رِيشَةٌ على شَفَةِ الرَّدى
يَضفِرُ الكاتب «جيم كريس» في رِوايَتِه «المَوت» (عام ١٩٩٩) حَياةَ زَوجَينِ عالِمَي حَيوان بِما يَؤُولان إليه بَعدَ المَوت. إذ نَعلَمُ في مُستَهَلِّ الرِّوايَة أنَّهُما قُتِلا غِيلَةً عَلى شاطِئٍ، وبَقِيَت جُثَّتاهُما مَطروحَتَينِ رَدحاً مِنَ الزَّمَنِ دونَ أن يُعثَرَ عَلَيهِما. ثُمَّ يُوصَفُ تَحَلُّلُهُما الجَسَديُّ بِتَفاصيلَ تَجمَعُ بَينَ الدِّقَّةِ العِلميَّة والمَوَدَّة. وتُستَفتحُ هَذِهِ القِصَّةُ بِأبياتٍ شِعريَّة تَحْمِل عُنوان «وَداعُ عالِمِ الأحياءِ لِزَوجَتِه» (تُنسَب زَعماً إلى «شيروين ستيفنز»، وهُوَ اسمٌ مُستَعار لِـ«كريس»)، تُقَدِّم رُؤيَةً مُغايِرَةً تَماماً لِحقيقَةِ المَوت. فَفي حِين تَتَّسِمُ الرِّوايَةُ بِالرِّقَّة، تَأتي القَصيدَةُ جَلِيَّةً في هَزلِها. يُعلِنُ الشّاعِرُ لِزَوجَتِه انقِطاعَ الرَّجاءِ في حَياةٍ أَبَديَّة، قائِلاً: «لَقَد مُتِّ. قُضِيَ الأَمر. وَداعاً. فِراقاً». فالمَوت مَسارٌ ذو اتِّجاهٍ واحِد، قِوامُهُ «عَفَنٌ، فَعَفَنٌ، فَعَفَن، مُرتَدَّةً مِن مَرتبَةِ الحَيوان إلى النَّبات». يَتآكَلُ كِيانُ الزَّوجَةِ بِالتَّعَفُّن، ومَعَ أَنَّهُ يُؤَكِّدُ لَها حُزنَهُ عَلَيها، إلّا أَنَّهُ يَستَخِفُّ بِجَدوى هَذا الحُزن، قائِلاً:
...فَما كانَ الحُزنُ يَوماً لِيُطيلَ عُمراً،
ولا لِيَستَلَّ نَفَساً إضافيّاً
مِن جَسَدٍ مَسَّهُ المَوت.
ولَن تُفلِحَ أيُّ عاطِفَةٍ مَهما اشتَدَّت في إعادَةِ المُخاطَبَة مِن مَقام «النَّبات» إلى مَقام «الحَيوان»، ولَو لِلَحظَة. فَحَقائِقُ المَوتِ البُيولوجيِّ والتَّحَلُّل عاريَةٌ وقاسيَة. وتُمَثِّلُ أبياتُ «كريس» نَقيضاً لِلرِّثاء، إذ تَبدو كَأنَّها تُعَبِّر عَنِ الحِداد بَينَما تَصِف التَّحَوُّلاتِ المادّيَّةَ لِلمَوتِ بِتَجَرُّد. ومَعَ هَذِهِ الرُّؤيَةِ الصّادِمَة، يَبرُزُ في القَصيدَة أُسلوبُ مُخاطَبَةِ المَرأَة؛ إذ تُخبَرُ بِأنَّها «مَيِّتَة»، وتُدعى في الآنِ ذاتِه «أَيَّتُها الزَّوجَةُ الرّاحِلَة». نَتَخَيَّل أَنَّ الزَّوجَةَ تُشْرِف عَلى المَوت، غَيرَ أَنَّ عالِمَ الأحياء يَتَصَوَّرُها مَيِّتَةً بِالفِعل وَهوَ يُسدي إلَيها هَذِهِ المُواساةَ البارِدَة. وتَكمُنُ مُفارَقَةٌ عَجيبَة في هَذِهِ الأبياتِ المُستَخِفَّة: فَمَعَ أَنَّهُ لا يَرى فيها سِوى «سَماد»، يَبقى هُناكَ شُعورٌ خَفيٌّ بِالتَّعَلُّقِ بِها (وحَتّى التَّصنيفُ النَّباتيُّ يَمنَحُها بَعضَ الحَياة).
