فردوسٌ مهشّم
في قصة «كلّ شيء» لإنغيبورغ باخمان، تُصوَّر جنون أبٍ عقد عزمه أن يجعل من ولده «الإنسان الأول»، ذاك الذي به تبدأ البشرية من جديد، فتتطهر من آثار خطاياها، وتعود إلى نقطة الأصل، حيث تاهت عن مسارها. أراد أن يُرسي لها طريقاً جديداً، وأن يقودها نحو دروب مجهولة لم تطأها من قبل: «كان هو الإنسان الأول. وكل شيء يبدأ به، ولم يكن محتوماً أن ينتهي كل شيء معه دون أن يتبدّل». لكن، كيف السبيل لمنع طفل من أن يغدو شبيهاً بمن حوله من البشر؟ وكيف يُقاد إلى مسارٍ مغاير للنهج المرسوم بفعل طبيعته البشرية؟ هنا، ينبري الجواب، صافياً كالماء: «كل شيء يتعلّق باللغة، وليس فقط بتلك الألمانية التي شُكّلت مع أخواتها عند برج بابل لتعقيد العالم. بل هناك تحتها لغة أخرى، تتغلغل في الإيماءات والنظرات، وفي الأفكار حين تضمحل، وفي تطور المشاعر. وفي تلك اللغة يكمن أصل شقائنا».
فما تلك اللغة الأخرى التي تندسّ تحت كل لغة وتكون مصدراً لهذا الشقاء؟ تأتي القصة بإجابة وافية: «كنت أظنّ أنّ عليّ أن أعلّمه العالم. لكن منذ حواراتنا الصامتة، استبدّت بي الحيرة، وغيّرت رأيي. لم أعد مضطراً أن أشرح له الأسباب الأولى والنهايات الأخيرة، ولا أن أفصل له الخير عن الشر». تبدو هذه اللغة الأخرى التي تتربص تحت كل لغة كأنها ترتبط بمعرفة الأسباب الأولى والنهايات الأخيرة، ومعرفة الفرق بين الخير والشر. ومن هذه الفكرة، تنبثق فرضية مفادها أن محور القصة يرتكز على الخطيئة الأولى. في سفر التكوين، يُربط مفهوم الخطيئة الأولى بمعرفة الخير والشر: فبسبب أن آدم وحواء أكلا من شجرة المعرفة، طُردا من الجنة، حيث لا شقاء ولا موت، وحُكم عليهما بوجود مُذلّ. وتظل مسألة كيفية تسبب هذه المعرفة بمآسٍ عظيمة للبشرية سؤالاً مركزياً في الفلسفة. وقد أُثيرت إجابات عديدة، وانقسمت الآراء بين رؤيتين متناقضتين.
بالرغم من أصولها الكتابية، فإن الفكرة القائلة بأن المعرفة العقلانية «ملوثة اليدين»، وأنها تسهم في أسوأ ما في العالم، هي فكرة شائعة في العصر المتشائم الذي كتبت فيه باخمان. ولإثبات ذلك، دعوني أمنح الكلمة أولاً لباخمان نفسها، التي تكتب في «فرانزا»: «تتحدث عن الفاشية، وهذا غريب، لم أسمع بعد بهذا المصطلح ليُشير إلى سلوك خاص... ومع ذلك، الكلمة مناسبة، فلا بد أن يبدأ ذلك من مكان ما، بشكل طبيعي، فلماذا لا نتحدث عنها إلا عندما تكون متعلقة بالأفكار أو الأفعال السياسية؟... الساديون لا يقيمون فقط في الأقسام النفسية وفي قاعات المحاكم، بل نجدهم بيننا، مرتدين القمصان البيضاء المتقنة وألقاب الأساتذة، يحملون أدوات تعذيب العقل».
إن القول بأن بداية الفاشية يجب أن تُبحث في السلوكيات الخاصة التي تسبق تعبيرها كحركة سياسية، وإضافة إلى أن العنف، في تلك السلوكيات الخاصة، هو أولاً وأخيراً من صنع أدوات تعذيب العقل، هذا يعني الاشتباه في أن العقل متواطئ مع الفاشية. إذا كانت باخمان هي الوحيدة التي كتبت مثل هذه الأفكار، لكان بإمكان العلماء المتنورين اليوم أن يكتفوا بالقول، بكل دقة وذكاء فكرهم الحاد، إن ذلك مجرد حالة هذيان لا أهمية لها. ولكن العديد من فلاسفة القرن العشرين، من تشيستوف إلى ليفيناس مروراً بأدورنو وهابرماس، جعلوا من موضوعاتهم المتكررة فكرة أن هناك شيئاً فاسداً في مملكة المعرفة، خاصة بعد الحربين العالميتين والفظائع التي ارتكبها النظام الفاشي. إن هذه الفكرة عن النسبية مع الصورة الكتابية للخطيئة الأصلية ستكون خيطاً رئيسياً في قراءتي لقصة باخمان.
