ما الَّذي مَسَخَهُ كافكا حَقًّا؟
ما هُوَ الأدَبُ؟ ومِن أينَ يَنبُعُ؟ وما الغايَةُ مِنهُ؟ يا لَها مِن أُمورٍ مَظِنَّةٍ لِلشَّكِّ! أضِف إلى هَذِهِ الرّيبَةِ ريبَةً أُخرى حَولَ ما تَقولُهُ أنتَ، لِتَجِدَ نَفسَكَ أمامَ مَسخٍ مُرَوِّعٍ.
فرانز كافكا، «إلى والدي العَزيز».
إذا ما حَكَمنا مِن خِلالِ التَّلَقّي النَّقديِّ، فَإنَّ رِوايَةَ «المَسخ» (Die Verwandlung) لِفرانز كافكا هِيَ الأكثَرُ رُسوخاً في الذّاكِرَةِ والأشَدُّ شُموليَّةً مِن بَينِ كافَّةِ قِصَصِهِ، ومَعَ ذَلِكَ، لَم يَدَّعِ كافكا قَطُّ أيَّ تَفَرُّدٍ خاصٍّ بِها. فَلَم يُسبِغ عَلَيها، عَلى سَبيلِ المِثالِ، تِلكَ الأهَمّيَّةَ الَّتي خَصَّ بِها قِصَّةَ «الحُكم»، وهِيَ عَمَلٌ يُماثِلُ «المَسخ» غَيرَ أنَّهُ يَفوقُهُ عُمقاً ونِطاقاً. فَفي صَبيحَةِ الثّالثِ والعِشرينَ مِن سِبتِمبَر عامَ ١٩١٢، وإثرَ لَيلَةٍ أمضاها في نَسجِ خُيوطِ «الحُكم»، دَوَّنَ كافكا في يَوميّاتِهِ بِنَشوَةٍ غامِرَةٍ: «هَكَذا فَحَسبُ تَتَأتّى الكِتابَةُ، بِهَذا التَّلاحُمِ الأوحَدِ، وبِهَذا التَّفَتُّحِ الكامِلِ لِلجَسَدِ والرّوحِ». بَيدَ أنَّ يَوميّاتِهِ طيلَةَ فَترَةِ كِتابَةِ «المَسخ» - مِنِ السّابِعَ عَشَرَ مِن نوفَمبَر إلى السّابِعِ مِن ديسَمبَر عامَ ١٩١٢ - وحَتّى مَطلَعِ العامِ الجَديدِ، لَم تَشهَد أيَّ تَدوينٍ يُذكَرُ؛ وحينَ عادَ إلَيها في الحادي عَشَرَ مِن فبرايِر عامَ ١٩١٣، كانَ ذَلِكَ لِيُفَسِّرَ قِصَّةَ «الحُكم» لا لِيَتَحَدَّثَ عَن «المَسخ». ولَم تَتَطَرَّقِ اليَوميّاتُ أخيرًا لِلقِصَّةِ الجَديدَةِ إلّا بَعدَ مُضيِّ ما يُقارِبُ العامَ عَلى نَظمِها، بِهَذِهِ العِبارَةِ المُقتَضَبَةِ: «أنا الآنَ أقرَأُ 'المَسخ' في المَنزِلِ، وأجِدُها رَديئَةً».
ولَقَد أُصيبَ كافكا بِخَيبَةِ أمَلٍ بالِغَةٍ مِن خاتِمَةِ القِصَّةِ عَلى وَجهِ الخُصوصِ. فَفي التّاسِعَ عَشَرَ مِن يَنايِر عامَ ١٩١٤، دَوَّنَ: «نُفورٌ عَظيمٌ مِن 'المَسخ'. نِهايَةٌ لا تُقرَأُ»، وعَزا هَذِهِ النِّهايَةَ المُخفِقَةَ إلى رِحلَةِ عَمَلٍ اضطُرَّ لِلقِيامِ بِها في ذُروَةِ انهِماكِهِ في القِصَّةِ. ويَتَجَلّى انزِعاجُهُ ونَدَمُهُ عَلى الِاضطِرارِ لِقَطعِ عَمَلِهِ بِوُضوحٍ في رَسائِلِهِ الَّتي بَعَثَ بِها آنَذاك إلى خَطيبَتِهِ «فيليس باور». وتُفصِحُ هَذِهِ الرَّسائِلُ عَن أمزِجَةِ كافكا إبّانَ صِياغَةِ القِصَّةِ - وهِيَ أمزِجَةٌ سَلبِيَّةٌ في جُلِّها. فَالقِصَّةُ تَنبُثِقُ «في السَّريرِ في قِمَّةِ بؤسي، والآنَ تُزعِجُني [تَخنُقُني بِشِدَّةٍ، داخِلياً بِأقصى دَرَجاتِ الشِّدَّةِ]». وتَلوحُ نَبرَةُ العَمَلِ مَرَّةً أُخرى كـ«يَأسٍ» وكـ«لامُبالاةٍ». وفي الثّالثِ والعِشرينَ مِن نوفَمبَر، يَصِفُ القِصَّةَ بِأنَّها «مُخيفَةٌ بَعضَ الشَّيءِ [مُرعِبَةٌ، فظيعَةٌ]»؛ وبَعدَ يَومٍ، يَصِفُها بِأنَّها «مُنفِّرَةٌ حَدَّ اللّانِهايَةِ». ويَبرُزُ بَصيصٌ مِنَ الِاستِحسانِ والِاهتِمامِ بِـ«المَسخ» في رِسالَةٍ لاحِقَةٍ: «مِنَ المُؤسِفِ أنَّ حُرقتي وهَواجِسي وانشِغالاتي بِأُمورٍ أُخرى قَد تَرَكَت أثَرَها [طُبِعَت] بِوُضوحٍ في بَعضِ مَقاطِعِ القِصَّةِ. أعلَمُ أنَّهُ كانَ بِالإمكانِ صِياغَتُها بِشَكلٍ أنقى [أصفى]؛ وهَذا ما يَبدو جَلياً في المَقاطِعِ الأكثَرِ رِقَّةً [عُذوبَةً]». ولَكِن بِحُلولِ هَذا الوَقتِ، بَدَأ كافكا يَستَشعِرُ أنَّ «المَسخ» لا تَعدو كَونَها قَطيعَةً مُتَزايِدَةً لِكِتابَةِ الرِّوايَةِ غَيرِ المُكتَمِلَةِ الَّتي كانَ مُقَدَّراً لَها أن تُصبِحَ رِوايَةَ «أمريكا». وأخيراً، في صَبيحَةِ السّابِعِ مِن ديسَمبَر، يُفصِحُ عَنِ الشَّكوى الَّتي سَتَتَكَرَّرُ: «لَقَد فَرَغتُ مِن قِصَّتي الصَّغيرَةِ، بَيدَ أنَّ خاتِمَةَ اليَومِ لا تَروقُ لي البَتَّةَ؛ كانَ بِالإمكانِ نَسجُها عَلى نَحوٍ أفضَلَ، لا رَيبَ في ذَلِكَ».
إنَّ شُعورَ كافكا نَفسَهُ تجاهَ «المَسخ» يُلجِئُنا إلى اعتِبارِ العَمَلِ غَيرَ مُكتَمِلٍ في صَميمِهِ. فَالِانقِطاعاتُ الَّتي تَواتَرَت كَثيراً بَعدَ مُنتَصَفِ القِصَّةِ تَميلُ إلى إزاحَةِ ثِقَلِ دَلالَتِها نَحوَ بِدايَتِها. ويَتَعَزَّزُ هَذا الرَّأيُ بِأدِلَّةٍ أُخرى تُثبِتُ ما يُمكِنُ تَسمِيَتُهُ بِالأولَويَّةِ العامَّةِ والأساسِيَّةِ لِلبِدايَةِ في أعمالِ كافكا. والمَرءُ لَيَذكُرُ البِداياتِ الَّتي لا حَصرَ لَها لِقِصَصٍ تَتَناثَرُ في ثَنايا اليَوميّاتِ والدَّفاتِرِ، تَنبُثِقُ فَجأَةً وتَتَلاشى بِذاتِ السُّرعَةِ، مُخَلِّفَةً الهَياكِلَ الجَدَلِيَّةَ اللّامُتَناهيَةَ الَّتي تَنطَوي عَلَيها دونَما نَماءٍ. وفي السّادِسَ عَشَرَ مِن أُكتوبَر عامَ ١٩٢١، استَحضَرَ كافكا صَراحَةً «بُؤسَ الِاضطِرارِ الدّائِمِ لِلبَدءِ، وافتِقارَ وَهمِ أنَّ أيَّ شَيءٍ يَفوقُ البِدايَةَ، أو حَتّى يُعَادِلُها». وبِحَسَبِ ديتر هاسلبلات، فَإنَّ نَثرَ كافكا «في حالَةِ فِرارٍ مِنَ البِدايَةِ، لا يَسعى حَثيثاً نَحوَ النِّهايَةِ: فِرارٌ مِنَ البِدايَةِ، ولَيسَ حَتماً نَحوَ النِّهايَةِ. ولَمّا كانَ يَستَمِدُّ زَخمَ مَسيرِهِ مِمّا هُوَ مَعروضٌ أو حاضِرٌ لِلتَّوِّ عِندَ المَطلَعِ، فَإنَّهُ يَستَعصي عَلى الِاكتِمالِ. النِّهايَةُ، الخاتِمَةُ، لا قيمَةَ لَها مُقارَنَةً بِمَوقِفِ الِافتِتاحِ».
وَيَبدو أنَّنا مُساقونَ، بِموجِبِ هَذِهِ الِاعتِباراتِ التَّجريبيَّةِ والنَّظَريَّةِ، إلى صِياغَةِ المُعضِلَةِ الكُبرى في «المَسخ» كَمُعضِلَةِ مَغزى بِدايَتِها. ما هُوَ القَصدُ الجَوهَريُّ الَّذي يَستَلهِمُ الجُملَةَ الِافتِتاحيَّةَ: «حينَ أفاقَ غريغور سامسا ذاتَ صَباحٍ مِن أحلامٍ مُقلِقَةٍ، وَجَدَ نَفسَهُ في سَريرِهِ قَدِ استَحالَ إلى حَشَرَةٍ هائِلَةٍ»؟ وسَنَفعَلُ حَسَناً إن أبقَينا في جَأشِنا، بِعِبارَةِ إدوارد سعيد، «هُويَّةَ [البِدايَةِ] كَنُقطَةِ انطِلاقٍ جِذريَّةٍ؛ جانِبُها اللّامُتَعَدّي والمَفاهيميُّ، ذَلِكَ الَّذي لا غايَةَ لَهُ سِوى وُضوحِهِ الدّائِمِ». إنَّ شَطراً كَبيراً مِن حَدَثِ «المَسخ» يَتَمَثَّلُ في سَعيِ كافكا لِاستيعابِ بِدايَتِهِ.
يَروي المَطلَعُ تَحَوُّلَ امرِئٍ إلى حَشَرَةٍ هائِلَةٍ مُرعِبَةٍ؛ وفي خِضَمِّ ذَلِكَ، يَبدو أنَّهُ يُنجِزُ تَغَيُّراً آخَرَ: فَهُوَ يَمسَخُ صورَةً مَألوفَةً مِن صُوَرِ الكَلامِ. ويَنبُثِقُ هَذا التَّحَوُّلُ الثّاني في ضَوءِ الفَرَضيَّةِ الَّتي طَرَحَها غونتر أندرس عامَ ١٩٤٧: «إنَّ مُنطَلَقَ كافكا الأوحَدَ هُوَ... اللُّغَةُ المَألوفَةُ... وبِمَعنىً أدَقَّ: إنَّهُ يَستَقي مِنَ المَوارِدِ المُتاحَةِ، الطَّبيعَةِ التَّصويريَّةِ (Bildcharakter)، لِلُّغَةِ. إنَّهُ يَأخُذُ الِاستِعاراتِ عَلى ظاهِرِها. عَلى سَبيلِ المِثالِ: لِأنَّ غريغور سامسا يَتوقُ لِلعَيشِ كَفَنّانٍ (أي كَـ Lufimensch مَن يَعيشُ عَلى الهَواءِ، مُتَسامِياً وحُرّاً مُحَلِّقاً)، فَإنَّهُ في عَينِ العالَمِ الرَّصينِ والكادِحِ 'حَشَرَةٌ قَذِرَةٌ' (dreckiger Käfer): ولِذا يُفيقُ في 'المَسخ' كَخُنفُساءَ غايَةُ سَعادَتِها أن تَلتَصِقَ بِالسَّقفِ». وبِالنِّسبَةِ لِأندرس، فَإنَّ «المَسخ» تَتَأصَّلُ في تَحَوُّلِ استِعارَةٍ مَألوفَةٍ إلى كائِنٍ خَياليٍّ يَحمِلُ الصِّفاتِ الحَرفيَّةَ لِهَذِهِ الصّورَةِ. وتَتَطَوَّرُ القِصَّةُ فيما تُجَسَّدُ جَوانِبُ الِاستِعارَةِ في أدَقِّ التَّفاصيلِ. وتَستَنِدُ أدِلَّةُ أندرس عَلى هَذِهِ الرُّؤيَةِ جُزئِياً إلى فَهمِهِ الشّامِلِ لِكافكا: «إنَّ ما يَصِفُهُ كافكا هُوَ... أشيَاءُ مَوجودَةٌ، العالَمُ، كَما يَتَبَدّى لِلغَريبِ (أي غَريباً)». ثُمَّ يَسوقُ أندرس أمثِلَةً لِصُوَرٍ مِنَ الكَلامِ اليَوميِّ الَّذي، إذا ما أُخِذَ عَلى حَرفِيَّتِهِ، يُلهِمُ قِصَصاً ومَشاهِدَ في أدَبِ كافكا. «تَقولُ اللُّغَةُ: 'أن تُكابِدَ ذَلِكَ بِجَسَدِكَ' حينَ تَرومُ التَّعبيرَ عَن واقِعِ التَّجرِبَةِ. وهَذا هُوَ جَوهَرُ رِوايَةِ كافكا 'في مُستَوطَنَةِ العِقاب'، حَيثُ لا يُنقَلُ الحُكمُ إلى المُجرِمِ شَفَهياً، إنّما يُنقَشُ عَلى جَسَدِهِ بِإبرَةٍ».
ولَقَد تَبَنّى والتر سوكل فَرَضيَّةَ أندرس في دِراساتِهِ حَولَ «المَسخ». فَفِكرَةُ «الِاستِعارَةِ المُمتَدَّةِ»، الَّتي يَراها سوكل في مَقالٍ مُبَكِّرٍ «مُهِمَّةً» و«مُثيرَةً لِلاهتِمامِ» وإن كانَت «قاصِرَةً كَتَفسيرٍ كُلّيٍّ لـ'المَسخ'»، تَنبُثِقُ مُجَدَّداً في كِتابِهِ «الكاتِبُ في طَورِ الِاحتِضار» كَمُحَدِّدٍ حاسِمٍ لِلتَّعبيِريَّةِ: «لَقَدِ استَحالَ غريغور سامسا إلى استِعارَةٍ تُعَبِّرُ عَن جَوهَرِهِ، وهَذِهِ الِاستِعارَةُ بِدَورِها تُعامَلُ كَواقِعَةٍ فِعليَّةٍ. فَسامسا لا يَنعَتُ نَفسَهُ بِالصُّرصورِ؛ بَل يُفيقُ لِيَجِدَ نَفسَهُ كَذَلِكَ». ويُعَرَّفُ النَّثرُ التَّعبيريُّ، في نَظَرِ سوكل، بِدِقَّةٍ مِن خِلالِ هَذِهِ «الِاستِعاراتِ المُمتَدَّةِ، التَّجَلّياتِ الِاستِعاريَّةِ لِحالاتٍ وِجدانيَّةٍ، المُنتَزَعَةِ مِن أيِّ سياقٍ تَفسيريٍّ». وفي كِتابِ «فرانز كافكا: المَأساةُ والمُفارَقَةُ»، يُشَدِّدُ عَلى الطّابَعِ الواقِعيِّ لِلِاستِعارَةِ الكافكاويَّةِ: «في أدَبِ كافكا، كَما في الحُلمِ، الرَّمزُ هُوَ الواقِعُ... عالَمٌ مِنَ الدَّلالَةِ المَحضَةِ، مِنَ التَّعبيرِ المُجَرَّدِ، يُصَوَّرُ بِشَكلٍ خادِعٍ كَسِلسِلَةٍ مِنَ الوَقائِعِ التَّجريبيَّةِ». وأخيراً، في كِتابِهِ «فرانز كافكا»، يَطَرحُ سوكل الصّيغَةَ الأكثَرَ عُمقاً لِفَهمِهِ لِحَرفيَّةِ الِاستِعارَةِ عِندَ كافكا:
يُطلِقُ الِاستِخدامُ الألَمانيُّ مُصطَلَحَ 'Ungeziefer' (الحَشَرات، الهَوام) عَلى الأشخاصِ الَّذينَ يُعَدُّونَ وُضَعاءَ ومُحتَقَرينَ، تَماماً كَما يَصِفُ استِخدامُنا لِكَلِمَةِ 'صُرصور' شَخصاً يُعتَبَرُ جَباناً ومُخِزياً. فالبائِعُ المُتَجَوِّلُ غريغور سامسا، في 'مَسخ' كافكا، 'كصُرصورٍ' بِسَبَبِ سُلوكِهِ الخانِعِ وذَليلِهِ وأُمنِياتِهِ الطُّفَيليَّةِ. غَيرَ أنَّ كافكا يُسقِطُ كَلِمَةَ 'كـَ' ويَجعَلُ الِاستِعارَةَ واقِعاً حينَ يُفيقُ غريغور سامسا لِيَجِدَ نَفسَهُ قَد تَحَوَّلَ إلى حَشَرَةٍ عِملاقَةٍ. وبِهَذا المَسخِ، يَعكِسُ كافكا فِعلَ المَسخِ الأصليِّ الَّذي يُجريِهِ الفِكرُ حينَ يَصوغُ الِاستِعارَةَ؛ إذ إنَّ الِاستِعارَةَ هِيَ دَوماً 'مَسخٌ'. يُعيدُ كافكا مَسخَ الِاستِعارَةِ إلى واقِعِهِ الخَياليِّ، ويُصبِحُ هَذا المَسخُ المُضادُّ هُوَ نُقطَةَ الِانطِلاقِ لِقِصَّتِهِ.
تَنطَوي سِلسِلَةُ تَأمُّلاتِ سوكل في فَرَضيَّةِ أندرس عَلى تَبَدُّلٍ مُهِمٍّ في التَّركيزِ. فَفي البِدايَةِ، يُستَشعَرُ أنَّ قُوَّةَ «المَسخ» تَكمُنُ في اختِيارِ وتَمديدِ (تَجسيدِ) الِاستِعارَةِ القَويَّةِ. ولِدَعمِ وِجهَةِ نَظَرِهِ، يَستَشهِدُ سوكل بِما ذَكَرَهُ جوهانس أورزيديل عَن حِوارٍ جَمَعَهُ بِكافكا: «قالَ لي كافكا مَرَّةً: 'أن تَكونَ شاعِراً يَعني أن تَكونَ قَوِيّاً في الِاستِعاراتِ. لَقَد كانَ أعظَمُ الشُّعَراءِ دَوماً هُمُ الأكثَرَ استِعارَةً. هُم أُولَئِكَ الَّذينَ أدرَكوا الِاهتِمامَ المُشتَرَكَ العَميقَ، بَل حَتّى هُويَّةَ الأشياءِ الَّتي لَم يُلاحِظ أحَدٌ مِن قَبلُ أدنى صِلَةٍ بَينَها. إنَّ نِطاقَ الِاستِعارَةِ ومَداها هُوَ ما يَصنَعُ الشّاعِرَ'». بَيدَ أنَّ سوكل في عَمَلِهِ اللّاحِقِ لا يَرى مَنشَأَ «شِعريَّةِ» كافكا في مَسخِ الواقِعِ الَّذي تُنجِزُهُ الِاستِعارَةُ، بَل في «المَسخِ المُضادِّ» الَّذي يُنجَزُ عَن طَريقِ تَحويلِ الِاستِعارَةِ. فَـ«استِحواذُ» كافكا عَلى الصُّوَرِ مِنَ الكَلامِ العاديِّ يُؤَدّي مَهمَّةَ استِعارَةٍ ثانيَةٍ (أن ينقُل = metaphero) - وهِيَ مَهمَّةٌ تُختَتَمُ بِالتَّحويلِ الحَرفيِّ ومِن ثَمَّ مَسخِ الِاستِعارَةِ. وما إن تُطرحُ هَذِهِ النُّقطَةُ، حَتّى تَتَكَشَّفَ الأهَمّيَّةُ الحَقيقيَّةُ لِمُلاحَظاتِ كافكا لِأورزيديل مِن خِلالِ مُفارَقَتِها. فَبوَصفِهِ لِلشّاعِرِ بِأنَّهُ «قَوِيٌّ في الِاستِعاراتِ»، إنَّما يَصِفُ كُتّاباً غَيرَهُ؛ لِأنَّهُ هُوَ الكاتِبُ بِامتِيازٍ الَّذي أدرَكَ في اللُّغَةِ الِاستِعاريَّةِ عَقَبَةً كَأداءَ في وَجهِ مَشروعِهِ.
ويَبتَدِئُ نَقدُ كافكا لِلِاستِعارَةِ مُبَكِّراً، في قِصَّتِهِ الخَياليَّةِ الَّتي تَسري كَطَيفِ حُلمٍ «وَصفُ مَعرَكَةٍ» (١٩٠٤-١٩٠٥). حَيثُ يُوَجِّهُ الرّاوي بِضَميرِ المُتَكَلِّمِ خِطابَهُ لِلمُستَجدي - وهُوَ قِناعٌ آخَرُ لِلمُؤَلِّفِ - بِصَرامَةٍ مُبالَغٍ فيها:
الآنَ أُدرِكُ، أَيّمُ اللهِ، أنّي حَزَرتُ مُنذُ البِدايَةِ الحالَ الَّتي أنتَ عَلَيها. ألَيسَ هَذا أشَبَهَ بِحُمّىً، أو دُوارِ بَحرٍ عَلى اليابِسَةِ، أو ضَربٍ مِنَ الجُذامِ؟ ألا تَستَشعِرُ أنَّ هَذِهِ الحُمّى ذاتَها هِيَ ما يَحولُ دونَ أن تَقرَّ عَينُكَ بِالأسماءِ 'الحَقيقِيَّةِ' (wahrhafiigen) لِلأشياءِ، وأنَّكَ الآنَ، في عَجَلَتِكَ المَحْمُومَةِ، تَرشُقُها بِأيِّ أسماءٍ 'عابِرَةٍ' (zufollige)؟ لا يُمكِنُكَ أن تَفعَلَ ذَلِكَ بِالسُّرعَةِ الكافيَةِ. بَيدَ أنَّكَ ما إن تَفِرَّ مِنها حَتّى تَنسى الأسماءَ الَّتي أطلَقتَها عَلَيها. فَالشَّجَرَةُ في الحُقولِ، الَّتي أسَمَيتَها 'بُرجَ بابِلَ' لِأنَّكَ أبَيتَ أن تَعرِفَ أنَّها شَجَرَةٌ، تَتمايَلُ مُجَدَّداً بِلا اسمٍ، لِذا يُحَتَّمُ عَلَيكَ أن تُسَمّيَها 'نوحٌ في أقداحِهِ'.
يَقَعُ عِبءُ هَذِهِ الِاتِّهاماتِ عَلى الشَّخصيَّةِ الَّتي لا تَستَسيغُ الأسماءَ «الحَقيقِيَّةَ» لِلأشياءِ، فَتَعمَدُ إلى إحلالِ الِاستِعاراتِ مَحَلَّها. وصَنيعُهُ هَذا تَحَكُّميٌّ مِن وَجهَينِ. أوَّلاً، الباعِثُ الَّذي يَحُثُّهُ عَلى إعادَةِ تَسمِيَةِ الأشياءِ - أيِ الفِعلُ الَّذي يُوَلِّدُ الصُّوَرَ - هُوَ باعِثٌ تَحَكُّميٌّ. فاستِعاراتُهُ نِتاجٌ عَرَضيٌّ لِحُمّىً؛ أو أسوأُ مِن ذَلِكَ، هِيَ تَنبُثِقُ عَن سوءِ طَوِيَّةٍ مُتَعَمَّدٍ، وعَن رَفضٍ لِقَبولِ الرّابِطَةِ العُرفيَّةِ بَينَ الكَلِمَةِ والشَّيءِ. ثانِياً، لَيسَت أيٌّ مِن استِعاراتِهِ بِصالِحَةٍ، ولا واحِدَةٌ مِنها تُخَلِّفُ أثَراً باقِياً.