وفقاً لِلنَّظَريَّةِ اللُّغَويَّةِ الرّائِدَة الّتي وَضَعَها «ج. ل. أوستن»، فَإنَّ الكَلامَ لا يُخبِرُ فَحَسْب، وإنَّما يَفعَل؛ إنَّهُ يُنجِز شَيئاً عَبْرَ فِعلِ القَول (وهُوَ ما يُسَمّيهِ في مُصطَلَحاتِه «القُوَّةَ الإنجازيَّةَ لِلكَلام»). فَعَلى سَبيلِ المِثال، حينَ يَنطِقُ فَرْدٌ مِنَ العائِلَةِ المالِكَة بِعبارَة: «أُسَمّي هَذِهِ السَّفينَة...» في السِّياقِ المُناسِب، فَإنَّ السَّفينَةَ تَكتَسِب اسمَها بِمُجَرَّدِ النُّطقِ بِتِلكَ الكَلِمات. وبِالعَودَة إلى مِثالي السّابِق، نَجِد أنَّ عِبارَةَ «لَقَد مُتِّ» لَيسَت فِعلاً وَصفيّاً مَحضاً، وإنَّما هِيَ قَولٌ إنجازيٌّ يَعتَمِد اعتِماداً كَبيراً عَلى السِّياق. فَحينَ يَقولُ الشّاعِر في قَصيدَة «كريس»: «لَقَد مُتِّ»، فَإنَّهُ يَتَخَيَّل زَوجَتَهُ «الرّاحِلَة» قَد رَحَلَت بِالفِعل، وهُوَ بِهَذا المَعنى يَجعَلُها مَيِّتَةً اجتِماعيّاً قَبلَ أن تَموتَ بُيولوجيّاً. وفي الوَقتِ عَينِه، يَتَناقَض اختِيارُهُ لِلكَلِمات مَعَ قِراءَتِهِ البُيولوجيَّةِ القاسيَة لِلمَوت بِوَصفِهِ تَحَلُّلاً مادِيّاً وتَغَيُّراً في التَّصنيفِ لا غَير. فَمن خِلال مُخاطَبَتِهِ لَها كَمَيِّتَة، يُتيحُ لِكِيانِها البَقاء، مُقِرّاً بِوُجودِ «أَنتِ» المُخاطَبَة، لا «هُوَ» لِلجَماد، ولا حَتّى «هِيَ» لِلغائِب.
لَم تُعْنَ المَسرَحيّاتُ الإنجليزيَّة في أواخِر القَرنِ السّادِسِ عَشَر وأوائِل القَرنِ السّابِعِ عَشَر بِحالاتِ المَوتِ وَحْدَها، وإنَّما تَجاوَزَتها إلى تَصويرِ المَراحِلِ المُحيطَةِ بِها والتَّعبيرِ عَنها. ويَبرُزُ ذَلِكَ جَليّاً في تَجَسُّد العالَمِ الآخَر ومَشيِهِ عَلى خَشَبَةِ المَسرَح مِن خِلالِ الظُّهورِ الخارِق لِأرواحٍ ظَمأى لِلانتِقام، وهُوَ عُنصُرٌ أصيلٌ في تَقليد «مَآسي الانتِقام». وتَزخَر أعمالُ شكسبير، كَـ«ريتشارد الثّالث»، و«يوليوس قيصر»، و«هاملت»، و«ماكبث»، بِأطيافٍ عائِدَةٍ مِنَ المَوت تَتَواصَل مَعَ الأحياء، وتُؤَدّي دَوراً مِحوِريّاً في حَبكَةِ الرِّوايَة (وفي حالَة «يوليوس قيصر»، يَعودُ بَطَل المَسرَحيَّةِ نَفسُهُ مِنَ المَوت لِيَسكُنَ مَسرَحيَّتَه). ولَيسَت هَذِهِ الشَّخصيّاتُ الخالِدَة - والمُروِّعَةُ أحياناً - هِيَ التَّأمُّلَ المَسرَحيَّ الوَحيد لِلفَناء الَّذي يَستَرعي الِانتِباه. فَمَسرَحيَّة «المَأساةُ الإسبانيَّة» ذائِعَةُ الصّيت لِلكاتِب «توماس كيد» (١٥٥٨-١٥٩٤) (وهِيَ قِصَّةٌ تُؤَطِّرُها رِوايَةُ شَبَحٍ يَسعى لِلِانتِقامِ لِمَقتَلِه) تَستَغِلُّ الإمكاناتِ المَسرَحيَّةَ الكامِلَة لِحالاتِ مَوتٍ تُخالِفُ ظَواهِرَها. فَفي ذُروَةِ المَأساة، يُخْرِجُ المُنتَقِمُ الحَيّ، «هيرونيمو»، مَسرَحيَّتَهُ الخاصَّة ويَدعو شَخصيّاتٍ أُخرى لِلمُشارَكَة. وما لا يُدرِكونَه هُوَ أَنَّ المُذنِبين سَيُقتَلون حَقيقَةً، في حينِ يَظُنّون أَنَّهُم يُمَثِّلون. ولا يَتَبَيَّنُ لِلجُمهور إلّا شَيئاً فَشَيئاً أَنَّ المَسرَحيَّةَ داخِلَ المَسرَحيَّة قَد غَدَت حَقيقَةً واقِعَة: فَالشَّخصيّاتُ المَيِّتَة لَن تَنهَضَ مُجَدَّداً، والدِّماءُ النّازِفَةُ مِن جِراحِها لَيسَت زَيفاً. غَيرَ أَنَّهُم سَيَنهَضون بِالطَّبع، والدِّماءُ زائِفَة، لِأَنَّهُم مُمَثِّلون يُؤَدّون أدوارَ شَخصيّاتٍ تُمَثِّل أدواراً أُخرى: فَهَذِهِ الحيلَةُ المُتَأرجِحَة بَينَ الزَّيفِ والحَقيقَة الّتي يَستَخدِمُها «كيد» تُمَثِّل لُعبَةً ذاتيَّةَ الإحالَة، شَأنُها شَأن عادَةِ المُمَثِّلين الصِّبيَة الّذين يُؤَدّون أدواراً نِسائيَّة، وتَتنَكَّرُ تِلكَ الشَّخصيّاتُ النِّسائيَّةُ بِدورِها في زِيِّ الرِّجال.
