانية، صور تلتقط مأساة الفرد الذي يعيش في عزلة، لكنه يشعر بمسؤولية تجاه العالم من حوله، ويبحث عن موطئ قدم فيه.

إذا استخدمنا مصطلحات إلياس كانيتي لوصف دور الكاتب الحقيقي، فإن هيرمان هيسه كان أشبه بكلب مخلص لعصره، لكنه في الوقت ذاته كان طفلاً صغيراً يصرخ ويرفس قدميه، عاجزاً عن النوم مهما كانت وسائل التهدئة التي حاولت زمنه تقديمها له. ناقداً لا يلين، نادى من خلال رواياته ضد نزع الإنسانية المستشري، لكنه فعل ذلك من أجل الكفاح لعالم أفضل. وبذلك، كان رجلاً من عصره، لكنه في الوقت ذاته غريب عنه. اتخذ موقفاً ضد الحاضر المدمر، لكنه ظهر فيه ككاتب يرفض الواقع القائم.

هذا الموقف المزدوج، المأساوي بطبيعته لأنه يمزق الروح بين قطبين متعارضين، جعل هيسه مختلفاً عن كل الأنبياء الذين يطالبون بتجاوز زمانهم عبر كتاباتهم، والهيمنة على عصرهم. تجارب الكاتب الشخصية ومواقفه المزدوجة شكلت جوهر رواياته، حيث ركز على فكرة التناقضات التي تسكن الوجود البشري. تلك التناقضات التي تتفاعل باستمرار، تمثل محركاً أساسياً لتشكيل مسار الحياة. هيسه جعلنا ندرك أن هذه الثنائية تمثل حقيقة وجودية لا فكاك منها. في «دميان»، جسد هذا الصراع عبر تصوير العالم كمساحة ممزقة بين قيم متكاملة: الجانب المظلم من الشر الذي لم يعد يعارض الخير، بل يُظهر وجهه الجميل والغامض للإلهية.

هيرمان هيسه – الذي أيقظته أزماته إلى حياة جديدة، حيث أصبح واعياً بقراره أن يكون وحيداً، رغم إحساسه العميق بالحاجة إلى الروابط الإنسانية – كان أكثر ما يشغله هو العلاقة بين الفرد والأقطاب المتناقضة التي تكمل بعضها البعض في الحياة: الفردية والاجتماعية. هذه العلاقة تمثل السمة البنيوية للعالم ولحالة الإنسان. وكما كتب بنفسه:

تقريباً جميع أعمالي النثرية هي قصص عن الروح. لا تدور حول الحبكة أو التشويق، بل هي في جوهرها مناجات، تُحلل فيها شخصية واحدة فقط – هذه الشخصية الأسطورية – في علاقتها بالعالم وذاتها.

قصص أبطال روايات هيسه هي في الحقيقة سرديات تُرسم من خلالها صورة حياة الكاتب، وتشهد على المأساة التي تواجه الأفراد المستيقظين للقتال من أجل ذاتهم. هؤلاء الأفراد، مثل هيسه نفسه، يتأرجحون بين الرغبة في حماية «الأنا» من الظروف الخارجية المدمرة والحاجة إلى الأمان الوجودي الذي تضمنه هذه الظروف. 

هذا الموضوع، المنبثق من أعماق الوعي المتمرد للكاتب، تجسّد بشكل كامل في «ذئب البراري». هذه الرواية، التي حملها الشباب الأمريكي في الستينيات كرمز للثورة، تعبر عن شهادة يائسة للبحث عن متنفس من الألم والتمزق في نصوصها. وكما أشار موريس بلانشو، فإن هذا العمل المظلم يعكس القوة التي سمحت لهيسه بالذهاب بعيداً في ميوله الشخصية والمتناقضة. منفي، ممزق، يبحث عن طريقه، لكنه في الوقت نفسه مستيقظ ومقاتل. هيسه جسّد في حياته وأعماله وصف ميلان كونديرا للروائي: «الروائي هو من يهدم بيت حياته ليبني من أنقاضه بيتاً آخر: بيت روايته».