ولذلك، لمنع ابنه من أن يصبح إنساناً كغيره، يجب على الراوي في القصة أن يحرص على ألا يتعلم ابنه اللغة التي تتولد من الخطيئة الأصلية، اللغة التي تنتجها المعرفة العقلانية والتي تنبع منها الشقاء: «حيث نعيش، العالم هو الأسوأ مما يمكن أن يكون، ولم يفهم أحد ذلك حتى الآن؛ ولكن حيث كان، لم يكن هناك شيء قد تقرر بعد». بمعنى أن الطفل، لأنه لم يتعلم بعد استخدام اللغة، لم يتبنَّ بعد هيكل الفكر العقلاني للغة، أي أنه لم يتذوق بعد الثمرة المحرمة. لا ينبغي إذاً تصور الخطيئة الأصلية كمناسبة تأسيسية حدثت مرة واحدة فقط في التاريخ، بل يجب التفكير فيها على أنها شقاء يتكرر مع كل إنسان جديد، الذي، عند وصوله إلى عالم تحكمه قوانين المعرفة العقلانية، يُصاغ بالكامل وفقاً لها. يرغب الراوي في القصة في حماية ابنه من هذا التبني القسري لقوانين العقل: «هل يمكنني حماية الطفل من لغتنا، حتى يصنع لنفسه لغة أخرى، حتى يصبح قادراً على إحداث عصر جديد في العالم؟».
أما عن شكل اللغة الأخرى هذه، تلك اللغة التي هي قبل الثمرة المحرمة والقادرة على إحداث عصر جديد، فالنص يقدم الإجابة التالية: «عندما كانت الأشجار تظللني بظلالها، بدا لي أنني أسمع صوتاً: علّمه لغة الظلال! ... وعندما كنا نقترب من الماء، كنت أسمع: علّمه لغة الماء! وكنا نمر على الحجارة. وعلى الجذور. علّمه لغة الحجارة. ابحث له عن جذور جديدة. تساقطت الأوراق، لأن الخريف قد عاد. علّمه لغة الأوراق!».
اللغة التي تخص الأشياء التي لا تتكلم، الطبيعة الصامتة أمام الإنسان، هي ما يريد الراوي أن يُعلّمها لابنه. لكن ما علاقة الأشياء التي لا تتكلم بمسألة اللغة، وما الذي تقوله لنا عن الخطيئة الأصلية؟ دعونا نرى ما كتبه والتر بنيامين في نص بعنوان «عن اللغة» حول هذا الموضوع: «الإنسان، من خلال الخطيئة الأصلية، تخلى عن التواصل المباشر بالأشياء، أي عن الاسم، وسقط في الهوة التي يمثلها الوسيط في كل تواصل، الكلمة كأداة، الكلمة الفارغة، الكلمة كوسيلة تواصل ذاتية، بدلاً من أن تكون تعبيراً موضوعياً عما هو فاقد للكلام... بعد الخطيئة الأصلية التي، في السماح باستخدام اللغة كوسيلة، وضعت أسس تعدديتها، لم يكن هناك سوى خطوة واحدة حتى حدوث تشتت اللغات. إذ أن البشر، بعد أن هاجموا نقاء الاسم، يكفي أن يتحقق رفض ذلك الحدس للأشياء التي من خلالها يتجلى للناس لغتهم، لتختفي الأسس المشتركة للروح اللغوية التي كانت قد اهتزت بالفعل... إنها حقيقة ميتافيزيقية أن الطبيعة ستبدأ بالشكوى إذا ما نُسبت إليها اللغة. الجملة السابقة تحمل معنيين. أولاً تعني أن الطبيعة ستشكو من اللغة نفسها. إن حرمان الطبيعة من اللغة هو أكبر معاناتها (ولقد خلق الإنسان وتحدث داخل الطبيعة ليحررها من صمتها، وليس فقط كما يُظن، الشاعر)».
حسب بنيامين، فإن الخطيئة الأصلية تحدث اضطراباً في العلاقة بين اللغة الإنسانية والطبيعة التي تفتقر إلى اللغة. في بداية العالم، عندما يحدث تسمية الأشياء، تكون للغة الإنسان وظيفة الاستجابة لنداء الطبيعة الصامتة التي تطلب التعبير من خلاله. والإنسان، من خلال تسمية الأشياء، هو الذي يحرر الطبيعة من صمتها الجوهري. أما بعد الخطيئة الأصلية، تفقد اللغة البشرية وظيفتها التسموية، وتغرق فيما يسميه بنيامين الكلمة كوسيلة، الكلمة الفارغة، الكلمة كأداة تواصل ذاتية، وليست تعبيراً موضوعياً عما هو خالي من الكلام. يلخص أدورنو هذا المفهوم بالحديث عن اللغة الشعرية كـ«طبيعة ثانية، فيها يتم إرجاع الطبيعة التي تحولت إلى شيء وضاعت عن الموضوع إلى الحياة».
ولكن إذا كانت اللغة الشعرية، كما يقول أدورنو، تسمح بإعادة الحياة إلى الطبيعة بالنسبة للموضوع، فإنها تقاوم اللغة الأداتية التي تحول الطبيعة إلى شيء ميت. الكلمة، التي فقدت حدس الأشياء من خلالها يظهر للناس لغتهم، تنفصل بشدة عن الطبيعة، تاركة إياها في مصيرها الحزين. لفهم هذه الفكرة، ولإظهار تداعياتها السياسية، سيكون من الجيد أن نتذكر ما يقوله أدورنو وهوركهايمر في «جدلية العقل» عن أصل العقل: «الأسطورة تصبح عقلًا والطبيعة تصبح موضوعية خالصة. يدفع البشر ثمن زيادة قوتهم بأن يصبحوا غرباء عن الشيء الذي يمارسون سلطتهم عليه. يتعامل العقل مع الأشياء كما يفعل الدكتاتور مع البشر؛ يعرفهم بقدر ما يمكنه التلاعب بهم».
من خلال تناول أدورنو وهوركهايمر، نجد أن النتيجة الكارثية التي وصلت إليها الثقافة في القرن العشرين، والمتمثلة في الحركات الاستبدادية، تمثل لحظة ظهور الأصل الذي ينبع منه العقل العلمي، أي الخوف الذي عاشه البشر الأوائل من القوى المجهولة للطبيعة. في هذا السياق، يكتبون: «يعتقد الإنسان أنه تخلص من الخوف عندما لا يوجد شيء غير معروف». وللتحرر من هذا الخوف الذي تثيره الطبيعة غير المألوفة، طور الإنسان جهازًا عقليًا يمكّنه من تقليص الطبيعة إلى قوانين قابلة للقياس والتنبؤ، لكن ذلك لا يتوقف عند هذا الحد، بل يحول الطبيعة إلى شيء ميت يمكن التحكم فيه، ويبني من تلك اللحظة المفعمة بالخوف الأول لغة جديدة تقوم على تلك اللحظة من الرعب البدائي.
في قصة باخمان، يصف الراوي عن ابنه قائلًا: «كان خائفًا. ليس بعد من انهيار ثلجي أو من شر، بل من ورقة تتحرك على شجرة. من فراشة. كانت الذبابات تضربه بالرهبة. وكنت أفكر: كيف سيعيش عندما تهتز الشجرة كلها إذا تركته دون تفسير؟». في هذه اللحظة، يُظهر الراوي رغبته في تزويد ابنه بوسائل للدفاع ضد الخوف الذي تثيره الطبيعة المجهولة، ولكنه في الوقت ذاته، يعجز عن اتخاذ تلك الخطوة، مدركًا أنه سيقحمه بذلك في عالم خاضع لقوانين العقل الآلي. وتزداد مخاوفه تبريرًا عندما يتذكر أن ما وُلد من الخوف والسيطرة لا يفعل شيئًا سوى نشر الخوف والسيطرة، فسيطرة العقل على الطبيعة تؤدي إلى سيطرة الإنسان على الإنسان، أي إلى حرب الجميع ضد الجميع.
ويؤكد أدورنو وهوركهايمر أن المعرفة العقلية، حتى في أبسط أشكالها المنطقية، ترتبط بالحرب: «إن حصرية القوانين المنطقية تعود إلى الطبيعة القسرية للاحتفاظ بالذات. وهذه تبلغ ذروتها في الاختيار بين البقاء أو الهلاك، وهو ما يمكن أن نراه في المبدأ القائل إن من بين فرضيتين متناقضتين، واحدة فقط يمكن أن تكون صحيحة والأخرى خاطئة». وبمجرد أن نعترف بأن الحرب هي قلب المعرفة العقلية نفسها، يصبح من السهل فهم ما تقوله باخمان عندما تشير إلى أن الفاشية تبدأ في الحياة الخاصة والسلوكيات الفردية، وأن الحرب موجودة في كل مكان حتى في زمن السلم.
في القصة نفسها، نجد الطفل الذي تعلم للتو الكلام، يحاول طعن زميل له في المدرسة، وعندما يغضب من والده، يقول له: «سأشعل النار في المنزل. أريد تدمير كل شيء. سأقضي عليكم جميعًا». هنا نرى كيف أن تعلم لغة الظلال والماء والحجارة والأشجار هو تعلم لغة لم تُعلن الحرب على الطبيعة، ولم تكن أداة لتلك الحرب الدائمة والمتعددة: حرب الشعوب، حرب الطبقات، حرب الأجناس. إن هذه اللغة، بالطبع، هي لغة يوتوبية، أو بالأحرى، هي اللغة التي سينبثق منها عالم يوتوبي.
لتوضيح أهمية التفكير المشترك في قضايا الفتنة الأصلية واليوتوبيا، سأترك جانبًا الفلاسفة المعقدين لأتوجه إلى نص بسيط للغاية، ولكنه لا يقل شأنًا عن أفكار الفلسفات الأكثر راديكالية في القرن العشرين. بالطبع، أنا هنا أتحدث عن نص من دُستويفسكي. إنه نص صغير جدًا، قليل الشهرة، بعنوان «حلم رجل مضحك». الراوي في هذه القصة هو شخص أوروبي حديث وساخر، قرر إنهاء حياته، لكنه غفا قبل أن يتمكن من تنفيذ فعلته، فحلم بحلم غير مجرى حياته. في هذا الحلم، يجد نفسه على كوكب آخر، كوكب يوتوبي، حيث يعيش كائنات استقبلته وأخذته لاكتشاف عالمهم: «فجأة، وكأنني لم ألاحظ ذلك أبدًا، رأيت نفسي على تلك الأرض الأخرى في ضوء مشرق ليوم مشمس، أجمل من الجنة. [...] وأخيرًا، رأيت وعرفت سكان هذه الأرض السعيدة. لم أرَ في أرضنا أبدًا جمالًا كهذا في الإنسان. ربما فقط أطفالنا، في أول سنوات حياتهم، قد يظهرون، حتى ولو كان بشكل بعيد وضعيف، لمحة عن جمال كهذا. [...] أوه، فور رؤيتي لوجوههم، فهمت كل شيء، نعم، كل شيء! كانت تلك أرضًا لم تمسها بعد الخطية الأصلية».
كما هو الحال عند باخمان، بنيامين، أدورنو وهوركهايمر، يجب فهم موضوع الخطية الأصلية هنا كإشارة حرفية لتعليم سفر التكوين، الذي يعتبر أن المعرفة العقلانية هي وحدها التي جلبت الشر إلى العالم. لإقناعنا بذلك، لنواصل قراءة القصة: «ظلَّ في ذهني لغزٌ، كيف يمكنهم أن يعرفوا، على سبيل المثال، أشياء كثيرة، لكنهم لا يعرفون شيئًا عن علمنا. لكنني فهمت بسرعة أن معرفتهم، الكاملة، كانت تعتمد على حدس آخر غير الذي نملكه على الأرض، وأن تطلعاتهم كانت جميعًا مختلفة. [...] لم يشعروا بتلك الرغبة في معرفة الحياة التي نشعر بها نحن، لأن حياتهم كانت كاملة تمامًا. ولكن معرفتهم كانت أعمق وأعلى من علمنا؛ لأن علمنا يسعى لتفسير الحياة، يسعى للقبض عليها بالعقل ليعلم الآخرين كيفية العيش؛ أما هم، حتى من دون العلم، كانوا يعرفون كيف يجب أن يعيشوا، وهذا فهمته، لكنني لم أستطع فهم ماهية معرفتهم».
سكان الكوكب اليوتوبي، بوضوح، ليس لديهم المعرفة التي كُشِفت لآدم وحواء عندما ذاقا من ثمرة المعرفة المحرمة. ومع ذلك، لم يكونوا جهلاء. فقط، كانت معرفتهم تختلف عن تلك التي تمثل علم الخير والشر الذي يؤدي إلى العقل المستقل. ثم، اكتشف الراوي أن هذه المعرفة تشبه بشكل لافت اللغة الجديدة التي كان يتمنى تعلمها لابنه: «كانوا يروني شجرة لهم، وكنت عاجزًا عن فهم درجة الحب التي كانوا ينظرون بها إليها، كما لو كانوا يتحدثون مع كائنات تشبههم. وتعلمون، لن أخطئ إذا قلت إنهم كانوا يتحدثون. نعم، لقد اكتشفوا لغتهم، وأنا مقتنع بأن الأشجار كانت تفهمهم. [...] كانوا يُروني النجوم، ويتحدثون عنها في أمر لم أتمكن من فهمه، ولكنني مقتنع أن، بطريقة ما، كانوا يتواصلون مع نجوم السماء».
لو توقفت القصة هنا، لكان لدينا وصفًا ساحرًا لعالم يوتوبي، حيث توجد لغة تختلف تمامًا عن لغتنا، لكننا كنا سنتجاوز ذلك بسرعة. ولكن، تكمن قوة القصة في أنها تتيح لنا، من خلال ما يأتي بعد ذلك، أن نرى بوضوح كيف أن مسألة اليوتوبيا ومسألة الخطية الأصلية هما في جوهرهما نفس المسألة. دعونا نرى ما سيحدث بعد ذلك: «تعلمون، سأقول لكم سرًا: ربما كان كل هذا، ليس حلمًا! لأن هناك شيئًا واحدًا حدث هناك، شيء حقيقي حتى درجة الرعب التي لم يكن ليخطر على بالي في حلمي. [...] أوه، احكموا أنتم: حتى الآن، كنت أخفيه؛ لكن الآن، سأقول هذه الحقيقة حتى النهاية. الحقيقة هي أنني... في النهاية، فسدتهم جميعًا! كيف حدث ذلك، لا أدري، لا أتذكره جيدًا. [...] أعرف فقط أن سبب الخطية الأصلية كان أنا».
ظهور الخطية الأصلية على الكوكب اليوتوبي يكرر نفس القصة التي رواها سفر التكوين، والتي تعاد مع كل إنسان جديد يبدأ في النمو تدريجيًا، ويكتشف القوانين التي تحكم العالم الساقط: «سرعان ما تدفق الدم الأول؛ اندهشوا، فزعوا وبدأوا في التفريق، في الانقسام. ظهرت التحالفات، ولكن هذه المرة ضد بعضهم البعض. بدأت المشاجرات، اللوم. [...] وُلدت فكرة الشرف، ورفع كل تحالف علمه الخاص. عذبوا الحيوانات، فابتعدت عنهم في الغابات وأصبحت أعداءهم. بدأت الصراعات من أجل الانقسامات، الاستقلال، الفردية، من أجل 'لي' و'لك'. بدأوا يتحدثون لغات مختلفة».
وراء هذه الحرب الكونية التي تشمل الجميع ضد الجميع، يقف الثعبان التوراتي القديم، الذي أقنع البشر الأوائل بتذوق ثمرة العقل المستقل: «لم يتذكروا إلا قليلاً ما فقدوه ولم يعودوا يؤمنون حتى أنهم كانوا في يوم من الأيام أبرياء وسعداء. كانوا يضحكون حتى من احتمال تلك السعادة الماضية، وكانوا يسمونها حلمًا. [...] كانوا يجيبونني: مهما كنا زائفين، أشرارًا، غير عادلين، نحن نعلم ذلك [...]. لكن لدينا العلم، ومن خلاله سنجد الحقيقة، ولكن هذه المرة سنتلقاها بوعي كامل. المعرفة تفوق المشاعر، معرفة الحياة، تفوق الحياة. العلم سيمنحنا الحكمة، والحكمة ستكشف لنا القوانين، ومعرفة قوانين السعادة تفوق السعادة».