ولَكِنَّ ما يُثيرُ الدَّهشَةَ أيضاً في هَذا النَّصِّ هُوَ نَقدُهُ لِلأسماءِ «العاديَّةِ» والتَّصويريَّةِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ. فَبِسُخريَةِ المُبالَغَةِ، يَصِفُ المُتَحَدِّثُ المُتَّهِمُ الرّابِطَةَ العُرفيَّةَ بَينَ الِاسمِ والشَّيءِ بِأنَّها «حَقيقِيَّةٌ»، عَلى الرَّغمِ مِن أنَّهُ لا يَبدو مالِكاً لِأَيِّ أسماءٍ حَقيقِيَّةٍ كَهَذِهِ لِتَوصيفِ عِلَّةِ المُستَجدي. إذ يُكابِدُ المُتَحَدِّثُ نَفسَهُ الضَّرورَةَ البائِسَةَ لِتَسمِيَةِ الأشياءِ بِسِلسِلَةٍ مِن أيِّ استِعاراتٍ «عابِرَةٍ» - كـ«حُمّى»، و«دُوارِ بَحرٍ عَلى اليابِسَةِ»، و«ضَربٍ مِنَ الجُذامِ». ولِأنَّ اللُّغَةَ - كَما يَقولُ دريدا - «استِعاريَّةٌ في صَميمِها»، تُشيرُ، بِتَعبيرِ هايدغر، إلى «الدَّلالاتِ الَّتي تَنمو إلَيها الكَلِماتُ» كَدَلالاتٍ كَامِنَةٍ في الكَلِماتِ نَفسِها، فَإنَّ نَقدَ الِاستِعارَةِ يَؤُولُ مَنطِقياً إلى نَقدِ التَّسمِيَةِ. فَلا سَبيلَ إلى تَحديدِ الفَرقِ الدَّقيقِ بَينَ الأسماءِ العاديَّةِ والأسماءِ التَّصويريَّةِ. ومُتَحَدِّثُ كافكا، مَعَ أنَّهُ لا يَرى طائِلًا في استِبدالِ الأسماءِ بِصُوَرِ اللُّغَةِ الشِّعريَّةِ، يَعجِزُ في الوَقتِ ذاتِهِ عَن إنجازِ التَّسمِيَةِ إلّا بِرَبطِ الِاستِعاراتِ. فَالِاستِعاراتُ تُزَيِّفُ، وهِيَ كَذَلِكَ تَغزو الأسماءَ «الحَقيقِيَّةَ».
وفي تَدوينَةٍ في يَوميّاتِهِ بِتاريخِ السّابِعِ والعِشرينَ مِن ديسَمبَر ١٩١١، سَجَّلَ كافكا يَأسَهُ مِن مُحاوَلَةٍ بِعَينِها لِصِياغَةِ استِعارَةٍ. «تُدَسُّ فَرَضيَّةٌ مُتَهافِتَةٌ كَلَوحٍ خَشَبيٍّ بَينَ الشُّعورِ الفِعليِّ واستِعارَةِ الوَصفِ». كانَ كافكا قَدِ استَهَلَّ هَذِهِ التَّدوينَةَ بِثِقَةٍ، مُدَّعِياً العُثورَ عَلى صورَةٍ تُماثِلُ عاطِفَةً أخلاقيَّةً. «يُمكِنُ تَصويرُ شُعوري حينَ أكتُبُ شَيئاً خاطِئاً عَلى النَّحوِ التّالي»: يَقِفُ رَجُلٌ أمامَ حُفرَتَينِ في الأرضِ، إحداهُما ذاتَ اليَمينِ والأُخرى ذاتَ الشِّمالِ؛ ويَنتَظِرُ شَيئاً لا يُمكِنُ أن يَنبُثِقَ إلّا مِنَ الحُفرَةِ اليُمنى. بَدَلاً مِن ذَلِكَ، تَتَصاعَدُ أطيافٌ، واحِداً تِلوَ الآخَرِ، مِنَ الشِّمالِ؛ تُحاوِلُ جَذبَ انتِباهِهِ وتُفلِحُ في النِّهايَةِ حَتّى في حَجبِ الحُفرَةِ اليُمنى. في هَذِهِ المَرحَلَةِ مِنَ البِناءِ، تَطغى الماديَّةُ عَلى الصّورَةِ؛ ولَكِن مَعَ تَطَوُّرِها، يَتَطَوَّرُ أيضاً دَورُ المُتَفَرِّجِ، الَّذي يُبَدِّدُ هَذِهِ الأطيافَ صُعوداً وفي كافَّةِ الِاتِّجاهاتِ عَلى أمَلِ «أنَّهُ بَعدَ استِنفادِ الأطيافِ الزّائِفَةِ، سَيَظهَرُ الحَقيقيُّ أخيرًا». ولَكِن تَحديداً عِندَ نُقطَةِ استِحضارِ «الأطيافِ الصّادِقَةِ»، يَستَشعِرُ صانِعُ الِاستِعارَةِ بِأقصى دَرَجاتِ النَّقدِ قُصورَ هَذِهِ اللُّغَةِ التَّصويريَّةِ: «ما أضعَفَ هَذِهِ الصّورَةَ». ويَختَتِمُ بِالشَّكوى مِن أنَّهُ لا يوجَدُ تَرابُطٌ حَقيقيٌّ بَينَ مَشاعِرِهِ واللُّغَةِ التَّصويريَّةِ (رَغمَ أنَّهُ لا يَستَطيعُ بِالطَّبعِ البَوحَ بِذَلِكَ دونَ اللُّجوءِ إلى صورَةٍ بَلاغِيَّةٍ). إنَّ ما يُمَثِّلُ الحَجَرَ الأساسَ هَهُنا هُوَ أنَّ صورَةً ماديَّةً في جَوهَرِها قَد أخفَقَت في تَجليَةِ عاطِفَةِ الكِتابَةِ؛ وعَلى الرَّغمِ مِن إحلالِ أُخرى مَحَلَّها تُدخِلُ وَعيَ المُراقِبِ، فَإنَّهُ لا وُجودَ أيضاً لِصِلَةٍ حَقيقِيَّةٍ بَينَ العاطِفَةِ الأخلاقيَّةِ لِلكِتابَةِ وفِعلِ الإدراكِ. فَإذا كانَ الكاتِبُ يَستَصعِبُ صِياغَةَ استِعاراتٍ لِـ«شُعورٍ بِالزَّيفِ»، فَكَم تَكونُ المَشَقَّةُ أعظَمَ في صِياغَةِ صُوَرٍ لِمَشاعِرَ حَقيقِيَّةٍ، صُوَرٍ تُشبِعُ الرَّغبَةَ في «أن أكتُبَ كُلَّ قَلَقي إلى خارِجي تَماماً، أن أكتُبَهُ في أعماقِ الوَرَقِ تَماماً كَما يَخرُجُ مِن أعماقي، أو أن أكتُبَهُ بِطَريقَةٍ تُمَكِّنُني مِنَ امتِصاصِ ما كَتَبتُهُ إلى داخِلي بالكامِلِ».
يَتَنامى إدراكُ كافكا لِقُيودِ اللُّغَةِ التَّصويريَّةِ ومَحدوديَّتِها. فَذَلِكَ التَّوقُ لِتَجليَةِ حالَةٍ وِجدانيَّةٍ في اللُّغَةِ مُباشَرَةً - في قالَبٍ يَتَماهى مَعَ ذَلِكَ الوِجدانِ جَوهَراً - ومِن ثَمَّ ابتِداعُ رُموزٍ، يَظَلُّ تَوْقاً عَصِيّاً عَلى الإشباعِ. «فَكُلُّ ما يَقعُ خارِجَ العالَمِ المَحسوسِ، لا يُمكِنُ لِلُّغَةِ أن تَتَناوَلَهُ إلّا لَمحاً، كَإشارَةٍ (andeutungsweise)، أمّا المُقاربَةُ عَلى سَبيلِ التَّشبيهِ فَمُمتَنِعَةٌ حَتّى التَّقريبِ، كَتَشبيهٍ (vergleichsweise)، لِأنَّ اللُّغَةَ، لارتباطها بِالعالَمِ المَحسوسِ، لا تَعنى إلّا بِالمِلكيَّةِ وعَلائِقِها». بَيدَ أنَّ اللُّغَةَ، مَهما حاوَلَتِ الِاختِزالَ في ظائِفَتِها الإشاريَّةِ، تَظَلُّ أسيرَةَ الِاستِعارَةِ، ومُرتَهِنَةً بِتَطويرِ الحالاتِ الوِجدانيَّةِ عَبرَ نَظائِرَ ماديَّةٍ. وفي السّادِسِ مِن ديسَمبَر عامَ ١٩٢١، خَطَّ كافكا: «الِاستِعاراتُ واحِدَةٌ مِن أُمورٍ عِدَّةٍ تُورِثُني اليَأسَ مِنَ الكِتابَةِ. ذَلِكَ الِافتِقارُ لِلِاستِقلاليَّةِ الَّذي تَعانيهِ الكِتابَةُ إزاءَ العالَمِ، ارتِهانُها بِالخادِمَةِ الَّتي توقِدُ النّارَ، بِالقِطَّةِ الَّتي تَستَدفِئُ بِالمَوقِدِ؛ بَل إنَّها مُرتَهِنَةٌ حَتّى بِالإنسانِ العَجوزِ البائِسِ الَّذي يَستَدفِئُ بِالمَوقِدِ. كُلُّ هَذِهِ أنشِطَةٌ مُستَقِلَّةٌ تَحكُمُها قَوانينُها الخاصَّةُ؛ وَحدَها الكِتابَةُ عَجّازَةٌ، لا قِوامَ لَها في ذاتِها، إنَّها مَحضُ دُعابَةٍ ويَأسٍ». والواقِعُ أنَّ التَّساؤُلَ يَبرُزُ حَولَ الحَقيقَةِ الَّتي يُمكِنُ أن تَنطَويَ عَلَيها لُغَةٌ صُمِّمَت بِقَصدٍ لِتَكونَ غَيرَ رَمزيَّةٍ - وبِتَعبيرِ كافكا، «إشاريَّةً». فالحِكايَةُ الرَّمزيَّةُ تَستَخدِمُ اللُّغَةَ إشارِيّاً، لَكِنَّ كافكا يَكتُبُ في أُقصوصَتِهِ البَليغَةِ «عَنِ الأمثالِ»: «كُلُّ هَذِهِ الأمثالِ لا تَرمي في حَقيقَةِ الأمرِ إلّا لِلقَولِ بِأنَّ ما لا يُدرَكُ لا يُدرَكُ، وهَذا أمرٌ نَعرِفُهُ سَلَفاً». وفي هَذِهِ المَرحَلَةِ، يَتَجَلّى بوضوحٍ الطّابَعُ الإشكاليُّ الجَذريُّ لِلمَشروعِ الأدَبيِّ. إنَّ اليَأسَ المُتَنامي في نَقدِ كافكا لِلُّغَةِ الِاستِعاريَّةِ يُفضي إلى نَتيجَةٍ - بِعِبارَةِ موريس بلانشو - مَفادُها أنَّهُ في هَذِهِ الحُقبَةِ مِن حَياةِ كافكا، «مُتَطَلَّبُ حَقيقَةِ هَذا العالَمِ الآخَرِ [عالَمِ الباطِنِ الخالِصِ المُوَجَّهِ نَحوَ الخَلاصِ] يَتَجاوَزُ مُنذُ الآنَ في عَينَيهِ مُتَطَلَّبَ العَمَلِ الفَنّيِّ». هَذا المَوقِفُ لا يوحي بِالتَّخَلّي عَنِ الكِتابَةِ، بَل بِأصفى إدراكٍ مُمكِنٍ لِحُدودِها وقُصورِها، وهُوَ إدراكٌ يَنبُثِقُ مِن خِلالِ حَيرَةِ كافكا أمامَ الِاستِعارَةِ في العَمَلِ الفَنّيِّ ويَأسِهِ مِنَ الفَكاكِ مِنها.
يَستَقي «المَسخُ المُضادُّ» الَّذي يُجريِهِ كافكا عَلى الِاستِعارَةِ في رِوايَتِهِ دافِعَهُ مِن مَأخَذِهِ الجَوهَريِّ عَلَيها. وتَتَحَقَّقُ غايَتُهُ - كَما يَطرَحُ أندرس وسوكل - عَبرَ تَحويلِ الِاستِعارَةِ إلى حَقيقَةٍ حَرفيَّةٍ. ولَكِن هَل هَذا الطَّرحُ صائِبٌ؟ وما المَعنى الدَّقيقُ لِتَحويلِ استِعارَةٍ إلى حَقيقَةٍ حَرفيَّةٍ؟ تُشيرُ الِاستِعارَةُ إلى شَيءٍ (أ) عَلى أنَّهُ شَيءٌ (ب) - أي شَيءٌ في صورَةِ شَيءٍ لا يُماثِلُهُ جَوهَراً. فَحينَ نَنعَتُ شَخصاً بِأنَّهُ حَشَرَةٌ طُفَيليَّةٌ، نَحنُ نَخَلَعُ عَلى حِساسيَّةٍ أخلاقيَّةٍ صِفَةَ شَيءٍ يُغايِرُها، نُحيلُها إلى إحساسٍ ماديٍّ - يَتَعَقَّدُ، بِلا رَيبٍ، بِجَوِّ النُّفورِ الَّذي يَستَثيرُهُ هَذا الإحساسُ. ومُتَّفِقاً مَعَ آي. إيه. ريتشاردز، سَأُطلِقُ عَلى المَقصودِ بِالِاستِعارَةِ (أ) اسمَ «المُستَعارِ لَهُ»، وهُوَ الشَّيءُ المُشارُ إلَيهِ، المُحتَجَبُ، والمُستَبدَلُ، ولَكِنَّهُ يَتَحَدَّدُ مِن خِلالِ سِياقِ الصّورَةِ؛ وأُطلِقُ عَلى أداةِ النَّقلِ، أيِ الِاستِعارَةِ نَفسِها، (ب)، وهِيَ الشَّيءُ الَّذي يُشارُ بِهِ إلى «المُستَعارِ لَهُ». غَيرَ أنَّنا إنِ انتَزَعنا الِاستِعارَةَ مِن سِياقِها، إن أخَذناها عَلى مَحْمَلِ الحَرفيَّةِ، فَإنَّها لا تَعودُ تَعمَلُ كَأداةِ نَقلٍ بَل كَاسمٍ، يُحيلُنا إلى (ب) كَتَجريدٍ أو كَكِيانٍ في العالَمِ. والأدَهى مِن ذَلِكَ، أنَّهُ يُحيلُنا إلى (ب) بِكامِلِ خَصائِصِهِ، لا كَما تَفعَلُ أداةُ النَّقلِ الَّتي تُحيلُنا فَحَسبُ إلى تِلكَ الخَصائِصِ في (ب) الَّتي يُمكِنُ إسباغُها عَلى (أ).
يُفضي بِنا هَذا التَّحليلُ إلى النَّتيجَةِ المُدَمِّرَةِ والمُتَناقِضَةِ لِـ«أخذِ الِاستِعارَةِ عَلى مَحْمَلِ الحَرفيَّةِ»، بافتِراضِ إمكانيَّةِ ذَلِكَ. فَحينَ نَقرَأُ الصّورَةَ قِراءَةً حَرفيَّةً، نَنتَقِلُ إلى (ب) كَكِيانٍ شامِلٍ في العالَمِ؛ بَيدَ أنَّنا حينَ نَقرَأُها قِراءَةً استِعاريَّةً، نَنتَقِلُ إلى (ب) فَحَسبُ بوصفهِ مُسنَداً لِـ(أ). ومَعَ استِمرارِ عَمَليَّةِ التَّحويلِ الحَرفيِّ، وبَينَما نَسعى لِاستِشعارِ المَزيدِ والمَزيدِ مِنَ الخَصائِصِ في (ب) الَّتي يُمكِنُ أن تَتَوافَقَ مَعَ (أ)، فَإنَّنا في الواقِعِ نَمسَخُ (أ). ولَكِن لِكَي نُحافِظَ عَلى الِاستِعارَةِ ونُبقي (أ) و(ب) مُتَبايِنَينِ، يَجِبُ أن نَتَوَقَّفَ قَبلَ أن يَكتَمِلَ المَسخُ. فَإذا كانَ المُستَعارُ لَهُ الآنَ - كَما هُوَ الحالُ في «المَسخ» - وَعياً بَشَرياً، فَإنَّ التَّحويلَ الحَرفيَّ المُتَزايِدَ لِأداةِ النَّقلِ يُحيلُ المُستَعارَ لَهُ إلى مَسخٍ مُرعِبٍ.
هَذا التَّوَلُّدُ لِلمُسوخِ يَحدُثُ بِمَعزِلٍ عَن طَبيعَةِ أداةِ النَّقلِ. فَالقَصدُ الرّامي إلى التَّحويلِ الحَرفيِّ لِاستِعارَةٍ تَربِطُ بَينَ وَعيٍ بَشَريٍّ وإحساسٍ ماديٍّ يُوَلِّدُ مَسخاً في كُلِّ حالَةٍ، سَواءٌ كانَت أداةُ النَّقلِ بَغيضَةً أم لا، وسَواءٌ بَدَأنا باستِعارَةِ «قَملَةٍ» أو رَجُلٍ هُوَ «جَوهَرَةٌ» أو «صَخرَةٌ». ومِن هُنا يَتَبَيَّنُ أنَّ أندرس لَم يُصِب في افتِراضِهِ أنَّ التَّحويلَ الحَرفيَّ لِلِاستِعارَةِ قَد تَحَقَّقَ فِعلاً في «المَسخ»؛ فَلَو كانَ الأمرُ كَذَلِكَ، لَما كانَ لَدَينا مَسخٌ مُبهَمٌ، بَل مُجَرَّدُ حَشَرَةٍ. وفي الواقِعِ، فَإنَّ التَّبَدُّلَ المُتَواصِلَ لِجَسَدِ غريغور يوحي بِمَسخٍ مُستَمِرٍّ، بِسَيرورَةِ تَحويلٍ حَرفيٍّ في وُجهاتٍ شَتّى، ولَيسَ بِنِهايَةِ المَطافِ. ولا تَبدو صِياغَةُ سوكل المُبَكِّرَةُ قابِلَةً لِلدِّفاعِ: فَالِاستِعارَةُ لا تُعامَلُ «كَواقِعَةٍ فِعليَّةٍ». فَالخادِمَةُ الغَريبَةُ وَحدَها هِيَ مَن تَمنَحُ غريغور الهُويَّةَ الواقِعيَّةَ الحَشَريَّةَ «لِخُنفُساءِ رَوثٍ»، ولَكِن تَحديداً «عَلى صِيَغِ الخِطابِ هَذِهِ لَم يَكُن غريغور لِيُجيبَ». فَالخادِمَةُ لا تَفقَهُ أنَّ مَسخاً قَد وَقَعَ، وأنَّهُ في ثَنايا هَذا القالَبِ الحَشَريِّ يَستَتِرُ وَعيٌ بَشَريٌّ - وَعيٌ يَتَعالى في بَعضِ الأحيانِ عَلى الوَعيِ المَألوفِ لِغريغور سامسا. ويَتَضِحُ إذن أنَّ التَّحَوُّلَ في دارِ سامسا مِن إنسانٍ إلى حَشَرَةٍ مُقلِقٌ ومُرَوِّعٌ لَيسَ فَحَسبُ لِأنَّ الحَشَراتِ مُنفِّرَةٌ، أو لِأنَّ التَّصويرَ الحَيَّ لِـ«قَملَةٍ» بَشَريَّةٍ مُزعِجٌ، بَل لِأنَّ التَّقاطُعَ المُبهَمَ والمُتَمَوِّجَ بَينَ مُستَعارٍ لَهُ بَشَريٍّ وأداةِ نَقلٍ ماديَّةٍ هُوَ بِحَدِّ ذاتِهِ مُقلِقٌ. فَغريغور في لَحظَةٍ ما هُوَ خَلاصَةُ النَّشوَةِ، وفي أُخرى يَكادُ يَكونُ خُنفُساءَ رَوثٍ خالِصَةً، تَارَةً يُبدي سِماتٍ بَشَريَّةً فجَّةً، وتارَةً أُخرى يَلوحُ كَحَشَرَةٍ خَفيفَةٍ كَالهَواءِ. ومِن خِلالِ التَّبَدُّلِ المُتَواصِلِ في العَلاقَةِ بَينَ عَقلِ غريغور وجَسَدِهِ، يُحَطِّمُ كافكا الوَحدَةَ المُفتَرَضَةَ بَينَ المُستَعارِ لَهُ المِثاليِّ وأداةِ النَّقلِ الجَسَديَّةِ داخِلَ الِاستِعارَةِ. وهَذا التَّحطيمُ لا بُدَّ أن يُزعِجَ الإدراكَ السّليمَ، الَّذي يُعَرِّفُ نَفسَهُ مِن خِلالِ مِثلِ هَذِهِ العَلائِقِ «الحَقيقِيَّةِ»، مِن خِلالِ تِلكَ التَّأكيداتِ الفِطريَّةِ لِلنَّظائِرِ بَينَ الوَعيِ والمادَّةِ، ومِن ثَمَّ يُخفي مَعرِفَتَهُ بِغَرابَتِهِ. إنَّ التَّسويغَ الأنطولوجيَّ لِتَأكيدِ النَّظائِرِ مَفقودٌ عِندَ كافكا، الَّذي يُحافِظُ عَلى أشَدِّ أشكالِ الِانفِصالِ صَرامَةً بَينَ نارِ الرّوحِ و«رِجسِ» العالَمِ: «إنَّ ما نُسمّيهِ عالَمَ الحَواسِّ، هُوَ الشَّرُّ في العالَمِ الرّوحانيِّ».
إنَّ تَشويهَ الِاستِعارَةِ في «المَسخ» مُستَلهَمٌ مِن قَصدٍ جَماليٍّ جذريٍّ، يَمضي عَن طَريقِ التَّدميرِ لِيُفضيَ إلى الإبداعِ - إبداعِ مَسخٍ، يَكادُ يَكونُ بِلا اسمٍ، قائِمٍ كَعَلامَةٍ مُعتِمَةٍ. «الِاسمُ وَحدَهُ، المُتَكَشِّفُ عَن طَريقِ مَوتٍ طَبيعيٍّ، لا الرّوحُ الحَيَّةُ، هُوَ ما يَكفَلُ الخُلودَ في الإنسانِ». بَيدَ أنَّ اللّافِتَ في «المَسخ» هُوَ أنَّ «الجُزءَ الخالِدَ» مِنَ الكاتِبِ يَتَحَقَّقُ عَلى نَحوٍ مقيتٍ، في صِفَةِ إبهامٍ سَلبيٍّ مَحضٍ. ويَتَجَلّى المَعنى الدَّقيقُ لِقَصدِهِ في كَلِمَةِ Ungeziefer، وهِيَ كَلِمَةٌ يَعجِزُ التَّعبيرُ عَنها بِالكَلِماتِ العربيّة مِثلَ «حَشَرَة» أو «هَوام». فـ«Ungeziefer» تُشتَقُّ (كَما كانَ كافكا يَعلَمُ عَلى الأرجَحِ) مِن كَلِمَةٍ في أواخِرِ الألَمانيَّةِ العُليا الوُسطى، تَعني في الأصلِ «الحَيَوانَ النَّجِسَ الَّذي لا يَصلُحُ لِلأُضحِيَةِ». فَإذا كانَتِ «الكِتابَةُ... [هِيَ] ضَربٌ مِنَ الصَّلاةِ» بِالنِّسبَةِ لِكافكا، فَإنَّ فِعلَ الكِتابَةِ هَذا يَعكِسُ يَأسَهُ الذّاتيَّ. فكَما أنَّهُ تَشويهٌ لِلأسماءِ «الحَقيقِيَّةِ» لِلأشياءِ، وبِلا مَغزىً كَاستِعارَةٍ أو كَحَقيقَةٍ حَرفيَّةٍ، فَإنَّ مَسخَ «المَسخ» هُوَ، شَأنُهُ شَأنُ الكِتابَةِ ذاتِها، «حُمّى» و«يَأسٌ».
يَبدو أنَّ مَسخَ كافكا - عَبرَ التَّحويلِ الحَرفيِّ الشّاذِّ - لِاستِعارَةِ «هَذا الرَّجُلُ حَشَرَةٌ» هُوَ فِعلٌ مُعَقَّدٌ وشامِلٌ، يُمكِنُ أن نَستَشفَّ فيهِ ثَلاثَةَ أطوارٍ مِنَ الدَّلالَةِ، تُغَذّي جَميعُها عَمَلَ «المَسخ». وتَبرُزُ هَذِهِ المَعاني مُنفَصِلَةً حينَ نُسَلِّطُ الضَّوءَ نَقدياً عَلى ثَلاثِ حَقائِقَ: أنَّ الِاستِعارَةَ المُشَوَّهَةَ هِيَ عُنصُرٌ مَألوفٌ في اللُّغَةِ العاديَّةِ؛ وأنَّهُ، نَظَراً لِعَدَمِ اكتِمالِ التَّشويهِ، فَإنَّ كِيانَ الِاستِعارَةِ الأصليَّةِ يُحافِظُ عَلى وُجودٍ كَالظِّلِّ داخِلَ المَسخِ، وهَذا الكِيانُ لِلِاستِعارَةِ - الَّذي هُوَ حَشَرَةٌ طُفَيليَّةٌ - سَلبيٌّ ومُنفِّرٌ؛ وأخيراً، أنَّ مَنبَعَ المَسخِ هُوَ في حَقيقَةِ الأمرِ لَيسَ الِاستِعارَةَ المَألوفَةَ بَل القَصدَ الجَماليَّ الجِذريَّ. وتَتَداخَلُ هَذِهِ المَعاني مَعاً بِشَكلٍ جَدَليٍّ. فَعَلى سَبيلِ المِثالِ، يَنعَكِسُ القَصدُ الجَماليُّ في مَسخٍ، ولَكِنَّهُ يَفعَلُ ذَلِكَ مِن خِلالِ تَشويهِ استِعارَةٍ كانَت في الأصلِ مُرعِبَةً؛ ومُحَصِّلَةُ تَدميرِهِ لِسَلبيَّةٍ هِيَ نَفسُها سَلبيَّةٌ. وتُضيءُ هَذِهِ العَلائِقُ كُلّاً مِن مَقولَةِ كافكا: «فِعلُ الشَّيءِ السَّلبيِّ مَفروضٌ عَلَينا، كَإضافَةٍ»، ومُلاحَظَتِهِ لِميلينا جيسينسكا-بولاك: «ولَكِن حَتّى حَقيقَةُ الشَّوقِ لَيسَت حَقيقَتَهُ بِقَدرِ ما هِيَ تَعبيرٌ عَن زَيفِ كُلِّ شَيءٍ آخَرَ». ولِأغراضِ التَّحليلِ، يُمكِنُ فَصلُ كُلٍّ مِن هَذِهِ الغاياتِ ومُناقَشَتُها عَلى حِدَةٍ.
