مقالات

لَا، لَيسَ إلهَ سْبينُوزَا

 

أُومِنُ بِإلَهِ سبينوزا الَّذي يَتَجَلّى في تَناغُمِ كُلِّ ما هُوَ مَوجودٌ، ولَيسَ بِإلَهٍ يَشغَلُ نَفسَهُ بِمَصائِرِ البَشَرِ وأفعالِهِم».

ألبرت أينشتاين، برقيَّةٌ إلى الحاخام هربرت غولدشتاين، ١٩٢٩.

إنّي لَفي غايَةِ الذُّهولِ وغايَةِ السِّحرِ! لَدَيَّ سَلَفٌ، وأيُّ سَلَفٍ! ... تَوَجُّهُهُ العامُّ هُوَ عَينُ تَوَجُّهي: أن يَجعَلَ مِنَ المَعرِفَةِ أقوى الانفِعالاتِ وأعظَمَها.

فريدريك نيتشه، بِطاقَةٌ بَريديَّةٌ إلى فرانز أوفربيك، ٣٠ يوليو ١٨٨١.

إن أحبَبتُكَ، فَما شَأنُكَ في ذَلِكَ؟

غوته، سنوات تَعَلُّمِ فيلهلم مايستر، عَلى لِسانِ فيلين.

دَفَعَ حاخامٌ في نيويورك ثَمَنَ الإجابَةِ سَلَفاً. وقَد ذَيَّلَ برقيَّتَهُ إلى برلين بِسُؤالٍ عَنِ الإلَهِ ومُرفِقاً بِها خَمسينَ كَلِمَةً مَدفوعَةَ الأجرِ، وهُوَ أقصى ما كانَ لِلمالِ أن يَحمِلَهُ عائِدًا عَبرَ المُحيطِ، غَيرَ أنَّ أينشتاين لَم يَستَهلِك مِنها سِوى ثَلاثينَ. وبَقِيَت عِشرونَ كَلِمَةً مَدفوعَةَ الثَّمَنِ دونَ طائِلٍ. ومُنذُ قَرابَةِ قَرنٍ مِنَ الزَّمانِ، أدَّت هَذِهِ الثَّلاثونَ كَلِمَةً عَمَلَ الخَمسينَ. تُعَلَّقُ في مَهاجِعِ الطُّلّابِ، وتَتَصَدَّرُ مُختاراتِ العُلَماءِ في بابِ الدّينِ، أمّا العِبارَةُ الَّتي بَثَّتها في التَّداوُلِ، «إلَهُ سبينوزا»، فَقَد غَدَت بِمَثابَةِ دَواءٍ مُنَوِّمٍ لِمَن يَبتَغي إلَهاً لا يَسَعُ أحَداً أن يَسأَلَهُ شَيئاً.

تَحمِلُ العِبارَةُ في طَيّاتِها رَهبَةً. كَونٌ مَبسوطٌ في مُعادَلاتٍ، تَناغُمٌ، خُشوعٌ يَتِيحُ لِفيزيائيٍّ أن يَجلِسَ في كَاتِدرائيَّةٍ أُقصيَ مِنها الكاهِنُ. إنَّهُ مِزاجٌ مَألوفٌ حَدَّ أنَّهُ يَبدو مُستَغنِياً عَن أيِّ مَصدَرٍ، ويُفتَرَضُ أنَّ مَصدَرَهُ هُوَ «الأخلاق»، وهُوَ السِّفرُ الَّذي يَحوي بَينَ دَفَّتَيهِ أبلَغَ وأشمَلَ تَفكيكٍ لِهَذا المِزاجِ صِيغَ قَطُّ في قالَبِ كِتابٍ مَدرَسيٍّ. أمّا العِشرونَ كَلِمَةً غَيرُ المُنفَقَةِ فَتَنتَمي إلى حَقيقَةٍ قَلَّما تُصاحِبُ العِبارَةَ. فسبينوزا كانَ يَزدَري الدَّهشَةَ وذُهولَ التَّعَجُّبِ.

والكَلِمَةُ المَقصودَةُ هِيَ «admiratio»، وهِيَ في اللّاتينيَّةِ تَشمَلُ الذُّهولَ، والإعجابَ، وفَغرَ الفاهِ في آنٍ واحِدٍ. وفي الجَدوَلِ الخِتاميِّ لِلِانفِعالاتِ في نِهايَةِ الجُزءِ الثّالِثِ مِن «الأخلاق»، تَحِلُّ رابِعَةً بَعدَ الرَّغبَةِ والفَرَحِ والحُزنِ وقَبلَ الِاحتِقارِ والحُبِّ والكَراهيَةِ، ويَأتي تَعريفُها أشبَهَ ما يَكونُ بِتَشخيصٍ طِبّيٍّ: صُورَةٌ لِشَيءٍ ما في الخَيالِ يَظَلُّ العَقلُ مَأسورًا بِها لِأنَّ هَذِهِ الصّورَةَ الخَياليَّةَ المُفْرَدَةَ لا صِلَةَ لَها بِأَيٍّ مِنَ الصُّوَرِ الأُخرى. يَلْتَقي العَقلُ والمَوضوعُ ولا يَجِدُ العَقلُ في مَخزونِهِ أيَّ رابِطٍ يَشْتَبِكُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ المَوضوعِ. فَيَستَقِرُّ مَكانَهُ حَيثُ حَطَّ. يَتَعَرقل العَقلُ كَما تَتَعَرقل الأكمامُ بِمِسمارٍ، وهَذِهِ العَرقلة تُورِثُ شُعورًا بِاللَّذَّةِ، ولِذا حَظيَت هَذِهِ الحالَةُ بِاسمٍ حَسَنٍ.