رواية «ذئب البراري»، التي بناها هيسه من أنقاض حياته، تعكس رعبه من عصره الحديث، حيث كان يبحث في الظلام عن عالم لا يشعر فيه بالوحدة. في هذه الرواية، نجد تصويراً دقيقاً لمفهوم الازدواجية، متمثلة في الصراع الداخلي بين الجانب الفردي والاجتماعي لهوية البطل الرئيسي. نتعلم من الرواية أن الإنسان ليس فقط ذئباً أو إنساناً، بل إن هيسه فكّك هذا الانقسام البسيط المستوحى من الفكر اللوثري ونزل إلى أعماق التشتت الداخلي للإنسان الحديث. أظهر أن الوعي المأساوي بموقع الفرد في العالم، والذي يُدرك عبر يقظة وجودية، يؤدي إلى الارتجاج بين الوحدة والمشاركة في الحياة الاجتماعية. هذه الازدواجية تكشف مبدأ الفردية المرتبط بالسعي لتحقيق الذات والبحث عن الأصالة. يبرز مفهوم «اليقظة»، الذي يشكل جوهر الفلسفة السردية لهيسه، بشكل خاص في رواية «دميان». حيث اختار المؤلف كشعار لهذه الرواية اعتراف البطل بوعيه النضالي من أجل ذاته: «لم أرغب بشيء أكثر من أن أعيش ما أراد أن ينبثق مني. لماذا كان ذلك صعباً لهذه الدرجة؟». اليقظة، باعتبارها لحظة محورية في تطور الفردية، تسمح للفرد بالاستيقاظ من عالم الأوهام والفخاخ التي تهدد إنسانيته. إنها لحظة استنارة مفاجئة، يمكن فهمها وفقاً لميشيل فوكو على أنها «إثارة وعي 'الأنا'»، والتي تؤدي إلى تأسيس الذات. هذه اليقظة غالباً ما تكون نتيجة لتجربة صادمة ذات طبيعة انفتاحية، تتيح للفرد النضال من أجل هويته الذاتية، طريقه نحو الأصالة والفردية، رغم العقبات المثالية الشائعة. كما قال هيسه:

لا، لا، لا يوجد أي واجب على المستيقظين سوى واحد: أن يبحثوا عن ذواتهم، أن يقووا أنفسهم، أن يبحثوا عن طريقهم الخاص بغض النظر عن وجهته. لقد هزني هذا العمق [...] أن تجد قدرك الخاص – ليس أي قدر – وتعيشه بالكامل، بلا انكسار. كل ما عدا ذلك مجرد محاولات هروب، عودة إلى مثاليات الحشود، أو خوف من مواجهة الذات. 

هكذا يظهر «هاري هالر»، بطل «ذئب البراري»، كشخص مستيقظ. هيسه ببراعة يصور لحظة يقظته حين يعترف قائلاً: «كيف لا أكون ذئباً منعزلاً وبائساً وسط عالم لا أشارك في أهدافه [...]؟» هذا الاعتراف الدرامي يرتبط بإدراكه لعدم توافقه مع الأهداف والقيم والمعايير التي تحكم المجتمع والثقافة. هذه اليقظة الوجودية تقود إلى اكتشاف الصراع بين القطبين الفردي والاجتماعي للحياة. وعي هالر بهذا الصراع الداخلي بين التناقضات المكمّلة، لكنه غير القابلة للاختزال، يشير إلى وجود نزعة معرفية ذات طبيعة تحويلية، تتمثل في الخيال المتعالي. وفقاً لألكسندرا زوكروفسكا، يمكن فهم هذه النزعة على أنها «القدرة على تخيل الذات كعنصر فاعل ضمن سياق المخرجات السابقة للطبيعة والثقافة». في حياة هالر، يقود الاستيقاظ إلى تشكيل مسافة نقدية تجاه وضعه الوجودي، مما يسمح له بتحليل هذا الوضع. هذه المسافة تمثل انعكاساً ذاتياً حول موقعه في العالم.