لَقَد خاضَ كُتّاب المَسرَح في عَصرِ النَّهضَة تَجارِبَ جَريئَة تَحَدَّت تَوَقُّعاتِ الجُمهور وافتِراضاتِه حَولَ كَيفيَّةِ وُقوعِ المَوت عَلى الخَشَبَة. فَإن شَهِدْنا شَخصيَّةً تُخنَق ورَأينا جَسَدَها الهامِدَ مُسَجًّى عَلى المَسرَح أو مُتَوارِياً خَلفَ سِتار، افْتَرَضنا مَوتَها وزَوالَها، مَعَ عِلمِنا - ورُبَّما رُؤيَتِنا - بِأَنَّ المُمَثِّل الَّذي يُؤَدّي الدَّور لا يَزالُ يَتَنَفَّس. وكَما سَنَرى لاحِقاً، يَستَخدِم شِكسبير أعرافاً مُختَلِفَة لِلدَّلالَةِ عَلى المَوت، لا سِيَّما الإشاراتِ اللَّفظيَّة. غَيرَ أَنَّ الأعرافَ قابِلَةٌ لِلنَّقض لِتَعقيدِ مَفاهيمِنا عَن مَواقيتِ المَوت. فَفي بَعضِ الحالات، يُطلَع الجُمهور عَلى سِرِّ أَنَّ شَخصيَّةً ما لَم تَمُت رُغمَ ظُهورِها كَذَلِك، وهُوَ سِرٌّ يُحجَبُ عَن بَقيَّةِ الشَّخصيّات عَلى المَسرَح. ففي «روميو وجولييت» مَثَلاً، نَشهَد الرّاهِب «لورانس» وَهوَ يَشرَح لِـ«جولييت» خُطَّتَه لِجَمعِ شَملِها بِحَبيبِها المَنفيِّ «روميو»: إذ يَتَعَيَّنُ عَلَيها شُرب عَقّارٍ يُخمِد استِجاباتِها البَدَنيَّة، بِحَيث «لا دِفءَ ولا نَفَسَ يَشهَد بِأنَّكِ حَيَّة»؛ وكُلُّ جُزءٍ مِن جَسَدِها «سَيَغدو صُلباً وقاسِياً وبارِداً، كَأَنَّهُ المَوتُ بِعَينِه». وَحين يَقتَحِم «روميو» الغافِل قَبرَها، نُدرِك أَنَّهُ قَد أساءَ قِراءَةَ العَلامات الّتي بَدَت عَلى جَسَدِها، ولَمّا يَسُمّ نَفسَه قائِلاً: «وهَكَذا بِقُبلَةٍ أموت!»، نَعي تَماماً الفَظاعَةَ الكامِنَة في هَذِهِ المَأساة؛ فَـ«جولييت» سَتَنهَض عَمّا قَليلٍ مِن نَومِها المُخَدَّر الشَّبيهِ بِالمَوت لِتَجِدَ جُثَّةَ زَوجِها الشّابّ لَمّا تَبرُد بَعد، فَتُقدِم هِيَ الأُخرى عَلى الانتِحار.
