زَرنيخٌ.. رُقوقٌ.. ومَجْدٌ مُتَأَخِّر
تُوجَدُ في مَعرِضِ «تيت» بِلَندَنَ لَوحَةٌ كَئيبَةٌ ذائِعَةُ الصِّيتِ، خَطَّتْها يَدُ «هنري واليس» عامَ ١٨٥٦ مِيلاديّاً، تَحمِلُ عُنوانَ «مَوتُ تشاترتون»: غُرفَةُ نَومٍ عُلوِيَّةٌ مُكفَهِرَّةٌ، وَكُومَةٌ مِنْ مَخطوطاتٍ مُمَزَّقَةٍ، وإطْلالَةٌ ضَبابِيَّةٌ عَلى كاتِدرائِيَّةِ القِدّيسِ بولس، ونَبتَةٌ مُزهِرَةٌ تَبْعَثُ عَلى الأَمَلِ فَوْقَ حافَّةِ النّافِذَةِ، وألوانٌ زاهِيَةٌ لِسُترَةٍ وسِروالٍ، وشُحوبٌ يَكسو جَسَدَ فَتىً. ذَلِكَ الفَتى هُوَ «توماس تشاترتون»، الَّذي وُلِدَ فقيراً في مَدينَةِ «بريستول» عامَ ١٧٥٢، ونَشَأَ هُناكَ في مَدرَسَةٍ قاسِيَةٍ وَفَتْرَةِ تَدَرُّبٍ مِهْنِيٍّ مُمِلَّةٍ، غَيْرَ أنَّهُ رَغْمَ هَذِهِ البِيئَةِ المَحرومَةِ شَرَعَ في كِتابَةِ شِعْرٍ رَصينٍ مُنذُ طُفولَتِهِ، وَمَضى لِيُشَيِّدَ عالَماً قُروسطِيّاً كامِلاً مِنَ الخَيالِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِشِعرِهِ الإنجليزيِّ المُقَلِّدِ لِروحِ القُرونِ الوُسطى، مَكتوباً عَلى قُصاصاتٍ مِنْ رُقوقٍ قَديمَةٍ أصيلَةٍ. لَرُبَّما بَدا هَذا التَّقَلُّبُ صِبْيانِيّاً؛ غَيْرَ أَنَّهُ لا تَفسيرَ لِإنجازِهِ سِوى العَبقَرِيَّةِ. وفي عامِ ١٧٧٠، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَجاوَزَ السّابِعَةَ عَشْرَةَ، تَهاوَتْ آمالُهُ فَتَجَرَّعَ السُّمَّ في لَندَنَ. رَسَمَ «واليس» لَوحَتَهُ في العُلِّيَّةِ ذاتِها الَّتي وَقَعَ فيها الانتِحارُ، ولِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ هُناكَ أيُّ صورَةٍ شَخصيَّةٍ باقِيَةٍ لِتشاترتون، فَقَدْ جَسَّدَ الشّاعِرُ والرِّوائيُّ «جورج ميريديث» هَيئَتَهُ في اللَّوحَةِ؛ وَحَتّى هَذا الأمرُ كانَتْ نِهايَتُهُ مَأساوِيَّةً، إذ هَرَبَ الرَّسّامُ مَعَ زَوجَةِ الكاتِبِ بَعْدَ عامَيْنِ.
بَيْدَ أَنَّ غُبْناً قَدْ لَحِقَ بِذِكْرى «توماس تشاترتون»، الشّاعِرِ الإنجليزيِّ، جَرَّاءَ هَذِهِ الشَّفَقَةِ والإثارَةِ؛ فَقَدْ حُوصِرَ في وَصفِ «الصَّبِيِّ المُعْجِزَةِ» فَحَسْبُ، وَخَضَعَتْ قَصائِدُهُ المُزَيَّفَةُ في طابَعِها القُروسطِيِّ لِلدَّرسِ اللُّغَوِيِّ دونَ الأَدَبِيِّ، وخَلَّدَتْ لَوحَةُ «واليس» فَجيعَةَ انتِحارِ الفَتى في مَزيجٍ مِنَ الأُرجُوانِيِّ والبُنِّيِّ المُحْمَرِّ. والغايَةُ مِنْ هَذِهِ الدِّراسَةِ هِيَ إظهارُ تشاترتون بِوَصفِهِ أصغَرَ كُتّابِ إنجلترا نَظماً لِلشِّعرِ النّاضِجِ الرَّصينِ، وَأَهَمَّ مِنْ ذَلِكَ، بِوَصفِهِ أعلى رُسُلِ الإحياءِ القُوطِيِّ صَوتاً، ذَلِكَ الإحياءُ الَّذي بَرَزَ في أواخِرِ القَرنِ الثّامِنَ عَشَرَ مُعيداً الشَّغَفَ بِالمَباني والمُؤَلَّفاتِ القُروسطِيَّةِ.
كانَ أبوهُ مُديرَ المَدرَسَةِ الصَّغيرَةِ في شارِعِ «بايل» بِبريستول، الَّتي تَضُمُّ أربَعينَ صَبِيّاً مِنْ أبرَشِيَّتَي ريدكليف وسانت توماس، وَكانَ أيضاً مُرَتِّلاً عَلمانِيّاً في الكاتِدرائِيَّةِ - رَجُلٌ فَخورٌ، مَوهوبٌ، موسيقِيٌّ، عابِثٌ، يَتَلَهَّى بِالسِّحرِ وَيَمتَلِكُ مِئَةَ عُملَةٍ رومانِيَّةٍ ومِئَةً وخَمسينَ كِتاباً؛ أمّا الأُمُّ، الَّتي كانَتْ تَكْبُرُهُ بِنِصفِ عُمُرِهِ حِينَ تَزَوَّجا، فَلَمْ تَكُنْ ذاتَ شَأنٍ، وَقَدْ قَدِمَتْ مِنْ «ستابلتون». وُلِدَ ثَلاثَةُ أطفالٍ في دُخولٍ كَئيبٍ مُختَلِفِ الأنماطِ إلى العالَمِ: ماري، خارِجَ رِباطِ الزَّوجيَّةِ؛ وَجايلز مالباس، الَّذي ماتَ بَعدَ أربَعَةِ أشهُرٍ؛ وَتوماس، الَّذي وُلِدَ بَعْدَ وَفاةِ أبيهِ في ٢٠ نوفَمبر ١٧٥٢، في الغُرفَةِ العُلوِيَّةِ الشَّمالِيَّةِ لِمَبنى المَدرَسَةِ الصَّغيرِ، حَيثُ لَمْ تَكُنِ الأرمَلَةُ قَدْ طُرِدَتْ بَعْدُ. لا يَزالُ الكوخُ قائِماً في أيدٍ أمينَةٍ تابِعَةٍ لِمَتحَفِ المَدينَةِ، وَتَتَصَدَّرُهُ الواجِهَةُ الصَّغيرَةُ ذَاتُ التَّتويجِ المُثَلَّثِ لِلمَدرَسَةِ...
انتَقَلَتِ السَّيِّدَةُ تشاترتون في نِهايَةِ المَطافِ إلى «ريدكليف هيل»، وَعَمِلَتْ في تَعليمِ الفَتَياتِ الخِياطَةَ، وَكانَتْ أنماطُ أزيائِها تُقَصُّ أحياناً مِنْ رُقوقِ ريدكليف الَّتي اخْتَلَسَها زَوجُها مِنْ «خَزينَةِ» الكَنيسَةِ فَوقَ الشُّرفَةِ الشَّمالِيَّةِ. وَكانَ توماس طِفلاً بَكّاءً عصابِيَّ المِزاجِ، يَختَبِئُ في العُلِّيَّةِ وَلا يُحْرِزُ أيَّ تَقَدُّمٍ في التَّعَلُّمِ؛ وَرَغْمَ ذَلِكَ، كانَ يَلعَبُ مَعَ أقرانِهِ لُعبَةً يَكونُ فيها هُوَ سَيِّدَهُمُ الطَّبيعِيَّ، وَقَدْ ظَهَرَ غُرورُهُ المُبَكِّرُ عِندَما طَلَبَ مِنْ خَزَّافٍ مِنْ أقارِبِ أبيهِ أنْ يَرسُمَ لَهُ عَلى كوبٍ مَلاكاً يَنفُخُ في بوقٍ «لِيُذيعَ صِيتَهُ»... لَرُبَّما كانَ تأثيرُ كَنيسَةِ سانت ماري ريدكليف، حَيْثُ يَعمَلُ عَمُّهُ قَيِّماً، مُقْلِقاً أيضاً، إذ كانَ يَطوفُ هائِماً بَينَ التَّماثيلِ كَأنَّهُ مُفارَقَةٌ تاريخيَّةٌ في عَصرٍ لا يُلْقي بالاً لِلعِمارَةِ القُوطِيَّةِ. أُعيدَ مِن مَدرَسَةِ شارِعِ «بايل» إلى أُمِّهِ بِوَصفِهِ بَليداً مَيؤوساً مِنْهُ، ولَكِنْ فَجأَةً - ومِنْ خِلالِ رُقوقِ ريدكليف، وَمُجَلَّداتِ أبيهِ الموسيقِيَّةِ، وكِتابٍ مُقَدَّسٍ مَطبوعٍ بِالحُروفِ القوطيَّةِ السَّوداءِ - الْتَقَطَ مَهارَةَ القِراءَةِ وشُغِفَ بِها.
كانَتْ مَدرَسَةُ كولستون تَنتَصِبُ في مَوقِعٍ ذي دَلالَةٍ، حَيْثُ كانَ الإخوَةُ البِيضُ، وَقَدْ كانَ الفِتيانُ يُحْلَقُ رَأسُهُم كَرُهبانٍ صِغارٍ. لَكِنْ هُنا انتَهَتِ الرّومانسيَّةُ. خَدَمَتِ المَدرَسَةُ المَصالِحَ التِّجاريَّةَ لِلمَدينَةِ عَبْرَ تَعليمِ المَبادِئِ الثَّلاثَةِ والتَّعليمِ المَسيحيِّ الكَنَسيِّ، وبَعدَ سَبْعِ سَنواتٍ، كانَ الصَّبِيُّ يُرْبَطُ كَمُتَدَرِّبٍ في حِرفَةٍ ما؛ كانَتِ الِانضِباطيَّةُ صارِمَةً ولَمْ تَكُنْ هُناكَ أيُّ دِراساتٍ إنسانِيَّةٍ البَتَّةَ. وَمَعَ ذَلِكَ أثبَتَ تشاترتون جَدارَتَهُ، وَمِنْ خِلالِ القِراءَةِ النَّهِمَةِ هَيَّأَ نَفسَهُ بِشَكلٍ أدَقَّ لِجانِبٍ مِنْ مَسيرَتِهِ الشِّعرِيَّةِ، وَهُوَ جانِبُ المُعَلِّقِ الِاجتِماعِيِّ والهاجي؛ أمّا الجانِبُ الآخَرُ فَقَدْ جاءَ بِطَريقَةٍ أكثَرَ إثَارَةً لِلدَّهشَةِ.
عِندَما بَلَغَ العاشِرَةَ، نالَ سِرَّ التَّثبيتِ الدّينِيِّ وبَدَأَ يَستَخدِمُ مَصروفَهُ الجَيبِيَّ لِلاستِعارَةِ مِنْ مَكتَبَةٍ عامَّةٍ. وانعَكَسَتْ هَذِهِ الأحداثُ في أوَّلِ قَصيدَةٍ مَعروفَةٍ لَهُ، نُشِرَتْ في صَحيفَةِ «فيليكس فارلي»، ثُمَّ تَلَتْها «تَرنيمَةٌ لِيَومِ الميلادِ». ولَعَلَّهُ مِنَ المُفيدِ التَّرَيُّثُ عِندَ هَذِهِ الأعمالِ الصِّبْيانيَّةِ المُبَكِّرَةِ، لِأَنَّهُ في عامِ ١٧٦٣ تَبَدَّلَ إلى طَبيعَتِهِ الغَريبَةِ، عَلى حِسابِ عِلمِهِ البَريءِ، بِكِتابَتِهِ هِجاءً ضِدَّ حارِسِ الكَنيسَةِ الَّذي دَمَّرَ صَليبَ فناءِ كَنيسَةِ ريدكليف. هُنا انطَلَقَ طِفْلٌ في الحادِيَةِ عَشْرَةَ نَحوَ طَليعَةِ العَودَةِ القُوطِيَّةِ وَبَغْتَةً عَرَضَ عَلى أحَدِ مُعَلِّمي مَدرَسَةِ كولستون «قَصيدَةً رَعَوِيَّةً» ادَّعى أنَّها تَعودُ لِلقَرنِ الخامِسِ عَشَرَ، مَكْتوبَةً عَلى رَقٍّ قَديمٍ بِخَطٍّ أصفَرَ غَريبٍ. خَدَعَ بِها عَصراً غافِلاً إلى حَدٍّ ما عَنِ الإنجليزيَّةِ السَّابِقَةِ لِعَصرِ مِيلتون. بَدَأَتْ حَياتُهُ المُزدَوَجَةُ، وَباتَ لِشِعرِهِ مُنذُ اللّحظَةِ لُغَتانِ: مُعلَنَةٌ وَمَجهولَةٌ.
يُمكِنُنا افتِراضُ أنَّهُ كانَ واعِياً بِالفَقرِ، وَكانَ الحُلمُ الَّذي شَيَّدَهُ يَبدو كَعَزاءٍ لِمِحَنِهِ الحاضِرَةِ، فَقَدْ انزَلَقَ الفَتى المُضطَرِبُ عائِداً إلى نُسخَتِهِ غَيرِ الدَّقيقَةِ مِنَ القَرنِ الخامِسِ عَشَرَ وانغَمَسَ فيها. قَدَّمَ ذَلِكَ مُسَكِّناً مُؤَقَّتاً، وفي أيّامِهِ الأخيرَةِ بِلَندَنَ تَلاشى الحُلمُ آخِذاً مَعَهُ كُلَّ أمَلٍ؛ لَكِنْ طالَما استَمَرَّ، تَوَحَّدَ مَعَ شَخصيَّةِ القِسِّ «توماس راولي»، سِكرتيرِ الرَّجُلِ النَّبيلِ المُتَنَوِّرِ «ويليام كانينغز». كانَ اسْمُ «توماس راولي» عَلى الأقَلِّ أصيلاً؛ فَقَد وُجِدَ عَلى لَوحَةٍ نُحاسِيَّةٍ في كَنيسَةِ القِدّيسِ يوحَنّا، لَكِنَّ الباقي كانَ حِكايَةً رَمزِيَّةً ساحِرَةً لِشَوقِ تشاترتون الخَاصِّ.
في الأوَّلِ مِنْ يوليو ١٧٦٧، ولَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَ الخامِسَةَ عَشْرَةَ بَعْدُ، غَيْرَ أنَّ بَعضَ أشعارِهِ «الراوليَّةِ» كانَتْ قَدْ كُتِبَتْ، صارَ مُتَدَرِّباً عِندَ مُحامٍ مِنْ بريستول يُدعى «جون لامبرت». كانَتِ الوَظيفَةُ غَريبَةً في مَزيجِها مِنَ الِامتِيازِ والمَشَقَّةِ؛ كانَ الفَتى مُقَيَّداً في المَكتَبِ بِمُفرَدِهِ لِاثنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً في اليَومِ، يَأكُلُ مَعَ الخَدَمِ وَيَنامُ مَعَ صَبِيِّ المَنزِلِ. ومِنْ ناحِيَةٍ أُخرى، لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ أيُّ عَمَلٍ تَقريباً سِوى نَسْخِ السَّوابِقِ القانُونِيَّةِ. هَذِهِ الحَياةُ والعُزلَةُ الهادِئَةُ، وُظِّفَتْ لِغايَةٍ إبداعِيَّةٍ؛ وَاحتاجَ كِبرِياؤُهُ المُحْبَطُ إلى تَتويجِ أُسطورَةِ «راولي»، الَّتي تَبَلوَرَتْ وأزهَرَتْ في ذَلِكَ المَكتَبِ الكَئيبِ.
الإنجليزيَّةُ الَّتي عُبِّرَ بِها عَنْ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ عَقلانِيَّةً. اللُّغَةُ كانَتْ مُزَيَّفَةً، وبِشَكلٍ يُثيرُ استِياءَ المُتَحَذلِقينَ: فالخَطُّ يَحوي حُروفاً كَبيرَةً حَديثَةً وَيَخلو مِنِ اختِصاراتِ القُرونِ الوُسطى؛ وفي العَروضِ قَلَّدَ كُتّاباً مُتَأخِّرينَ مِثْلَ «بوب»، واسْتَنسَخَ كَلِماتٍ أنجلوساكسونيَّةً، وَكانَ «راولي» أوسَعَ اطِّلاعاً عَلى أعمالِ خَلَفِهِ مِنْهُ عَلى أعمالِ مُعاصِريهِ وسَلَفِهِ: فَقَدِ استُحضِرَتْ أعمالٌ مِثْلَ «ملكة الجن» و«هاملت» وغراي وبوب، أكثَرَ مِنْ تشوسر.
هُنا، كَما يَبدو، كانَتْ هُناكَ طَريقَةٌ بالِيَةٌ لِكِتابَةِ الشِّعرِ. لَكِنْ لِأنَّ تشاترتون لَمْ يَستَطِعْ أَنْ يَكونَ ذاتَهُ في ظِلِّ تَبَلُّدِ مَدينَةٍ تِجاريَّةٍ، فَقَدْ صارَ ذاتَهُ في هَذا اللِّباسِ الغَريبِ، رومانسيّاً خَلْفَ نافِذَةٍ مُحَطَّمَةٍ مِنْ زُجاجٍ مُلَوَّنٍ. لَقَد قَدَّمَتْ بريستول إسهاماتٍ عِدَّةً لِلإحياءِ القُوطِيِّ، لَكِنَّ إسهامَ تشاترتون كانَ البَيانَ الأوضَحَ والأكثَرَ أصالَةً. فَقَد بَلَغَ ذُروَتَهُ في مَسرَحِيَّةِ «إيلّا: فاصِلٌ مَأساوِيٌّ»، ضِمنَ حُدودِ ١٢٥٠ شَطراً فَحَسْبُ، هُناكَ تَطَوُّرٌ عُضوِيٌّ لِلشَّخصيَّةِ، وتَتَضَمَّنُ قَصائِدَ غِنائِيَّةً شَجِيَّةً ذاتَ جَرَسٍ مَأساوِيٍّ ومَوسيقَى خَلّابَةٍ.
هَذِهِ القَصائِدُ المُذهِلَةُ، وَبَقيَّةُ دَورَةِ «راولي»، هِيَ بِالتَّأكيدِ مِنْ صُنعِ تشاترتون نَفسِهِ؛ لَكِنَّ الدّافِعَ، أيِ الإبداعَ الشِّعريَّ، تَلَوَّنَ سَريعاً بِفُرصَةٍ مُغريَةٍ لِكَسْبٍ زَهيدٍ. اكتَشَفَ أنَّ ثَلاثَةَ سادَةٍ مِنْ بريستول يُرَحِّبونَ بِفيضِ «راولي»، وعَلى الرَّغمِ مِنْ أنَّهُم قَدْ يُعتَبَرونَ العَباقِرَةَ الأشرارَ في حَياةِ الفَتى، إلّا أنَّ هُناكَ تَأثيراتٍ سَيِّئَةً أُخرى أيضاً.
وأسوَأُ ما في الأمرِ أنَّ «راولي» قَدْ ماتَ. صَحيفَةُ «فيليكس فارلي» والصُّحُفُ اللّندَنِيَّةُ كانَتْ تَطلُبُ هِجاءً حَديثاً وَتَعليقاتٍ اجتِماعِيَّةً لَحظِيَّةً، وَسُرعانَ ما صارَتِ القَصائِدُ المُعْتَرَفُ بِها هِيَ شُغلَهُ الشّاغِلَ. مِنَ الآنَ فَصاعِداً، صارَتْ أُذُنُهُ الإيقاعِيَّةُ السَّلِسَةُ الَّتي لا تُخْطِئُ تَتَّجِهُ أساساً نَحوَ صياغَةِ اللَّوَحاتِ القَلَمِيَّةِ والمَنشوراتِ لِجُمهورٍ مُتَقَلِّبٍ، ونَحوَ صَرَخاتِهِ الشَّخصيَّةِ الغاضِبَةِ. مَعَ ذَلِكَ، فَإنَّ مُجْمَلَ أعمالِهِ المُعْتَرَفِ بِها مُثيرٌ لِلإعجابِ والِاهتِمامِ. بَدَأَتْ بِقَصيدَتَيْنِ دينِيَّتَيْنِ، ثُمَّ سُرعانَ ما صارَ خَصْماً لِلدّينِ؛ صارَ الشَّكُّ والمُغازَلَةُ مَوقِفَهُ الثّابِتَ، لَكِنَّ قَصيدَةً مُتَأخِّرَةً تُشبِهُ التَّرانيمَ تَبدو وَكَأنَّها تُظهِرُ عَودَةً لِلإيمانِ، وَتُختَتَمُ بِنَبرَةِ أَمَلٍ مَسيحيٍّ:
عَباءَةُ اللَّيلِ الكَئيبَةُ،
الَّتي تَتَسَلَّلُ إلى رُوحيَ الغارِقَةِ،
سَتَتَلاشى مَعَ نورِ الصَّباحِ
الَّذي يَكشِفُهُ الرَّب، مَشرِقي وشَمْسي.
حَتّى الأبياتُ الَّتي كُتِبَتْ في اليَومِ السَّابِقِ لِانتِحارِهِ تَستَجدي رَحمَةَ السَّماءِ وتُوَدِّعُ أُمَّهُ. أمّا قَصائِدُهُ الرِّثائِيَّةُ فَهِيَ لَرُبَّما الأضعَفُ بَينَ أعمالِهِ، وَقَصائِدُهُ العاطِفِيَّةُ لا تُثْلِجُ الصَّدرَ كَثيراً، بَيْدَ أنَّ «رُعويّاتِهِ الإفريقِيَّةَ» الثَّلاثَ تَحوي بَعضاً مِنْ أفضَلِ شِعرِهِ المُعاصِرِ، وَتَنهَضُ بِنُبلٍ بِقَضيَّةِ العَبيدِ.
هَذِهِ القَصائِدُ الحَديثَةُ المُتَنَوِّعَةُ تَتَراجَعُ، كَمّاً ونَوعاً عادَةً، أمامَ ما باتَ يَعتَبِرُهُ الآنَ مَسْعاهُ: الهِجاءَ. لَقَد طَرَقَ هَذا البابَ مُبَكِّراً. وأخيراً، بِتِلكَ الوَقاحَةِ النَّزِقَةِ المَغفورَةِ لِلشَّبابِ، كانَ مُستَعِدّاً لِسَلْخِ أيِّ فَرْدٍ وأيِّ قَضيَّةٍ. وَرَغْمَ أنَّ بَعضَ قَصائِدِهِ الهِجائِيَّةِ يَمْلَؤُها السُّبابُ وَتَفتَقِرُ إلى الوُضوحِ، إلّا أنَّ لَحَظاتِ الرَّصانَةِ فيها تَرتَقي بِكَثيرٍ فَوقَ سِنِّهِ البالِغِ سَبعَةَ عَشَرَ عاماً والمُناخِ السَّياسِيِّ لِعامِ ١٧٧٠:
وا حَسرَتاهُ! أمريكا، إنَّ قَضيَّتَكِ المُدَمَّرَةَ
تُظْهِرُ احتِقارَ الوِزارَةِ لِلقَوانينِ.
الأيّامُ الأخيرَةُ المُتَسارِعَةُ مِنْ حَياتِهِ لا تَنتَمي إلى بريستول. إنَّ تَلَهُّفَهُ عَلى بِناءِ مَسيرَةٍ مِهْنِيَّةٍ، ونَفادَ صَبرِهِ عَلى الكَدحِ، دَفَعاهُ إلى بَعضِ التَّدابيرِ اليائِسَةِ والحَمقاءِ. أثارَ تَهديدٌ بِالِانتِحارِ، تَرَكَهُ عَلى مَكتَبِهِ في «لامبرت»، ذُعْرَ سَيِّدِهِ وَاستَدعى مَوعِظَةً لَطيفَةً مِنْ «باريت»، مِمّا جَعَلَهُ يَبكي. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ وَجيزَةٍ، في ١٤ أبريل ١٧٧٠، ظَهَرَتْ «وَصيَّةٌ أخيرَةٌ» ضَخمَةٌ في المَكانِ ذاتِهِ، مُعْلِناً عَزمَهُ عَلى الِانتِحارِ في اليَومِ التّالي (أحَد الفِصحِ). لَمْ تَكُنِ الوَصيَّةُ في جَوهَرِها سِوى مَنحٍ وَقِحٍ وخَبيثٍ لِصِفاتٍ يَفتَقِرُ إلَيها أهالي بريستول، لَكِنَّها كانَتْ فَعّالَةً، إذ أطلَقَ «لامبرت» سَراحَهُ عَلى الفَورِ.
وهَكَذا في أبريل ١٧٧٠، شَدَّ الرِّحالَ إلى لَندَنَ مُبتَعِداً عَنْ «شَوارِعِ بريستول الضَّيِّقَةِ، حَيْثُ يَلتَقي الكِبرِياءُ والبَذَخُ مَعَ الدَّناءَةِ». كانَتْ رَسائِلُهُ إلى عائِلَتِهِ مُفعَمَةً بِالحَيَويَّةِ مُنذُ البِدايَةِ، يُخْبِرُ أُمَّهُ بِتَفَوُّقِ لَندَنَ، والجُنيهاتِ المَوعودَةِ مِنَ المَجَلّاتِ المُختَلِفَةِ. لَكِنَّ التَّباهي الشُّجاعَ استَمَرَّ... وفي يونيو ١٧٧٠ انتَقَلَ إلى غُرفَةٍ عُلوِيَّةٍ في حَيٍّ فَقيرٍ (هولبورن)، واصَلَ الكِتابَةَ بِكُلِّ الحَماسِ القَديمِ، لَكِنَّ الأَدِلَّةَ تُشيرُ إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَلَقّى تَقريباً أيَّ مُقابِلٍ لِأعمالِهِ.
لَمْ يَأتِ لِمُواساتِهِ في مِحنَتِهِ سِوى صَديقٍ قَديمٍ واحِدٍ مِنْ بريستول - وهُوَ «راولي"»، حامِلاً مَعَهُ أكثَرَ قَصائِدِهِ شَجَناً: «أُغنِيَةٌ مُمتازَةٌ عَنِ الإحسانِ»؛ هُنا يَرى تشاترتون نَفسَهُ، بِشَكلٍ صَريحٍ، في شَخصيَّةِ الرَّجُلِ المَنكوبِ. ثُمَّ كانَتْ وَفاةُ العُمدَةِ بيكفورد ضَربَةً حَقيقِيَّةً لِآمالِهِ. وبَعدَ أيّامٍ بَدا أنَّهُ قَضاها بِلا طَعامٍ، رَغْمَ أنَّ السَّيِّدَةَ «أنجيل» عَرَضَتْ عَلَيْهِ عشاءً، تَجَرَّعَ الزَّرنيخَ المَمزوجَ بِالماءِ، ورُبَّما بَعدَ أن تَعاطى الأفيونَ لِتَسكينِ الألَمِ، وماتَ في لَيلَةِ ٢٤-٢٥ أغُسطُس ١٧٧٠. دُفِنَ جَسَدُهُ في حُفرَةٍ مُشتَرَكَةٍ، ولَمْ يَكُنْ عُمُرُهُ قَد تَجاوَزَ ١٧ عاماً و ٢٧٧ يَوماً.
إنَّ الصَّرحَ المُذهِلَ لِشُهرَتِهِ قَدْ بُنِيَ عَلى مَرحَلَتَيْنِ. أوَّلاً، الجَدَلُ الأكاديميُّ الطَّويلُ حَولَ مُؤَلِّفِ قَصائِدِ «راولي». ثانِياً، والأهَمُّ بِكَثيرٍ، شُهرَتُهُ المُفاجِئَةُ بَينَ الشُّعَراءِ. إنَّ الشُّعورَ بِأنَّهُ ماتَ مِنْ أجْلِ الشِّعرِ ألْهَمَ عَدَداً مِنَ الكُتّابِ المَشاهيرِ في شَبابِهِم. كَتَبَ كولريدج مَرثيَّةً لَهُ، ووصفه وردزورث بـ«الصَّبِيِّ المُعْجِزَةِ»، وكرَّسَ لَهُ شيلي مَقطَعاً مُفجِعاً في «أدونيس»، وأهدى لَهُ كيتس قَصيدَتَهُ بِوَصفِهِ «أكثَرَ الشُّعَراءِ إنجليزِيَّةً بَعدَ شِكسبير». وفي فَرنسا، اعتَرَفَ الرّومانسيّونَ الصّاعِدونَ بِأثَرِهِ.
يَبقى اسمُ الشّاعِرِ حَيّاً في «ريدكليف» كَاسمٍ لِمَيدانٍ ومَجموعَةٍ سَكَنِيَّةٍ. أُقيمَ لَهُ نُصبٌ تِذكاريٌّ قُوطِيٌّ عامَ ١٨٤٠، لَكِنْ لِلعَديدِ مِنَ النّاسِ، يَبدو أنَّ أعظَمَ نُصبٍ تِذكاريٍّ لَهُ كانَ سِيرَتَهُ الَّتي خَطَّها «مايرشتاين» في ٦٠٠ صَفحَةٍ، تِلكَ التُّحفَةُ الفَنّيَّةُ الرَّقيقَةُ والآسِرَةُ لِعالِمٍ وشاعِرٍ لَمْ يَنَلْ حَقَّهُ مِنَ التَّقديرِ.