وفقًا لنموذج المواقف الثقافية الذي اقترحته زوكروفسكا، فإن هذا الوعي بالمسافة يعد سمة مميزة لما تسميه المؤلفة موقف «المنعزل» أو «اللامنتمي». يتخذ المنعزل موقفًا متعاليًا تجاه الواقع، متأرجحًا على حافة عالمين: العالم الفردي الداخلي والعالم الخارجي الاجتماعي والثقافي. يرتبط هذا الموقف بمسافة مزدوجة: مسافة عن الواقع الخارجي الذي يعيش فيه الإنسان، ومسافة عن موقعه الثقافي «الطبيعي»، بمعنى آخر: مسافة عن ذاته. وكما تشير المؤلفة: «الأنا المتعالية للمنعزل تتموضع خارج أي ثقافة، مما يتيح فرصة لرؤية خارجية شاملة للتنوع الثقافي في العالم الإنساني».

يعبر موقف المنعزل عن إنسان «مستيقظ» ومدرك تمامًا للانقسام الداخلي الذي يعانيه بين قطبين متضادين لهويته: الأول يمثل الجانب الاجتماعي، المرتبط بالرغبة في العيش وسط الناس والمشاركة في الحياة الاجتماعية، والذي يمكن وصفه بـ«الإنساني»، والثاني يمثل الجانب الفردي، الذي يعبر عن موقف نقدي تجاه الحياة في المجتمع، والذي يمكن وصفه بـ«الذئبي». وكما يقول هيسه: «الإنسان والذئب عاشا جنبًا إلى جنب، ولم يكن هناك تعاون بينهما، بل كانت بينهما كراهية قاتلة دائمة، وكان أحدهما يعيش على معاناة الآخر». هذه العناصر المتعارضة في هوية الإنسان – «الذئبية» و«الإنسانية» – تشكل قطبين متكاملين: فردي واجتماعي، يتحرك بينهما الفرد المستيقظ. هذا الانفصال عن الشروط الاجتماعية والثقافية القائمة، والذي يؤدي إلى السعي نحو العزلة والاغتراب، يقابله في الوقت ذاته رغبة في الحياة بين الآخرين. هذه الأقطاب تتفاعل وتتداخل، مما يخلق توترًا دائمًا لا يمكن تجاوزه، ويحدد ملامح الوجود الإنساني.

بفضل الاستيقاظ، يبدأ الإنسان في التأرجح بين هذين القطبين، وكأنه يطبق «الجانب الذئبي» أو «الجانب الإنساني» من شخصيته على نفسه. هذا التأرجح يخلق طريقتين متناوبتين للتفاعل: إحداهما فردية، غير ممتثلة للمعايير، والأخرى اجتماعية، تميل إلى الامتثال. يصبح الإنسان أحيانًا مراقبًا من موقع الامتثال الاجتماعي (يراقب جانبه الفردي غير الممتثل)، وأحيانًا أخرى مراقبًا من موقع الفردية (يراقب جانبه الاجتماعي «الإنساني»). وكما يقول زيغمونت باومان: «الانقسام بين المراقب والمراقَب هو حالة إنسانية تفيض في دراما روحية»، حيث يعبر هذا الانقسام عن المأساة التي يعيشها الإنسان المستيقظ، بوصفه كائنًا اجتماعيًا واعيًا لذاته ولموقعه في العالم. جوهر هذه المأساة يتجلى بوضوح في وصف جيرزي زولاوسكي في إحدى قصصه:

لماذا يجب على الإنسان أن يكون في آنٍ واحد ممثلًا ومراقبًا؟ إذا كان هذا الانقسام في الإنسان ضروريًا، فلماذا لا يكون كاملًا؟ وإذا كنا نحمل في صدورنا روحين، فلماذا لا نعرف أيهما تمثل حقيقتنا؟