إنَّ مَوتَ «جولييت» الثّاني طَعناً هُوَ مَوتٌ حَقيقيّ ومَشهودٌ بِذَلِك (إذ يَصِفُها الحارِس بِأَنَّها «تَنزِف، ودافِئَة، وحَديثَةُ المَوت، هِيَ الّتي رَقَدَت هُنا مُنذُ يَومَين»)، إلّا أَنَّ نِساءَ مَآسي شِكسبير لا يُفارِقنَ الحَياةَ كُلُّهُنَّ بِهَذِهِ السُّرعَة أوِ الجَلاء. ويَبرُز نَقيضٌ عَجيب لِحالَةِ «جولييت» في حالَة «ديْدمونة»، الّتي خَنَقَها زَوجُها «عُطيل» في فَورَةِ غَيرَتِه. فَفي مِثل هَذِهِ الميتَة، لا تَلوح عَلاماتٌ يَسهُل قِراءَتُها عَلى الفَور كَدِماءِ «جولييت» النّازِفَة، لا سِيَّما وأَنَّ «عُطيل» نَفسَهُ قَد لاحَظَ سابِقاً أَنَّ لِـ«ديْدمونة» «بَشَرَةً أشَدَّ بَياضاً مِنَ الثَّلج، وناعِمَةً كَمَرْمَرِ النُّصُبِ التِّذكاريَّة». فَحَتّى وَهِي حَيَّةٌ تُرزَق في مَوفورِ الصِّحَّة، يَتَخَيَّلُها «عُطيل» تِمثالاً مَيِّتاً كَذاكَ الَّذي يَعتَلي القُبورَ الحَجَريَّة، لَعَلَّه يُخَفِّف بِذَلِك مِن وَطأَةِ الذَّنب عَمّا هُوَ مُقدِمٌ عَلَيه. ويُقَدِّم كِيانُها الجَسَديّ تَناقُضاً مَسرَحيّاً مَعَ «جولييت»، الّتي - حَتّى وَهِي مُخَدَّرَة وتَبدو «مَيِّتَة» في قَبوِها - يُلاحِظ «روميو» أَنَّ «رايَةَ الجَمالِ لا تَزال، قِرمِزيَّةً في شَفَتَيكِ ووَجنَتَيكِ». وَحين يَخنُق «عُطيل» «دِيدمونة» في المَرَّةِ الأُولى، لا يُفلِح تَماماً، ويُعَقِّب عَلى ذَلِك قائِلاً: «أَلَم تَموتِي؟ أَلَم تَموتِي تَماماً بَعد؟»، ثُمَّ يُواصِل فِعلَتَه حَتّى يَتمَكَّن مِنَ الجَزم قائِلاً: «لَقَد ماتَت». غَيرَ أَنَّنا نَكتَشِف بَعدَ بُرهَةٍ قَصيرَة أَنَّنا لا نَستَطيع الرُّكونَ إلى قِراءَتِه لِعَلاماتِ المَوتِ الظّاهِرَة، إذ نَسمَع صَوتَها مِن خَلفِ سَتائِرِ السَّرير: «آه، قُتِلتُ ظُلماً، قُتِلتُ ظُلماً!». ورُغمَ أَنَّنا قَد نَظُنُّها بادِئَ الرَّأيِ شَبَحاً، سُرعانَ ما نُدرِك أَنَّها قَد أُفيَقت حَقّاً، بِما يَكفي مِنَ الوَقت لِإعلانِ بَراءَتِها، ولِتَبرِئَةِ زَوجِها عِوَضاً عَنِ اتِّهامِه. فَحين تَسأَلُها خادِمَتُها «إيميليا»: «مَن فَعَلَ هَذِهِ الفِعلَة؟»، تَكون كَلِماتُ «ديْدمونة» الأخيرَة: «لا أحَد، أنا بِنَفسي».