بوجوده وحده بين سكان
كوكبهم، سيكون الإنسان المضحك قد أوقع سكان هذا الكوكب المثالي في جحيم المعرفة
العقلانية، التي تؤدي إلى تسلط الإنسان على الطبيعة والحروب العالمية. من خلال
روايته لقصة عالم غير موجود بالطبع، حيث يحب البشر الحيوانات، ويتحدثون مع الأشجار
ويتواصلون مع النجوم، عالم لم يبدأ فيه البشر بعد في تعذيب الحيوانات، ولم تُهدم
الغابات بعد على يد آلاتهم، ولم تُطفئ المصانع النجوم بعد، ومن خلال وصفه لسقوط
هذا العالم، فإن دوستوييفسكي يؤكد أننا لا نستطيع الحديث عن اليوتوبيا دون الحديث
في الوقت نفسه عن ما يمنع قدومها في عالمنا الحالي. وكأن السارد في القصة التي
كتبتها باخمان، بعد أن قرأ دوستوييفسكي، يخشى أن يفعل لابنه، عندما يعلمه عن العالم
ولغته، ما فعله الإنسان المضحك بسكان هذا الكوكب المثالي. افترض أن هذا الطفل، في
وقت لاحق، اكتشف المشروع السري الذي كان والده يحمل في ولادته، من المحتمل أنه
سيقول له نفس ما قاله سكان الكوكب المثالي للإنسان المضحك عندما حاول أن يشرح لهم
أنه السبب الوحيد في شقائهم:
كنت أمد يدي إليهم، أتهم نفسي، ألعن نفسي، أحتقر نفسي، في يأس. كنت أقول لهم إن كل هذا من صنع يدي، أنا وحدي، أنا الذي جلبت لهم الانحراف، السم، الكذب!... لكنهم كانوا يستهزئون مني، وفي النهاية أخذوني كمُبَراء. كانوا يبررونني، ويقولون إنهم لم يحصلوا إلا على ما كانوا يريدونه هم بأنفسهم، وأنه لم يكن بالإمكان أن يكون هناك شيء غير ما هو موجود الآن. في النهاية قالوا لي إنني أصبحت خطيرًا، وأنهم سيضعونني في مصحة إذا لم أصمت. حينها دخل الألم في روحي بقوة لم أكن قد شعرت به من قبل، وشعرت أن قلبي سيُحتجز، وكأنني سأموت، وهناك... حسنًا، هذا هو المكان الذي استيقظت فيه.
في رد سكان كوكب اليوتوبيا، تظهر مرة أخرى الخطيئة الأصلية للغة، التي بدلاً من أن تسمح بالتعبير عن الطبيعة المحبوسة في الصمت، تكتفي بوضع قوانين للطبيعة، متمحورة حول بنية عقلانية تحول سلطة التسمية إلى أداة لا علاقة لها بالطبيعة التي يجب أن تستمد قوتها منها. ولكن هذا الرد يظهر أيضًا النقطة التي قد يبدأ منها كل شيء في التغيير. إذا كان العقل يستطيع ببساطة أن يقبل أن الشقاء، على عكس ما يقوله سكان كوكب اليوتوبيا، ليس أبديًا، بل تاريخي، أي أنه ظهر في لحظة معينة من تطور الإنسانية، حينما ظهرت المعرفة العقلانية كوسيلة للدفاع ضد القوى المرعبة للطبيعة المجهولة، إذا استطاع العقل أن يقبل هذا، لربما سيتاح لنا الأمل في قدوم لغة جديدة للبشرية. يكتب أدورنو في «الديالكتيك السلبي»: «الأنواع الحيوانية مثل الديناصور تراي سيراتوبيس أو وحيد القرن تحمل معها درعًا يحميها كالسجن الذي يُدفع إلى ظهورها، والتي — من وجهة نظر إنسانية على الأقل — تسعى عبثًا للتخلص منها. قد يفسر هذا السجن في جهاز بقائها الوحشية الخاصة للوحيد القرن كما الوحشية غير المعترف بها، والأكثر رعبًا، للإنسان العاقل».
الاندفاع نحو الحرب الذي ينشأ من الذكاء البشري، وفي استمراره بعد أن تمكّن الإنسان من السيطرة على خوفه من الطبيعة، يحوّل اللغة إلى سجن يسحب معه الإنسان عبر الأجيال، ويجعله يفكر في كل علاقة بالعالم باعتبارها علاقة تسلط. لكي تصبح العقلانية شيئًا آخر غير أداة التعذيب التي هي عليها كجهاز بدائي للبقاء، يجب أن يتحرر العقل من عصور ما قبل التاريخ، بالاعتراف، بلا مواربة، بخطيئته الأصلية.