الوعي بالانقسام بين الممثل الذي يؤدي دوره الاجتماعي، والمراقب الذي يرى نفسه من الخارج كفرد مستقل، يدفع الإنسان إلى التأرجح المستمر بين هذين الدورين المتناقضين. لكنه لا يسمح له بالتوقف عند أي من القطبين أو اعتباره المعبّر الحقيقي عن هويته. هذا الوعي يمنع الإنسان من السكون، فارضًا عليه الاستمرار في إدراك ذاته بوصفه ممثلًا يراقب نفسه كفرد. لكن مأساة الاستيقاظ لا تقتصر على الانقسام الداخلي الواعي. بل تتجلى أيضًا في الشعور الحتمي بالوحدة الذي يعانيه المستيقظون، الحاملون لوصمة الاستيقاظ. وكما قال هيسه في «دميان»: 

نحن، الموسومون، كنا بحق نُعتبر في أعين العالم غريبي الأطوار، بل ومجانين وأشخاصًا خطرين. كنا مستيقظين، أو في طور الاستيقاظ، وسعينا إلى تحقيق استيقاظ أكثر كمالًا، بينما كان سعي الآخرين نحو السعادة يقودهم إلى ربط قناعاتهم وأفكارهم وحياتهم ارتباطًا أوثق مع حياة القطيع.

في «دميان»، يُظهر هيسه ببراعة مأساة وحدة المستيقظين، مسلطًا الضوء على العلاقة بين وصمتهم ووصمة قابيل. ومن خلال تفكيك التفسير البسيط لموقف هذه الشخصية الكتابية، الذي يُنظر إليه عادة على أنه رمز للشر والخطيئة، يقدم هيسه قابيل كرمز للإنسان المستيقظ، الشجاع، الذي يكافح من أجل تحقيق ذاته. ولهذا السبب يُنبذ من قبل الآخرين الذين يخشون أولئك الذين يتجاوزون القواعد المألوفة. وكما يلخص هيسه في إحدى رسائله: «من استيقظ على إدراك الواقع، فقد انفصل عن الآخرين بشكل لا مفر منه».

جوهر مأساة الاستيقاظ يكمن في أن الوعي الناتج عنه يفرض حركة تأرجحية بين القطبين الفردي والاجتماعي. هذا الوعي يرفع الفرد إلى مستوى من الكفاءة الثقافية يجعله عنصرًا حاسمًا في عملية تحقيق الإنسانية. لحظة «ومضة الوعي»، التي ترتقي بالإنسان إلى مستوى أعلى من الإدراك الذاتي، تعزز حساسيته تجاه المخاطر المترتبة على فقدان هويته الذاتية: سواء بالامتثال التام لقواعد المجتمع، أو بالانسحاب إلى عزلة الفردية التي لا تجد الاكتمال. هذا الوعي المؤلم يفرض على الإنسان تحليلًا دائمًا لوجوده في العالم، مما يجعل المأساة صفة جوهرية وثابتة للوجود الإنساني. فأن تكون إنسانًا يعني أن تكون مستيقظًا، لكن في الوقت نفسه أن تعاني بسبب وعيك، بموقعك في هذا العالم.

إن جوهر الفعل البشري للإنسان المستيقظ يتحدد، كما يقول جورج زيميل، بقدرته على تقسيم شخصيته الواعية إلى أجزاء، وعلى التعرف على أي جزء منها كذات مستقلة. هذا الاستيقاظ إلى الازدواجية – رغم أنه يولّد وعياً مأساوياً – يمنح الإنسان حساسية خاصة تجاه فقدان الذاتية: عندما «يُسقط» الإنسان المستيقظ الجزء «الإنساني» من شخصيته على ذاته، محاولاً تلبية حاجته للارتباط بالآخرين، فإن الجزء «الذئبي» من شخصيته ينبهه إلى أن المعايير والقيم التي تحكم التكيف مع متطلبات المجتمع والثقافة تختزل التعقيد إلى أحادية الأبعاد، مما يمنعه من تحقيق ذاته. وعندما يختار الإنسان العمل وفقاً للجزء «الذئبي» من شخصيته، فإنه يسمع نداء الجزء «الإنساني»، ليكتشف أن العزلة التامة عن الآخرين والانسحاب من الحياة الاجتماعية ليست سوى فخ آخر يقوده إلى الضياع في عوالم المعنى.