ولا تُعَدّ مَسرَحيَّةُ «عُطيل» المِثالَ الوَحيد في دراما عَصرِ النَّهضَة لِامرَأَةٍ مَخنوقَةٍ تَعود إلَيها الرّوحُ مُؤَقَّتاً. وحَتّى المُعاصِر لِشِكسبير في العَهدِ اليعقوبيّ، «جون ويبستر» (١٥٨٠-١٦٣٤)، يَذهَب بِالفِكرَةِ إلى أبعَد مِن ذَلِك: فَحين تُخنَق البَطَلَة الّتي تَحمِل المَسرَحيَّةُ اسمَها، «دوقَةُ مالفي»، بِأمرٍ مِن أخيها، تَعود إلى الحَياة بَعدَ أكثَرَ مِن مائَةِ سَطرٍ شِعريّ مِن «مَوتِها» الظّاهِريّ. يُدرِك الرَّجُل الَّذي نَفَّذَ الجَريمَة، «بوسولا»، أَنَّها «دافِئَةٌ، تَتَنَفَّس»، وأَنَّ «عَينَها تَنفَتِح»، فَيُخبِرُها أَنَّ زَوجَها لا يَزالُ عَلى قَيدِ الحَياة، مِمّا يُتيح لَها أن تَموتَ قَريرَةَ العَين: فَتَكون كَلِمَتُها الأخيرَة «الرَّحمَة». وقَد يَرتَبِط هَذا الانبِعاثُ النِّسائيّ - كَما تُحاجِج «كارا بيترسون» بِإقناع - بِالفَهمِ الطِّبِّيّ في بِداياتِ العَصرِ الحَديث لِلِاضطِرابِ النِّسائيِّ المَعروف بِـ«شَغَفِ الهيستيريا» (hysterica passio)، حَيثُ تُظهِر النِّساء «أعراضاً تُحاكي المَوت»، وهُوَ تَصويرٌ يَعكِس قَلَقاً ثَقافيّاً أوسَع مَفادُه أنَّه «لا يُمكِن الوُثوقُ بِأجسادِ النِّساء لِتَعكِسَ حالَتَهُنَّ الأساسيَّة كَكائِناتٍ حَيَّة». ولَعَلَّ جَماهيرَ عَصرِ النَّهضَة كانوا أكثَرَ تَشكيكاً في نِهائيَّةِ مَوتِ الشَّخصيَّةِ النِّسائيَّة ما لَم تَظهَر عَلاماتٌ قاطِعَة. وعلاوَةً عَلى ذَلِك، فَإنَّ مِثلَ هَذا الفَهمِ الطِّبِّيّ يُجيز، ويُمَهِّد كَذَلِك، لِخَيالٍ مَفادُه أَنَّ الحُزنَ قادِرٌ عَلى استِلالِ نَفَسٍ إضافيّ مِن جَسَدٍ مَسَّهُ المَوت؛ وهُوَ هاجِسٌ بَرَزَ جَليّاً في مَآسي شِكسبير المُتَأخِّرَة. فَفي مَسرَحيَّتِه «بريكليس»، يُفتَح تابوتٌ قَذَفَت بِهِ الأمواجُ إلى الشّاطِئ لِيَكشِف عَن جَسَدِ «تايسا»، الّتي دُفِنَت في البَحر ولَمّا يَزَل مورَّداً، فَيُعيدُها طَبيبٌ ماهِر إلى الحَياة، لِيَلتَئِمَ شَملُها بِزَوجِها أخيراً. وفي «حِكايَةِ الشِّتاء»، نُصادِف قِواماً أُنثَويّاً مورَّداً آخَر - تِمثالَ المَلِكَةِ الرّاحِلَةِ المَظلومَة «هيرميون» - الَّذي يَتَرَجَّل عَن قاعِدَتِه في مُعجِزَةٍ بَصَريَّة لِيَتَكَشَّف عَن امرَأَةٍ تَتَنَفَّس. إنَّ تُخومَ المَوت تُشَرِّع الأبوابَ لِلخَلاصِ كَما لِلمُواساة.
تُذَكِّرُنا دراما عَصرِ النَّهضَة أَنَّ الحُدودَ الفاصِلَة بَينَ الحَياةِ والمَوت قَد تَكون رَقيقَةً كَوَرَقَة، وأَنَّ العَلاماتِ المَرئيَّة قَد لا تَكون كافيَة، وأَنَّ الشَّخصيّاتِ والمُمَثِّلين يَسكُنون عَوالِمَ تَتَأرجَح بَينَ الكَينونَةِ والعَدَم. ولَعَلَّ أبلَغَ ما يُذَكِّر بِأَنَّ المَوتَ لَيسَ سِوى أداءٍ مَسرَحيّ هُوَ الرَّقصَةُ النِّهائيَّة في خِتامِ المَسرَحيَّة، وهِيَ خاتِمَةٌ تَقليديَّة لِلأحداث. قَد تَكون هُناكَ كَومَةٌ مِنَ الجُثَث، أو مَوكِبُ جِنازَة، غَيرَ أَنَّ هَذا لا يَعني في مَآسي عَصرِ النَّهضَة: «قُضِيَ الأَمر. وَداعاً. فِراقاً». فَمَعَ انتِهاءِ فُصولِ المَسرَحيَّة، يَعود المُمَثِّلون لِلرَّقص، وهِيَ تَجرِبَةٌ رَواها الرَّحالَةُ السويسريّ «توماس بلاتر»، الَّذي زارَ لَندَن عام ١٥٩٩، قائِلاً: «في الحادي والعِشرين مِن سِبتَمبر، بَعدَ العَشاء، في نَحوِ السّاعَةِ الثّانيَة، عَبَرت مَعَ صَحبِي النَّهر؛ وفي مَبنىً مَسقوفٍ بِالقَشّ شَهِدنا مَأساةَ الإمبَراطورِ الأوَّل يوليوس قيصر، بِأداءٍ غايَةٍ في الإمتاع، مَعَ ما يُقارِب خَمسَ عَشرَةَ شَخصيَّة؛ وفي خِتامِ المَسرَحيَّة رَقَصوا مَعاً بِبَراعَةٍ ورَشاقَةٍ فائِقَة، جَرياً عَلى عادَتِهِم، كُلُّ رُباعيَّةٍ مِنهُم تَضُمّ اثنَين في زِيِّ رِجال واثنَين في زِيِّ نِساء». وفي هَذِهِ الفِكرَة عَنِ الجُثَثِ المُعادِ إحياؤُها شَيءٌ مِن «رَقصَةِ المَوت»، غَيرَ أَنَّ إحياءَ هَذا التَّقليد في مَسرَح «غْلوب» في السَّنَواتِ الأخيرَة يُظهِر كَيف يُوَفِّر الرَّقص شُعوراً بِالِانتِعاشِ والتَّحَرُّر لِلمُمَثِّلين والجُمهور عَلى حَدٍّ سَواء، لِيَكون مُكَمِّلاً عاطِفيّاً وجَماليّاً لِحُرْقَةِ التَّطَهُّر النّاجِمَة عَن مُشاهَدَةِ المَأساة.
ويَجِد سُؤال: «مَتى يَقَعُ المَوت؟» إجابَةً دَقيقَةً ومُتَدَرِّجَة بِشَكلٍ خاصّ في مَسرَحيَّتَين لِشِكسبير: «هاملت» و«المَلِك لير». فَكِلتا المَأساتَين لا تَعنيان بِالمَوتِ وَحْدَه، وإنَّما بِصَيرورَةِ الفَناء أيْضاً، وتُعَبِّران عَن ذَلِك مِن خِلالِ بَطَلَيهِما. لَقَد أشرت سالِفاً إلى أَنَّ عِبارَةَ «لَقَد مُتِّ» تَبدو مُفارَقَةً، ونَسمَع ما يُعادِلُها عَلى مَسرَحِ عَصرِ النَّهضَة:
يا هاملت، لَقَد قُتِلت.
لا طِبَّ في الدُّنيا يَنفَعُك.
فَلَيسَ فيكَ مِنَ الحَياةِ نِصفُ ساعَة؛
نَطَقَ بِهَذِهِ الكَلِمات «لايرتيس»، الَّذي قَتَلَ «هاملت» ثَأراً لِمَقتَلِ أبيه «بولونيوس»، ومَوتِ أُختِه «أوفيليا». فَبَعدَ أن تَحَدّى «هاملت» لِلمُبارَزَة، دَسَّ «لايرتيس» السُّمَّ في نَصلِ سَيفِه، بِحَيث يَكفي جُرحٌ سَطحيّ لِقَتلِ غَريمِه؛ وفي غَمرَةِ الِاحتِدام، تَتَبادَل السُّيوف عَرَضاً، فَيُجرَح الرَّجُلان ويَتَسَمَّمان سُمّاً قاتِلاً. واستَطاعَ «لايرتيس» أن يَقول: «لَقَد قُتِلت»، لا لِأَنَّه مَن دَسَّ السُّمَّ فَحَسْب، وإنَّما لِأَنَّه هُوَ الآخَر عَلى شَفا المَوت، إذ يَقول: «ها أنا ذا مُلقىً هُنا، لَن أنهَضَ أبَداً». فَقَدِ انسَحَبَ شُعورُهُ الدّاخِليّ بِدُنوِّ الأجَل عَلى «هاملت»، في حينِ يَرى «هاملت» مَوتَه مُتَجَسِّداً في «لايرتيس». ويَغدو «لايرتيس» رَمزاً حَيّاً لِلمَقولَةِ التَّقليديَّة المَنقوشَة عَلى القُبور: «ستكون ما أنا عليه الآن» (Eris quod sum). ويَتَجَلّى إدراكُ «هاملت» لِما أخْبَرَهُ بِهِ «لايرتيس» في عِبارَةٍ أشَدَّ مُفارَقَة مِن «لَقَد قُتِلت»، وهِيَ: «أنا مَيِّت». وقَد رَدَّدَها «هاملت» مَرَّتَين في خِطابٍ واحِد مُوَجَّه لِصَديقِه «هوراشيو»، بُعَيدَ مُشاهَدَتِهِما لِاحتِضارِ «لايرتيس».
قَد نَظُنّ لِلوَهلَةِ الأُولى أَنَّ «هاملت» يَنزَع إلى شَيءٍ مِنَ المُبالَغَةِ الدّراميَّة بِلَفتِ الِانتِباه مِراراً إلى صَيرورَةِ مَوتِه. ومِمّا لا شَكَّ فيه أنَّ مَوتَه يُعَدّ مِن أطوَلِ حَوادِثِ المَوت في أعمالِ شِكسبير: فَهُوَ يَلْفِظ أنفاسَه بَعدَ سِتّينَ سَطراً مِن إصابَتِه، وهُوَ ضِعفُ الوَقت الَّذي استَغرَقَه «لايرتيس» لِيَموتَ بِالسُّمِّ ذاتِه. وكَما هُوَ الحالُ غالِباً عَلى مَسرَحِ عَصرِ النَّهضَة، تَمتَزِج الضَّروراتُ المَسرَحيَّة مَعَ النَّظَريّاتِ الطِّبِّيَّة في سُلوكِ أجسادِ الشَّخصيّات. فَمَوتُ «هاملت» أبطَأ مِن مَوتِ «لايرتيس» لِأَنَّه البَطَل، ويَجِب أن يَتَصَدَّرَ مَوتُهُ المَشهَد، ولَكِنَّ الأَمرَ يَرجِع أيضاً إلى طَبيعَتِهِ الفِسيولوجيَّة. فَوفقاً لِلفَهمِ الطِّبِّيِّ الغالينوسيّ الشّائِع لِلجَسَد في تِلكَ الحِقبَة، كانَ يُعتَقَد أَنَّ ذَوي الطِّباعِ الحارَّة أوِ الجافَّة (الدَّمَويَّة أوِ الصَّفراويَّة) أكثَر عُرضَةً لِمَفعولِ السُّمّ، لِأَنَّ الحَرارَةَ الطَّبيعيَّة في أجسادِهِم تُسَرِّع مِن سَرَيانِه، ولِاعتِقادِهِم أنَّ شَرايينَهُم أوسَع. وكَما عَبَّرَ الواعِظ «جون دون» لاحِقاً: «السُّمّ يَسري حَثيثاً في الأمزِجَةِ الصَّفراويَّة». فَيَموت «لايرتيس» الحادُّ الطَّبع قَبلَ «هاملت» السَّوداويّ، الَّذي يَحفَظُه مِزاجُهُ البارِد فَترَةً أطوَل، تَماماً كَما يَمنَحُه الكاتِبُ المَسرَحيّ وَقتاً مُمتَدّاً لِيُدليَ بِـ«صَوتِهِ المُحتَضِر»، مُدرِكاً تَمامَ الإدراك طابِعَهُ المَسرَحيّ أمامَ «جُمهورِ هَذا العَمَل».
وما الَّذي يَقصِدُه «هاملت» بِقَولِه: «أنا مَيِّت»؟ لَعَلَّها مُجَرَّدُ طَريقَةٍ أُخرى لِلقَول: «أنا أحتَضِر»، أو «أنا في حُكمِ المَيِّت»، أو «لَقَد هَلَكت». بَيدَ أَنَّ هَذِهِ العِبارَة أبعَد ما تَكون عَنِ العَاميَّة. وبِالبَحث في الكِتاباتِ الإنجليزيَّة في تِلكَ الحِقبَة، نَجِد أَنَّ الحالاتِ الّتي يَقول فيها المَرء: «أنا مَيِّت» (في الدراما عادَةً) تَسبِقُها دائِماً كَلِماتٌ مِثل «عِندَما» أو «تَخَيَّل»، وهِيَ كَلِماتٌ تُوَضِّح أَنَّ المُتَكَلِّم يَتَنَبَّأ بِالمَوتِ أو يَتَخَيَّلُه، لا أَنَّهُ يَسكُنُه كَما يَفعَلُ «هاملت». وتَبدو عِبارَةُ «هاملت» فَريدَةً عَلى المَسرَحِ الإنجليزيّ. وأرى أَنَّ مُحاكاتَه لِعبارَةِ «لايرتيس» أبلَغ مِن مُجَرَّدِ بَديلٍ لِلقَول بِأَنَّه يَحتَضِر. فَـ«هاملت»، الطّالِبُ المُتَبَحِّر في عِلمِ الوُجود، سَبَقَ أن أفصَحَ عَن تَأمُّلاتِه في ماهيَّةِ المَوت، «ألّا يَكون»:
...أن تَموت، أن تَنام.
أن تَنام، ولَعَلَّك تَحلُم. أجَل، هُنا العُقدَة،
فَفي نَومَةِ المَوتِ تِلك، أيُّ أحلامٍ قَد تَأتينا
حينَ نَنفُض عَنّا غُبارَ هَذِهِ الدُّنيا الفانيَة
مِمّا يَحمِلُنا عَلى التَّريُّث.