يَمسَخُ كافكا صورَةً كَلاميَّةً راسِخَةً في اللُّغَةِ العاديَّةِ. والغايَةُ مِن ذَلِكَ هِيَ إضفاءُ الغَرابَةِ عَلى المَألوفِ، ولَيسَ اختِلاقَ الجَديدِ؛ وتَشِفُّ يَوميّاتُ كافكا في الفَترَةِ المُقارِبَةِ لِعامِ ١٩١٢ عَن أنَّ استِعاراتِهِ المُبتَكَرَةَ أشَدُّ تَعقيداً مِن «الباعَةُ المُتَجَوِّلونَ حَشَراتٌ». إنَّ إبرازَ غُربَةِ المَسخِ عَن مَحيطِهِ المَألوفِ في الِاستِعارَةِ - أيِ الحَشَرَةِ القَذِرَةِ - هُوَ إبرازٌ لِغُربَةِ غريغور سامسا عَن هُويَّتِهِ ضِمنَ الأُسرَةِ. فغريغور يَرنو إلى مَاضيهِ، بَيدَ أنَّهُ يُقاوِمُ في الآنِ ذاتِهِ الِانخِراطَ في «اللُّغَةِ العاديَّةِ» لِلأُسرَةِ. إنَّ حالَةَ الِاستِعارَةِ المُشَوَّهَةِ، المُقتَلَعَةِ مِنَ الكَلامِ المَألوفِ، هِيَ ما يُشَكِّلُ المَأساةَ العائِليَّةَ في «المَسخ»؛ فـ«الحَشَرَة» (Ungeziefer) هِيَ بِكُلِّ ما تَحمِلُهُ الكَلِمَةُ مِن مَعنىً «مَسخٌ هائِلٌ» (ungeheuer) - كائِنٌ يَستَحيلُ إيواؤُهُ في أُسرَةٍ.
هَل مِنَ الشُّذوذِ بِمَكانٍ أن نَستَشفَّ في هَذِهِ المَأساةِ العائِليَّةِ صِراعاً بَينَ لُغَةٍ سادِرَةٍ في المَألوفِ، وكائِنٍ اتَّخَذَ سِمتَ كَلِمَةٍ مُستَغلِقَةٍ عَلى الفَهمِ؟ لَعَلَّ الغَرابَةَ تَتَبَدَّدُ، أو تَتَضاءَلُ عَلى الأقَلِّ، حينَ نُدرِكُ أنَّ ديناميَّةَ أُسرَةِ سامسا ما هِيَ إلّا تَجَلٍّ لِلُغَةٍ مُتَفَرِّدَةٍ بِسِماتِها. فَالأُسرَةُ تَتَمَيَّزُ بِسَلاسَةِ تَواطُئِها حينَ يَتَعَلَّقُ الأمرُ بِغريغور. وقَد تَطفو عَلى السَّطحِ تَبايُناتٌ في الآراءِ - كَالخِلافِ مَثَلاً حَولَ مَدى القَسوَةِ الَّتي يَنبَغي أن يُعامَلَ بِها - غَيرَ أنَّها سُرعانَ ما تَذوبُ في بوتَقَةِ قَراراتٍ حاسِمَةٍ. وتَتبَلوَرُ مَشاريعُ الأُسرَةِ ضِمنَ فَضاءِ اهتِماماتِها الخاصَّةِ، وتَتَجَسَّدُ عَبرَ كَلِماتٍ وإيماءاتٍ واضِحَةٍ تَنقُلُ المَقاصِدَ دونَما عَناءٍ. وفي الخِتامِ، تَبقى صُوَرُ التَّلاحُمِ الأُسريِّ شاهِدَةً عَلى مَتانَةِ الرَّوابِطِ بَعدَ انقِضاءِ المِحنَةِ: فالأبُ والأُمُّ في وِئامٍ تامٍّ؛ والأُمُّ والأبُ والِابنَةُ يَخرُجونَ مِن غُرفَةِ نَومِ الوالِدَينِ مُتَأبِّطينَ أذرُعَ بَعضِهِم لِمُواجَهَةِ المُستَأجِرينَ؛ والأبُ والأُمُّ «يَزدادانِ سُكوناً ويَتَواصَلانِ بِنَظَراتٍ تَكادُ تَكونُ لاواعيَةً» عِندَ رُؤيَةِ ابنَتِهِما المَليحَةِ رَشيقَةِ القَوامِ.
ويَتَجَلّى لِلُغَةِ الأُسرَةِ في «المَسخ» مُعَادِلٌ رَمزيٌّ دَقيقٌ، كَما تُشيرُ كيمبرلي سباركس، ألَا وهُوَ الصَّحيفَةُ. فَالشَّخصُ المُمسِكُ بِزِمامِ الأُمورِ في أيِّ لَحظَةٍ هُوَ مَن يَقرَأُ الصَّحيفَةَ أو يَستَخدِمُها. فَقَدِ اقتَطَعَ غريغور صورَةَ المَرأةِ الَّتي يُعَلِّقُها عَلى حائِطِهِ مِن مَجَلَّةٍ مُصَوَّرَةٍ؛ وكانَ دَأبُهُ المَسائيُّ، كَرَبِّ أُسرَةٍ، أن يَجلِسَ إلى المائِدَةِ ويَقرَأَ الصَّحيفَةَ. ومِنَ المُفجِعِ، والَّذي يُعَدُّ تَعليقاً قاسِياً عَلى فُقدانِهِ لِمَكانَتِهِ وهُويَّتِهِ ضِمنَ الأُسرَةِ، أنَّ وَجبَتَهُ الأُولى مِنَ الفَضَلاتِ تُقَدَّمُ لَهُ عَلى وَرَقِ صَحيفَةٍ؛ في حينِ أنَّ الأبَ، الَّذي يَغشياهُ الِاكتِئابُ لِفَترَةٍ، يُخفِقُ في مُمارَسَةِ عادَتِهِ بِقِراءَةِ الصَّحيفَةِ جَهراً لِلأُسرَةِ. وحينَ يُحكِمُ المُستَأجِرونَ قَبضَتَهُم عَلى بَيتِ الأُسرَةِ، هُم مَن يَتَصَدَّرونَ لِقِراءَةِ الصَّحيفَةِ بِتَباهٍ عَلى مائِدَةِ العَشاءِ. فَالصَّحيفَةُ هاهُنا تَرمُزُ إلى نِظامٍ لُغَويٍّ فَعّالٍ يُستَبعَدُ مِنهُ غريغور استِبعاداً مُمَنهَجاً.
وتَتَعَقَّدُ مُهِمَّةُ تَأويلِ الِاسمِ المُستَحدَثِ (المَسخ) الَّذي باتَ يُمَثِّلُهُ غريغور؛ فَتَحَوُّلُهُ غامِضٌ في جَوهَرِهِ، ولا يُمكِنُ استِكناهُهُ إلّا عَبرَ التَّقريباتِ. ومِن بَينِ هَذِهِ التَّقريباتِ، التَّحَوُّلُ الجَليُّ الَّذي يَجعَلُ مِن غريغور كِياناً غامِضاً مُستَغلِقاً عَلى الفَهمِ.
لَو أنَّ غريغور فَقَدَ قُدرَتَهُ عَلى الإفصاحِ والتَّواصُلِ مَعَ الآخَرينَ، بَيدَ أنَّهُ حافَظَ عَلى هَيئَتِهِ البَشَريَّةِ، لَكانَتِ الأُسرَةُ سَتَميلُ إلى تَأويلِ هَذا التَّغَيُّرِ كَعارِضٍ مُؤَقَّتٍ، ولَكانَت سَتَحُثُّهُ عَلى النُّطقِ والكَلامِ؛ فَفُقدانُ اللُّغَةِ وَحدَهُ لَم يَكُن لِيُفضي بِهِ إلى العُزلَةِ التّامَّةِ والتَّجريدِ مِن كُلِّ دَلالَةٍ. ولَكِن لِكَي يُصَوِّرَ كافكا العُزلَةَ النّاجِمَةَ عَنِ الفُقدانِ المُطلَقِ لِكُلِّ مَعنىً، كانَ لِزاماً عَلَيهِ أن يُمَثِّلَ هَذِهِ الحالَةَ كَنَتيجَةٍ حَتميَّةٍ لِانسِلاخِهِ مِن صورَتِهِ البَشَريَّةِ. فالمَغزى مِن جَسَدِ غريغور المُستَغلِقِ هُوَ سَجنُهُ في عُزلَةٍ لا كَلامَ فيها ولا إيماءَةَ مَفهومَةً، في عُزلَةِ الكائِنِ العَصيِّ عَلى حَلِّ رُموزِهِ. وبِعِبارَةٍ أُخرى: جَسَدُهُ هُوَ اللُّغَةُ الَّتي تُعَبِّرُ بِها اللُّغَةُ العاديَّةُ، في عَجزِها المُطلَقِ، عَن يَأسِها العَميقِ.
وتُلقي رُؤيَةُ غريغور كَاستِعارَةٍ مُشَوَّهَةٍ ومُقتَلَعَةٍ مِن جُذورِ اللُّغَةِ المَألوفَةِ، الضَّوءَ عَلى بُعدٍ آخَرَ مِن أبعادِ هَذِهِ المَأساةِ العائِليَّةِ. فَالتَّحَوُّلُ الَّذي ألمَّ بِالِاستِعارَةِ لَم يَمحُ أثَرَ حالَتِها الأُولى تَماماً. فوَعيُ غريغور، شَأنُهُ شَأنُ الِاستِعارَةِ المُقتَلَعَةِ، يَتَحَدَّدُ مِن خِلالِ مَرجِعيَّتِهِ لِحالَتِهِ السّابِقَةِ: فَرَغمَ أنَّ غريغور باتَ قاصِراً عَنِ التَّواصُلِ، إلّا أنَّ ذِكرَياتِهِ تَظَلُّ حَيَّةً تَنبِضُ في وِجدانِهِ. وتُبَرِّزُ هَذِهِ النُّقطَةُ سِمَةً جَوهَريَّةً تُفَرِّقُ مَسخَ كافكا عَنِ المَسخِ الكلاسيكيِّ عِندَ أوفيد، حَيثُ يَتَلاشى الوَعيُ البَشَريُّ لِيَستَحيلَ جُزءاً مِنَ الكِيانِ الطَّبيعيِّ لِلشَّيءِ. أمّا «المَسخ»، فَيُحَوِّلُ كَلِمَةً ذاتَ هُويَّةٍ شِبهِ طَبيعيَّةٍ، الهُويَّةَ الرّاسِخَةَ والمَألوفَةَ لِلكَلامِ العاديِّ، إلى كَلِمَةٍ تَحمِلُ طابَعَ الوَعيِ المُتَفَرِّدِ. فالكَلِمَةُ المُشَوَّهَةُ، المُجَرَّدَةُ مِن حُضورِها ومُستَقبَلِها، توحي بِعَقلٍ يَأسِرُهُ الحَنينُ لِحَياتِهِ السّالِفَةِ - حَياةٌ مِلؤُها العاداتُ والمَشاغِلُ الخَفيَّةُ الَّتي تُتَوَّجُ بِرَوابِطَ أُسريَّةٍ آمِنَةٍ.
ويَرزَحُ مُستَقبَلُ غريغور، في جُلِّهِ، تَحتَ نِيرِ طُغيانِ الحَنينِ، الَّذي يَتَجَلّى في «المُراعاةِ» (Rücksicht) الَّتي يُكِنُّها لِأُسرَتِهِ. وإنَّ كَلِمَةَ «Rücksicht» الَّتي اختارَها كافكا، بِما تَحمِلُهُ مِن دَلالاتِ الِالتِفاتِ إلى الوَراءِ وتَفَقُّدِ الماضي، تَصِفُ حالَةَ غريغور بِأدَقِّ تَعبيرٍ: فَمُراعاتُهُ تَنبُثِقُ مِن تَشَبُّثِهِ بِماضٍ أُسطوريٍّ - ماضٍ، في حَقيقَةِ الأمرِ، ولى ولَن يَعودَ. ويَكشِفُ هَذا التَّلاعُبُ بِـ«مُراعاةِ» غريغور عَن تَرَدُّدٍ حَتميٍّ في مَشاعِرِهِ الأُسريَّةِ، تَتَأرجَحُ بَينَ أقصى دَرَجاتِ الِاهتِمامِ واللّامُبالاةِ القُصوى.
ولَقَد سَبَقَ لِوليام إمبسون أن أشارَ إلى الفِقرَةِ المِفتاحيَّةِ هَهُنا، عَلى الرَّغمِ مِن أنَّ تَأويلَهُ لَها قَد جانَبَ الصَّوابَ. فَبحَسَبِ إمبسون، لا بُدَّ أنَّ كافكا كانَ غافِلاً حينَ خَطَّ، في مَشهَدِ عَزفِ الأُختِ عَلى الكَمانِ: «لَم يُثيرِ استِغرابَ [غريغور] البَتَّةَ أنَّهُ أضحى في الآوِنَةِ الأخيرَةِ لا يُبدي سِوى القَليلِ مِنَ المُراعاةِ لِلآخَرينَ؛ بَعدَ أن كانَت تِلكَ المُراعاةُ مَبعَثَ فَخرِهِ واعتِزازِهِ الأكبَرَ... أمّا الآنَ... فَقَد بَلَغَت لامُبالاتُهُ بِكُلِّ شَيءٍ حَدّاً يَمنَعُهُ مِن أن يَستَلقيَ عَلى ظَهرِهِ ويَفرُكَ نَفسَهُ مُنَظِّفاً إيّاها بِالسَّجّادَةِ، كَما كانَ يَفعَلُ مِراراً في اليَومِ الواحِدِ». ويُعَلِّقُ إمبسون قائِلاً: «بَعدَ حادِثَةِ التُّفّاحَةِ، لا يُمكِنُ قَطعاً أن يَكونَ هُناكَ مَجالٌ... لِهَذا»، فالتُّفّاحَةُ الَّتي رَماها بِها أبوهُ قَدِ استَقَرَّت في ظَهرِهِ مُحْدِثَةً جُرحاً مُتَقَيِّحاً. بَيدَ أنَّ تَوبيخَ كافكا لِغريغور عَلى لامُبالاتِهِ في هَذِهِ اللَّحظَةِ تحديداً لا يُمَثِّلُ «تَناقُضاً». فَهَذِهِ اللَّحظَةُ تُرشِدُنا إلى النَّظَرِ إلى مُراعاةِ غريغور لِلآخَرينَ بوصفها شُذوذاً، واندِفاعاً يُخالِفُ اهتِمامَهُ الحَقيقيَّ والأصيلَ، إن جازَ التَّعبيرُ. فَفي نِسيانِهِ لِمُراعاةٍ لا طائِلَ مِنها وتَعَقُّبِهِ لِصَوتِ الموسيقى، يَتَسَنّى لِغريغور أن يَستَكشِفَ حالَتَهُ الرّاهِنَةَ، وأن يُدرِكَ غَرابَتَهُ الَّتي لا مَفرَّ مِنها. إنَّ التَّخَلّيَ عَن «المُراعاةِ» (Rücksicht) المُتَعَطِّشَةِ لِلِاندِماجِ مُجَدَّداً في الحَياةِ المَألوفَةِ، يَمنَحُهُ القُدرَةَ لِلَحظَةٍ واحِدَةٍ (وهُوَ الَّذي لَم يَكُن يَفقَهُ الموسيقى مِن قَبلُ) عَلى استِشعارِ موسيقى العالَمِ بِنَبرَةٍ أصفى وأرقى. وفي هَذا المَنظورِ، تَتَبَدّى هَذِهِ اللَّحظَةُ كَاستِعادَةٍ لِلُغَةٍ سُلِبَت مِن غريغور، ولَكِنَّها لُغَةٌ تُبايِنُ كُلِّيّاً اللُّغَةَ الَّتي فَقَدَها. ويَتَجَلّى طابَعُ اللُّغَةِ المَفقودَةِ في تِلكَ الخَيالاتِ المُباغِتَةِ المَشوبَةِ بِالعُنفِ وسِفاحِ القُربى الَّتي تَتَلو سَماعَهُ لِموسيقى الكَمانِ، والَّتي تَتَهاوى إلَيها تَجرِبَةُ غريغور الموسيقيَّةُ. فَلُغَةُ الموسيقى تَتَدَنّى مَكانَتُها حينَ تُتَّخَذُ مَطيَّةً لِاستِعادَةِ عَلائِقَ أُسريَّةٍ مَفقودَةٍ.
يَنِمُّ مَوقِفُ غريغور المُتَذَبذِبُ تجاهَ أُسرَتِهِ، والَّذي يُستَلهَمُ جُزئِياً مِن تِلكَ الجَدَلِيَّةِ القائِمَةِ بَينَ اللُّغَةِ التَّصويريَّةِ الأدَبيَّةِ ونَظيرَتِها التَّقليديَّةِ، عَنِ ازدِواجيَّةِ مَشاعِرِ كافكا نَفسِهِ إزاءَ الحَميميَّةِ. وتَتَجَلّى هَذِهِ الِازدِواجيَّةُ، الَّتي تَتَمَحوَرُ حَولَ فِكرَةِ التَّخَلّي والزُّهدِ، بِجَلاءٍ في وَصفٍ مُبَكِّرٍ دَوَّنَهُ لِحُبِّهِ لِلمُمَثِّلَةِ الييديشيَّةِ السَّيِّدَةِ تشيسيك: «شابٌّ... يُفصِحُ لِهَذِهِ المَرأةِ عَن حُبِّهِ الَّذي وَقَعَ ضَحيَّةً لَهُ بالكامِلِ و... سُرعانَ ما يَزهَدُ في المَرأةِ ويَترُكُها... هَل يَجدُرُ بي أن أمتَنَّ أم ألعَنَ حَقيقَةَ أنّي، رَغمَ كُلِّ الخُطوبِ، ما زِلتُ قادِراً عَلى أن أستَشعِرَ الحُبَّ، حُبّاً يُجاوِزُ حُدودَ الأرضِ ولَكِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِأشياءَ أرضيَّةٍ؟». ونَحنُ نَعلَمُ أنَّ كافكا كانَ يَرى في بَعضِ الأحيانِ أنَّ أسمى ما قَد يُحَقِّقُهُ المَرءُ هُوَ تَأسيسُ عائِلَةٍ؛ وكانَ يُؤثِرُ الِاستِشهادَ بِكَلِماتٍ تُعزى لِفلوبير يَصِفُ فيها أُسرَةً تَضُجُّ بِالأطفالِ: «إنَّهُم يَحيَونَ الحَياةَ الحَقَّةَ» (Ils sont dans le vrai!). بَيدَ أنَّهُ خَطَّ أيضاً لِفيليس باور: «أُفَضِّلُ أن أضَعَ الغِشاوَةَ عَلى عَينَيَّ وأمضي في طَريقي حَتّى النِّهايَةِ، عَلى أن يَطوفَ بي القَطيعُ المَألوفُ (das heimatliche Rudel) ويُشتِّتَ نَظَري». لَقَدِ اقتَضى الوُجودُ المَحفوفُ بِالمَخاطِرِ الَّذي عاشَهُ كافكا خارِجَ «بَيتِ الحَياةِ» كَبحاً يَقِظاً لِحَنينِهِ.
إنَّ تِلكَ العُزلَةَ وذاكَ الحَنينَ اللَّذَينِ يُلَوِّنانِ عَلاقَةَ غريغور بِأُسرَتِهِ (ويَعكِسانِ مَشاعِرَ كافكا المُتَضارِبَةَ إزاءَ العَلائِقِ الحَميمَةِ) يُصَوِّرانِ بِجَلاءٍ أشَدَّ عَلاقَةَ كافكا بِاللُّغَةِ المَألوفَةِ الَّتي نَهَلَ مِنها. فَفي «وَصفِ مَعرَكَةٍ»، ألمَحَ كافكا إلى تِلكَ الرّوحِ المَحمومَةِ الَّتي لَم تَستَسِغِ الأسماءَ الأصيلَةَ لِلأشياءِ، بَل عَمَدَت إلى نَثرِ أسماءَ اعتِباطيَّةٍ عَلى أشياءَ مَألوفَةٍ. ولَكِن لاحِقاً في النَّصِّ ذاتِهِ، يُعلِنُ القِناعُ الخَياليُّ ذاتُهُ: «حينَ فَتَحتُ عَينَيَّ، وأنا طِفلٌ، بَعدَ قَيلولَةٍ قَصيرَةٍ، ولَم أكُن عَلى يَقينٍ تامٍّ مِن أنّي عَلى قَيدِ الحَياةِ، سَمِعتُ أُمّي في الشُّرفَةِ تَسألُ بِنَبرَةٍ طَبيعيَّةٍ: 'ماذا تَفعَلُ يا عَزيزي؟ يا إلهي، أَلَيسَ الجَوُّ حارّاً؟' ومِنَ الحَديقَةِ أجابَتِ امرَأةٌ: 'أمّا أنا، فَأحتَسي الشّايَ عَلى العُشبِ (ch jause so im Grünen!). كانَ حَديثُهُما عَرَضياً ولَم يَكُن واضِحاً جِدّاً، وكَأنَّ المَرأةَ كانَت تَنتَظِرُ السُّؤالَ، وأُمّي تَنتَظِرُ الإجابَةَ». فَمِن خِلالِ نَموذَجِ حِوارٍ بِاللُّغَةِ العاديَّةِ، يَنقُلُ كافكا شَوقَهُ المُبَكِّرَ والعَميقَ وتَمسُّكَهُ بِالكُليَّةِ والجَلاءِ - أي بِتَعبيرِ كلاوس فاغنباخ، «دَهشَةُ كافكا الصّافيَةُ أمامَ سِحرِ البَساطَةِ». إنَّها بَساطَةُ الكَلامِ اليَوميِّ حَيثُ تَتَلاقى الأسماءُ والأشياءُ في انسِجامٍ تامٍّ. ويُردِفُ فاغنباخ قائِلاً: إنَّ «إعجابَ كافكا المُتَعاظِمَ الَّذي يَكادُ يَصِلُ حَدَّ التَّقديسِ لِلحَقيقَةِ، هُوَ المُحَرِّكُ الأساسيُّ لِقَرارِهِ بِالِاقتِصارِ عَلى الزّادِ اللُّغَويِّ الَّذي يَمُدُّهُ بِهِ مُحيطُهُ». بَيدَ أنَّ هيرمان بونغس يَستَشْرِفُ مَآلًا خَطيراً لِهَذا القَرارِ: فَنَتيجَةُ حَصرِ كافكا نَفسَهُ في لُغَةِ براغ المُتَكَلِّفَةِ والجافَّةِ هِيَ المَسخُ المُستَمِرُّ لِغريغور سامسا. «إنَّ مَصيرَ الصَّوتِ الحَيَوانيِّ الَّذي استَحالَ إلَيهِ الصَّوتُ البَشَريُّ، يَغدو عَرَضاً مُرَوِّعاً لِانقِطاعِ كافكا عَنِ الجُذورِ العَميقَةِ لِلشَّكلِ الدّاخِليِّ لِلُّغَةِ. ولَقَد أبانَتِ الدِّراساتُ الكافكاويَّةُ أنَّ اللُّغَةَ الألَمانيَّةَ البراغيَّةَ الَّتي كانَت مُتاحَةً لِكافكا، المُشَرَّدِ بَينَ الألَمانِ واليَهودِ والتّشيكِ في مَنطِقَةِ براغ، كانَت لُغَةً ألَمانيَّةً أدَبيَّةً باهِتَةً، مُضطَرَّةً لِلتَّخَلّي عَن أيِّ قُوىً تَجديديَّةٍ مِن خِلالِ اللَّهَجَاتِ».
ثَمَّةَ جانِبٌ مِنَ الصَّوابِ في هَذا الطَّرحِ، تُؤَيِّدُهُ انتِقاداتُ كافكا المُتَكَرِّرَةُ لِألَمانيَّةِ براغ (ولَكِن، بِالطَّبعِ، مَصيرُ الصَّوتِ الحَيَوانيِّ لَيسَ «عَرَضاً» بَل انعِكاسٌ واعٍ لِاغتِرابِ كافكا). يَكتُبُ كافكا: «بِالأمسِ خَطَرَ لي أنّي لَم أُحِبَّ أُمّي دَوماً كَما تَستَحِقُّ وكَما أستَطيعُ، فَقَط لِأنَّ اللُّغَةَ الألَمانيَّةَ حالَت دونَ ذَلِكَ. فَالأُمُّ اليَهوديَّةُ لَيسَت 'أُمًّا' (Mutter)». وفي رِسالَةٍ إلى ماكس برود صاغَها في يونيو ١٩٢١، يُناقِشُ كافكا مَأزِقَ الكاتِبِ اليَهوديِّ الَّذي يَكتُبُ بِالألَمانيَّةِ. ويُطلِقُ عَلى اللُّغَةِ الأدَبيَّةِ لِمِثلِ هَذا اليَهوديِّ اسمَ «mauscheln» (التَّحَدُّثُ بِالألَمانيَّةِ بِلَكنَةٍ ييديشيَّةٍ): «هَذا لَيسَ ذَمّاً في الـ'mauscheln' - فَهُوَ في حَدِّ ذاتِهِ جَميلٌ. إنَّهُ مَزيجٌ عُضويٌّ مِنَ الألَمانيَّةِ الكُتُبيَّةِ (Papierdeutsch) والتَّمثيلِ الإيمائيِّ... ونِتاجُ حِسٍّ لُغَويٍّ مُرهَفٍ أدرَكَ أنَّهُ في الألَمانيَّةِ لا تَحيا حَقّاً سِوى اللَّهَجَاتُ، وباستِثنائِها، لا تَحيا سِوى الألَمانيَّةِ الفُصحى الأكثَرِ تَفَرُّداً، بَينَما كُلُّ ما يَتَبَقّى، أيِ المِنطَقَةُ اللُّغَويَّةُ الوُسطى، لَيسَ سِوى رَمادٍ لا يُمكِنُ أن يُبعَثَ فيهِ شِبْهُ حَياةٍ إلّا حينَ تَعْبَثُ بِهِ أيادٍ يَهوديَّةٌ مُفعَمَةٌ بِالحَيَويَّةِ». لَم تَكُنِ المِنطَقَةُ الوُسطى مِنَ الألَمانيَّةِ الَّتي كانَ يَسمَعُها كافكا مِن حَولِهِ غالِباً مَحَطَّ حَنينِهِ، بَل كانَت «ضَجيجاً» أو تَفاهَةً - «في الغُرفَةِ المُجاوِرَةِ... يَتَحَدَّثونَ عَنِ الحَشَراتِ».
ومِن خِلالِ هَذا الفِعلِ المُتَمَثِّلِ في «العَبَثِ» أطلَقَ كافكا اسمَهُ، بِشَكلٍ مُوجَزٍ وساخِرٍ، عَلى نَوعِ التَّشويهِ الإبداعيِّ الَّذي أضفاهُ عَلى صُوَرِ اللُّغَةِ المَألوفَةِ. غَيرَ أنَّ الطّابَعَ التَّحَوُّليَّ لِعَلاقَةِ كافكا بِاللُّغَةِ العاديَّةِ كَثيراً ما يُساءُ فَهمُهُ، وهُوَ ما يَتَضِحُ جَلياً مِن تَكَهُّنَاتِ النُّقّادِ حَولَ مَصدَرِ هَذا الفِعلِ. فَيَقتَرِحُ فاغنباخ أنَّ تَشويهاتِ كافكا هِيَ في الواقِعِ مِن صُنعِ ألَمانيَّةِ براغ، الَّتي «مِن تِلقاءِ نَفسِها» أثارَتِ التَّحَوُّلَ العَكسيَّ لِلِاستِعاراتِ. ويَكتُبُ فاغنباخ أنَّ لُغَةَ كافكا الأمَّ «كانَت تَحتَفِظُ دَوماً بِبَقيَّةٍ مِنَ الغَرابَةِ؛ والمَسافَةُ أيضاً، إزاءَ الكَلِمَةِ المُفرَدَةِ، كانَت تَنشَأُ مِن تِلقاءِ نَفسِها. وبِعَزلِها عَنِ التَّأثيرِ المُسَطِّحِ لِلِاستِخدامِ اليَوميِّ، استَعادَتِ الكَلِماتُ والِاستِعاراتُ والبِناءاتُ اللَّفظيَّةُ تَنَوُّعَها الأصليَّ في المَعنى، وأصبَحَت أثرى بِالصُّوَرِ، وأغنى بِالإمكاناتِ التَّرابُطيَّةِ. ونَتيجَةً لِذَلِكَ، نَجِدُ في أعمالِ كافكا أيضاً عَلى كُلِّ صَفحَةٍ تَقريباً مِثلَ هَذِهِ السَّلاسِلِ مِنَ التَّداعياتِ النّاشِئَةِ عَن أخذِ الكَلِماتِ بِحَرفيَّةٍ صارِمَةٍ».
ولَكِن مِنَ المَشكوِكِ فيهِ أن نَدَّعيَ أنَّ ألَمانيَّةَ براغ قَدَّمَتِ استِعاراتِها حَرفياً مِن تِلقاءِ نَفسِها، تَماماً كَما هُوَ مَشكوِكٌ فيهِ أن نَدَّعيَ، كَما يَفعَلُ مارتن غرينبرغ، أنَّ وَضعَ كافكا السُّوسيولوجيَّ قَد حَدَّدَ استِخدامَهُ لِلِاستِعارَةِ، وأنَّهُ «بِفَضلِ بُعدِهِ كيَهوديٍّ براغيٍّ عَنِ اللُّغَةِ الألَمانيَّةِ، كانَ قادِراً عَلى رُؤيَتِها بِطَريقَةٍ 'تَحليليَّةٍ'». فَفي الصَّفَحاتِ السَّبعِمائَةِ المَطبوعَةِ بِخَطٍّ دَقيقٍ مِن رَسائِلِ كافكا إلى فيليس باور - وهِيَ رَسائِلُ مَكتوبَةٌ بِالطَّبعِ بِألَمانيَّةِ براغ - لَم تُغْرِ كافكا فِكرَةُ العَبَثِ في استِعاراتِ اللُّغَةِ المَألوفَةِ، أو أخذِها عَلى مَحْمَلِ الجَدِّ، أو رُؤيَتِها بِطَريقَةٍ تَحليليَّةٍ. فَفي هَذِهِ الرَّسائِلِ يُحَقِّقُ كافكا أقصى دَرَجاتِ الحَميميَّةِ المَلموسَةِ، عَلى الرَّغمِ مِنَ البُرودَةِ الأصيلَةِ لِألَمانيَّةِ براغ؛ بل إنَّ العالَمَ الَّذي يَستَحضِرُهُ ويَخلُقُهُ عَبرَ اللُّغَةِ حَميميٌّ لِدَرَجَةٍ أنَّهُ يُصبِحُ بِالنِّسبَةِ لَهُ بِمَثابَةِ أقصى ما يُمكِنُهُ تَحَمُّلُهُ مِنَ الحَياةِ الزَّوجيَّةِ. لَيسَت ألَمانيَّةُ براغ هِيَ الَّتي تَفرِضُ عَلى كافكا إحساسَهُ بِزَيفِ الاستِعارَةِ ومِن ثَمَّ الشَّكلَ الأساسيَّ لِكِتابَتِهِ؛ فالمَصدَرُ يَسبِقُ تَأمُّلاتِهِ حَولَ نَوعٍ وحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ اللُّغَةِ.
يَكتُبُ مارتن فالسر أنَّ كافكا «أنجَزَ تَحَوُّلَ الواقِعِ قَبلَ العَمَلِ، مِن خِلالِ تَقليصِ - بل تَدميرِ - شَخصيَّتِهِ البُرجوازيَّةِ السِّيرَذاتِيَّةِ مِن أجْلِ تَطَوُّرٍ غايَتُهُ شَخصيَّةُ الشّاعِرِ؛ وهَذِهِ الشَّخصيَّةُ الشِّعريَّةُ، أوِ الشَّخصيَّةُ الشِّعريَّةُ، هِيَ الَّتي تُؤسِّسُ الشَّكلَ». إنَّ وَعيَ كافكا الأدَبيَّ، المُنعَكِسَ في تَدميرِ كُلِّ حَميميَّةٍ حَتّى مَعَ نَفسِهِ، هُوَ الَّذي يَخلُقُ مُنذُ البِدايَةِ مَسافَةً بَينَ كافكا وعالَمِ ألَمانيَّةِ براغ. ويُؤَكِّدُ تزفيتان تودوروف أيضاً عَلى «الِاختِلافِ في هَرَميَّةِ الفِكرَتَينِ [اللُّغَةُ التَّصويريَّةُ واللُّغَةُ الشِّعريَّةُ]: اللُّغَةُ التَّصويريَّةُ هِيَ نَوعٌ مِنَ المَخزونِ المُحتَمَلِ داخِلَ اللُّغَةِ، بَينَما اللُّغَةُ الشِّعريَّةُ هِيَ بِالفِعلِ بِناءٌ، واستِخدامٌ لِهَذِهِ المادَّةِ الخامِ... اللُّغَةُ التَّصويريَّةُ تُعارِضُ اللُّغَةَ الشَّفّافَةَ لِتَفرِضَ حُضورَ الكَلِماتِ؛ أمّا اللُّغَةُ الأدَبيَّةُ فَتُعارِضُ اللُّغَةَ العاديَّةَ لِتَفرِضَ حُضورَ الأشياءِ» - أشياءَ لَم يُسمَع بِها مِن قَبلُ، حَقائِقَ جَديدَةٍ، انعِكاساتٍ لِلذّاتِ الشِّعريَّةِ.
تَعَلُّقُ كافكا بِلُغَةِ براغ اليَوميَّةِ لَيسَ سِوى دافِعٍ واحِدٍ في اندِفاعِ وَعيِهِ الشِّعريِّ نَحوَ حَقيقَتِهِ الخاصَّةِ. لُغَتُهُ تَسبِرُ أغوارَ المُتَخَيَّلِ - وهُوَ عُمقٌ يَستَتِرُ داخِلَ اللُّغَةِ العاديَّةِ ولَكِن يُمكِنُ استِجلاؤُهُ مِن خِلالِ التَّشويهِ المُتَعَمَّدِ لِلطَّبَقَةِ التَّصويريَّةِ الكامِنَةِ تَحتَ اللُّغَةِ العاديَّةِ. بَدائيَّةُ الحَشَرَةِ تَعكِسُ اندِفاعَ كافكا الجِذريَّ نَحوَ الأُصولِ. تَدميرُهُ لِشَخصيَّتِهِ الأصليَّةِ مِن أجْلِ تَطَوُّرٍ شِعريٍّ يَقضي عَلى امتِيازِ اللُّغَةِ المُتَوارَثَةِ.
وإذ نَتَصَوَّرُ إذنَ مَطلَعَ «المَسخ» كَتَحَوُّلٍ لِاستِعارَةٍ مَألوفَةٍ، يُمكِنُنا أن نُمَيِّزَ حَرَكاتٍ صُغرى وكُبرى لِروحِ كافكا: التَّعَلُّقُ الِاستِرجاعيُّ بِالمَألوفِ، وحَرَكَةُ الرّوحِ نَحوَ حَقيقَتِها الخاصَّةِ. وبِصِفَتِهِما حَرَكَتَينِ مُتَعارِضَتَينِ، لا يُمكِنُ استيعابُهُما داخِلَ الِاستِعارَةِ الَّتي تُؤَكِّدُ وُجودَ تَماثُلٍ بَينَ الرّوحِ والحَياةِ المُشتَرَكَةِ الَّتي تَنفيها. التَّحَوُّلُ الَّذي يُدَمِّرُ الِاستِعارَةَ هُوَ وَحدَهُ الَّذي يُؤسِّسُ هَذا التَّمايُزَ بَينَهُما.
يُرَكِّزُ نَهجُنا الثّاني في دِراسَةِ «المَسخ» عَلى حُضورِ رَواسِبَ لِمَعنىً حَقيقيٍّ في القِصَّةِ الخَياليَّةِ لِغريغور سامسا، ألا وهُوَ الحَشَرَةُ الحَقيقيَّةُ في الِاستِعارَةِ التَّقليديَّةِ «الرَّجُلُ حَشَرَةٌ». ويَفتَحُ هَذا النَّهجُ مَساراً لِطَيفٍ واسِعٍ مِنَ النَّقدِ الَّذي يَهدِفُ إلى رَبطِ «المَسخ» بِتَجارِبَ واقِعيَّةٍ، وبِالِامتِدادِ، بِحَياةِ كافكا الشَّخصيَّةِ. فَيُشَدِّدُ هَذا التَّوَجُّهُ عَلى أنَّ كافكا قَد شَوَّهَ، ولَكِنَّهُ حافَظَ مِن خِلالِ التَّشويهِ عَلى، مَعنى الرَّجُلِ المُهانِ كَما تُهانُ الحَشَراتُ. وبِقَدرِ ما يَدمِجُ كافكا في القِصَّةِ المَعنى التَّجريبيَّ لِحَشَرَةٍ تَعَضُّ وتَمُصُّ الدَّمَ - وَفقاً لِهَذا الطَّرحِ - فَإنَّهُ يُدمِجُ كَذَلِكَ إحساسَهُ بِذاتِهِ التَّجريبيَّةِ. فالحِكايَةُ الواقِعيَّةُ في جَوهَرِها عَنِ الإذلالِ والعُصابِ تَعكِسُ شَخصيَّةَ كافكا المُعَذَّبَةَ.
وقَد بُذِلَت مُحاوَلاتٌ لا تُحصى لِتَفسيرِ مَهانَةِ غريغور مِن خِلالِ الطُّرُقِ الَّتي يُمكِنُ أن يُذَلَّ بِها الإنسانُ. فَالنّاقِدُ الماركسيُّ هيلموت ريختر، عَلى سَبيلِ المِثالِ، يُشيرُ إلى النَّواتِجِ المُشَوَّهَةِ لِعَمَليَّةِ العَمَلِ الآلِيَّةِ، إلى غريغور البائِعِ المُغتَرِبِ؛ بَينَما يُرَكِّزُ سوكل، كَعالِمِ نَفسٍ، عَلى قَصدِ غريغور في مُعاقَبَةِ الأُسرَةِ الَّتي استَعبَدَتهُ مِن خِلالِ بَشاعَتِهِ. ويَرى هيلموث كايزر أنَّ التَّحَوُّلَ هُوَ جَزاءٌ لِتَمَرُّدٍ أُوديبيٍّ؛ بَينَما يَرى عالِمُ الأمراضِ ويلفريدو دالماو كاستانيون أنَّهُ عَرَضٌ مِن أعراضِ مَرَضِ السُّلِّ. وفي جُلِّ هَذِهِ القِراءاتِ، تُستَحضَرُ أدِلَّةٌ عَلى شَخصيَّةِ كافكا التَّجريبيَّةِ مُباشَرَةً إلى مَنَصَّةِ الحُكمِ؛ وتَبلُغُ هَذِهِ النَّوعيَّةُ مِنَ النَّقدِ ذُروَتَها في مَقالٍ لِجوليانو بايوني، يَرى فيهِ أنَّ التَّحَوُّلَ يُكَرِّرُ شُعورَ كافكا بِالذَّنبِ ويُبَرِّئُهُ مِنهُ. فكافكا مُذنِبٌ ويَجِبُ مُعاقَبَتُهُ لِأسبابٍ شَتّى: لِأنَّهُ هُوَ، ولِأنَّهُ ابنُ أبيهِ، ولِأنَّهُ يَكرَهُ أباهُ، ولِأنَّهُ خُطِبَ، ولِأنَّهُ لا يُحِبُّ بِما فيهِ الكِفايَةِ، ولِأنَّهُ عاجِزٌ عَنِ الحُبِّ، ولِأنَّهُ كاتِبٌ يُفَكِّرُ في أبيهِ، ولِأنَّهُ مُديرُ مَصنَعٍ ولا يَكتُبُ، وأخيراً، لِأنَّهُ مَخلوقٌ ناقِصٌ جَسَدُهُ جِسمٌ غَريبٌ ومُدانٌ مِن قِبَلِ المِثالِ الحسيديِّ لِلوَحدَةِ. وتَصِفُ بيبليوغرافيا نَقديَّةٌ لـ«المَسخ» جُمِّعَت عامَ ١٩٧٣ ما يَزيدُ عَن مِائَةِ نَقدٍ مَنشورٍ ذي طابَعٍ تَجريبيٍّ أو بَرنامَجيٍّ. وعَلى الرَّغمِ مِن أنَّها جَميعاً تَبدو مَنطِقيَّةً، إلّا أنَّها مُتَحَيِّزَةٌ؛ فكافكا، هَذا الفَنّانُ الشَّديدُ الوَعيِ والمُتَشَكِّكُ العَنيدُ في التَّحليلِ النَّفسيِّ، لَم يَتَصَوَّرِ الكِتابَةَ قَطُّ كتَجسيدٍ أو تَعويضٍ لِشَخصيَّتِهِ المُضطَرِبَةِ.
بِالنِّسبَةِ لِكافكا، لا تُمَثِّلُ السَّعادَةُ الشَّخصيَّةُ هَدَفاً بَل رِهاناً، وبِوَصفِها كَذَلِكَ يُمكِنُ التَّنازُلُ عَنها - هِيَ وَسيلَةٌ تَعمَلُ أساساً مِن خِلالِ التَّخَلّي عَنها، لِلوُصولِ إلى نَشوَةٍ مُختَلِفَةٍ كُلِّيّاً (وقَلَقٍ كَذَلِكَ)، تَكمُنُ في صَميمِ الأدَبِ، الَّذي هُوَ «حَياتُهُ الحَقيقِيَّةُ». فَفي مَقطَعٍ مِن رِوايَةِ «أمريكا» كُتِبَ قُبَيلَ تَأليفِ «المَسخ»، يَشعُرُ كارل روسمان، وهُوَ يَعزِفُ عَلى البيانو، «بِأحزانٍ تَتَصاعَدُ في داخِلِهِ، تَتَجاوَزُ نِهايَةَ الأُغنيَةِ، باحِثَةً عَن نِهايَةٍ أُخرى لا تَستَطيعُ العُثورَ عَلَيها». وقَد قالَ كافكا: «الفَنُّ بِالنِّسبَةِ لِلفَنّانِ لَيسَ سِوى مُعاناةٍ، يُحَرِّرُ نَفسَهُ مِن خِلالِها لِمَزيدٍ مِنَ المُعاناةِ». وفي رِسالَةٍ إلى ماكس برود بِتاريخِ ٥ يوليو ١٩٢٢، يَربِطُ كافكا بَينَ كِتابَتِهِ وتَحسينِ حَياتِهِ بِشَكلٍ تنازُليٍّ فَحَسبُ: «لا أقصِدُ بِالطَّبعِ أنَّ حَياتي تَكونُ أفضَلَ حينَ لا أكتُبُ. بَلْ إنَّها تَكونُ أسوأَ بِكَثيرٍ حينَها، ولا تُطاقُ البَتَّةَ، ولابُدَّ أن تَنتَهيَ بِالجُنونِ». ولَكِنَّ هَذِهِ العَلاقَةَ بَينَ عَدَمِ الكِتابَةِ والجُنونِ لا تَتَحَقَّقُ إلّا لِأنَّهُ كاتِبٌ في الأساسِ، والكَاتِبُ الَّذي لا يَكتُبُ هُوَ لَغوٌ يُؤدّي إلى الجُنونِ. فَالجُنونُ الأوحَدُ الَّذي تُعالِجُهُ الكِتابَةُ هُوَ جُنونُ عَدَمِ الكِتابَةِ.
وتُعاني مُحاوَلَةُ تَفسيرِ «المَسخ» مِن خِلالِ شَخصيَّةِ كافكا التَّجريبيَّةِ، ضِمنياً، مِن صُعوبَةِ تَفسيرِ الحَشَرَةِ مِن خِلالِ المَعنى التَّجريبيِّ المُتَبَقّي لِاستِعارَةِ الحَشَرَةِ. ويُلاحِظُ مُؤَلِّفُ إحدى الدِّراساتِ حَولَ القِصَّةِ، وهُوَ يُورغ شوبيغر، تَفاوُتاً مَلموساً بَينَ شَكلِ الحَشَرَةِ وأيِّ حَشَرَةٍ يُمكِنُ تَصَوُّرُها:
[الرَّأسُ] يَنتَهي بِـ'فَتَحَاتِ أنفٍ' وبِفُكوكٍ قَويَّةٍ، تَحُلُّ مَحَلَّ الفُكوكِ البَشَريَّةِ. وبِمُقارَنَتِهِ بِما ألِفناهُ في الحَشَراتِ، فَإنَّ الرَّأسَ دائِمُ الحَرَكَةِ بِشَكلٍ غَيرِ مُعتادٍ. فَلا يَقتَصِرُ الأمرُ عَلى أنَّ المَخلوقَ يَستَطيعُ خَفضَهُ ورَفعَهُ، وسَحبَهُ للداخِلِ ومَدَّهُ لِلخارِجِ؛ بَل يُمكِنُهُ حَتّى أن يُديرَهُ إلى الجانِبِ إلى حَدٍّ يُمَكِّنُهُ مِن رُؤيَةِ ما يَحدُثُ خَلفَهُ تَماماً... وتَتَضارَبُ العِباراتُ حَولَ وَزنِ المَخلوقِ... لَكانَ يَلزَمُ 'شَخصانِ قَويّانِ' لِرَفعِهِ مِنَ السَّريرِ... مَعَ قُدرَةِ غريغور اللّاحِقَةِ عَلى التَّجَوُّلِ عَلى الجُدرانِ والسَّقفِ؛ فَحَتّى مَعَ وُجودِ الغِراءِ، لا يُمكِنُ لِحَشَرَةٍ تَزِنُ سَبعينَ رَطلًا عَلى الأقَلِّ أن تَتَعَلَّقَ بِالسَّقفِ.
ويَخلُصُ شوبيغر إلى أنَّهُ: «لِذا، يَجِبُ ألا تُفهمَ 'المُعطَياتُ' الجَسَديَّةُ كَحَقائِقَ... إنَّها أسئِلَةٌ وأجوِبَةٌ مُجَسَّدَةٌ في حِوارِ الحَشَرَةِ مَعَ العالَمِ». وقَد أكَّدَ كافكا بِنَفسِهِ هَذا الِاستِنتاجَ حينَ مَنَعَ ناشِرَهُ صَراحَةً مِن تَوضيحِ الطَّبعَةِ الأُولى مِن «المَسخ» بِرَسمٍ لِلمَخلوقِ: «لا يُمكِنُ رَسمُ الحَشَرَةِ نَفسِها».
إنَّ أهَمّيَّةَ الِاستِعارَةِ الأصليَّةِ «هَذا الرَّجُلُ حَشَرَةٌ» داخِلَ «المَسخ» لَيسَت، بِالنِّسبَةِ لِكافكا، الهُويَّةَ التَّجريبيَّةَ لِحَشَرَةٍ. فَما يُمَثِّلُ الأهَمّيَّةَ القُصوى هُوَ شَكلُ الِاستِعارَةِ كَذَلِكَ، والَّذي يَتَعَرَّضُ بَعدَ ذَلِكَ لِلتَّشويهِ؛ ومِن هُنا، فَإنَّ أيَّ استِعارَةٍ سَتَفي بِالغَرَضِ، مَعَ مُراعاةِ هَذا الشَّرطِ (كَما صاغَهُ جاك لاكان): «أيُّ جَمعٍ بَينَ دالَّينِ سَيَكونُ كافِياً بِالقَدرِ نَفسِهِ لِتَكوينِ استِعارَةٍ، باستِثناءِ المُتَطَلَّبِ الإضافيِّ المُتَمَثِّلِ في أقصى قَدرٍ مُمكِنٍ مِنَ التَّبايُنِ بَينَ الصُّوَرِ المَرموزِ إلَيها، والَّذي يُعَدُّ ضَرورِياً لِإحداثِ الشَّرارَةِ الشِّعريَّةِ، أو بِعِبارَةٍ أُخرى، لِيَكونَ هُناكَ إبداعٌ استِعاريٌّ». فَفي أقوى الِاستِعاراتِ، تَكونُ أداةُ النَّقلِ والمُستَعارُ لَهُ عَلى طَرَفَي نَقيضٍ؛ وتُستَغَلُّ هَذِهِ القُوَّةُ مِن خِلالِ فِعلِ التَّشويهِ الجَماليِّ. ولا تَتعَرَّضُ استِعارَةُ كافكا لِلِإفقارِ إلّا حينَ يُساوى بَينَ المُستَعارِ لَهُ، وهُوَ بائِعٌ مُتَجَوِّلٌ، وشَخصيَّةِ كافكا التَّجريبيَّةِ كَمُديرِ مَصنَعٍ.
علاوَةً عَلى ذَلِكَ، تُساهِمُ رُؤيَةُ لاكان في توضيحِ مُعضِلَةٍ أُخرى. فَقَد رَأى أندرس في البِدايَةِ أنَّ الاستِعارَةَ الَّتي تُشَكِّلُ أساسَ «المَسخ» هِيَ: «هَذا الرَّجُلُ، الَّذي يَطْمَحُ لِلعَيشِ كَفَنّانٍ، ما هُوَ إلّا حَشَرَةٌ قَذِرَةٌ». وقَد عارَضَ ديتر هاسلبلات هَذِهِ الصّياغَةَ، مُؤَكِّداً أنَّهُ «لا يوجَدُ في النَّصِّ أيُّ إشارَةٍ إلى مُشكِلَةِ الفَنّانِ والمُجتَمَعِ». ومِنَ الصَّحيحِ بِالطَّبعِ أنَّ غريغور سامسا لَيسَ فَنّاناً مُخفِقاً. ولَكِن بوصفه مُنطَلَقاً لِمَسخٍ، فَإنَّهُ يُصبِحُ كِياناً جَمالياً - المُعَادِلَ الفَريدَ لِنِيَّةٍ شِعريَّةٍ. والواقِعُ أنَّ وِجهَةَ نَظَرِ هاسلبلات الخاصَّةِ تُجاهَ «المَسخ» بِصِفَتِها رَدَّ فِعلِ العالَمِ اليَوميِّ عَلى ما لا يُمكِنُ تَصَوُّرُهُ، تَمنَحُ العَمَلَ ارتِباطاً جوهرياً بِمَوضوعِ اللُّغَةِ الشِّعريَّةِ. فالهُويَّةُ التَّجريبيَّةُ لِلمُستَعارِ لَهُ، سَواءٌ كانَ فَنّاناً أو أيَّ رَجُلٍ آخَرَ، لا أهَمّيَّةَ لَها لِأنَّ «المَسخ» تَطغى عَلَيها نِيَّةٌ جَماليَّةٌ. فَنيَّةُ تَحويلِ استِعارَةٍ إلى حَقيقَةٍ حَرفيَّةٍ تُنتِجُ كائِناً مَفصولاً تَماماً عَنِ الواقِعِ التَّجريبيِّ.