والشَّرحُ الَّذي يَعقُبُ ذَلِكَ جافٌّ كَدَفتَرِ حِساباتٍ. فَهُوَ يَأبى قَطعًا عَدَّ الذُّهولِ مِن بَينِ الِانفِعالاتِ. فَكُلُّ انفِعالٍ لَهُ عِلَّةٌ إيجابيَّةٌ تَدفَعُ العَقلَ نَحوَ وِجهَةٍ ما، أمّا الذُّهولُ فَلا عِلَّةَ لَهُ. إنَّهُ ما يَفعَلُهُ العَقلُ حينَ يَنتَفي الدّافِعُ، هُوَ تَشَتُّتٌ يَتَوَلَّدُ مِن فُقدانِ عِلَّةٍ تَحمِلُ الفِكرَ مِن هَذا الشَّيءِ إلى ما يَليهِ. وشُعورُ الكَاتِدرائيَّةِ، وَفقاً لِهَذا الوَصفِ، ما هُوَ إلّا توقُّف مَسدود. إنَّهُ يَحبِسُ العَقلَ في النُّقطَةِ الَّتي تَنقَطِعُ عِندَها كُلُّ الصِّلاتِ.

والرِّسالَةُ الَّتي نَشَرَها مَجهولَةَ الِاسمِ عامَ ١٦٧٠ تَحمِلُ نَفسَ المِزاجِ ولَكِن بِنَبرَةٍ أغلَظَ. فَيَقولُ في المُقَدِّمَةِ إنَّ كُلَّ مَن يَسعى وراءَ العِلَلِ الحَقيقيَّةِ لِلمُعجِزاتِ، ويُحاوِلُ فَهمَ الأشياءِ الطَّبيعيَّةِ كَعالِمٍ مَعرفَةً لا كَأحمَقَ مَأخوذًا بَدَلَ التَّحْديق فيها بفاه مَفتوح، يُعَدُّ مِن قِبَلِ الجَميعِ زِنديقاً ومارِقاً، ويَتعَرَّضُ للتَنديدِ مِن قِبَلِ مَن يُبَجِّلُهُمُ العامَّةُ كَمُفَسِّرينَ لِلطَّبيعَةِ والآلِهَةِ. وهَذِهِ الجُملَةُ تَجمَعُ بَينَ فِريَقينِ، المُحَدِّقُ العاجز والعالِمُ، والإلَهُ يَقِفُ خَلفَ المُحَدِّقِ العاجز. فَالَّذينَ يُحَدِّقونَ بِبَلاهَةٍ يَحتاجونَ إلى مُفَسِّرٍ، إلى شَخصٍ يَقِفُ بِجانِبِ المُعجِزَةِ ويُسَمّيها. فَالإلَهُ الَّذي يُصاغُ مِمّا يَتَبَقّى بِلا رابِطٍ هُوَ امتِيازٌ يَحتَكِرُهُ مَن يَملِكُ هَذِهِ الفَجوَةَ.

إنَّ لِهَذا المِزاجِ تاريخَ وِلادَةٍ، ويَقَعُ بَعدَ قَرنٍ مِن صُدورِ الكِتابِ. فَطَوالَ القَرنِ الثّامِنَ عَشَرَ، كانَ «سبينوزا» هُوَ الِاسمَ الَّذي يَرمي بِهِ وُعّاظُ أمستردام وهالي أيَّ رَجُلٍ يَنوونَ الإيقاعَ بِهِ وتَدميرَهُ، وقَد كانَ مُرادِفاً لِكَلِمَةِ «مُلحِد». وفي عامِ ١٧٨٥ نَشَرَ ياكوبي رَسائِلَهُ عَن عَقيدَةِ سبينوزا وأفادَ أنَّ ليسينغ، قَبلَ ذَلِكَ بِخَمسِ سَنَواتٍ وقَبلَ أشهُرٍ مَعدودَةٍ مِن وَفاتِهِ، أخبَرَهُ ذاتَ ظَهيرَةٍ صَيفيَّةٍ أنَّ المَفاهيمَ الأرثوذكسيَّةَ لِلأُلوهيَّةِ لَم تَعُد تَروقُ لَهُ، وأنَّهُ لَم يَعُد قادِرًا عَلى استِساغَتِها، وأنَّهُ لا يَفقَهُ شَيئاً أبعَدَ مِن «hen kai pan»، أيِ الواحِدِ والكُلِّ. «استِساغَة» هُوَ فِعلٌ يَخُصُّ مَن يَتَذَوَّقُ. وفي غُضونِ عِقدٍ مِنَ الزَّمانِ، أُعيدَ بِناءُ ذَلِكَ البُعبُعِ لِيُصبِحَ قِدّيساً. فَقَد أسماهُ نوفاليس رَجُلاً «ثَمِلاً بِالإِلَه». ويَدعو شلايرماخر في خُطَبِهِ عَنِ الدّينِ عامَ ١٧٩٩ قُرّاءَهُ لِتَقديمِ خُصلَةِ شَعرٍ لِروحِ سبينوزا المُقَدَّسِ والمَنبوذِ، الَّذي تَخَلَّلَهُ روحُ العالَمِ السّامي والَّذي كانَ الكَونُ حُبَّهُ الأبَديَّ الأوحَدَ. لا شَيءَ مِن هَذِهِ العِباراتِ يَحيا في «الأخلاق». إنَّ سبينوزا الرّومانسيَّ كانَ مِن صُنعِ قُرّاءٍ كانَت بِهِم حاجَةٌ إلى ذَلِكَ الشُّعورِ فَوَجَدوا لَهُ سَلَفاً مُحْتَرَماً، وبرقيَّةُ عامِ ١٩٢٩ لَيسَت سِوى صَدىً مُتَأخِّرٍ لِذَلِكَ البِناءِ.

إذن، يَتَرَبَّعُ الإلَهُ الَّذي نُدرِكُهُ عَبرَ الرَّهبَةِ في ذاتِ المَوضِعِ الَّذي يُعلِنُ فيهِ سبينوزا أنَّ الفَهمَ قَد بَلَغَ مُنتَهاهُ. تَتَبَّعْ صِلَةً خُطوَةً أُخرى فَأُخرى، وسَيُغادِرُ الذُّهولُ الشَّيءَ كَما تُغادِرُ الحَرارَةُ المِحمَسَ، وما يَتَبَقّى يَستَجيبُ لِاسمٍ أهدَأَ. تُسَمّيهِ الصَّفَحاتُ الأخيرَةُ مِن «الأخلاقِ» «طُمَأنينَةً» (acquiescentia)، رُكونًا وسَكينَةً، والقَضِيَّةُ الَّتي تَمنَحُهُ أعلى مَراتِبِهِ تَقولُ إنَّهُ يَنبَعِثُ مِنَ النَّوعِ الثّالِثِ مِنَ المَعرِفَةِ، ذَلِكَ النَّوعِ الَّذي يَرى الشَّيءَ مِن مَنظورِ حَتميَّتِهِ وضَرورَتِهِ. وهَذِهِ المُفْرَداتُ تَليقُ بِقِطَعِ الأثاثِ والزّيجاتِ المُعَمِّرَةِ. إنَّ النَّسَقَ الَّذي يُشرِعُ أبوابَهُ عَلى إلَهٍ، يُوَدِّعُنا مُوصِياً بِرِضًا قَد بَلَغَ مِنَ الاستِواءِ حَدًّا لا يَجعَلُهُ صالِحًا حَتَّى لِيُطبَعَ عَلى أقداحِ القَهوَةِ.

أمّا كَلِمَةُ «تَناغُم»، الَّتي تَحمِلُ العِبءَ الأكبَرَ في البَرقيَّةِ، فَتَحظى بِأقسى وأشَدِّ أشكالِ النَّقدِ والِاعتِراضِ. ففي رِسالَةٍ بَعَثَ بِها عامَ ١٦٦٥ إلى أولدنبورغ، سِكرِتيرِ الجَمعيَّةِ المَلَكيَّةِ، يَكتُبُ أنَّهُ لا يَنسِبُ إلى الطَّبيعَةِ لا جَمالًا ولا قُبحًا، لا نِظامًا ولا فَوضى. فَالِأشياءُ جَميلَةٌ أو قَبيحَةٌ، مُنَظَّمَةٌ أو مُشَوَّشَةٌ، فَقَط قياسًا عَلى خَيالِنا. ويَضرِبُ عَلى ذَلِكَ مَثَلًا بِدودَةٍ. تَخَيَّلْ دودَةً صَغيرَةً تَحيا في الدَّمِ، لَها أعيُنٌ تُسعِفُها في التَّمييزِ بَينَ جُزَيئاتِ اللِّمفِ وجُزَيئاتِ الكيلوسِ، وتَملِكُ مِنَ العَقلِ ما يَكفي لِتُراقِبَ كَيفَ أنَّ كُلَّ جُزَيءٍ، إثرَ اصطِدامِهِ بِآخَرَ، يَرتَدُّ أو يَنقُلُ شَيئاً مِن حَرَكَتِهِ. ستَعيش هَذِهِ الدّودَةُ في الدَّمِ كَما نَعيشُ نَحنُ في مَنطِقَتِنا مِنَ الكَونِ، وستَأخُذُ كُلَّ جُزَيءٍ عَلى أنَّهُ الكُلُّ حَيثُ لا يوجَدُ سِوى الجُزءِ، جاهِلَةً تَماماً بِالقَلبِ أوِ الجَسَدِ الَّذي تَحكُمُ طَبيعَتُهُ كُلَّ الجُزَيئاتِ وتُجبِرُها عَلى التَّآلُفِ والتَّناغُمِ. تِلكَ الدّودَةُ تَمتَلِكُ مَنظوراً يَسري فيهِ الإيقاعُ. هِيَ تُبصِرُ الِاصطِداماتِ تَخضَعُ لِقَوانينَ، وتُطلِقُ عَلى هَذا المَشهَدِ اسماً.

«التَّناغُمُ» هُوَ كَلِمَةُ الدّودَةِ. أمّا الإلَهُ الَّذي يَتَجَلّى في تَناغُمِ كُلِّ مَوجودٍ، فَقَد قَرَّرَت رِسالَةُ سبينوزا نَفسُهُ أنَّهُ قاطِنٌ في عُنوانِ المُراقِبِ نَفسِهِ. البَرقيَّةُ، وَفقاً لِهَذِهِ القاعِدَةِ، تَنقُلُ بَياناً عَن كَيفيَّةِ شُعورِ جُزءٍ مِنَ الدَّمِ تجاهَ بَقيَّةِ الأجزاءِ. لِهَذا الشُّعورِ قَدْرٌ، والدّودَةُ الَّتي تُبصِرُ النِّظامَ هِيَ أقرَبُ إلى الحَقيقَةِ مِن تِلكَ الَّتي تُبصِرُ الفَوضى. غَيرَ أنَّ الجُملَةَ قَد بَدَّلَت مَرجِعَها. فَالرَّهبَةُ والِإجلالُ الَّلذانِ كانا يُشيرانِ إلى إلَهٍ، حَطّا رِحالَهُما في مَنظورِ مُراقِبٍ مَحدودٍ.

أيُّ بَرقيَّةٍ تَقتَضي مُرسَلًا إلَيهِ، وكَذَلِكَ اليَقينُ والِاعتِقادُ. قَد سَأَلَ الحاخامُ عَمّا إذا كانَ أينشتاين يُؤمِنُ بِالإِلَه، وَوَفقاً لِقَواعِدِ النَّحوِ، يَضَعُ هَذا السُّؤالُ شَخصاً آخَرَ عَلى الطّاوِلَةِ: أنتَ، الَّذي تُؤمِنُ، والمُؤمَنُ بِهِ. إلّا أنَّ إلَهَ سبينوزا لَيسَ لَهُ مَقعَدٌ هُناكَ. لا أعرِفُ جُملَةً واحِدَةً في «الأخلاقِ» تُخاطِبُ إلَهَها بِصيغَةِ المُخاطَبِ. الدُّعاءُ مُناداةٌ، والهَندَسَةُ تَخلو مِن أيِّ مُناداةٍ، إذ تَلْتَزِمُ كُلُّ قَضيَّةٍ بِصيغَةِ الغائِبِ والزَّمَنِ الحاضِرِ، وكَأنَّ الخِطابَ المُوَجَّهَ لِأيِّ شَخصٍ مِن شَأنِهِ أن يُصَدِّعَ بُنيانَ البُرهانِ.

يُصَرِّحُ الجُزءُ الخامِسُ بِها صَراحَةً دُونَ لَبسٍ. مَن يُحِبُّ الإِلَه لا يَجوزُ لَهُ أن يَطْمَحَ في أن يُبادِلَهُ الإِلَه الحُبَّ. وتَمضي النَّتيجَةُ التّابِعَةُ لِلقَضيَّةِ السّابِعَةَ عَشرَةَ إلى أبعَدَ مِن ذَلِكَ، مُتَّكِئَةً عَلى كَلِمَتَينِ تَحمِلانِ جُلَّ الثِّقَلِ: الإِلَه، بِالتَّعبيرِ الدَّقيقِ (proprie loquendo)، لا يُحِبُّ أحَداً ولا يَكرَهُ أحَداً. الإِلَه مُنَزَّهٌ عَنِ الِانفِعالاتِ، لا يَعرِفُ فَرَحاً ولا حُزناً، ومِن ثَمَّ لا يَمْلِكُ أيَّ عاطِفَةٍ لِيَمنَحَها. ويَترُكُ الفَيلَسوفُ لِلأتقِياءِ استِعاراتِهِم، ويَضَعُها جانِباً.

أمّا غوته، الَّذي قَرَأَ لسبينوزا وهُوَ في الرّابِعَةِ والعِشرينَ، فَقَد كَتَبَ في «الشِّعرِ والحَقيقَةِ» (Dichtung und Wahrheit) أنَّ هَذِهِ الجُملَةَ، بِكُلِّ ما تَستَنِدُ إلَيهِ مِن مُقَدِّماتٍ وما يَتَفَرَّعُ عَنها مِن نَتائِجَ، قَد شَغَلَت كُلَّ تَفكيرِهِ. ويَتَسَلَّلُ المَنطِقُ ذاتُهُ إلى «فيلهلم مايستر» عَلى لِسانِ فيلين، تِلكَ المُمَثِّلَةِ الَّتي تُغازِلُ الجَميعَ ولا تَأخُذُ أيَّ شَيءٍ عَلى مَحْمَلِ الجَدِّ، والتَّي تُجيبُ عَلى شَكِّ رَجُلٍ بِالعِبارَةِ المُقتَبَسة أعلاهُ: «إن أحبَبتُكَ، فَما شَأنُكَ في ذَلِكَ؟» ولَطالَما سَمِعَ الشُّرّاحُ صَدى سبينوزا يَتَرَدَّدُ تَحتَ هَذا السَّطرِ. الجُملَةُ صادِمَةٌ في فَمِ عاشِقٍ وتَكادُ تَكونُ رَقيقَةً في فَمِ فَيْلَسوفٍ. الحُبُّ الَّذي لا حِسابَ لَهُ، ولا جَلَسَةَ استِماعٍ، ولا رَدَّ، يَكونُ قَد أتمَمَ صَفقَتَهُ بِمُجَرَّدِ وُقوعِهِ.

ثُمَّ يَأتي الجُزءُ الخامِسُ لِيُغْلِقَ الدّائِرَةَ، وفي غَمرَةِ ذَلِكَ يُناقِضُ نَفسَهُ دونَ أن يَرِفَّ لَهُ جَفنٌ. فَبَعدَ تِسعَ عَشرَةَ قَضِيَّةً مِن إقرارِهِ بِأنَّ الإِلَه لا يُحِبُّ أحَداً، يُبرهِنُ عَلى أنَّ الحُبَّ الفِكريَّ الَّذي يُكِنُّهُ العَقلُ لِلإِلَه هُوَ جَوهَرُ الحُبِّ الَّذي يُحِبُّ بِهِ الإِلَه نَفسَهُ، بِقَدرِ ما يُمكِنُ تَفسيرُ ذَلِكَ مِن خِلالِ جَوهَرِ العَقلِ البَشَريِّ، وتَأتي النَّتيجَةُ التّابِعَةُ لِتَستَخلِصَ الخُلاصَةَ: إنَّ الإِلَه، بِمَحَبَّتِهِ لِنَفسِهِ، يُحِبُّ البَشَرَ، وإنَّ حُبَّ الإِلَه لَهُم وحُبَّهُم للإِلَه هُما شَيءٌ واحِدٌ ونَفسُهُ. وتَجْتَمِعُ هاتانِ المَقولَتانِ في نَفسِ الكِتابِ. وبِناءً عَلى أيٍّ مِنَ القِراءَتَينِ، لا شَيءَ يَنتَقِلُ بَينَ طَرَفَينِ، لِأنَّهُ لا يوجَدُ سِوى طَرَفٍ واحِدٍ. العاشِقُ هُوَ غُرفَةٌ يَتَصادَفُ أن يَتَرَدَّدَ فيها صَدى نَظَرِ الإِلَه إلى نَفسِهِ، وما يَبدو لَكَ كَأنَّهُ عِنايَةٌ عُلوِيَّةٌ لَيسَ سِوى التَّدبيرِ الَّذي جَعَلَ مِنكَ حَدَثًا داخِلَ هَذِهِ الغُرفَةِ.

ومِن هَذا كُلِّهِ، تَتَوَلَّدُ نَتيجَةٌ أُخرى لَم أَرَ مَن يَستَخلِصُها مِن قَبلُ، ولا أزالُ أطوفُ حَولَها أُقَلِّبُ النَّظَرَ فيها. الفَرَحُ، في الجُزءِ الثّالِثِ، يُعَرَّفُ عَلى أنَّهُ انتِقالُ المَرءِ مِن كَمالٍ أدنَى إلى كَمالٍ أعلَى. إنَّهُ يَقتَضي تَفاوُتاً بَينَ مِقدارَينِ، وجَسَداً يَنتَقِلُ بَينَهُما. وتَقولُ القَضيَّةُ السّابِعَةَ عَشرَةَ مِنَ الجُزءِ الخامِسِ إنَّ الإِلَه لا يَمَسُّهُ فَرَحٌ ولا حُزنٌ، لِأنَّ الإِلَه لا يَنتَقِلُ إلى كَمالٍ أعظَمَ ولا إلى كَمالٍ أدنَى. هَذِهِ الجُملَةُ بِمَثابَةِ بُرهانٍ، ونَتيجَتُها هِيَ أنَّ الكِيانَ الأوحَدَ في هَذا النِّظامِ، الَّذي يَمتَلِكُ كُلَّ شَيءٍ، مَحرومٌ مِنَ الشَّيءِ الوَحيدِ الَّذي صُنِّفَ الكِتابُ لِأجلِ التَّوصيَةِ بِهِ. كِتابُ «الأخلاقِ» دَليلٌ لِلبَهجَةِ والسُّرورِ مُوَجَّهٌ لِلمَخلوقاتِ، ولَكِنَّ إلَهَهُ يَعجِزُ عَن قِراءَتِهِ. فَالطَّورُ المَحدودُ (finite mode) يَمتَلِكُ خاصيَّةً تَفتَقِرُ إلَيها الجَوهَرُ اللّامُتَناهي، وهَذِهِ الخاصيَّةُ هِيَ النُّقصانُ واللّا-اكتِمالُ، تِلكَ البَوّابَةُ المَفتوحَةُ الَّتي يَتَسَلَّلُ مِنها الفَرَحُ. أمّا ما إذا كانَ هَذا يُفقِرُ الإلَهَ أو يُثري الطَّورَ، فَإنَّ سبينوزا لا يَبوحُ بِهِ، وهَندَسَتُهُ لا تَملِكُ مِنَ الوَحَداتِ ما يُقاسُ بِهِ ذَلِكَ.

أمّا نيتشه، الَّذي اكتَشَفَ في صَيفِ عامِ ١٨٨١ كَم كانَ يَجهَلُ هَذا الرَّجُلَ، فَقَد كَتَبَ إلى صَديقِهِ أوفربيك مِن سيلس ماريا وسَرَدَ قائِمَةً بِما أنكَرَهُ سَلَفُهُ الجَديدُ: الإرادَةَ الحُرَّةَ، الغاياتِ، النِّظامَ الأخلاقيَّ لِلعالَمِ، الغَيريَّةَ، والشَّرَّ. خَمسَةُ إنكاراتٍ، مُرَقَّمَةٌ، كُلٌّ مِنها بابٌ يُوصَدُ بِقُوَّةٍ في الوَجهِ. لَكِنَّ لِهَذِهِ القائِمَةِ مَكاناً سادِساً يَشغَلُهُ الجُزءُ الثّالِثُ مِن «الأخلاقِ»: الذُّهولُ. كُلُّ عُنصُرٍ في القائِمَةِ هُوَ قَريبٌ لِذاتِ الرَّفضِ، الرَّفضِ لِأن تُملَأَ فَجوَةٌ في الفَهمِ بِشُعورٍ وعاطِفَةٍ. لا يُمكِنُ لِلعَقلِ أن يَقِفَ عَلى العَتَبَةِ ويَتَأثَّرَ.

في العِشرينَ مِن أُغُسطُس عامَ ١٦٧٢، في لاهاي، اقتَحَمَ حَشدٌ سِجنَ «خيفانغنبورت» (Gevangenpoort)، بَوّابَةَ السِّجنِ المُحاذيَةَ لِـ«بيننهوف» (Binnenhof)، حَيثُ كانَ كورنيليس دي فيت مُعتَقَلًا بِتُهمَةِ التَّآمُرِ لِاغتيالِ أميرِ أوراني الشّابِّ، وحَيثُ جاءَ شَقيقُهُ يوهان - الَّذي كانَ حَتّى وَقتٍ قَريبٍ رَجُلَ الدَّولَةِ الأوَّلَ في الجُمهوريَّةِ - لِزِيارَتِهِ. أُطلِقَ الرَّصاصُ عَلى الشَّقيقَينِ، وتَعَرَّضا لِلضَّربِ المُبَرِّحِ والتَّجريدِ مِنَ الثِّيابِ. عُلِّقَت جُثَثُهُما مِنَ الأقدامِ عَلى مِشنَقَةٍ قَريبَةٍ، وقُطِّعَت أجزاءٌ مِنها لِتُؤخَذَ كَهَدايا تَذكاريَّةٍ.

كانَ سبينوزا يَسكُنُ في غُرفَةٍ مُستَأجَرَةٍ عَلى بُعدِ شَوارِعَ قَليلَةٍ مِنَ السِّجنِ، في «بافيوليونسغراخت» (Paviljoensgracht). كانَ الشَّقيقانِ يَنتَمِيانِ إلى فَصيلِ الوُصاةِ الَّذي كانَ سبينوزا يُشاطِرُهُ التَّوَجُّهاتِ السَّياسيَّةَ، وكُتِبَت رِسالَةُ عامِ ١٦٧٠ - بِما حَوَتهُ مِن دِفاعٍ مَتينٍ عَن حُرّيَّةِ الفَلسَفَةِ - في ظِلِّ الحُكومَةِ الَّتي شَكَّلوها. وبَعدَ عامَينِ مِن حادِثَةِ المِشنَقَةِ، حَظَرَتها مَحكَمَةُ هولَندا. أمّا أوَّلُ كاتِبِ سيرَةٍ يَروي الجُزءَ التّاليَ فَهُوَ كوليروس، القِسُّ اللّوثَريُّ الَّذي قَطَنَ لاحِقاً في ذاتِ المَنزِلِ واستَقى الرِّوايَةَ مِنَ العائِلَةِ. عِندَما بَلَغَ النَّبَأُ مَسامِعَ سبينوزا، أرادَ الخُروجَ تِلكَ اللَّيلَةَ، لِلعُثورِ عَلى المَكانِ، ولِتَعليقِ وَرَقَةٍ عَلى الجِدارِ مَكتوبٌ عَلَيها «ultimi barbarorum»، أيْ أعتى الهَمَجِ وأدنَى البَرابِرَةِ. لَكِنَّ صاحِبَ البَيتِ، هيندريك فان دير سبايك، أقفَلَ بابَ الشّارِعِ، مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّ صَديقاً مَعروفاً لِعائِلَةِ دي فيت يَقِفُ بِجانِبِ المِشنَقَةِ حامِلاً لافِتَةً سَيُمَزَّقُ إرباً. وأنا هُنا أقبَلُ هَذِهِ الرِّوايَةَ كَجُزءٍ مِنَ التّراثِ، بِكُلِّ ما يَكتَنِفُ مِثلَ هَذِهِ الرِّواياتِ مِن شُكوكٍ ومَحاذيرَ.

تَستَحِقُّ تِلكَ اللّافِتَةُ وَقفَةً قَصيرَةً لِلتَّأمُّلِ. فَعِبارَةُ «ultimi barbarorum» يُمكِنُ قِراءَتُها كَصيغَةِ نِداءٍ ومُخاطَبَةٍ، مِمّا يَجعَلُها المُناسَبَةَ الوَحيدَةَ المُوَثَّقَةَ الَّتي أرادَ فيها هَذا المُؤَلِّفُ أن يُوَجِّهَ خِطابَهُ إلى جُمهورٍ بِصيغَةِ المُخاطَبِ؛ وكانَ هَذا الجُمهورُ عِبارَةً عَن حَشدٍ غوغائِيٍّ، وما أرادَ أن يَقولَهُ لَهُم هُوَ حَقيقَتُهُمُ المُجَرَّدَةُ الَّتي كانوها. إنَّ الكاتِبَ الَّذي شَطَبَ صيغَةَ المُخاطَبِ مِن قَواميسِ خِطابِهِ مَعَ إلَهِهِ، قَدِ اختارَ، لِلَيلَةٍ واحِدَةٍ، مُخاطَبًا مَصنوعاً مِن بَشَرٍ. وكانَت لَدَيهِ نَظَريَّةٌ جاهِزَةٌ عَنهُم. فَجَدوَلُ الِانفِعالاتِ يَحوي بَنداً يَصِفُ بِالضَّبطِ ما كانَ يَشعُرُ بِهِ؛ «الِاستِنكار، السُّخط» (indignatio)، وهُوَ الكَراهيَةُ تجاهَ مَن ألحَقَ الأذى بِآخَرَ. لَقَد أرادَ مُؤَلِّفُ الجَدوَلِ لِأُمسِيَةٍ واحِدَةٍ أن يَكونَ عُنصُراً فيهِ، وما أعاقَهُ لَم يَكُن سِوى صاحِبِ بَيتٍ بِيَدِهِ مِفتاحٌ. إنَّ العِنايَةَ الإلَهيَّةَ الوَحيدَةَ المُسَجَّلَةَ في سيرَتِهِ الذّاتيَّةِ هِيَ رَجُلٌ يُديرُ قُفلاً.