باختصار، يمكن القول إن الذات الواعية للإنسان المستيقظ تتحرك بين تحقيق مبدأ الفردية في علاقته بالآخرين والمجتمع، وبين تحقيقها من خلال النقد والانعزال عن القيم المفروضة. هذا التأرجح بين القطبين المتناقضين والمتكاملين للحياة – الفردي والاجتماعي – يمثل تحقيقاً لمبدأ الفردية، لكنه ليس فردية مقتطعة من كل معنى، تحاصر الإنسان في أفخاخ التكيف مع الظروف الخارجية المدمرة. بدلاً من ذلك، إنها فردية تنطوي على مسافة نقدية من تلك الظروف ومن النزعة غير المطابقة لها، ما يتيح التأرجح النقدي بين القطبين. هذه الحركة المستمرة تمكن الإنسان من تكوين ذات قوية ومستقلة.

تُعلّمنا سيرة هيرمان هيسه وأعماله أن نضج الإنسان الوجودي والاجتماعي والثقافي يتطلب وعياً مأساوياً بـ«التناقضات الضرورية» الكامنة في جوهر الوجود الإنساني. لهذا السبب، وكما يشير ليش فيتكوسكي، فإن أدب هيسه يتناول واحدة من أكثر القضايا تعقيداً أخلاقياً وتربوياً، وهي المسؤولية تجاه الإنسان كنوع، والمجهود المطلوب لتحرير ومضات الوعي كوسيلة للوصول إلى مستوى وجودي أعمق وأكثر صدقاً.

إن الإنسان المستيقظ، الذي يدرك المأساة الكامنة في ازدواجية الحياة، يستطيع التنقل بين القطبين الفردي والاجتماعي، مما يحمي ذاته من التبسيطات والاختزالات الناتجة عن الانغماس الكامل في أي من القطبين. هذا الاستنتاج، المستند إلى قراءة أعمال هيسه، يجب أن يُستخدم لفهم الوضع الوجودي للإنسان المعاصر المتشابك مع الجوانب السلبية للحداثة. أقصد الفردية التي تفرغ الإنسان من القيم، ذلك الباحث عن معنى لا يحققه أبداً، مما يجعله عرضة لفخاخ اختزال الذاتية التي تفرضها الثقافة الاستهلاكية والجماهيرية. ثقافة تعرض معايير وقيم خادعة تدعم وهم النظام القيمي، لكنها في الواقع تقود إلى أحادية الأبعاد وتجريد الإنسان من إنسانيته.

ليس من قبيل المصادفة أن تقول ماريا يانيون، متفقةً مع ميلان كونديرا، إن هدف الصناعة الاستهلاكية والجماهيرية هو «أن لا تعرف أبداً ما الذي عشته». هذه العبارة الدرامية، التي تنعكس بوضوح في روايات هيسه، تطرح علينا سؤالاً ملحاً: هل نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى وعي مأساوي بمكانتنا في العالم؟ وعي يمكننا من كشف الفخاخ المحيطة بنا، ويمنحنا الفرصة لعيش حياة أكثر إدراكاً ووعياً؟ أم أن الظروف التاريخية والثقافية المعاصرة تجعل من الأجدر أن نتحول إلى «مرضى نفسيين»، كما يتساءل هيسه، بدلاً من التكيف مع هذه الظروف على حساب جميع قيمنا وأفكارنا؟

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق