هذا الكون يريد قتلك!
القاتل المتسلسل، ليس هو، ولا هي، ولا هم، بل هو صنفٌ بحدّ ذاته، كيانٌ يحمل في طيّاته نمطًا من الفعل المتكرّر، تصميمًا لا يحيد عنه. إنه يقتل وفق خطة، وأولئك الذين يصبحون ضحاياه ليسوا سوى أفرادٍ من نوعٍ محدد، كأنما اختيروا بعناية لتغذية هذا الجوع القاتل. التصميم يظهر كحركةٍ طاقية: يبدأ القاتل بالتدرج نحو لحظته الحاسمة، ربما يخوض تجربةً أولى، قبل أن ينفجر في نوبةٍ من الجنون المدروس، جنونٍ يلتهم فيه الضحايا كما تلتهم النار الهشيم. ذاك الانفجار يبلغ ذروته ليستهلك الضحايا في لهيب جوعه، فلا يترك خلفه أي أثرٍ يُذكَر. ثم تأتي مرحلة السكون، «فترة التبريد» كما يُسمّونها، حيث تهدأ الرغبة وتخمد النيران، لتعود تدريجيًا إلى ما كانت عليه، ضغطٌ يتصاعد، ونارٌ تتأجج، حتى اللحظة التي تبلغ فيها الحاجة ذروتها، فتشتعل الدائرة من جديد. وهكذا، تستمر الدورة، لا نهاية لها، تتكرر لسنواتٍ، ربما لعقود، دائرةٌ تُعيد نفسها بلا انقطاع، قاتلٌ يُكرّر نمطه كأنما هو مُساقٌ بقوةٍ جنونية لا فكاك منها، في دائرةٍ أزلية من القتل والانبعاث النفسي.
القاتل المتسلسل هو صنف، ليس بالضرورة أن يكون جنسًا أو عرقًا أو حتى كيانًا بشريًا كما نعرفه. إنه قد يتجاوز التصنيفات الإنسانية كلها، ليس رجلاً أو امرأة، وليس حيوانًا أو إنسانًا. قد لا يملك عقلًا أو جسدًا واضح المعالم، وإنما هو انحرافٌ يتجاوز ما تصفه نظريات علم النفس الجنائي أو تُفسّره حروف اعترافات المجرمين، تلك الحروف التي خطّها قاتل مغرم أو شريكٌ خائن. إن فكرة أن القاتل المتسلسل يقف عند حدود الإنسان أصبحت مألوفة، لكن حتى هذه الفكرة لا تُدرك الاستقلالية الوجودية لهذا النوع، الذي يتجاوز تطبيقاته البشرية مهما بلغت من حدةٍ وقسوة. عندما نواجه القاتل المتسلسل، نجد أنه دائمًا محبوسٌ في جلد الإنسان، محكومٌ بوجهٍ مألوف، وهو بذلك يخضع دائمًا لإمكانية الفهم أو العلاج. وإذا فشل العلاج، فإن القاتل يمكن احتواؤه في سجونٍ مظلمة أو مستشفياتٍ نفسية محصّنة، تلك التي كنا نسميها يومًا «مصحات الجنون الإجرامي». إننا نجد راحةً في التفكير بأن هذا الكائن الذي يقف خارج حدود الأخلاق والرحمة البشرية هو إنسانٌ معيبٌ فحسب. إنه مشكلةٌ طبية، جسدٌ خرج عن مساره الطبيعي.
ومع أن هذا القاتل المتكرر يبدو كائنًا غير بشري، يقف على عتبةٍ بين الإنسانية وعديم الإنسانية، إلا أننا نظل نسعى لفهمه بالإشارة إلى أعطابٍ في الدماغ، نقصٍ في البروتين، أنظمة نقلٍ عصبي مضطربة، طفولةٍ مشؤومة، أو إصاباتٍ بالرأس. الرعب الكامن خلف عيني هذا الوحش، ذلك الغياب الفاضح للتعاطف والإنسانية الأساسية، يتم إعادته دائمًا إلى شيءٍ يمكننا فهمه. وكما كان يان برادي مقلقًا، إلا أننا نتعرف إلى شكله، نسمع صوته، ونخضعه لخطاباتٍ تعرّفه كمنحرف، ثم نُعيده إلى آلة الانضباط. إن الأجهزة المادية والخطابية التي تتحرك حول القاتل المجنون تمنحنا شعورًا بالاطمئنان إلى براءتنا الأخلاقية، إذ نُعرّف أنفسنا في مواجهة وحشيته ونجد الراحة في عبارة ♫لست أنت ذلك». وكما كتب سيلفير لوترينجر في كتابه عن التعامل مع مغتصبي الأطفال:
مجتمعنا بحاجةٍ ماسة إلى الوحوش ليستعيد عذريته الأخلاقية. فهو لا يتردد في تشجيع واستغلال كل أشكال الجنسانية، لكنه مع ذلك يعزل الأطفال في عالمٍ خيالي، مملكةٍ مقدسةٍ من البراءة والضعف، يسكنها صغارٌ طيبون، مستعمرةٌ خاصةٌ لا تكترث بتقلبات التاريخ ولا بانحدار الرأسمالية، تلك الهاوية التي تغرقنا فيها. لا يمكننا أن نعقلن قضية البيدوفيليا؛ فهي تمس واحدًا من عتبات ثقافتنا، وربما العتبة الأخيرة، حيث خزّن مجتمعنا ما تبقى من قيمه القديمة. هذه الخيالات هي ملاذنا الأخير. وإذا فشلت، لن نعرف أين، ولمن، نؤسس أخلاقنا.
وينطبق الشيء نفسه على القتلة المتسلسلين وأولئك الضحايا الأبرياء الذين يتتبعهم الوحش في ظلال عالمٍ يُقال إنه عادل. حتى الشر نفسه أصبح مروّضًا. لكن القاتل المتسلسل ليس مجرد أداة رعبٍ تحت سيطرتنا. إنه صنفٌ، وهذا الصنف يمكن أن يتجسد في غير البشري. ولأثبت ما سأقوله، عليّ أن أعود إلى التصميم. التصميم دائري، نمطٌ يتكرر، التصميم دائرة مسطحة.
كل شيء يصبح ويعود أبديًا – الهروب مستحيل!
حين نعتبر القاتل المتسلسل نموذجًا مستقلاً عن الأجساد التي تندفع في مساره، نجد أن تصميم فعله الإجرامي في دورة التوتر-الإثارة-الانفجار-البرود يشكّل سيناريو يتكرر مرارًا وتكرارًا، ونتيجةً تعيد نفسها بلا ملل. هذه الدورة من الإثارة المتصاعدة والقتل والانفجار المتكرر تشبه بقوة فكرة العود الأبدي كما طرحها نيتشه. في هذا السياق، لا يمكن للقاتل أن يفلت من تكرار أفعاله، كما لا يمكن للضحية أن تفلت من مصيرها. في فلسفة نيتشه، تظهر فكرة العود الأبدي كاحتمالٍ كوني أو كتجربة فكرية. كفرضية كونية، تشير إلى أن كل ما وُجد يومًا يتكرر بشكل حرفي في زمن دائري يتجول عبثًا، أرواح تهيم في الفراغ، تمر بنفس النوافذ، وتسير في ذات الشوارع. أما كتجربة فكرية، فإنها تمثّل «أثقل الأوزان» التي قد يتحملها الإنسان؛ إنه العبء الذي يحتم علينا تخيّل إعادة كل تجربة عشناها، مرارًا وتكرارًا، بلا نهاية. علينا أن نفكر في احتمالية أن نعيش حياتنا ذاتها، بكل تفاصيلها الدقيقة، مرةً وأخرى، ألف مرة، مليون مرة، عددًا لا يُحصى من المرات.