أمّا ما فَعَلَهُ الإلَهُ في ذَلِكَ اليَومِ فَيُمكِنُ بَيانُهُ بِبَساطَةٍ. لَم يَحدُث شَيءٌ لِلإلَهِ. فَالشَّقيقانِ والحَشدُ والمِشنَقَةُ لَيسوا سِوى أطوارٍ لِجَوهَرٍ واحِدٍ، وتَجَلّياتٍ لِحَتميَّةٍ واحِدَةٍ، وهَذا الجَوهَرُ لا يَملِكُ جانِباً أو حِزباً لِيَنحازَ إلَيهِ لِأنَّهُ لا شَيءَ يَقَعُ خارِجَهُ لِيَنحازَ إلَيهِ. ويَستَخلِصُ المُلحَقُ الخاصُّ بِالجُزءِ الأوَّلِ النَّتيجَةَ في مِثالِهِ عَنِ التَّفكيرِ الخاطِئِ بِشَأنِ الغاياتِ، وهُوَ مَثَلُ حَجَرٍ يَسقُطُ مِن سَطحٍ عَلى أحَدِ المارَّةِ. فَالَّذينَ يَرَونَ الغاياتِ في كُلِّ مَكانٍ سَيُفَسِّرونَ أنَّ الحَجَرَ قَد سَقَطَ بِقَصدِ قَتلِ الرَّجُلِ، وحينَ يُلَحُّ عَلَيهِم في السُّؤالِ سَيَقولونَ إنَّ الرّيحَ قَد هَبَّت، ولِماذا هَبَّتِ الرّيحُ، ولِماذا كانَ الرَّجُلُ يَمشي هُناكَ في تِلكَ السّاعَةِ، وسَيُواصِلونَ طَرحَ الأسئِلَةِ حَتّى يَلوذوا بِمَشيئَةِ الإِلَه، مَلجَأِ الجَهلِ. وأجِدُ هَذِهِ العِبارَةَ الأخيرَةَ مِن أروَعِ ما في الكِتابِ وأشَدِّهِ غَرابَةً. المَلجَأُ يَستَقبِلُ النّاسَ ويُؤويهِم. وهُنا، هُوَ يَؤوي أُولَئِكَ الَّذينَ نَفِدَت لَدَيهِمُ الأسئِلَةُ والأسبابُ، والإلَهُ لَيسَ سِوى الِاسمِ المَطليِّ فَوقَ البابِ.

إذَن، لا صِلَةَ لِإلَهِ سبينوزا بِالمِشنَقَةِ، ومَعَ ذَلِكَ، مَدَّ فَيْلَسوفُ الحَتميَّةِ والضَّرورَةِ يَدَهُ طَلَباً لِوَرَقَةٍ. هُناكَ فَجوَةٌ في قَلبِ النِّظامِ، ولَها شَكلُ الحُكمِ أوِ الإدانَةِ. الجَوهَرُ لا يُصدِرُ أيَّ أحكامٍ. وَحدَها الأطوارُ (modes) تُترَكُ لِتَحكُمَ، وتُصَنِّفُ «الأخلاقُ» أحكامَ الأطوارِ عَلى أنَّها نِتاجُ أفكارٍ قاصِرَةٍ وغَيرِ مُكتَمِلَةٍ. فاللّافِتَةُ، بِحَسَبِ مَعاييرِ الكِتابِ نَفسِهِ، لَيسَت سِوى عَرَضٍ. ولا أُقايِضُ هَذِهِ اللَّحظَةَ بِأيِّ قَضيَّةٍ في صَرحِهِ الهَندَسيِّ. إنَّ الأُمسِيَةَ الَّتي تَصِفُها تَكشِفُ عَنِ المَكانِ الأوحَدِ في هَذا العالَمِ الَّذي يُمكِنُ أن تُنطَقَ فيهِ كَلِمَةُ «بَربَريّ»، ألا وهُوَ الحنجَرَةُ.

الإلَهُ الَّذي تُثني عَلَيهِ البَرقيَّةُ هُوَ أيضاً إلَهٌ يَقولُ عَنهُ سبينوزا إنَّهُ لا يَعرِفُ عَنهُ الكَثيرَ. فَفي رِسالَةٍ عامَ ١٦٧٤ إلى هوغو بوكسيل، الَّذي راسَلَهُ بِشَأنِ الأشباحِ، يُقِرُّ بِأنَّهُ لا يَعرِفُ الإِلَه مَعرِفَةً تامَّةً ومُكتَمِلَةً. إنَّهُ يَفَهَمُ بَعضَ الصِّفاتِ، ولَيسَ كُلَّها، ولا حَتّى شَطرَها الأكبَرَ، وإنَّ الجَهلَ بِأغلَبِها لا يَمنَعُ مَعرِفَةَ القَليلِ مِن مَنحِهِ أعظَمَ اللَّذّاتِ وأرقاها. تَعُدُّ «الأخلاقُ» صِفاتِ الإلَهِ غَيرَ مُتَناهيَةٍ في العَدَدِ وتَمنَحُ البَشَرَ صِفَتَينِ فَحَسبُ، الفِكرَ والِامتِدادَ، لِسَبَبٍ يُوَضِّحُهُ الجُزءُ الثّاني: العَقلُ البَشَريُّ هُوَ فِكرَةُ جَسَدٍ فِعليٍّ، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُدرِكُ إلّا ما صُنِعَ مِنهُ. نافِذَتانِ في بَيتٍ يَضُمُّ غُرَفاً لا حَصرَ لَها، وتُطِلُّ النّافِذَتانِ عَلى الغُرفَتَينِ اللَّتَينِ بُنِيَ مِنهُما السَّاكِنُ. كُلُّ ما تَدعوهُ البَرقيَّةُ «تَناغُماً» لَيسَ سِوى المَشهَدِ المَرئيِّ مِن هاتَينِ النّافِذَتَينِ لا غَيرَ.

وتَحوي الرِّسالَةُ ذاتُها العِبارَةَ الَّتي كانَ يَجدُرُ أن تُطبَعَ عَلى الأقداحِ بَدَلًا مِن تِلكَ. يَكتُبُ سبينوزا: لَو أنَّ المُثَلَّثاتِ كُتِبَ لَها أن تَتَكَلَّمَ، لَقالَت إنَّ الإِلَه مُثَلَّثٌ بِامتِيازٍ، ولَقالَتِ الدّائِرَةُ إنَّ الطَّبيعَةَ الإلَهيَّةَ دائِريَّةٌ بِامتِيازٍ، وهَكَذا كانَ كُلُّ واحِدٍ سَيَنسِبُ إلى الإِلَه صِفاتِهِ الخاصَّةَ ويَظُنُّ نَفسَهُ شَبيهاً بِالإِلَه وكُلَّ ما سِواهُ مُشَوَّهاً. إلَهُ المُثَلَّثِ مُثَلَّثٌ وإلَهُ الدّودَةِ مُتَناغِمٌ. إنَّ لَذَّةَ التَّعَرُّفِ عَلى الذّاتِ في مِرآةِ الكَونِ هِيَ أقدَمُ لَذَّةٍ عَرَفَها البَشَرُ، وقَدِ ارتَدَت أزياءً شَتّى عَلى مَرِّ العُصورِ: اللِّحيَةَ، العَرشَ، المُشَرِّعَ، ومُؤَخَّراً شَبَكَةَ المُعادَلاتِ الرّياضيَّةِ. يَتَغَيَّرُ الوَجهُ بِتَغَيُّرِ النّاظِرِ. لَقَد أرادَ سبينوزا إلَهاً بِلا وَجهٍ، وحَتّى هُوَ رَسَمَهُ عَلى الطَّريقَةِ الهَندَسيَّةِ (more geometrico)، وهُوَ زِيٌّ يُداهِنُ نَوعاً مُحَدَّداً مِنَ العُقولِ ويَروقُ لَهُ. إلَهٌ يُبَرهِنُ، إلَهُ المُثَلَّثِ، مُعَلِّقاً عَلى صَدرِهِ نَظَريَّةً هَندَسيَّةً.

في التَّعليقِ (Scholium) المُلحَقِ بِالقَضيَّةِ السّابِعَةَ عَشرَةَ مِنَ الجُزءِ الأوَّلِ، حَيثُ يُنكِرُ أنَّ العَقلَ والإرادَةَ يَنتَمِيانِ إلى الإِلَه بِأيِّ مَعنىً يُقارِبُ المَعنى البَشَريَّ، يُقَدِّمُ تَحذيرَهُ الخاصَّ. فَالعَقلُ والإرادَةُ اللَّذانِ سَيُشَكِّلانِ جَوهَرَ الإِلَه يَجِبُ أن يَختَلِفا عَن عَقلِنا وإرادَتِنا كَما تَختَلِفُ السَّماءُ عَنِ الأرضِ، «toto caelo»، ولا يُمكِنُ أن يَتَّفِقا مَعَ عَقلِنا وإرادَتِنا إلّا في الِاسمِ فَحَسبُ، كَما يَتَّفِقُ الكَلبُ كَكَوْكَبَةٍ سَماويَّةٍ (كوكبة الكلب الأكبر)، والكَلبُ كَحَيَوانٍ يَنبَحُ. تَتَّضِحُ هَذِهِ اللُّعبَةُ اللَّفظيَّةُ جَلِيّاً في اللّاتينيَّةِ، حَيثُ تَعني كَلِمَةُ (caelum) السَّماءَ والفِردَوسَ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ وتَتَدَلّى الكَوكَبَةُ فيها. سَماءٌ كامِلَةٌ مِنَ الِاختِلافِ (بَونٌ شاسِعٌ). إنَّ كَلِمَةَ «الإِلَه»، بِالنِّسبَةِ لِكُلِّ مَن يَستَخدِمُها، تُغَطّي شَيئَينِ كَما تَفعَلُ كَلِمَةُ (canis). أحَدُهُما يَنبَحُ. لَهُ رَسَنٌ، وساحَةٌ، واسمٌ يَستَجيبُ لَهُ، ومَكانٌ عِندَ قَدَمَيِ السَّريرِ حَيثُ يَنتَظِرُ أن يُشكَرَ. أمّا الآخَرُ فَلا آذانَ لَهُ، ويَقِفُ في أُفُقِ الأُمسِيَةِ الشَّتوِيَّةِ كَنَسَقٍ رَسَمَهُ أُناسٌ كانَت بِهِم حاجَةٌ لِلعُثورِ عَلى بَعضِهِمُ البَعضِ تَحتَهُ.

لَقَدِ اشتَرى الحاخامُ في نيويورك خَمسينَ كَلِمَةً وتَلَقّى ثَلاثينَ. وقامَ مُوَظَّفٌ ما عَلى طولِ الخَطِّ بِعَدِّها، واستَوفى ثَمَنَها، وتَرَكَ العِشرينَ كَلِمَةً غَيرَ المُستَخدَمَةِ تَتَلاشى، مِساحَةٌ مَدفوعَةُ الأجرِ مِنَ السِّلكِ بِلا شَيءٍ عَلَيها. وفي مَكانٍ ما في السّاحَةِ الخَلفيَّةِ لِلمَنزِلِ في Paviljoensgracht، دَعِ الكَلبَ يَنبَحُ عِندَ سَماعِ وَقعِ مِفتاحٍ في البابِ. وفي الأعلى، الكَلبُ الآخَرُ، الَّذي لَم يُخاطَب قَطُّ، يواصِلُ مَسيرَهُ فَوقَ السُّطوحِ بِسُرعَةِ الأُمسِيَةِ، ويَحتَفِظُ بِالِاسمِ.

التصنيفات: #مقالات
أَيُّوب

أَيُّوب

الكاتب

عَصَفَتْ بتلك السَّكينةِ الرَّاسخةِ في طَبْعي خواطِرُ مُبْهمةٌ، مُقلِقةٌ، فثَلَمَتْ صَفْوَ كَياني.

التعليقات (0)