يُسَلِّطُ النَّهجُ الثّالِثُ الضَّوءَ عَلى هَذا القَصدِ الجَماليِّ، الَّذي يَهدِفُ، مِن خِلالِ مَسخِ الِاستِعارَةِ، إلى تَأكيدِ استِقلاليَّتِهِ. فَلَم يَعُد بِإمكانِنا الِاستِرشادُ بِالمَعنى التَّجريبيِّ لِلحَشَرَةِ. ومَعَ ذَلِكَ، لَسنا مُلزَمينَ بِالتَّخَلّي عَن كُلِّ مُحاوَلَةٍ لِتَأويلِ الدّالِّ. فَقَد أرسى كافكا بِالفِعلِ رابِطاً بَينَ الحَشَرَةِ وعَمَليَّةِ الكِتابَةِ ذاتِها. فَفي قِصَّتِهِ الَّتي كُتِبَت عامَ ١٩٠٧ بِعُنوانِ «استِعداداتُ زِفافٍ في الرّيفِ»، والَّتي لَم يَتَبَقَّ مِنها سِوى قُصاصَةٍ، يَستَحضِرُ كافكا بَطَلاً، إدوارد رابان، يَتَرَدَّدُ في اتِّخاذِ أيِّ خُطوَةٍ في العالَمِ (يُفتَرَضُ أن يَذهَبَ إلى الرّيفِ لِلتَّرتيبِ لِزِفافِهِ). بَدَلاً مِن ذَلِكَ، يَحلُمُ رابان بِالِاستِقلاليَّةِ، والِاكتِفاءِ الذّاتيِّ، والقُدرَةِ المُطلَقَةِ. ولِهَذا الِانعِكاسِ الشَّفّافِ لِوَعيِهِ الأدَبيِّ المُبَكِّرِ، يَجِدُ كافكا شِعاراً في صورَةِ خُنفُساءَ، تَحومُ حَولَها إبهاميَّةٌ غَريبَةٌ:
وبِالإضافَةِ إلى ذَلِكَ، ألا يُمكِنُني فِعلُ ذَلِكَ كَما كُنتُ أفعَلُ دَوماً عِندَما كُنتُ طِفلًا في الأُمورِ الخَطِرَةِ؟ لا أحتاجُ حَتّى لِلذَّهابِ إلى الرّيفِ بِنَفسي، لَيسَ ذَلِكَ ضَرورِياً. سَأُرسِلُ جَسَدي المُرتَدي لِمَلابِسِهِ. إذا خَرَجَ مُتَرَنِّحاً مِن بابِ غُرفَتي، فَإنَّ التَّرَنُّحَ لَن يَدُلَّ عَلى الخَوفِ بَل عَلى عَدميَّتِهِ. كَما أنَّهُ لَيسَ عَلامَةً عَلى الِانفِعالِ إذا تَعَثَّرَ عَلى الدَّرَجِ، أو إذا سافَرَ إلى الرّيفِ مُنتَحِباً طَوالَ الطَّريقِ، وتَناوَلَ عَشاءَهُ هُناكَ باكِياً. فَأنا نَفسي سَأَكونُ في هَذِهِ الأثناءِ مُستَلقِياً في سَريري، مُغَطّىً بِسَلاسَةٍ بِالبَطّانيَّةِ الصَّفراءِ المائِلَةِ لِلبُنّيِّ، مُعَرَّضاً لِلنَّسيمِ الَّذي يَهُبُّ عَبْرَ تِلكَ الغُرفَةِ الَّتي نادِراً ما تُهَوَّى. تَتَحَرَّكُ العَرَباتُ والنّاسُ في الشّارِعِ ويَمشونَ بِتَرَدُّدٍ عَلى أرضٍ لامِعَةٍ، لِأنَّني ما زِلتُ أحلُمُ. الحوذِيّونَ والمُشاةُ خَجولونَ، وكُلُّ خُطوَةٍ يُريدونَ التَّقَدُّمَ بِها يَطلُبونَها مِني كَمَعروفٍ، مِن خِلالِ النَّظَرِ إلَيَّ. أُشَجِّعُهُم ولا يواجهون أيَّ عَقَبَةٍ.
بَينَما أنا مُستَلقٍ في السَّريرِ أَتَّخِذُ شَكلَ خُنفُساءَ كَبيرَةٍ، خُنفُساءِ أيِّلٍ أو جُعلٍ، أعْتَقِدُ...
شَكلُ خُنفُساءَ كَبيرَةٍ، نَعَم. ثُمَّ كُنتُ سَأَدَّعي أنَّ الأمرَ يَتَعَلَّقُ بِالسُّباتِ الشَّتويِّ، وكُنتُ سَأَضغَطُ ساقَيَّ الصَّغيرَتَينِ عَلى بَطني المُنتَفِخِ. وكُنتُ سَأَهمِسُ بِبضعِ كَلِماتٍ، تَعليماتٍ لِجَسَدي الحَزينِ، الَّذي يَقِفُ مُنحَنِياً بِالقُربِ مِني. سُرعانَ ما سَأَنتَهي - إنَّهُ يَنحَني، ويَذهَبُ مُسرِعاً، وسَيُديرُ كُلَّ شَيءٍ بِكفاءَةٍ بَينَما أنا أستَريحُ.
إنَّ صورَةَ الحَشَرَةِ ذاتِ القُدرَةِ المُطلَقَةِ إيجابيَّةٌ طَوالَ هَذا المَقطَعِ وتُوحي بِباطِنيَّةِ فِعلِ الكِتابَةِ المُقَدَّمِ في قُوَّتِهِ وحُرّيَّتِهِ، وفي سُمُوِّهِ الصّوفيِّ، والَّذي تَكثُرُ الأَدِلَّةُ عَلَيهِ في مُدَوَّناتِ كافكا المُبَكِّرَةِ في يَوميّاتِهِ:
إنَّ الطَّبيعَةَ الخاصَّةَ لِإلهامي... هِيَ بِحَيثُ أستَطيعُ فِعلَ كُلِّ شَيءٍ، ولَيسَ فَقَط ما يُوَجَّهُ نَحوَ قِطعَةِ عَمَلٍ مُحَدَّدَةٍ. حَتّى عِندَما أكتُبُ جُملَةً واحِدَةً بِشَكلٍ تَحَكُّميٍّ، عَلى سَبيلِ المِثالِ، 'نَظَرَ مِنَ النّافِذَةِ'، فَإنَّها تَكونُ بِالفِعلِ في غايَةِ الكَمالِ.
لَقَد كانَت سَعادَتي وقُدُراتي وكُلُّ إمكانيَّةٍ لِأَن أكونَ نافِعاً بِأيِّ شَكلٍ مِن الأشكالِ دَوماً في المَجالِ الأدَبيِّ. وهُنا لَقَد خَبِرتُ، بِالتَّأكيدِ، حالاتٍ... سَكَنتُ فيها تَماماً كُلَّ فِكرَةٍ، ولَكِنّي أيضاً مَلَأتُ كُلَّ فِكرَةٍ، ولَم أستَشعِر فيها حُدودي الشَّخصيَّةَ فَحَسبُ، بَل حُدودَ الإنسانيَّةِ بِأسرِها.
مَرَّةً أُخرى كانَت قُوَّةُ أحلامي، الَّتي تَسطَعُ حَتّى في حالَةِ اليَقَظَةِ قَبلَ أن أستَسلِمَ لِلنَّومِ، هِيَ ما مَنَعَني مِنَ النَّومِ. في المَساءِ وفي الصَّباحِ يَكونُ وَعيي بِالقُدُراتِ الإبداعيَّةِ الكامِنَةِ فِيَّ أكبَرَ مِن أن يُمكِنَني استيعابُهُ. أشعُرُ بِأنَّني مَهزوزٌ حَتّى أعمَقِ أَعماقِ كِياني، وأستَطيعُ أن أستَخرِجَ مِن نَفسي كُلَّ ما أبتَغيهِ... إنَّ الأمرَ يَتَعَلَّقُ بِـ... قُوىً خَفيَّةٍ ذاتِ دَلالَةٍ قُصوى بِالنِّسبَةِ لي.
كَيفَ يُمكِنُ البَوحُ بِكُلِّ شَيءٍ، وكَيفَ أنَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ، لِأغرَبِ الأوهامِ، تَنتَظِرُ نارٌ عَظيمَةٌ تَهْلِكُ فيها ثُمَّ تُبعَثُ مِن جَديدٍ.
بَيدَ أنَّ هَذا لا يُمَثِّلُ سِوى وَجهٍ واحِدٍ لِوَعيِ كافكا الشِّعريِّ. أمّا الوَجهُ الآخَرُ فَيَتَجَلّى في تَرَدُّدِ الرّاوي في تَحديدِ حالَةِ نَشْوَتِهِ عَبْرَ مُعادِلٍ مَوضوعيٍّ («خُنفُساءُ أيِّلٍ... أعتَقِدُ»)، مِمّا يوحي، بِغَضِّ النَّظَرِ عَن مِحنَتِهِ الشَّخصيَّةِ، بِالِاستِحالَةِ العامَّةِ لِلِاستِعارَةِ في تَسميَةِ كَينونَةِ الحالَةِ الباطِنيَّةِ مِن خِلالِ صورَةٍ ماديَّةٍ، ومِن ثَمَّ يُثيرُ شَكّاً يَمتَدُّ إلى جُذورِ الكِتابَةِ ذاتِها. بَعدَ عامِ ١٩١٢، نادِراً ما نَجِدُ مِثلَ هَذِهِ الرُّموزِ الإيجابيَّةِ لِباطِنيَّةِ الكِتابَةِ وعُزلَتِها؛ فَهَذِهِ الحَشَرَةُ «الجَميلَةُ» مَطروحَةٌ في حالَةٍ مِنَ الجَهلِ؛ والرَّمزُ الأصدَقُ لِلوَعيِ الشِّعريِّ المُغتَرِبِ الَّذي «لا أساسَ لَهُ، ولا جَوهَرَ»، والَّذي لابُدَّ أن يُكابِدَ «عَذاباتِ الِاحتِضارِ الأبَديَّةِ»، تُصبِحُ الحَشَرَةَ غريغور. إنَّ الِانتِقالَ مِنَ الحَشَرَةِ الجَميلَةِ رابان إلى الحَشَرَةِ المُرعِبَةِ غريغور يُمَثِّلُ ارتِقاءً في مَعرِفَةِ الذّاتِ - وعياً مُتَزايِداً بِفَقرِ الكِتابَةِ وقُصورِها.
يَتَحَدَّدُ مَسارُ تَأمُّلِ كافكا في الأدَبِ بِشَكلٍ أساسيٍّ، مَعَ ذَلِكَ، مِن خِلالِ رِوايَتِهِ «الحُكم»، الَّتي كُتِبَت مُباشَرَةً قَبلَ «المَسخ». وقَد شَكَّلَت «الحُكم» بِالنِّسبَةِ لِكافكا اختِراقاً نَحوَ أُسلوبِهِ الخاصِّ وأفرَزَت تَدوينَةً مُفعَمَةً بِالنَّشوَةِ في يَوميّاتِهِ. ولَكِن لاحِقاً، في تَأويلِهِ لِلقِصَّةِ، وَصَفَها كافكا بِنَبرَةٍ أَمْيَلَ إلى الشُّؤمِ، كَأنَّها «خَرَجَت مِنّي كَوِلادَةٍ حَقيقِيَّةٍ، مُغَطّاةً بِالقَذارَةِ والوَحَلِ». تَحمِلُ الصّورَةُ عُنفَ وحَتميَّةَ سَيرورَةٍ طَبيعيَّةٍ، غَيرَ أنَّ قَذارَتَها ووَحَلَها لا يُخْفِقانِ في تِذكارِ القارِئِ بِالوِلادَةِ الغَريبَةِ الَّتي تُمَثِّلُ مَوضوعَ قِصَّةِ كافكا التّاليَةِ - الجاثوم الَّذي يَخلُفُ وراءَهُ القَذارَةَ والوَحَلَ في أرجاءِ مَنزِلِ أُسرَتِهِ.
يُلهِمُ جانِبانِ رَئيسيّانِ في رِوايَةِ «الحُكم»، في اعتِقادي، كافكا بِإحساسٍ بِأصالَةِ القِصَّةِ بَلَغَ مِنَ الأهَمّيَّةِ حَدّاً يَستَوجِبُ تَخليدَهُ في صورَةِ الحَشَرَةِ. أوَّلًا، تُمَثِّلُ شَخصيَّةُ الصَّديقِ في روسيا بِجَلاءٍ لا مَثيلَ لَهُ حَتّى ذَلِكَ الحينِ سَلبيَّةَ «صِناعَةِ» الكِتابَةِ: فَيَقولُ الأبُ عَنِ الصَّديقِ إنَّهُ «أصفَرُ بِما يَكفي لِيُرمى في القُمامَةِ». ثانِياً، «الحُكم»، كَما هُوَ شَأنُ «المَسخ»، تَتَطَوَّرُ مَعَ تَجَسُّدِ تَداعِياتِ استِعارَةٍ مُشَوَّهَةٍ: فَـ«الحُكم» تُحَوِّلُ «حُكمَ» الأبِ أو «تَقييمَهُ» إلى «إدانَةٍ» مُميتَةٍ، «حُكمٍ» بِالإعدامِ.
إنَّ إدراكَ كافكا بِأنَّ «الحُكم» تَنبُثِقُ مِن تَشويهِ الِاستِعارَةِ يُملي عَلَيهِ خاتِمَةَ «تَأويلِهِ». فالنَّبرَةُ البالِغَةُ الرَّسميَّةِ لِهَذا التَّحليلِ البُنيَويِّ تُباغِتُ القارِئَ، خاصَّةً وأنَّها تَعقُبُ التَّشبيهَ العُضويَّ بِالوِلادَةِ المُفاجِئَةِ: «الصَّديقُ هُوَ الرّابِطُ بَينَ الأبِ والِابنِ، إنَّهُ أقوى رابِطٍ مُشتَرَكٍ بَينَهُما. جالِساً وَحيداً عِندَ نافِذَتِهِ، يَغوصُ غيورغ بِلَذَّةٍ في هَذا الوَعيِ بِما يَجمَعُهُما، مُعتَقِداً أنَّ الأبَ يَسكُنُ في داخِلِهِ، وكانَ لِيَشعُرَ بِالسَّلامِ مَعَ كُلِّ شَيءٍ لَولا تَفكيرٌ عابِرٌ وحَزينٌ. وفي سِياقِ القِصَّةِ يَستَخدِمُ الأبُ... الرّابِطَ المُشتَرَكَ الَّذي يُمَثِّلُهُ الصَّديقُ لِيُنَصِّبَ نَفسَهُ خَصماً لِغيورغ». يَستَخدِمُ هَذا التَّحليلُ النَّموذَجَ البُنيَويَّ لِلِاستِعارَةِ المُحَوَّلَةِ. في البِدايَةِ يَعتَبِرُ غيورغ الأبَ بِمَثابَةِ الصَّديقِ، وصَديقَهُ بِمَثابَةِ استِعارَةٍ لِلأبِ. ولَكِنَّ قَدَرَ غيورغ هُوَ أن يَأخُذَ الِاستِعارَةَ بِمَعناها الحَرفيِّ، مُفتَرِضاً أنَّهُ بِمُشارَكَتِهِ لِصِفَةِ الصَّديقِ، فَإنَّهُ يَمتَلِكُ الأبَ فِعلِياً. وفي حَرَكَةٍ مُضادَّةٍ عَنيفَةٍ، يُشَوِّهُ الأبُ الِاستِعارَةَ الأوَّليَّةَ، جاذِباً وُجودَ الصَّديقِ نَحوَ نَفسِهِ؛ وغيورغ، الَّذي يَشعُرُ الآنَ أنَّ «ما يَجمَعُهُما... هُوَ مُجَرَّدُ شَيءٍ غَريبٍ، شَيءٍ أصبَحَ مُستَقِلّاً، شَيءٍ لَم يَحمِهِ يَوماً بِما فيهِ الكِفايَةِ»، يَقبَلُ بِحُكمِهِ.
إنَّ هَذا الفَنَّ الجَديدَ، المُتَوَلِّدَ مِن تَشويهِ العَلائِقِ المَبنيَّةِ عَلى الِاستِعارَةِ، جاءَ لِكافكا بِمَثابَةِ نَشوَةٍ، ووِلادَةٍ جَديدَةٍ إجْمالِيَّةٍ، وحُكمٍ. وتَتَكَشَّفُ النِّيَّةُ الجَماليَّةُ سَلبِياً حينَ تَضطَرُّ لِلتَّعبيرِ عَن نَفسِها مِن خِلالِ حيلَةٍ مُعَذَّبَةٍ وغامِضَةٍ كَمَسخِ الِاستِعارَةِ. إنَّ قُيودَ وبُؤسَ هَذا الفَنِّ هِيَ المَوضوعُ الصَّريحُ لـ«المَسخ»؛ فَالِابتِكارُ الَّذي يُشَكِّلُ وُجودَ كافكا كَكاتِبٍ مِن الآنَ فَصاعِداً هُوَ ابتِكارٌ أصيلٌ، وتَحَكُّميٌّ، وغَريبٌ في جَوهَرِهِ. يَكتُبُ في مُذَكِّرَةٍ سِيرَذاتِيَّةٍ لاحِقَةٍ: «كُلُّ ما يَفعَلُهُ يَبدو لَهُ، وهَذا صَحيحٌ، جَديداً بِشَكلٍ استِثنائيٍّ، ولَكِن أيضاً، بِسَبَبِ السَّيلِ الهائِلِ مِنَ الأشياءِ الجَديدَةِ، يَبدو لَهُ هَاوِياً بِشَكلٍ استِثنائيٍّ، بَل ويَكادُ لا يُطاقُ، وعاجِزاً عَنِ التَّحَوُّلِ إلى تاريخٍ، قاطِعاً سِلسِلَةَ الأجيالِ، ومانِعاً لِلمَرَّةِ الأُولى عِندَ أعمَقِ أُصولِهِ موسيقى العالَمِ، الَّتي كانَ مِنَ المُمكِنِ عَلى الأقَلِّ التَّكَهُّنُ بِها قَبلَهُ. أحياناً في غُرورِهِ يَكونُ قَلَقُهُ عَلى العالَمِ أكبَرَ مِن قَلَقِهِ عَلى نَفسِهِ». إنَّ فَخرَ كافكا بِعُزلَتِهِ يُعَادِلُ حَنينَهُ إلى «موسيقى العالَمِ». هَذا التَّوَتُّرُ يُحَدِّدُ الِاستِعارَةَ المُشَوَّهَةَ بِعُنفٍ، غريغور سامسا، الَّذي يَتَسَبَّبُ في انقِطاعِ هَذِهِ الموسيقى بِاستِجابَتِهِ لِعَزفِ أُختِهِ عَلى الكَمانِ. هَذا الكائِنُ الَّذي يَحيا كَتَشويهٍ لِلطَّبيعَةِ - وبِلا تاريخٍ أو مُستَقبَلٍ، مَعَ احتِفاظِهِ بِسِيادَةٍ مُعَيَّنَةٍ - يَستَحضِرُ، مِن خِلالِ أقصى دَرَجاتِ انفِصالِهِ، أصفى فِكرَةٍ مُمكِنَةٍ عَنِ الموسيقى الَّتي لا يَستَطيعُ امتِلاكَها.
في ضَوءِ الخُنفُساءِ الجَميلَةِ في «استِعداداتُ زِفافٍ» وأثَرِ القَذارَةِ والمُخاطِ الَّذي تُخَلِّفُهُ «الحُكم»، تَتَكَشَّفُ الحَشَرَةُ في «المَسخ» كَتَعبيرٍ عَن عَلاقَةٍ تَأويليَّةٍ، وانعِكاسٍ لِإحساسِ كافكا بِمَصيرِهِ الأدَبيِّ. غَيرَ أنَّ الطّابَعَ السَّلبيَّ لِهَذِهِ الحَشَرَةِ، ولِهَذا الحُكمِ، لا يَزالُ بِحاجَةٍ إلى استِجلاءٍ. وقَد يَكونُ مِنَ المُغري افتِراضُ أنَّ «المَسخ» تَروي حِكايَةَ الكاتِبِ الَّذي لا يَكتُبُ، والَّذي لا تُثمِرُ «تِجارَتُهُ»، شَأنُهُ شَأنُ الصَّديقِ الرّوسيِّ في «الحُكم». ويُعَزِّزُ هَذا الِافتِراضَ كَمٌّ وافِرٌ مِنَ الأَدِلَّةِ في رَسائِلِ كافكا. فَفي الأوَّلِ مِن نوفَمبَر ١٩١٢، أي قَبلَ أُسبوعَينِ مِن تَبَلوُرِ فِكرَةِ «المَسخ»، كَتَبَ كافكا إلى فيليس رِسالَةً تَمسُّ العَصَبَ الحَيَّ لِلقِصَّةِ: «تَتَألَّفُ حَياتي، وكانَت دَوماً كَذَلِكَ في أساسِها، مِن مُحاوَلاتٍ لِلكِتابَةِ، مُخفِقَةٍ في جُلِّها. أمّا عِندَما كُنتُ أنقَطِعُ عَنِ الكِتابَةِ، فَكُنتُ أنهارُ أرضاً في الحالِ، ولا أصلُحُ إلّا لِسَلَّةِ المُهمَلاتِ». وبِوَصفِهِ كائِناً أدَبِياً خَالِصاً، ولَو كانَ يَتَخَبَّطُ في الإخفاقِ، يُماهي كافكا نَفسَهُ بِالجُثَّةِ الَّتي سَتُكنَسُ مِن غُرفَةِ النَّومِ. وفي الثّامِنَ عَشَرَ مِن نوفَمبَر، تُصبِحُ «المَسخ» بِمَثابَةِ «قِصَّةٍ تَحذيريَّةٍ» لِلكاتِبِ القابِعِ في حالَةِ رُكودٍ: «أجلِسُ الآنَ لِأُكمِلَ قِصَّةَ الأمسِ بِرَغبَةٍ عارِمَةٍ في أن أسكُبَ ذاتي كُلَّها فيها، وهِيَ رَغبَةٌ تَنبُعُ جَليّاً مِنَ اليَأسِ. فَأنا مُحاصَرٌ بِمُعضِلاتٍ جَمَّةٍ، ويَساوِرُني الشَّكُّ بِشَأنِكِ، وأعجِزُ عَنِ التَّأقلُمِ مَعَ العَمَلِ في المَكتَبِ، وقَد تَوَقَّفَت رِوايَتي [أمريكا] ليَومٍ كامِلٍ، في ظِلِّ شَوقٍ حارِقٍ لِمُواصَلَةِ القِصَّةِ الجَديدَةِ الَّتي تُطالِبُني بِالِالتِفاتِ إلَيها، مُنذِرةً (mahnend) بِالقَدرِ ذاتِهِ». وبَعدَ أيّامٍ قَلائِلَ مِنَ الِانتِهاءِ مِن «المَسخ»، كَتَبَ كافكا إلى فيليس: «ولا تُحَدِّثيني عَنِ العَظَمَةِ الكامِنَةِ فِيَّ، أم تَظُنّينَ أنَّ ثَمَّةَ عَظَمَةً في أمضاءِ يَومَينِ مِنِ انقِطاعي عَنِ الكِتابَةِ في خَوفٍ مُقيمٍ مِن ألّا أقدِرَ عَلى الكِتابَةِ مُجَدَّداً أبَداً، وهُوَ خَوفٌ، بِالمُناسَبَةِ، أثبَتَ هَذا المَساءُ أنَّهُ لا يَخلو مِنَ الصِّحَّةِ تَماماً؟»
وتَتَبَلوَرُ هَذِهِ المَسألَةُ بِجَلاءٍ قاطِعٍ في عامِ ١٩٢٢، حينَ يَهتَدي كافكا إلى صورَةٍ لِتَجسيدِ خَطَرِ الِانقِطاعِ عَنِ الكِتابَةِ، وهِيَ صورَةٌ تَستَحضِرُ بِقُوَّةٍ مُحاوَلَةَ الحَشَرَةِ التَّشَبُّثَ بِماضيها البَشَريِّ: «بِما أنَّ وُجودَ الكاتِبِ مُرتَهِنٌ حَقّاً بِمَكتَبِهِ، فَإذا ما أرادَ أن يُبعِدَ الجُنونَ عَنهُ، فَيَجِبُ أَلّا يَبتَعِدَ كَثيراً عَن مَكتَبِهِ، بَل يَتَعَيَّنُ عَلَيهِ أن يَعَضَّ عَلَيهِ بِالنَّواجِذِ». فَهَهُنا، كَما يُعَبِّرُ إريك هيلر (في مُقَدِّمَتِهِ لِرَسائِلِ كافكا إلى فيليس)، تَكمُنُ «لَعنَةُ كافكا: إنَّهُ يَستَحيلُ عَدَماً حينَ يَستَعصي عَلَيهِ الكِتابَةُ. بَيدَ أنَّهُ يَغوصُ أيضاً في 'عَدَميَّةٍ مِن نَوعٍ آخَرَ' إذا ما ظَنَّ، في لَحَظاتٍ نادِرَةٍ، أنَّهُ قَد أجادَ الكِتابَةَ وأنَّ الكِتابَةَ قَد 'تَقَبَّلَتهُ'».