في «العلم المرح»، يدعونا نيتشه لتخيّل شيطانٍ يظهر في ساعة الوحدة القاسية، يحمل معه هدية مرعبة: الخلود المنحرف. يقول الشيطان: «هذه الحياة التي تعيشها الآن، وقد عشتها، سيتوجب عليك أن تعيشها مجددًا، مراتٍ لا تُعد ولا تُحصى؛ ولن يكون فيها جديد، بل كل ألم وكل فرح، وكل فكرة وكل زفرة، وكل ما هو صغيرٌ أو عظيم في حياتك سيعود إليك بنفس الترتيب والتسلسل...». الشيطان يقدم هذا العرض، والمطلوب هو أن نقبل تكرار التجارب الممتعة، القُبل، العناق، الكلمات اللامعة التي كانت تضيء شبابنا. قد يبدو هذا سهلاً، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في وجوب قبولنا، بشغف المدمن، كل ألمٍ عشناه: كل قلبٍ انكسر، وكل عظمٍ تحطم؛ كل مرة فقدت فيها أمك وأدار والدك ظهره؛ كل عامٍ ضاع في كآبة صامتة أو ضباب السكر. كل مرة أذيت فيها من أحبك، وأنت لم تحبهم؛ كل كذبة جرّت عارًا؛ كل مرة جرحت فيها جلدك لتشعر بشيء، أو امتنعت عن الطعام لأيام؛ كل أذية قبلتها لتحصل على ما تحتاج؛ كل ضربة، وكل معاناة، وكل وجع مزمن أو صدمة حادة. عليك أن تحبها كلها، أن ترحب بها، وفقط عندها تصبح الإنسان الأعلى الذي يتحرر من التشاؤم وفراغ العدمية.
لا توجد حياة تخلو من الألم والمعاناة أو تظل بعيدة عن آلام الآخرين وملل الساعات الفارغة: عليك أن تقول «نعم» لكل هذا. هناك حياة تُعرف بالإدمان والاعتداء الجنسي: عليك أن تقول «نعم» لها أيضًا. قبولك لحياتك يعني قبولك لكل حياة أخرى ولكل لحظة قادت إليها. إنه قبول بخيوط القدر وفقًا لفكرة «حب القدر – amor fati» حتى النقطة التي يصبح فيها الإنسان الأعلى قادرًا على إرادة العودة الأبدية للمحرقة ذاتها. في مسلسل «محقق فذ»، مشهد اكتشاف الطفلين في الكوخ – حيث تعرضا للاختطاف والاغتصاب والتعذيب، وأُزهقت روح أحدهما – يجسد رعب العود الأبدي واللامعقول النفسي للإنسان الأعلى. البطل الظاهري، «مارتن» ينفجر بغضبٍ غريزي ويقتل الجناة، مدفوعًا بحمية الأب الواقف على جسدٍ هامد. يقول «راست» تعليقًا على الأحداث: إذا كان الزمن دائرة مسطحة، وإذا كان يتكرر، فإن هذين الطفلين سيظلان هناك، في ذلك الكوخ، يعانيان أبشع الآلام بلا نهاية. هذه هي وصفة نيتشه للعلاج من اليأس. فلا عجب أن ينصح بأن الإنسان الأعلى يحتاج إلى «التحرر من الأخلاق» كشرطٍ أولي وأساسي.
يقول نيتشه، إن مبدأ العود الأبدي يضع الإنسان المتفوق في موضع من يقول «نعم» لكل لحظة ألم، ولكل موت في الكون. ليقف في هذا الموضع، يجب على المرء أن يكون العذر، الذي يضع نفسه في موضع القاتل المتسلسل الكوني، كما لو أن السكين والحبل وعبوة الزيكلون ب في يده. هذا هو «العود الأبدي للطابع السادي-مازوشي» كعذر يعمل من خلال الخيال الافتراضي لـ«كما لو». فإذن، من هو القاتل المتسلسل الذي يقف بجانبه؟
نأخذ الطريق الآخر فننظر إلى العود الأبدي على أنه بنية فيزيائية تأملية، تقترح التكرار الأبدي للكون. لكي تتكرر الدورة، ليعود الزمن إلى البداية، يجب أن يصل إلى نهاية مستحيلة، إلى ذروة لاهبة ترفض أن تنتهي، بل تتضاعف وتعود إلى اللحظة التي تضع الأساس لشروط الكون الأولى. هذا العود الأبدي الملموس كان موجودًا بالفعل في تاريخ الفلسفة الغربية منذ زمن هيراقليطس، وقد اُلتقط وجُعل عقيدة في الفلسفة الرواقية تحت اسم «الحرائق الكبرى». في الرواقية الرومانية، يقدم إدوارد فيرنون أرنولد تصويرًا دراميًا لهذه الحرائق الكبرى:
في مسار العصور الطويلة، سيتحول كل الماء إلى هواء ونار، وسيتحول الكون إلى جحيم ناري. ثم ستصبح الأرض وكل ما عليها جافة من شدة العطش، وتفقد الأجرام السماوية حياتها لعدم وجود الأبخرة التي تغذيها. سيتوقف تدفق الأنهار، وتهتز الأرض، وتبتلع المدن العظيمة، وتتلاقى النجوم مع النجوم. كل الكائنات الحية ستموت، وحتى أرواح المباركين والآلهة أنفسهم ستعود إلى النار، التي ستستعيد بذلك وحدتها الأولية والأساسية.
نار الكارثة في نهاية الكون (النجوم تتصادم مع النجوم) هي نقطة البداية (الوحدة الأولية والأساسية) في نهاية الدورة التي منها يتم تمييز كل شيء. في الكوزمولوجيا الرواقية، يتم خلق الكون من إبداع هذه النار الأولية (النيوما؛ الإله أو العقل) ويعود إلى حالته غير المتميزة في نهاية كل دورة كونية. وعند وقت الحريق، عندما يُدمَّر كل شيء في جشع النار الخلاقة، سيبدأ الكون من جديد. وبعد أن يبدأ من جديد، سيتطور الكون كما كان من قبل، وسيعكس الدورة السابقة بلا تغيير، ويتكرر التصميم إلى الأبد داخل سجن التوتر-الإثارة-الانفجار-البرود. هكذا يصبح كوننا كونًا مستمرًا وقهريًا يعمل بفضل عجزه عن الحفاظ على ذاته في ذروة كارثيته. ومن خلال هذه الحركة الدورية، يمكننا أن نأخذ إحدى رؤى فرويد لتشخيص الفلسفة الرواقية على أنها محاولة لفهم الكون كدورة واسعة من التكرار الصدمي.
«ريكاردو ساليس يوضح أن هذه العقيدة لم تكن خالية من الجدل بين المدرسة الرواقية، حيث رفضها بعضهم على أنها سخيفة، بينما قلّل الرواقيون الرومانيون اللاحقون من ذكرها. بين الرواقيين الأوائل، كان القادة الذين تبعوا زينو منقسمين حول كيفية تفسير العقيدة. فكان كليانثس يعتقد أن العقيدة تتضمن هذا التدمير الدوري اللفظي للوجود، بينما اعتقد كريسيبوس أن الأجسام الموجودة بالفعل ستُستهلك في النيران، ولكن الكون الحي نفسه سيظل في مكانه. تفاصيل النظرية الرواقية ليست أكثر إثارة من ما تُظهره كنموذج لعقيدة العود الأبدي كاقتراح فكري حقيقي حول الواقع. إذا كانت بعض النظريات الفلسفية الحديثة قد دفعت بالانقراض كوسيلة للهروب من معاناة الكون، فقد نضطر إلى الاعتراف بأن إمكانية الكارثة تعني أن «أنا» آخر، ليس مطابقًا تمامًا لكنه ليس غير مطابق أيضًا، قد يتم جلبه ليخوض نفس العذاب والخذلان والمآسي. هذه المرة نُجبر على اعتبار العود الأبدي كأطروحة وجودية تجعل هذا العالم جحيمًا.
في النهاية، يقتل الكون كل شيء في الوجود باتباع التصميم الذي يحدد نوع «القاتل المتسلسل». هنا يكمن الوحش الحقيقي، والشر الفعلي، عمق الشر الذي لا عمق له، تلك الحقيقة المرعبة التي لا يمكن لأي خطاب نفسي أو معالجات هوليودية أن تأمل في تطويعها. إنها المعرفة الفظيعة أن الكون نفسه هو القاتل المتسلسل الذي يحرق أبنائه حتى الموت بجنون قهري ولامبالاة هاوية تجاه ضحاياه. في جحيم كهذا، يتشكل تسلسل القاتل الكوني من حلقة مغلقة من القتل المستمر وعودة ضحاياه ليقتلهم مجددًا، مرةً أخرى، إلى الأبد، بلا نهاية. الرعب الحقيقي يظهر عندما نعتبر أن الكارثة قد تكون تقديمًا شعريًا لحقيقة نهاية الكون. ربما لا يكون هناك هروب نهائي من هذا الكون المعتلّ.