وما هِيَ تِلكَ «العَدَميَّةُ مِنَ النَّوعِ الآخَرِ» الَّتي تَشهَدُ عَلَيها صورَةُ الحَشَرَةِ الَّتي تُمَثِّلُ فِعلَ الكِتابَةِ؟ هَل يُمكِنُ استِكناهُها، كَما يَرتَئي عَديدٌ مِنَ النُّقّادِ، مِن خِلالِ نُزوعِ كافكا إلى تَصَوُّرِ الكاتِبِ بِعَينَي غَيرِ الكاتِبِ، أيِ المُواطِنِ العاديِّ البُرجوازيِّ (Bürger)؟ فَفي أبكَرِ أعمالِ كافكا - عَلى سَبيلِ المِثالِ، في القِصَّةِ المُكتَمِلَةِ البِناءِ غَيرِ المُنَتَهيَةِ الَّتي تَستَهِلُّ بِـ«'أنتَ'، قُلتُ» - يَتَبَدّى الكاتِبُ في عُيونِ الآخَرينَ كَطَيفٍ باهِتٍ لِعازِبٍ مَجهولٍ، كيانٌ مُهَمَّشٌ يَجُرُّ أذيالَ أيّامِهِ في وِحدَةٍ واهِنَةٍ، مَحروماً مِنَ الذُّريَّةِ والمَتاعِ. وتُصَوِّرُ «الحُكم» أيَضاً الكاتِبَ في مَنظورٍ مُغْتَرِبٍ ومُهينٍ؛ وتَتَأكَّدُ الطَّبيعَةُ الجَوهَريَّةُ لِهَذِهِ العَلاقَةِ مِن خِلالِ التَّحالُفِ المُفتَرَضِ بَينَ الأبِ المُنتَقِمِ والصَّديقِ، الَّذي هُوَ قِناعٌ شَفّافٌ لِلكاتِبِ. وتَتَجَلّى أصْفَى صِياغَةٍ لِهَذا المَوضوعِ في عامِ ١٩١٩، في «رِسالَةٍ إلى أبيهِ»: «كانَت كِتاباتي تَتَمَحوَرُ حَولَكَ»، هَكَذا أعلَنَ كافكا لِأبيهِ. «فَكُلُّ ما فَعَلتُهُ هُناكَ، في نِهايَةِ المَطافِ، كانَ التَّفَجُّعَ عَلى ما لَم أستَطِعِ التَّفَجُّعَ عَلَيهِ عَلى صَدرِكَ. كانَ ذَلِكَ وَداعاً مُطَوَّلًا مُتَعَمَّداً لَكَ، ورَغمَ أنَّكَ كُنتَ الدّافِعَ إلَيهِ قَسراً، إلّا أنَّهُ مَضى في المَسارِ الَّذي رَسَمتُهُ أنا». وفي هَذِهِ المَقاطِعِ، يَبدو مَنشَأُ الكاتِبِ مَصوغاً في جَوهَرِهِ بِمَنظورِ الأبِ؛ فَغريغور سامسا أيضاً كانَ بِحاجَةٍ إلى تَصديقِ أُسرَتِهِ عَلى حَقيقَةِ مَسخِهِ.
بَيدَ أنَّ هَذِهِ الفِكرَةَ، في واقِعِ الأمرِ، لَيسَت مُهَيمِنَةً ولا حَتّى شَديدَةَ الأَهَمّيَّةِ في «المَسخ». فَالقِصَّةُ كَثيراً ما تُسَلِّطُ الضَّوءَ عَلى تَمَرُّدِ الِابنِ عَلى سُلطَةِ الأبِ: فَغريغور يَخرُجُ مِن مَخبَئِهِ لِيَستَمِعَ إلى لُغَةِ الموسيقى مُتَحَدِّياً حَظرَ أبيهِ. والأهَمُّ مِن ذَلِكَ، أنَّ حَقيقَةَ القِصَّةِ ومَأساتَها تَنبُعانِ مِن تَقَمُّصِ القارِئِ - طَوالَ العَمَلِ، باستِثناءِ الخاتِمَةِ «غَيرِ المُرضيَةِ» - لِوَعيٍ يَكادُ يَتَطابَقُ مَعَ وَعيِ غريغور ذاتِهِ. فَمَركَزُ ثِقَلِ العَمَلِ هُوَ رُؤيَةُ غريغور لِلعالَمِ: هُوَ يَرى نَفسَهُ حَشَرَةً، ولَسنا مَن يَراهُ كَذَلِكَ عَبْرَ عُيونِ الآخَرينَ. ومِمّا لَهُ دَلالَتُهُ، أنَّ الرّاوي العَليمَ بِكُلِّ شَيءٍ في نِهايَةِ القِصَّةِ يُؤَكِّدُ أنَّ جَسَدَ غريغور كانَ فِعلاً جَسَداً حَشَرياً.
ويَجِبُ النَّظَرُ إلى سَلبيَّةِ الحَشَرَةِ عَلى أنَّها مُتَأصِّلَةٌ، بِالمَعنى المُطلَقِ، في المَشروعِ الأدَبيِّ ذاتِهِ، وكَأنَّها تَتَكَشَّفُ في المَنظورِ الَّذي يُقَدِّمُهُ فِعلُ الكِتابَةِ لِنَفسِهِ. فَهنا لا يَبدو نَشاطُ الكِتابَةِ مُستَقِلّاً بِما يَكفي إلّا لِيُطالِبَ بِفُقدانِ السَّعادَةِ والتَّخَلّي عَنِ الحَياةِ. ولَكِن لَيسَ لَهُ، مِن تِلقاءِ نَفسِهِ، قُوَّةُ استِعادَةِ هَذِهِ التَّضحيّاتِ بِمَقامٍ أرفَعَ. ويُخَيِّمُ عَلى كِتابَةِ كافكا عُنوانٌ دائِمٌ مِنَ السَّلبيَّةِ والنُّقصانِ:
حينَما استَبانَ في جَسَدي أنَّ الكِتابَةَ هِيَ الوِجهَةُ الأكثَرُ إثماراً لِكِياني، اندَفَعَ كُلُّ شَيءٍ نَحوَ تِلكَ الوِجهَةِ، تارِكاً كافَّةَ المَلَكاتِ الَّتي كانَت تَتَوَجَّهُ نَحوَ مَلَذّاتِ الجِنسِ، والأكلِ، والشُّربِ، والتَّأمُّلِ الفَلسَفيِّ، وفَوقَ كُلِّ ذَلِكَ الموسيقى، فارِغَةً خاوِيَةً. لَقَد ضَمُرتُ في كُلِّ هَذِهِ الِاتِّجاهاتِ... وتَطَوُّري الآنَ قَدِ اكتَمَلَ، وبِقَدرِ ما أرى، لَم يَتَبَقَّ شَيءٌ لِأُضَحّيَ بِهِ؛ لا أحتَاجُ سِوى لِأن أنبُذَ عَمَلي في المَكتَبِ مِن هَذِهِ الحَلقَةِ المُفْرَغَةِ لِأبدَأَ حَياتي الحَقيقِيَّةَ.
ويَمُرُّ الطَّريقُ إلى «حَياةِ كافكا الحَقيقِيَّةِ» مُعَبَّداً بِالتَّضحيّاتِ؛ وحَقيقَةُ أنَّهُ لَم يَستَطِع قَطُّ التَّخَلّيَ عَن عَمَلِهِ المِهَنيِّ حَتّى أُصيبَ بِمَرَضٍ مُميتٍ تَعكِسُ الِاستِحالَةَ المُتَأصِّلَةَ لِلُوُصولِ إلَى مِثالِهِ المَنشودِ.
وفي رِسالَةٍ بَعَثَ بِها إلى ماكس برود في ٥ يوليو ١٩٢٢، يَتَخَيَّلُ كافكا الكاتِبَ قاطِناً في مَكانٍ خارِجَ بَيتِ الحَياةِ - كَأنَّهُ إنسانٌ مَيِّتٌ، مِن أُولَئِكَ «الرّاحِلينَ»، في قِصَّةِ «التَّأمُّلات»، الَّذينَ يَتوقونَ لِأن يَنجَرِفوا مُجَدَّداً إلَينا. ولا يُمكِنُ أن يَكونَ الأمرُ خِلافَ ذَلِكَ؛ فَـ«الكاتِبُ كِيانٌ لا وُجودَ لَهُ حَقّاً» (ليس لَهُ وُجودٌ أصيلٌ - ist etwas nicht Bestehendes)؛ وما يُبدِعُهُ هُوَ شَيطانيٌّ، «ثَمَنٌ لِخِدمَةِ الشَّيطانِ. هَذا الهُبوطُ إلى القُوى الظَّلاميَّةِ، هَذا التَّحَرُّرُ لِلأرواحِ الَّتي كَبَّلَتها الطَّبيعَةُ، هَذِهِ العِناقاتُ المُريبَةُ وكُلُّ ما قَد يَحدُثُ في العالَمِ السُّفليِّ مِمّا لَم تَعُدِ العَوالِمُ العُليا تَعرِفُ عَنهُ شَيئاً، حينَ يَكتُبُ المَرءُ قِصَصَهُ في ضَوءِ الشَّمسِ. قَد تَكونُ هُناكَ أشكالٌ أُخرى لِلكِتابَةِ، بَيدَ أنّي لا أعرِفُ سِوى هَذا النَّوعِ». «ولَكِن»، كَما يُلاحِظُ إريك هيلر، «يَبقى مِنَ المُشْكِلِ مَعرِفَةُ مَن هُوَ هَذا 'المَرءُ' الَّذي 'يَكتُبُ قِصَصاً في ضَوءِ الشَّمسِ'. هَل هُوَ كافكا نَفسُهُ؟ 'الحُكم' - وضَوءُ الشَّمسِ؟ 'المَسخ'... وضَوءُ الشَّمسِ؟... كَيفَ لابُدَّ أن يَكونَ الوَضعُ 'في العالَمِ السُّفليِّ' إذا كانَت زُهورٌ كَهَذِهِ تَتَفَتَّحُ 'في العَوالِمِ العُليا'؟»
إنَّ فَنَّ كافكا، الَّذي يُسَمّيهِ كافكا في مَوضِعٍ آخَرَ استِحضاراً لِلأرواحِ، يَجلِبُ إلى نُورِ اللُّغَةِ تَجرِبَةَ الهُبوطِ والشَّكِّ. وحَتّى هَذِهِ التَّجرِبَةُ يَجِبُ أن تَتَكَرَّرَ مِراراً وتَكراراً. «هَكَذا أَتَأرجَحُ، أُحَلِّقُ باستِمرارٍ نَحوَ قِمَّةِ الجَبَلِ، ولَكِنَّني أسقُطُ مُجَدَّداً في غُضونِ لَحظَةٍ... [إنَّهُ] لَيسَ المَوتُ، لِلأسَفِ، بَل عَذاباتُ الِاحتِضارِ الأبَديَّةُ». لا يوجَدُ استِقرارٌ حَقيقيٌّ في هَذا التَّحليقِ اليائِسِ؛ فَيَستَحضِرُ كافكا مَوتَهُ الخَاصَّ ويَكتُبُ: «بِالطَّبعِ سَيَموتُ الكاتِبُ فِيَّ عَلى الفَورِ، لِأنَّ مِثلَ هَذِهِ الشَّخصيَّةِ لا أساسَ لَها، ولا جَوهَرَ، وهِيَ أقَلُّ مِنَ الغُبارِ. إنَّها تَكادُ تَكونُ مُمكِنَةً فَحَسبُ في غِمارِ الحَياةِ الأرضيَّةِ، ولا تَعدو كَونَها بِناءً مِنَ الشَّهوانيَّةِ (الشَّرَهُ لِلمُتعَةِ - Genußsucht). هَذا هُوَ كاتِبُكُم». إنَّ تَدليلَ الذّاتِ الَّذي يُحَدِّدُ الكاتِبَ هُوَ ذَلِكَ الخّاصُّ بِالكائِنِ الَّذي يَتَأمَّلُ نَفسَهُ والآخَرينَ دائِماً. ويُمكِنُ أخذُ كَلِمَةِ «شَخصيَّةٍ» في المَقطَعِ أعلاهُ بِمَعناها الحَرفيِّ: فَالكاتِبُ يَتَحَدَّدُ مِن خِلالِ شَخصيّاتِهِ (صورِهِ) اللَّفظيَّةِ، الَّتي تَتَشَكَّلُ بِمَعزِلٍ عَنِ الحَياةِ، ومُستَلهَمَةٍ مِنِ انفِصالٍ جَماليٍّ شَيطانيٍّ ذي رَغبَةٍ عارِمَةٍ في تَدليلِ ذاتِهِ؛ بَيدَ أنَّهُ يُعاني أيضاً مِنِ انقِطاعِ الصّورَةِ عَن لُغَةِ الحَياةِ - الصّورَةُ المَيِّتَةُ. إذن، فَإنَّ روحَ كافكا تُستَنزَفُ في «إضاءَةِ»، ولَكِن أيضاً في «تَأثيثِ» - جُثَّتِهِ.
إنَّ هَذِهِ الإقامَةَ خارِجَ بَيتِ الحَياةِ (Schriftstellersein)، الحالَةَ السَّلبيَّةَ لِلكِتابَةِ بِحَدِّ ذاتِها، هِيَ ما يَتِمُّ تَسْميَتُهُ في «المَسخ»؛ ولَكِنَّها لا تَستَطيعُ تَسميَةَ نَفسِها مُباشَرَةً، بِلُغَةٍ تُشيرُ إلى أشياءَ مَوجودَةٍ أو في الصُّوَرِ الَّتي تُوحي بِالعَلائِقِ بَينَ الأشياءِ الَّتي تُشَكِّلُ الخَيالَ المُشتَرَكَ لِلحَياةِ. بَدَلاً مِن ذَلِكَ، يُطلِقُ كافكا في «المَسخ» كَلِمَةً عَلى كائِنٍ مَرفوضٍ مِنَ البَشَرِ (ungeheuer) ومَرفوضٍ مِنَ الرَّب (Ungeziefer)، كَلِمَةً لا تَصلُحُ لِلكَلامِ الحَميمِ ولا لِلدُّعاءِ. تَستَحضِرُ هَذِهِ الكَلِمَةُ تَشَوُّهاً بِلا هُويَّةٍ بَصَريَّةٍ أو وَعيٍ بِالذّاتِ - فَتَخلُقُ، لِبَطَلٍ، عَلامَةً صافيَةً. إنَّ مَخلوقَ «المَسخ» لَيسَ ذاتاً تَتَكَلَّمُ أو تَصمُتُ، بَلِ اللُّغَةُ ذاتُها (parole) - كَلِمَةٌ انتُزِعَت مِن سِياقِ اللُّغَةِ (langage)، وسَقَطَت في فَراغٍ لا تَستَطيعُ التَّعبيرَ عَن مَعناهُ، بِالقُربِ مِن آخَرينَ لا يَستَطيعونَ فَهمَها.
وبِوَصفِها قِصَّةَ استِعارَةٍ مُتَحَوِّلَةٍ، فَإنَّ «المَسخ» لَيسَت مُجَرَّدَ قِصَّةٍ واحِدَةٍ مِن بَينِ قِصَصِ كافكا، هِيَ قِصَّةٌ كافكاويَّةٌ نَموذَجيَّةٌ؛ فَالعُنوانُ يَعكِسُ المَبدَأَ التَّوليديَّ لِأدَبِ كافكا الخَياليِّ - تَحَوُّلُ وَظيفَةِ اللُّغَةِ. ومِن خِلالِ تَنظيمِ نَفسِها حَولَ تَشويهِ اللُّغَةِ العاديَّةِ، تُسقِطُ «المَسخ» في مَركَزِها عَلامَةً تَمتَصُّ أهَمّيَّتَها الخاصَّةَ (كَما يَحجُبُ جَسَدُ غريغور الغامِضُ وَعيَهُ بِذاتِهِ) وبِالتّالي تَهدِفُ في اتِّجاهٍ مُعَاكِسٍ لِفَنِّ الرَّمزِ؛ فَهُناكَ، بِعِبارَةِ موريس ميرلو بونتي، «تُلتَهَمُ» العَلامَةُ بِفِعلِ دَلالَتِها. وتَكونُ نَتيجَةُ هَذا الِاتِّجاهِ في «المَسخ» هِيَ بَشاعَتُها. فالفَنُّ الرَّمزيُّ، المَبنيُّ عَلى الِاستِعارَةِ الَّتي تُخفي الدّالَّ إلى مُستَوى المَدلولِ، يَبدو لَنا جَميلاً: إنَّ فِكرَتَنا عَنِ التَّناغُمِ الجَميلِ بَينَ العَلامَةِ والمَعنى تُهَيمِنُ عَلَيها الدَّلالَةُ البَشَريَّةُ، بِشَكلِ الشَّخصِ الَّذي في مَفهومِ شيلر الكلاسيكيِّ لِلفَنِّ «يَستَأصِلُ المَرجِعَ الماديَّ». وتُخَيَّبُ هَذِهِ التَّوَقُّعاتُ بِسَبَبِ العَلامَةِ المُعتِمَةِ والمُفتَقِرَةِ عِندَ كافكا. فَفَنُّهُ يَلتَهِمُ المَعنى البَشَريَّ لِنَفسِهِ، وبِالفِعلِ، لابُدَّ أن يُثيرَ قَريباً مَسألَةَ الغِذاءِ المُلائِمِ. لِذَلِكَ، فَإنَّهُ مِنَ المُتَناسِقِ داخِلياً أن تَستَشعِرَ الحَشَرَةُ - الكَلِمَةُ بِلا مَعنىً - غِذاءً طازَجاً وتقارباً في الموسيقى، لُغَةِ العَلاماتِ بِلا مَعنىً.
بَيدَ أنَّ الأُغنيَةَ الَّتي يَسمَعُها غريغور لا تُبَدِّلُ مِن مُعاناتِهِ: فَالموسيقى تَنقَطِعُ؛ والمَسخُ يَجِدُ قوتَهُ في خَيالٍ أغلَظَ قِوامُهُ الغَضَبُ والِاستِحواذُ. يَنقُلُ هَذا المَشهَدُ التَّفاوُتَ التّامَّ بَينَ جَسَدِ الحَشَرَةِ وشَهَواتِهِ، وذَلِكَ الضَّربِ الآخَرِ مِنَ الغِذاءِ الَّذي يَتوقُ إلَيهِ؛ ولا تُثمِرُ اللَّحظَةُ تَناغُماً رَمرِياً بَل تَوَتُّراً لا يُطاقُ بَينَ نَقائِضَ لا تُجمَعُ. وفي عِبارَةِ كافكا المُستَغلِقَةِ، «هَل كانَ حَيَواناً، حَتّى تَمُسَّهُ الموسيقى إلى هَذا الحَدِّ؟»، يَتَرَدَّدُ صَدى المُفارَقَةِ مُزعِجاً بِلا هَوادَةٍ.
في خَواتيمِ «المَسخ»، تُصدِرُ عائِلَةُ غريغور بِحَقِّهِ حُكماً بِالمَوتِ يَتَبَنّاهُ عَلى الفَورِ كَأنَّهُ حُكمُهُ؛ ثُمَّ يَغوصُ في غَيبوبَةٍ خاوِيَةٍ.
كانَ يَشعُرُ بِآلامٍ، بَلا رَيبٍ، في كُلِّ جَسَدِهِ، بَيدَ أنَّهُ تَخَيَّلَ أنَّها تَخبو شَيئاً فَشَيئاً، وسَتَتَلاشى تَماماً في النِّهايَةِ. أمّا التُّفّاحَةُ المُتَعَفِّنَةُ في ظَهرِهِ والمِنطَقَةُ المُلتَهِبَةُ حَولَها، والَّتي غَطّاها غُبارٌ زَغِبيٌّ بالكامِلِ، فَلَم تَعُد تُزعِجُهُ قَطُّ. وعادَ بِفِكرِهِ إلى عائِلَتِهِ بِمَشاعِرَ عَميقَةٍ ومَحَبَّةٍ. وكانَت قَناعَتُهُ بِوُجوبِ اختِفائِهِ أرسَخَ، إن أمكَنَ، مِن قَناعَةِ أُختِهِ. ولَبِثَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ مِنَ التَّأمُّلِ الفارِغِ والمُسالِمِ حَتّى دَقَّت ساعَةُ البُرجِ الثّالِثَةَ صَباحاً.
إنَّهُ خاوٍ مِن كُلِّ الشَّواغِلِ العَمَليَّةِ؛ وقَد ضَمُرَ جَسَدُهُ إلى مُجَرَّدِ قِشرَةٍ جافَّةٍ، بَلَغَت مِنَ الكَثافَةِ ما يَكفي لِتَصيرَ رَنّانَةً، ومِنَ الكَثافَةِ أيضاً ما جَعَلَها تَنخَدِعُ بِوُعودِ التَّناغُمِ في الموسيقى. إنَّهُ يُذَكِّرُ بِمَسيحِ يوحَنّا، فَلَحظَةُ غريغور الأخيرَةُ صامِتَةٌ وخالِيَةٌ مِنَ الألَمِ. «ورَأى أنَّ النّورَ بَدَأ يَنبَلِجُ في الخارِجِ. ثُمَّ، دونَ إرادَتِهِ، تَدَلّى رَأسُهُ نَحوَ الأرضِ، وتَسَرَّبَ مِن مِنخَرَيهِ آخِرُ أنفاسِهِ الضَّعيفَةِ». لِلَحظَةٍ، تُشرِقُ صَحراءُ عالَمِ غريغور المُعتِمَةِ؛ ويَبلُغُ جَسَدُهُ الغامِضُ، الَّذي فَقَدَ قُوَّتَهُ تَدريجياً، شَفافيَّةً خافِتَةً. ومِن خِلالِ تَحطيمِ التَّناغُمِ الخادِعِ لِلِاستِعارَةِ والمَزاعِمِ الجَماليَّةِ لِلرَّمزِ، يُوَلِّدُ كافكا ضَرباً آخَرَ مِنَ الجَمالِ، وبِهَذا، يُغْلِقُ حَلقَةً مِنَ التَّأمُّلِ في عَمَلِهِ نَفسِهِ. فَفي عامِ ١٩١٠، وقُبَيلَ أن يَنبَثِقَ فَنُّهُ النّاضِجُ كَتَشويهٍ لِلِاستِعارَةِ، كَتَبَ كافكا في شَذرَةِ القِصَّةِ، «'أنتَ'، قُلتُ...»: «بِالفِعلِ، بَدا أنَّ ما يَحميني يَتَلاشى هُنا في المَدينَةِ. كُنتُ جَميلاً في الأيّامِ الأُولى، فَهَذا التَّلاشي يَحدُثُ كَتَأليهٍ، حَيثُ يَطيرُ كُلُّ ما يَربِطُنا بِالحَياةِ بَعيداً، ولَكِن حَتّى وهُوَ يَطيرُ يُضيئُنا لِلمَرَّةِ الأخيرَةِ بِنورِهِ البَشَريِّ».
في خِتامِ «المَسخ»، يَتَحَقَّقُ التَّحَوُّلُ المُستَمِرُّ لِلِاستِعارَةِ مِن خِلالِ وَعيٍ فارِغٍ مِن كُلِّ انتِباهٍ عَمَليٍّ وجَسَدٍ يُحافِظُ عَلى غُموضِهِ، ولَكِن في شَكلٍ ضَئيلٍ جِدّاً بِحَيثُ يَبلُغُ حالَةَ الشَّفافيَّةِ الخالِيَةِ مِنَ الألَمِ، وهِيَ نَوعٌ مِنَ الجَمالِ. فمِن خِلالِ خَلقِ صورَةٍ في الحَشَرَةِ لِتَشويهِ الِاستِعارَةِ، وهُوَ المَبدأُ التَّوليديُّ لِفَنِّهِ، يُؤَكِّدُ كافكا عَلى سَلبيَّةِ الكِتابَةِ ولَكِنَّهُ يَدخُلُ في الوَقتِ نَفسِهِ في موسيقى العالَمِ التّاريخيِّ في لَحظَةٍ حاسِمَةٍ. ويَكشِفُ فَنُّهُ في جُذورِهِ عَن تَقليدٍ جَماليٍّ رومانسيٍّ قَوِيٍّ يَرتَبِطُ بِأسماءِ روسو وهولدرلين ووردزورث وشليغل، وهُوَ التَّقليدُ الَّذي يُوَجِّهُ النَّقدَ لِلشَّكلِ الرَّمزيِّ واللُّغَةِ الاستِعاريَّةِ بِاسمِ نَوعٍ مِنَ اللُّغَةِ المَجازيَّةِ (الرَّمزيَّةِ). إنَّ صُوَرَ هَذا المَجازِ الدُّنيَويِّ لا تُشيرُ عَقائِديّاً إلى الكِتابِ المُقَدَّسِ؛ بَل تَتَعَلَّقُ بِمَصدَرِ القَرارِ بِتَشكيلِها. إنَّها تَستَبدِلُ الوَحدَةَ العَقائِديَّةَ لِلعَلامَةِ والمَعنى بِالعَلاقَةِ الزَّمَنيَّةِ لِلعَلامَةِ بِمَصدَرِها المُضيءِ. وتَظهَرُ هَذِهِ العَلاقَةُ مِن خِلالِ الِاختِلافِ الزَّمَنيِّ بَينَ العَلامَةِ المَجازيَّةِ والعَلامَةِ الَّتي تُنذِرُ بِها؛ والمَعنى الدَّقيقُ لِلعَلاماتِ أقَلُّ أهَمّيَّةً مِنَ الطّابَعِ الزَّمَنيِّ لِعَلاقَتِها. إنَّ الحَشَرَةَ الَّتي تُشيرُ إلى أشكالِ الحَشَراتِ في أعمالِ كافكا المُبَكِّرَةِ، والَّتي يُشيرُ مَوتُها وَسَطَ إضاءَةٍ مُتَزايِدَةٍ عَرَضِياً إلى مَوتِ المَسيحِ، هِيَ بِالضَّبطِ مِثلُ هَذِهِ الصّورَةِ. ولَكِنَّ التَّشديدَ عَلى الطّابَعِ الزَّمَنيِّ لِلِاستِعارَةِ المُتَحَوِّلَةِ في «المَسخ» يَعني تَمييزَها بِشَكلٍ مُهِمٍّ عَنِ «الِاستِعارَةِ المُمتَدَّةِ» في مُناقَشَةِ أندرس وسوكل، لِأنَّهُ في هَذا المَفهومِ العُضويِّ لِلصّورَةِ، تَتَطابَقُ العَلامَةُ والمَعنى كَأشكالٍ مِنَ الِامتِدادِ. وإذا كانَتِ التَّعبيريَّةُ تُعَرَّفُ مِن خِلالِ المَزيدِ مِنِ امتِدادِ الِاستِعارَةِ، فَلا يُمكِنُ استيعابُ «المَسخ» في التَّقليدِ التَّعبيريِّ. يَجِبُ صِياغَةُ الأمرِ بِشَكلٍ مُختَلِفٍ وأقوى: إذا كانَتِ التَّعبيريَّةُ هِيَ الحَرَكَةَ الأدَبيَّةَ الَّتي تَستَمِدُّ زَخَماً مُستَمِرّاً مِن تَحَوُّلِ الِاستِعارَةِ - مِن المَجازِ، والنَّقدِ، وتَفكيكِ الِاستِعارَةِ - فَإنَّ كافكا هُوَ تَعبيريٌّ في الصَّميمِ.
تُشيرُ «المَسخ» إلى تَقليدٍ مُعَيَّنٍ لِلمَجازِ الرّومانسيِّ ولَكِنَّها تَفعَلُ ذَلِكَ لِلَحظَةٍ واحِدَةٍ فَحَسبُ قَبلَ أن تَبتَعِدَ عَنها فَجأَةً. يُقالُ صَراحَةً إنَّ النّورَ الَّذي يَموتُ فيهِ غريغور يَنبَعِثُ مِن خارِجِ النّافِذَةِ ولَيسَ مِن مَصدَرٍ داخِلَ المَوضوعِ. إنَّ المَخلوقَ الَّذي أدارَ ظَهرَهُ لِلحَياةِ مُواجِهاً المَوتَ - وبِالتّالي هُوَ عَلامَةٌ مَحضَةٌ عَلى الوَعيِ الشِّعريِّ - يَحتَفِظُ بِالنِّسبَةِ لِكافكا بِطابَعِهِ الغامِضِ والأرضيِّ. إنَّهُ كَجَسَدٍ مُشَوَّهٍ يُضرَبُ غريغور بِالنّورِ؛ وفي هَذا النّورِ، الَّذي يَختَلِفُ بِشَكلٍ أساسيٍّ عَن مَصدَرِ الإبداعِ الشِّعريِّ، يَكادُ العَمَلُ الفَنّيُّ يَتَعَرَّفُ عَلى حَقيقَتِهِ الخَاصَّةِ. فَقَد كَتَبَ كافكا: «فَنُّنا هُوَ طَريقَةٌ لِلِانبهارِ بِالحَقيقَةِ؛ النّورُ عَلى الوَجهِ المُتَراجِعِ المُشَوَّهِ بِغرابَةٍ هُوَ صَحيحٌ، ولا شَيءَ غَيرُ ذَلِكَ». ولِأنَّ لُغَةَ أدَبِ كافكا الخَياليِّ تَنبُعُ بِشَكلٍ واعٍ مِن تَأمُّلٍ في الكَلامِ العاديِّ، فَلا يُمكِنُها أن تُظهِرَ الحَقيقَةَ إلّا كَجِسمٍ صُلبٍ يَعكِسُ النّورَ، شَذرَةٍ فارِغَةٍ مِمّا «نُسَمّيهِ عالَمَ الحَواسِّ، [والَّذي] هُوَ الشَّرُّ في العالَمِ الرّوحانيِّ».
ولِذَلِكَ تَبقى صورَةُ الحَشَرَةِ المَجهولَةِ غامِضَةً بِشَكلٍ أساسيٍّ. إنَّ ما هُوَ أساسيٌّ أكثَرَ مِن لَحظَةِ الشَّفافيَّةِ، الَّتي تَنعَكِسُ في حَقيقَةِ أنَّ هَذِهِ اللَّحظَةَ لا يُمكِنُ الحُصولُ عَلَيها إلّا عِندَ المَوتِ ودونَ شاهِدٍ، هُوَ الرُّعبُ مِن أنَّ الكِتابَةَ لَن تَكونَ أبَداً أكثَرَ مِنِ ابتِسامَةٍ مُلتَويَةٍ يَنعَكِسُ عَلَيها نورٌ لَيسَ نورَها. هُنا يَنضَمُّ خَيالُ كافكا اللُّغَويُّ في جَوهَرِهِ إلى تَقليدٍ حَديثٍ مُدَمِّرٍ، وَصَفَهُ ميشيل فوكو:
إنَّ الأدَبَ في أيّامِنا هَذِهِ، المَفتونَ بِكِيانِ اللُّغَةِ، يُبرِزُ، بِكُلِّ حَيَويَّتِها التَّجريبيَّةِ، الأشكالَ الأساسيَّةَ لِلتَّناهي. ومِن داخِلِ اللُّغَةِ المُختَبَرَةِ والمُجتازَةِ كَلُغَةٍ، في لعبَةِ إمكانيّاتِها المُمتَدَّةِ إلى أقصى حَدٍّ، يَبرُزُ أنَّ الإنسانَ قَد 'وَصَلَ إلى نِهايَتِهِ'، وأنَّهُ بِبلوغِهِ قِمَّةَ كُلِّ كَلامٍ مُمكِنٍ، لا يَصِلُ إلى صَميمِ ذاتِهِ بَل إلى حافَّةِ ما يَحُدُّهُ؛ في تِلكَ المِنطَقَةِ الَّتي يَجوبُ فيها المَوتُ، حَيثُ يَنطَفِئُ الفِكرُ، وحَيثُ يَتَراجَعُ وَعدُ الأصلِ بِلا نِهايَةٍ... وكَأنَّ هَذِهِ التَّجرِبَةَ لِأشكالِ التَّناهي في اللُّغَةِ كانَت لا تُطاقُ... إنَّهُ داخِلَ الجُنونِ تَجَلَّت - صورَةُ التَّناهي هَكَذا تَتَمَوضَعُ في اللُّغَةِ (كَما يَتَكَشَّفُ في داخِلِها)، ولَكِن أيضاً قَبلَها، سابِقَةً لَها، كَتِلكَ المِنطَقَةِ العَشوائِيَّةِ، البَكماءِ، غَيرِ الدّالَّةِ الَّتي يُمكِنُ لِلُّغَةِ أن تَجِدَ فيها حُرّيَّتَها. وإنَّهُ بِالفِعلِ في هَذا الفَضاءِ الَّذي تَكَشَّفَ هَكَذا، تَمَوضَعَ الأدَبُ... بِشَكلٍ أكثَرَ نَقاءً، مَعَ كافكا وباتاي وبلانشو... كَتَجرِبَةٍ لِلتَّناهي.
الغايَةُ مِن هَذا كلّه هِيَ استِجلاءُ مَسألَةِ غُموضِ كافكا مِن خِلالِ التَّركيزِ عَلى بَلاغَةِ «المَسخ». لا تَنحَصِرُ وَظيفَةُ بَلاغَةِ كافكا أو لا تَكْمُنُ أساساً في تَعقيدِ أوصافِ الشَّخصيَّةِ والحَدَثِ إلى الحَدِّ الَّذي يَتَلاشى فيهِ الثَّباتُ؛ إنَّما تُحَدِّدُ أنماطَ الإقناعِ وتُحَرِّكُها.
ومِنَ المُؤَكَّدِ أنَّ مُمارَسَةَ العَديدِ مِن قُرّاءِ كافكا الحَصيفينَ قَد أصبَحَت تَتَمَثَّلُ في مُحاوَلَةِ إثباتِ استِحالَةِ فَكِّ رُموزِ قِصَصِهِ. وهِيَ غايَةٌ مَشكورَةٌ بِنَحوٍ ما: لِوَضعِ حَدٍّ لِلتَّأويلاتِ القَديمَةِ الَّتي استَشَفَّت في أدَبِ كافكا مَعانِيَ زاخِرَةً وأُحاديَّةً، وبِذَلِكَ تَباعَدَتِ أكثَرَ فَأكثَرَ عَنِ الكاتِبِ كَما قَرَأ نَفسَهُ وكَما يُقرَأُ مِن خِلالِ عَمَلِهِ. يَعْمَدُ النُّقّادُ إلى نَزعِ الأُسطورَةِ عَن شَخصيَّةِ كافكا كَإنسانٍ مُتَدَيِّنٍ، وعَن كافكا كَفَيلَسوفٍ وُجوديٍّ - بَل وعَن كافكا كَصادِعٍ بِالحَقيقَةِ. وبَدَلاً مِن ذَلِكَ، يُقَدِّمونَ مُؤَلِّفاً لِحِكاياتٍ خَياليَّةٍ أدَبيَّةٍ، مُؤَكِّدينَ عَلى المَدى الَّذي كانَ كافكا يَعتَبِرُ نَفسَهُ فيهِ حَدَثاً جَمالِياً مَحضاً. غَيرَ أنَّ نَزعَ الأُسطورَةِ هُوَ ذَلِكَ الجُهدُ السَّلبيُّ الَّذي لابُدَّ أن يَقصُرَ دونَ كافكا، لِأنَّهُ يَتَجاهَلُ رُؤيَتَهُ الَّتي تَرى أنَّ الأدَبَ يَرومُ الصَّدعَ بِالحَقيقَةِ - وإن كانَ مَجازِياً، في قالَبِ الخَيالِ. وفي نِهايَةِ المَطافِ، فَإنَّ النَّقدَ الَّذي يَنزِعُ الأُسطورَةَ عَن كافكا يَستَبدِلُ أُسطورَةً حَولَ عَمَلِهِ بِأُخرى.
تِلكَ هِيَ حَصيلَةُ التَّعَنُّتِ في إبرازِ التَّعَدُّديَّةِ المَعنَويَّةِ المُتَحَرِّكَةِ في أدَبِ كافكا، وفي قَصدِهِ الإيقاعَ بَينَ شَفَراتٍ مُتَبايِنَةٍ تَأبى التَّوحيدَ. ويَنتَهي هَذا المَشروعُ النَّقديُّ بِإعلانِ خَيالِ كافكا غامِضاً في جَوهَرِهِ بِعَتمَةٍ تَسحَرُ الألبابَ: فَفُقدانُ المَعنى الكُلّيِّ يَفوزُ بِجائِزَةِ التَّعزيَةِ المُتَمَثِّلَةِ في «سِحرِ» كافكا. إنَّ هَذا يَنزِعُ مِن أدَبِ كافكا يَقينَ الرِّسالَةِ، مَهما كانَت تِلكَ الرِّسالَةُ السَّلبيَّةُ مُؤَثِّرَةً، عَن فِخاخِ المُدُنِ، وخَواءِ البيروقراطيَّةِ، ودَمَويَّةِ الأُسرَةِ، وجِراحِ الوَعيِ بِالذّاتِ. ولَكِنَّهُ يُحِلُّ مَحَلَّها فيضاً أشَدَّ تَأثيراً - افتِتاناً لا يُمكِنُ لِلمَرءِ أن يَتَخَلَّصَ مِنهُ أبَداً. ولَكِن، ما أقَلَّ ما كانَ لِهَذا الكَشفِ المُريحِ أن يُرضيَ كافكا، ذَلِكَ الغُرابَ الخُرافيَّ الَّذي عَقَدَ العَزمَ حَقّاً عَلى اقتِحامِ السَّماواتِ. فَكافكا، بَعدَ كُلِّ شَيءٍ، هُوَ مَن يَجِدُ أنَّهُ «مِنَ المُمكِنِ تَماماً أن تَكونَ رَوعَةُ الحَياةِ كامِنَةً... مَحجوبَةً عَنِ النَّظَرِ» - رَوعَةٌ لَيسَت هِيَ نَفسَها «سِحراً». «إذا دَعَوتَها [هَذِهِ الرَّوعَةَ] بِالكَلِمَةِ الصَّحيحَةِ، بِاسمِها الصَّحيحِ، فَسَتَأتي. هَذا هُوَ جَوهَرُ السِّحرِ»: أي، ألّا تَكونَ رائِعاً، بَل أن تَستَدعيَ الرَّوعَةَ الكامِنَةَ وَراءَ ذَلِكَ.
وقَد واصَلَتِ القِراءاتُ الخاطِئَةُ التَّنظيميَّةُ لِلوَفرَةِ التَّأويليَّةِ والغُموضِ الآسِرِ تَشكيلَ التَّعليقاتِ حَتّى اللَّحظَةِ الرّاهِنَةِ. فَقَد رَأى بِرتولت بريخت حَقيقَةَ كافكا جَليَّةً، وَسَطَ «التَّلبيسِ واللَّغوِ»، كـ«اغتِرابِ البَشَرِ عَن أنفُسِهِم بِسَبَبِ أنماطِ حَياتِهِم في المُجتَمَعِ... والفَزَعِ مِنِ النُّموِّ اللّامُتَناهي الَّذي لا يُقاوَمُ لِلمُدُنِ الكُبرى». ومِن ناحيَةٍ أُخرى، كانَ والتَر بنيامين، في حِوارِهِ مَعَ بريخت، عاقِداً العَزمَ عَلى الخَوضِ في أعماقِ كافكا (الغامِضَةِ). ولِذا يَبدو كِلاهُما كَخاطِئَينِ عَلى طَرَفَي نَقيضٍ نَقدياً، مَعَ هَذا التَّحَفُّظِ: أوضَحَ بريخت أنَّ حَقيقَةَ كافكا لَيسَت وَفيرَةً إنَّما يَجِبُ استِخلاصُها تِقَنِياً مِن ثَبَجِ المَوادِّ المُشَوَّهَةِ - «حُطامٌ ونُفاياتٌ، والكَثيرُ مِنَ التَّلبيسِ المَحضِ»؛ في حينِ شَعَرَ بنيامين أنَّ الغايَةَ مِن سَبرِ الأعماقِ لَم تَكُنِ اكتِشافَ اللُّغزِ هُناكَ، بَل بالأحرى تَحديدَ «الشَّيءِ المُهِمِّ» - لا شَيءَ مِمّا سَبَقَ ذِكرُهُ - بَل «شَيءٌ آخَرُ».
وطَرَحَ نُقّادُ كافكا مِنَ الجيلِ التّالي أسئِلَةً أهْدَأَ حَولَ بَلاغَتِهِ وأُسلوبِهِ - مَقارَباتٌ تَأسيسيَّةٌ في حينِها، وكَما هِيَ الآنَ، وقَد أثبَتَت فاعِليَّتَها. فَقَد أفلَحَ كُلٌّ مِن فريدريش بَيسنَر، ومارتن فالسر، وإنغيبورغ هينيل، ورُدولف بِنيون، عَلى سَبيلِ المِثالِ، في تَوضيحِ بُعدٍ هَيكَليٍّ مِفتاحيٍّ لِـ«المَسخ»: ألا وهُوَ وِجهَةُ نَظَرِها السَّرديَّةُ، الَّتي لا تَتَطابَقُ مَعَ وَعيِ البَطَلِ بَل تَتَوافقُ مَعَهُ فَحَسبُ، وتُخفي مَسافَةً بَينَما تُحافِظُ عَلَيها. هَذا المَنظورُ يُفَسِّرُ، بِخِلافِ كَونِهِ أثَراً لِلسِّحرِ، حَقيقَةَ أنَّ القُرّاءَ لابُدَّ أن يُعَلِّقوا أنفُسَهُم بِرُؤيَةِ غريغور سامسا. وتَتَغَيَّرُ وِجهَةُ نَظَرِ كافكا مَعَ مَوتِ البَطَلِ إلى العِلمِ بِكُلِّ شَيءٍ، لَكِنَّها لا تَفعَلُ ذَلِكَ مِن أجْلِ الإعلانِ بِأنَّ مَسخَ البَطَلِ ضَلالَةٌ آسِرَةٌ.
أظهَرَت قِراءاتٌ بَلاغيَّةٌ أُخرى قُوَّةَ التَّحليلِ الأكثَرِ دِقَّةً لِلُغَةِ كافكا المَجازيَّةِ. فَقَد شَدَّدَ ماكس برود وهيرمان بونغس وكورت واينبرغ، عَلى سَبيلِ المِثالِ، عَلى أهَمّيَّةِ عِبارَةِ (ungeheueres Ungeziefer)، الحَشَرَةِ الهائِلَةِ الَّتي تُشيرُ إلى التَّحَوُّلِ. هَذِهِ الكَلِماتُ لا تُسَمّي حَشَرَةً أو بَقَّةً أو أيَّ كائِنٍ طَبيعيٍّ في نِهايَةِ المَطافِ: فَكافكا - قارِئُ عُلومِ الاشْتِقاقِ - كانَ يَعلَمُ أيَّ عُمقٍ مِنَ الانعِدامِ يَقَعُ تَحتَ هَذِهِ العِبارَةِ. ولِذا، فَإنَّ التَّخمينَ الحَسَنَ لِسيمون ساندبانك يَبدو مُتَفائِلاً لِلغايَةِ - وهُوَ أنَّهُ بَعدَ أن تُقامَ كُلُّ تَفسيراتٍ مُمكِنَةٍ لِشَخصيَّةِ غريغور سامسا المَمسوخَةِ ثُمَّ تُسقَطُ كَأشياءَ عَديمَةِ الجَدوى تَأويلِياً، فَإنَّ ما يَتَبَقّى حَقّاً هُوَ «الحَشَرَةُ». والمُعضِلَةُ هِيَ أنَّنا لا نَملِكُ قَطُّ أكثَرَ ولا أقَلَّ مِن نَوعٍ غَريبٍ مِنَ الحَشَراتِ - «بِناءً» مَجازِياً - إلى جانِبِ بِناءاتٍ أُخرى «تَتَلاشى بِبَياضٍ في زاوِيَةٍ». فالحَشَرَةُ نَفسُها، الَّتي لا تَمتَلِكُ نَموذَجاً مادِياً، «لا يُمكِنُ»، كَما كَتَبَ كافكا إلى كورت وولف، «أن تُرسَمَ». ثَمَّةَ مَكسَبٌ آخَرُ: إنَّ الوَصفَ الدَّقيقَ الَّذي قَدَّمَهُ ديفيد لوك ويورغ شوبيغر لِبَلاغَةِ غريغور المُراوِغَةِ يَمنَحُ التَّأويلَ نُقطَةَ انطِلاقٍ في مُراوَغاتِ شَخصيّاتِ الكَلامِ اليَوميِّ.
بَيدَ أنَّ أعظَمَ قيمَةٍ لِلتَّطبيقِ المُتَواصِلِ لِلنَّقدِ البَلاغيِّ عَلى «المَسخ» كانَت، في اعتِقادي، في أنَّهُ قَد حَدَّدَ مُستَوَياتِ التَّأويلاتِ المُحتَمَلَةِ. يَكتُبُ هاينريش رومباخ: «يَكونُ التَّأويلُ مُمَيَّزاً إذا كانَ يُوَسِّعُ أساسَ التَّأويلاتِ الأُخرى - أي يُؤَوِّلُها». ولا يَكفي أن نُلاحِظَ أنَّ «المَسخ» تَدعو إلى مَجموعَةٍ واسِعَةٍ مِنَ التَّأويلاتِ المُتَبايِنَةِ أو أنَّ التَّأويلاتِ الَّتي تَتَعايَشُ في لامُبالاةٍ دَلاليَّةٍ تُشَكِّلُ سِمَةً هَيكَليَّةً لِأدَبِ كافكا. لَقَد بَدَأَ النُّقّادُ في تَحديدِ أنواعِ التَّأويلاتِ الَّتي يُمكِنُ لِـ«المَسخ» أن تَجذِبَها؛ وبَدَأوا في تَقييمِ هَذِهِ الأنواعِ وفَهمِ المَدى الَّذي تُجَسِّدُ فيهِ قِصَصُ كافكا نَفسُها المَبادِئَ الَّتي تَبنى عَلَيها تَأويلاتُ كافكا. وتَظهَرُ هَذِهِ القِصَصُ كَصِراعٍ مُغامِرٍ لِأنواعِ التَّأويلِ لِأحداثِها الخاصَّةِ، وهِيَ الأنواعُ الَّتي مِن شَأنِها أن تُحَدِّدَ طَبيعَةَ واتِّجاهَ عَمَلِ كافكا المُستَقبَليِّ. وتُجَسِّدُ قِصَصُ كافكا المَبادِئَ الَّتي تُجيزُ أنواعَ التَّأويلِ ومِن ثَمَّ أنواعَ الوَعيِ الَّتي يَمتَلِكُها الفِعلُ الأدَبيُّ عَن نَفسِهِ. وقَد أعطَت قِراءاتُ مارتن غرينبرغ لِـ«الحُكم» و«المَسخ» زَخَماً قَوِياً لِلمَشروعِ النَّقديِّ المُتَمَثِّلِ في رُؤيَةِ صِراعٍ بَينَ نَظَريّاتٍ حَولَ الكِتابَةِ في القِصَصِ.
يَبدو أنَّهُ يُمكِنُ تَقسيمُ تَأويلاتِ «المَسخ» مَبدَئِياً إلى التَّأويلاتِ الرَّمزيَّةِ والمَجازيَّةِ. وتَسيرُ الأُسطورَةُ النَّوَويَّةُ لِكافَّةِ القِراءاتِ الرَّمزيَّةِ عَلى النَّحوِ التّالي تَقريباً. عَلى الرَّغمِ مِن تَحَوُّلِهِ، يَظَلُّ غريغور سامسا شَخصيَّةً أخلاقيَّةً سَليمَةً، حَتّى وإن كانَت مُهانَةً. إنَّهُ في الأساسِ رَجُلٌ مُشَرَّدٌ، رَجُلٌ مَنبوذٌ اجتِماعِياً؛ حَياتُهُ خاوِيَةٌ مِنَ العَمَلِ الهادِفِ، والصَّداقَةِ، والحُبِّ الجِنسيِّ، والوَلاءِ العائِليِّ. إنَّهُ لا يُصبِحُ لُغزاً نَتيجَةً لِتَحَوُّلِهِ. ويُمكِنُ لِلقارِئِ أن يَربِطَ هَذا التَّحَوُّلَ بِنَوايا طَبيعيَّةٍ وتَأثيراتٍ تَجريبيَّةٍ - بِنَوايا مِثلَ الِاستِياءِ والتَّمَزُّقِ، المَألوفَةِ مِنَ الفَلسَفَةِ الشَّعبيَّةِ لِعَصرِنا (الفرويديَّةِ)؛ وبِتَأثيراتٍ مِثلَ التَّبَعيَّةِ والمَرَضِ، الَّتي نَعرِفُها مِن تَجرِبَتِنا الجَسَديَّةِ. ولِذَلِكَ نَقولُ إنَّ حالَةَ المَنبوذيَّةِ لِغريغور هِيَ رَمزٌ لِلِاغتِرابِ الَّذي سُرعانَ ما يَستَشعِرُهُ الشَّخصُ التَّجريبيُّ - الوَعيُ بِالذّاتِ المُهانُ الَّذي يُديمُ اغتِرابَهُ بِشَكلٍ جاهِلٍ ومُذنِبٍ.
وتَتَّفِقُ القِراءاتُ الرَّمزيَّةُ في النَّظَرِ إلى حُزنِ غريغور عَلى أنَّهُ حُزنٌ عَلى هَزيمَةٍ في التَّجرِبَةِ. في هَذا المُستَوى مِنَ التَّأويلِ، يُعَدُّ مَسألَةً لا فَرْقَ فيها ما إذا كانَت هَزيمَتُهُ تُرى أساساً كَفَشَلٍ في حَياتِهِ العَمَليَّةِ (هيلموت ريختر، والتر سوكل)؛ أو كَفَشَلٍ في الِاندِماجِ داخِلَ الأُسرَةِ (عُلَماءُ النَّفسِ هيلموث كايزر وبيتر داو وبستر)؛ أو كَفَشَلٍ في الِاكتِفاءِ الشَّخصيِّ (وَفقاً لِمَعاييرِ فَلسَفَةِ التَّكوينِ الَّتي تَتَطَلَّبُ تَحقيقَ الذّاتِ الكامِلِ مِن خِلالِ التَّجرِبَةِ). وما يَهُمُّ في القِراءَةِ الرَّمزيَّةِ هُوَ أنَّ مَأزِقَ غريغور يُمكِنُ إصلاحُهُ مِن حَيثُ المَبدَأُ. وهَكَذا، بَينَما تَصِفُ «المَسخ» رَجُلاً كانَت تَجرِبَتُهُ ناقِصَةً، إلّا أنَّها لَيسَت عَمَلاً وَصفِياً في النِّهايَةِ؛ بَل إنَّ هَدَفَها توجيهيٌّ. وتَطلُبُ مِنّا العَمَلُ المَقروءُ رَمزِياً أن نُكمِلَهُ مِن خِلالِ تَزويدِ تَجرِبَةِ غريغور النّاقِصَةِ بِامتِلاءٍ تَعويضيٍّ؛ وبِالفِعلِ، فَإنَّها تُعطينا تَلميحاتٍ عَن هَذا الِامتِلاءِ. عَلى سَبيلِ المِثالِ، فَإنَّ مَسخَ غريغور، الَّذي يَحكُمُ عَلَيهِ بِالتَّمَلُّقِ والتَّرَكُّضِ، ولَعِبِ دَورِ العَبدِ والآلَةِ، هُوَ مُجَرَّدُ استِعارَةٍ مُمتَدَّةٍ لِحَياتِهِ العَمَليَّةِ المُشَوَّهَةِ؛ وتُمَثِّلُ حَالَتُهُ كَعامِلٍ كادِحٍ وعَجزُهُ السَّياسيُّ داخِلَ بِنْيَةٍ شِبهِ أبَويَّةٍ حَياةَ عَمَلٍ كَما يَجِبُ ألا تَكونَ. وإذن، فَإنَّ مَعنى القِصَّةِ، وَفقاً لِهيلموت ريختر، هُوَ نُبوءَتُها الضِّمنيَّةُ بِبَديلٍ اقتِصاديٍّ. وبِالفِعلِ، يُعطى تَلميحٌ لِهَذا الإصلاحِ في التَّجَديدِ السَّعيدِ، نَوعاً ما، لِحَياةِ العَمَلِ لِلأُسرَةِ.
وهُناكَ قِراءَةٌ أُخرى في هَذا المُستَوى الرَّمزيِّ وهِيَ القِراءَةُ النَّفسيَّةُ. فَحينَما يُصبِحُ غريغور صُرصوراً، فَإنَّهُ يُدْرِكُ بِبَساطَةٍ وبِشَكلٍ حَيٍّ النَّوايا الَّتي تُحَدِّدُهُ داخِلَ وَضعٍ عائِليٍّ فصاميٍّ. إنَّهُ يُعاقِبُ الأُسرَةَ بِبَغضائِهِ ويُعاقِبُ نَفسَهُ مِن خِلالِ تَوَلّي وُجودِ مُقْعَدٍ أو مَنبوذٍ. ويُعاقَبُ مِن قِبَلِ جَسَدِهِ المَريضِ وتَبَعيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ يُحَقِّقُ التَّعبيرَ الخَفيَّ، العُدوانيَّ المُزدَوَجَ، لِلمَريضِ المُستَبِدِّ وأبلَهِ الأُسرَةِ. ولَكِنْ يَتِمُّ التَّنَبُّؤُ بِاستِعادَةِ الجَسَدِ والنَّفسِ في لَحظَةِ انْعِدامِ الألَمِ والشَّفافيَّةِ الَّتي يُحَقِّقُها غريغور عِندَ وَفاتِهِ... وهَلُمَّ جَرّاً.
ويَتَواجَدُ جَوهَرُ جَميعِ القِراءاتِ الرَّمزيَّةِ بِشَكلٍ أكثَرَ وُضوحاً في القِراءاتِ التَّحليليَّةِ النَّفسيَّةِ المُبَكِّرَةِ، الَّتي تَملَأُ النَّصَّ الأدَبيَّ كَما يَملَأُ التَّحليلُ التَّقريرَ الشَّفَهيَّ لِحُلمٍ، كَما لَو كانَ كِلا النَّصَّينِ اتِّصالاتٍ غَيرَ حَرفيَّةٍ في الأساسِ، مَليئَةً بِالفَجَواتِ والحَذْفِ. (وهَذا هُوَ الإجراءُ الَّذي اتَّبَعَهُ هيلموث كايزر وبيتر داو وبستر). ويَعكِسُ النَّصُّ المُكَمَّلُ، مِثلَ الحُلمِ الَّذي تَمَّ فَكُّ رُموزِهِ بِمُجَرَّدِهِ، امتِلاءً مَرغوباً فيهِ لِلتَّجرِبَةِ الدُّنيَويَّةِ؛ وبِوَصفِهِ سِجِلّاً لِلرَّغَباتِ، فَإنَّهُ يَصِفُ سُبُلاً لِلإشباعِ.
وبِاختِصارٍ، تُؤَكِّدُ القِراءَةُ الرَّمزيَّةُ عَلى (١) استِمراريَّةِ الشَّخصيَّةِ التَّجريبيَّةِ لِغريغور سامسا مَعَ الحَشَرَةِ المُرعِبَةِ؛ (٢) مَعنَويَّةِ المَسخِ مِن حَيثُ النَّوايا والتَّأثيراتِ المَأخوذَةِ مِنَ التَّجرِبَةِ العاديَّةِ؛ (٣) نُقصانِ وقابِليَّةِ التَّجرِبَةِ الَّتي تَرْتَبِطُ بِها «المَسخ» لِلعِلاجِ؛ (٤) الدَّلالَةِ التَّوجيهيَّةِ والتَّنَبُّؤيَّةِ لِلعَمَلِ، الَّتي يُشارُ إلَيها في نِهايَةِ غريغور ونِهايَةِ الأُسرَةِ: فَعِندَ وَفاتِهِ يَكونُ غريغور روحاً نَقيَّةً (schöne Seele)، وتَستَعيدُ الأُسرَةُ صِحَّتَها وأمَلَها.
وتُعارِضُ القِراءَةُ المَجازيَّةُ القِراءَةَ الرَّمزيَّةَ في كُلِّ تَفصيلٍ. فَهِيَ تَأخُذُ المَسخَ حَرفِياً، والانفِصالَ الجِذريَّ الَّذي يَفصِلُ غريغور سامسا عَنِ الحَشَرَةِ. وتَعتَبِرُ العَمَلَ بِمَثابَةِ تَشكيلٍ حَرفيٍّ لِوُجودٍ غَريبٍ ومُضطَرِبٍ. ومِن ثَمَّ، فَإنَّها تَقرَأُ وَعيَ الحَشَرَةِ بِعَزفِ أُختِهِ عَلى الكَمانِ، الَّذي يَستَشعِرُ مِن خِلالِهِ الطَّريقَ إلى غِذاءٍ مَجهولٍ، لَيسَ كَتَعويضٍ لِوُجودِهِ بَل بِالأحرى كَشَرطٍ حَتميٍّ لَهُ. وأخيراً، لا يُنظَرُ إلى وَضعِهِ كَوَضعٍ تَجريبيٍّ مَعيبٍ أو أيِّ نَوعٍ آخَرَ مِنَ الأوضاعِ التَّجريبيَّةِ: فَلا يُمكِنُ استيعابُهُ مِن خِلالِ التَّجرِبَةِ المَألوفَةِ. وبِشَكلٍ رَئيسيٍّ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُؤَكِّدُ التَّفاوُتَ المُطلَقَ بَينَ غريغور سامسا السّابِقِ ووَضعِهِ الجَديدِ، أيِ الِانعِدامَ، فَإنَّهُ يُمكِنُ تَسميَتُها بـ«المَجازيَّةِ» وَفقاً لِفَهمِ والتَر بنيامين لِلمَجازِ كَعَدَمِ حُضورِ - أيِ الطّابَعِ الَّذي لا يُمكِنُ تَجْرِبَتُهُ بِشَكلٍ طَبيعيٍّ - لِما يُرمَزُ إلَيهِ.
إذَن، ما هُوَ الشَّرَهُ الَّذي يُرمَزُ إلَيهِ مَجازِياً في «المَسخ»؟ وما هِيَ الرَّغبَةُ الَّتي يُلْمَحُ إلَيها في مَسخِ رَجُلٍ إلى حَشَرَةٍ (Ungeziefer)، كائِنٍ مَعدومٍ؟ إنَّها، قَبلَ كُلِّ شَيءٍ، نيَّةُ كافكا في أن يَتَواجَدَ كَأدَبٍ، أن يَكتُبَ خَيالاً؛ لِأنَّ هَذِهِ النّيَّةَ في الكِتابَةِ - لِنُصيغَ رَأيَ ر. ج. كولينغوود بِطَريقَةٍ أُخرى - لا تَتَحَقَّقُ إلّا بِقَدرِ ما تَحيا في السَّيرورَةِ التّاريخيَّةِ وتَعرِفُ نَفسَها كَذَلِكَ. وفي هَذِهِ القِصَّةِ، تُعيدُ الكِتابَةُ إنتاجَ نَفسِها، في نَمَطِ المَجازِ، كَمَسخٍ، وحَرفيَّةٍ، ومَوتٍ، ولَعِبٍ، واختِزالٍ - الكُلُّ في شَكلٍ سَلبيٍّ ومُحاصَرٍ.
لا يُمكِنُ المُبالَغَةُ في مَدى التِزامِ كافكا بِالكِتابَةِ، بِما أسماهُ الإقامَةَ في الكِتابَةِ (Schriftstellersein)، ويَعكِسُ عَمَلُهُ بِالضَّرورَةِ كَثافَةَ هَذا الِالتِزامِ. ولَكِنَّ الكِتابَةَ كانَت تَحمِلُ مَعانِيَ مُختَلِفَةً بِالنِّسبَةِ لَهُ في أوقاتٍ مُختَلِفَةٍ مِن حَياتِهِ؛ ولا يَنبَغي بِأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ التَّغاضي عَنِ التّاريخيَّةِ لِعَمَلِ كافكا كَانعِكاسٍ لِمَشروعِ الكِتابَةِ. ومَعَ ذَلِكَ، فَإنَّ هَذا التّاريخَ لَهُ اتِّجاهٌ أساسيٌّ. فَقَد أدرَكَ كافكا بِشَكلٍ مُتَزايِدٍ الفَقرَ، والاختِزالَ، والقُصورَ الَّذي تَتَضَمَّنُهُ الكِتابَةُ.
يَحدُثُ التَّحَوُّلُ الحاسِمُ بَعيداً عَنِ المَفهومِ السَّعيدِ لِلكِتابَةِ مَعَ تَأليفِ قِصَّةِ «الحُكم» في عامِ ١٩١٢. ويَقِفُ هَذا العَمَلُ إلى جانِبِ «المَسخ» في تِلكَ الحَميميَّةِ الخاصَّةِ لِلفِعلِ والتَّأويلِ. فَقَد حَدَثَت «الحُكم» لِكافكا بِبَساطَةٍ؛ إنَّها نَوعٌ مِنَ الِاختِراقِ، الَّذي يَصِفُهُ في يَوميّاتِهِ بِطَريقَةٍ مُنتَشِيَةٍ ومُرتَبِكَةٍ - بِلُغَةٍ مَجازيَّةٍ بِشِدَّةٍ وغامِضَةٍ أيضاً بِشَكلٍ مُغلَقٍ. وتَصرُخُ القِصَّةُ طَلَباً لِتَأويلٍ أصفى. وهَذا ما تَتَلَقّاهُ في «المَسخ»، الَّتي بَطَلُها هُوَ «الحُكم»، تِلكَ البَصيرَةُ المُتَحَرِّرَةُ في تِلكَ القِصَّةِ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى كافكا ألا يَخونَ كِتابَتَهُ لا بِالزَّواجِ ولا بِافتِراضِ أنَّ أباهُ هُوَ مَصدَرُ وهَدَفُ فَنِّهِ. وهَذا الحُكمُ يَمسَخُ وُجودَ كافكا إلى إقامَةٍ في الكِتابَةِ (Schriftstellersein) في نَمَطِ المَجازِ - النَّمَطِ الَّذي يَفصِلُ الكِيانَ المُعَيَّنَ بِشَكلٍ نِهائيٍّ عَنِ الِامتِلاءِ الَّذي يَحلُمُ بِهِ، سَواءٌ كانَ هَذا الِامتِلاءُ يُتَصَوَّرُ كَحالَةٍ عَقليَّةٍ تَوَسُّعيَّةٍ، أوِ اعتِرافٍ مِماثِلٍ بَينَ الأفرادِ، أو حَقيقَةٍ ميتافيزيقيَّةٍ. وبَعدَ «الحُكم»، عِندَما يَكتُبُ كافكا، وعِندَما «يَهبِطُ إلى القُوى المَظْلِمَةِ»، فَإنَّهُ يَتَّخِذُ مَوقِفاً خارِجَ بَيتِ الحَياةِ.
إنَّ طَريقَةَ كافكا المَجازيَّةَ الجِذريَّةَ لِلتَّعبيرِ عَنِ انفِصالِ الأدَبِ عَنِ الحَياةِ هِيَ إعلانُ الوُجودِ الأدَبيِّ خارِجَ المَوتِ. فَفي يَوميّاتِهِ، كَتَبَ كافكا عَن مَشاهِدِ المَوتِ في أعمالِهِ: «ولَكِن بِالنِّسبَةِ لي، وأنا الَّذي أعتَقِدُ أنَّني سَأكونُ قادِراً عَلى الِاستِلقاءِ بِرِضىً عَلى فِراشِ مَوتي، فَإنَّ مِثلَ هَذِهِ المَشاهِدِ هِيَ في الخَفاءِ لُعبَةٌ». وتَتَواجَدُ هَذِهِ المُلاعَبَةُ في «المَسخ» في وَفرَةِ صُوَرِها المُتَعَلِّقَةِ بِالفَنِّ واللَّعِبِ وفي المَسافَةِ بَينَ الرّاوي الشَّبَحيِّ المُبتَسِمِ ومَسخِهِ. وتَكشِفُ هَذِهِ المَسافَةُ عَن كافكا كَشَخصٍ يَسبِقُ مَوضوعَهُ دائِماً بِقَليلٍ؛ فَهُوَ في الأساسِ راوي القِصَّةِ الَّذي يَنجو مِن مَوتِ بَطَلِهِ؛ ويُمكِنُهُ أن يَكونَ هَذا الرّاوي لِأنَّهُ قَدِ اختَبَرَ بِالفِعلِ المَوتَ، وهُوَ يَعيشُ الآنَ في أقصى دَرَجاتِ الاغتِرابِ عَنِ الحَياةِ. وهَذِهِ هِيَ النُّقطَةُ الَّتي يَبدَأُ عِندَها اللَّعِبُ، وهُوَ لَعِبٌ يَتِمُّ بِالضَّرورَةِ وهُوَ مَليءٌ بِالحُزنِ.
يَنخَرِطُ الحُزنُ في الكِيانِ الَّذي يُمَثِّلُهُ الأدَبُ، المُتَوَرِّطُ بِشَكلٍ نَموذَجيٍّ في الِانتِقالِ مِنَ الخُصوصيَّةِ إلى العُموميَّةِ، ونَتيجَةً لِذَلِكَ يَجِبُ أن يُكابِدَ المَوتَ تِلوَ المَوتِ بِلا نِهايَةٍ. وإنَّ رَمزَ الأدَبِ في رَغبَتِهِ في العُموميَّةِ وحُكمِهِ عَلَيهِ بِالخُصوصيَّةِ هُوَ، بِمَعنىً ما، حَرفيَّتُهُ - حَاجَتُهُ إلى التَّهَجّي والتَّوضيحِ. فالحَرفيَّةُ هِيَ الوِجهَةُ الرَّئيسيَّةُ لِوِجهَةِ نَظَرِ كافكا طَوالَ أدَبِهِ الخَياليِّ: فَأنتَ لَم تَرَ مِثيلاً لِهَذا مِن قَبلُ، لِذَلِكَ يَجِبُ أن تَقرَأَ ما هُوَ مَكتوبٌ. إنَّ قُرّاءَ «المَسخ» مُنغَمِسونَ تَماماً في مَنظورِ الحَشَرَةِ لِدَرَجَةِ أنَّهُم لا يَستَطيعونَ فَهمَ عالَمِهِ إلّا كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ، ودائِماً لِلمَرَّةِ الأُولى؛ ويَتَحَوَّلُ القارِئُ إلى هَذا النَّصِّ.
إنَّ بَصيرَةَ كافكا الحاسِمَةَ هِيَ الانفِصالُ الجَذريُّ لِلأدَبِ عَنِ الحَياةِ: «الانفِصالُ الوَحيدُ الَّذي يُمكِنُ إحداثُهُ، الِانفِصالُ عَنِ الوَطَنِ، قَد حَدَثَ بِالفِعلِ». ويُؤَكِّدُ عَلى مُقاوَمَةِ الأدَبِ لِمَشروعِ حَياةٍ يُتَصَوَّرُ كَتَكوينٍ (Bildung)، كَكُليَّةٍ واسِعَةٍ مِنَ التَّجرِبَةِ: «لا شَيءَ قَد تَغَيَّرَ؛ هُناكَ، نَحنُ كَما كُنّا هُنا». وتُجَسَّدُ هَذِهِ الرُّؤيَةُ في «المَسخ» مِن خِلالِ الِاختِزالِ والتَّدَهوُرِ التَّدريجيِّ لِلحَشَرَةِ، وفُقدانِهِ لِلإحساسِ وفُقدانِهِ لِلحَرَكَةِ. فَفَنُّ كافكا في بَعثِ حَقائِقَ مُجَرَّدَةٍ يَدُلُّ عَلى حَرَكَةٍ لِلعَقلِ تَمضي مِن خِلالِ الاختِزالِ نَحوَ الحُلولِ الجَذريَّة. والأمثِلَةُ عَلى ذَلِكَ وافِرَةٌ: فَفي رِوايَةِ «أمريكا»، يَتِمُّ اختِزالُ الذّاتِ، كارل روسمان، إلى مُجَرَّدِ وُجودٍ في غُرفَةِ نَومِ برونيلدا؛ وفي رِوايَةِ «القَلعَة»، يَتِمُّ تَغطيَةُ مَوضوعِ التَّجرِبَةِ، عالَمِ القَريَةِ، بِالثَّلجِ، ويُختَزَلُ إلى مُجَرَّدِ حَقيقَةٍ غَشيمَةٍ (factum brutum) لِعالَمٍ ماديٍّ.
يُمكِنُ الآنَ النَّظَرُ إلى أدَبِ كافكا الخَياليِّ كَصِراعٍ بَينَ التَّأويلاتِ الرَّمزيَّةِ في جَوهَرِها والتَّأويلاتِ المَجازيَّةِ في جَوهَرِها لِعَمَلِها الخاصِّ. وفي كُلِّ نُقطَةٍ، يَدُلُّ التَّأويلُ الرَّمزيُّ عَلى عَكسِ المَجازيِّ: فَهُوَ يُسبِغُ عَلى الذّاتِ استِمراريَّةً، ومَعنَويَّةً، وتَوَسُّعيَّةً، وآفاقاً لِلتَّصالُحِ. ويَتَضَمَّنُ تَأسيسُ الوَعيِ المَأساويِّ والمَجازيِّ في «المَسخ» تَمثيلَ الوَعيِ الرَّمزيِّ. ويَحدُثُ ذَلِكَ كُلَّما أكَّدَتِ الحَشَرَةُ هُويَّتَها مَعَ غريغور سامسا وحاوَلَت استِعادَةَ وَضعِهِ القَديمِ داخِلَ الأُسرَةِ ومَرَّةً أُخرى كُلَّما بَدَت تَأمُّلاتُهُ وكَأنَّها تُبَرِّرُ التَّحَوُّلَ كَعِقابٍ. وتَنبُثِقُ حَقيقَةُ أنَّ النَّمَطَ الرَّمزيَّ هُوَ إغراءٌ وخَطَأٌ مِن خِلالِ مُحاوَلاتِ الحَشَرَةِ لِلتَّحَدُّثِ بِلُغَةٍ استِعاريَّةٍ. وإنَّ نُفورَ كافكا مِنَ الِاستِعارَةِ غَيرِ الاقتِباسيَّةِ ثابِتٌ، ولَكِن في الأماكِنِ القَليلَةِ في «المَسخ» الَّتي تَظهَرُ فيها هَذِهِ اللُّغَةُ، يَجِدُ القارِئُ نَفسَهُ بِوُضوحٍ داخِلَ وَعيٍ مَوهومٍ. وتُثيرُ مُحاوَلَةُ الحَشَرَةِ لِلتَّأقلُمِ مَعَ تَجرِبَتِهِ مِن خِلالِ الِاستِعارَةِ السُّخريَةَ، كَما هُوَ الحالُ عِندَما يُشَبِّهُ مُنافِسيهِ بِنِساءِ الحَريمِ أو يَرى مُديرَ المَكتَبِ يَلتَفُّ عَلى الدَّرَجِ، باحِثاً عَن نَجاةٍ مُتَعالِيَةٍ.
ولا يُمكِنُ أن يَكونَ مَصيرُ هَذا الكائِنِ هُوَ مَعرِفَةُ وَحدَةٍ رَمزيَّةٍ مَعَ عالَمِهِ. فَآفاقُ الخَلاصِ في نِهايَةِ «المَسخ» هِيَ وَهمٌ غَريبٌ: غريغور - كَما نَقرَأُ - «عادَ بِفِكرِهِ إلى عائِلَتِهِ بِمَشاعِرَ عَميقَةٍ ومَحَبَّةٍ». وبِالنِّسبَةِ لِكافكا، فَإنَّ الِانغِماسَ في إرادَةِ الأُسرَةِ يَعني دائِماً الِانقِراضَ في أقصى حالاتِ الخَطَأِ: وتِلكَ هِيَ حالَةُ غيورغ بيندمان في خِتامِ قِصَّةِ «الحُكم».
تَكونُ الحَشَرَةُ حَشَرَةً مُعتِمَةً في الغالِبِ، وأقَلَّ ما تَكونُ تِلكَ الخُنفُساءَ الواضِحَةَ لِـ«استِعداداتُ زِفافٍ»، كُلَّما استَخدَمَت مَوقِعَها لِلحُصولِ عَلى وَحدَةٍ تَوَسُّعيَّةٍ داخِلَ العالَمِ. إنَّ الموسيقى الَّتي تَستَدعيها سَتُوَفِّرُ لَها، كَما تَعتَقِدُ، «غِذاءً مَجهولاً»، عَلى الرَّغمِ مِن أنَّهُ لا يُمكِنُ أن يَعنيَ أيَّ شَيءٍ لَها مِن حَيثُ تَجرِبَتِها السَّابِقَةِ. إنَّ استِغلالَ هَذِهِ التَّجرِبَةِ، والسَّعيَ وَراءَ العَزفِ وكَأنَّهُ هِيَ العازِفُ، سَيَكونُ بِمَثابَةِ استِخدامِ الأدَبِ كَما يَصِفُهُ كافكا في عَمَلِهِ الأكثَرِ وَهماً، «رِسالَةٌ إلى أبيهِ» - سَيَكونُ بِمَثابَةِ التَّفَجُّعِ كِتابِيّاً عَلى ما كانَ يَوَدُّ التَّفَجُّعَ عَلَيهِ عَلى صَدرِ أبيهِ. ولَيسَت الحَشَرَةُ القَملَةَ المُتَعَطِّشَةَ لِلدِّماءِ الَّتي يُقارِنُ بِها كافكا نَفسَهُ في صِراعِهِ مَعَ أبيهِ إلّا عِندَما تُحاوِلُ إنكارَ انفِصالِها، وإنكارَ طَبيعَتِها كَشَخصيَّةٍ مَجازيَّةٍ.
في رَسائِلِ كافكا إلى فيليس باور الَّتي كُتِبَت أثْناءَ تَأليفِ «المَسخ»، أشارَ إلى أنَّ القِصَّةَ كانَت مُحتَمَلَةً بِسَبَبِ «صَفَحاتِها العَذبَةِ». وعِندَما قَرَأ القِصَّةَ بِصَوتٍ عالٍ لِأصدِقائِهِ، ضَحِكوا جَميعاً. ولا يُمكِنُ أن تُشيرَ هَذِهِ المُلاحَظاتُ إلّا إلى علاقَةِ الرّاوي المَرِحَةِ بِبَطَلِهِ، وهِيَ مَسافَةٌ لا تَعني الِانفِصالَ بَلِ السَّبقَ عَلى البَطَلِ بِمَعنى مَعرِفَةِ أخطائِهِ. فَقَد كَتَبَ كافكا: «فِكرَةٌ سَديدَةٌ، إنَّ كاتِبَ المَلحَمَةِ يَعرِفُ كُلَّ شَيءٍ». وتَندَرِجُ كُلُّ أخطاءِ غريغور تَحتَ مُسَمّى الفِعلِ في النَّمَطِ الرَّمزيِّ - النَّمَطِ الَّذي يُؤَكِّدُ استِمراريَّةَ الوَعيِ والوُجودِ.
إنَّ أولَويَّةَ الحَرفيَّةِ واللَّعِبِ عَلى المَعنى في القِصَّةِ هِيَ إقرارٌ بِأولَويَّةِ الأدَبِ كَمَجازٍ بِالنِّسبَةِ لِكافكا عَلى الأدَبِ كَرَمزٍ، ولَكِنَّ هَذِهِ الأولَويَّةَ يَجِبُ أن يُعادَ تَأكيدُها بِاستِمرارٍ. وهِيَ تَتَطَلَّبُ أولَويَّةً مُقابِلَةً لِأنماطِ التَّأويلِ. ومَعَ ذَلِكَ، فَإنَّ إيجادَ قِصَصِ كافكا مُتَكَوِّنَةً أساساً مِن صِراعِ أنماطِ التَّأويلِ - الَّذي يَحظى أحَدُهُما، وهُوَ المَجازيُّ، بِالأولَويَّةِ - لا يَعني الإعلانَ عَن تَرَدُّدِهِ أوِ استِحالَةِ فَكِّ رُموزِهِ. فالمَجازيُّ يَقِفُ إزاءَ الرَّمزيِّ عِندَ كافكا لَيسَ في علاقَةِ تَرَدُّدٍ إنَّما في علاقَةِ أولَويَّةٍ.