لَقَد أمضى «هاملت» مُعظَمَ أحداثِ المَسرَحيَّة يُفَكِّر ويُعِدّ العُدَّة، أوَّلاً، لِلِانتِقامِ لِمَقتَلِ أبيه عَلى يَدِ عَمِّه المَلِك «كلوديوس»، وثانِياً، لِلمَوت. وفي غُضونِ عَشَرَةِ أسطُر، يُحَقِّق الغايَتَينِ أخيراً: فَقَد نَهَضَ أخيراً بِدَورِ المُنتَقِم، قاتِلاً «كلوديوس» (الَّذي، بِالمُناسَبَة، لا يَستَغرِق مَوتُهُ سِوى خَمسَةِ أسطُر) بِمَزيجٍ مِنَ الأسلِحَةِ المَسمومَة، وأصبَح هُوَ نَفسُهُ المُنتَقَمَ لَه: مُتَقَمِّصاً حالَةَ المَوت، وَهوَ لا يَزالُ في كامِلِ وَعيِه.
ولِفِعل «هاملت» الكَلاميِّ الاستِثنائيّ «أنا مَيِّت» أبعادٌ أُخرى. فَيُلاحِظ مُحَرِّرو طَبعَة «آردن» لِمَسرَحيَّة «هاملت» عَلى هَذِهِ الأسطُر أنَّه «إذا كانَ هاملت (مَيِّتاً) بِالفِعل حينَ قَتَلَ المَلِك، فَرُبَّما يَكون هَذا حَلّ شِكسبير لِلمُعضِلَةِ الأخلاقيَّة المُتَمَثِّلَة في إثمِ الدَّمِ المُلقى عَلى كاهِلِ المُنتَقِمِ الظّافِر». وأحسَب أَنَّ هَذا التَّفسير يَغفُل عَن تَعَمُّقِ «هاملت» الشَّديد في لاهوتِ الانتِقامِ وأخلاقيّاتِه؛ فَتَبرِئَة «هاملت» لِنَفسِه مِنَ الذَّنب عَبْرَ هَذا الفِعلِ الكَلاميّ تَبدو حَلّاً مُفْرِطاً في المِثاليَّةِ والخُلوِّ مِنَ التَّعقيد بِالنِّسبَةِ لَه. ولَعَلَّ الأَولى أن يُفهَم تَعبيرُ «هاملت» عَن وُجودِه ومَوتِه في آنٍ واحِد، عَلى أنَّه تَجسيدٌ لِتَجَرُّعِ المَوتِ في مَواقيتَ مُختَلِفَة، بَدَلاً مِن كَونِه حَدَثاً مُفرَداً. فَمِن مَنظورٍ قانونيّ وطِبِّيّ (إن لَم يَكُن أخلاقيّاً)، قَد يَرى نَفسَه رَجُلاً مَيِّتاً بِالفِعل. فَحين يَطعَن «هاملت» المَلِك بِسَيفِهِ المَسموم، تَتَعالى الصَّيحات: «خيانَة، خيانَة!». لَم يُحاكَم «هاملت» بِتُهمَةِ الخيانَة، غَيرَ أنَّه أخذَ عَلى عاتِقِه مَسؤوليَّةَ قَتلِ المَلِك كامِلَةً، ومِن هُنا يُصبِح «هاملت» مَيِّتاً مِنَ النّاحيَةِ القانونيَّة: فَالمُدانون بِالخيانَة (ولَيسَ بِالضَّرورَة عَبْرَ مُحاكَمَة) يَفقِدون كافَّةَ حُقوقِهِم وأهليَّتِهِمُ المَدَنيَّة، وتُصادَر أملاكُهُم ويُحْرَمون مِن تَوريثِها لأعقابِهِم. و«هاملت» نَفسُهُ يَصِف المَوت بِأَنَّه «ذَلِكَ الشُّرطيّ القاسي» الَّذي هُوَ «صارِمٌ في اعتِقالِه»، مُستَغِلّاً فِكرَةَ كَونِه أسيراً. وعلاوَةً عَلى ذَلِك، قَد يَطغى عَرَضٌ طِبِّيّ عَلى إدراكِهِ القانونيّ والفَلسَفيّ. فَهُوَ يُخبِر «هوراشيو» أَنَّ «السُّمَّ الزُّعاف قَد قَهَرَ روحي»، وهُوَ تَعبيرٌ عَن لَحظَةِ المَوت في أثنائِها. وقَد تَكون كَلِمات «أنا مَيِّت» تَجَلِّياً لِذَلِك، ولِعَرَضِ «كَرْبِ الرُّوح» (angor animi): أي «الشُّعور بِالوُقوع في بَراثِنِ المَوت، وهُوَ مُختَلِفٌ عَن خَوف المَوتِ أوِ الرَّغبَةِ فيه»، كَما يُشاهَد مَثَلاً لَدى مَرضى الذَّبحَةِ الصَّدريَّة. ويُمكِن تَرجَمَة عِبارَة (Angor animi) بِـ«كَرْبِ الرُّوح»، وكانَ هَذا المُصطَلَح في عَصرِ شِكسبير يُشير إلى الكَرْبِ النَّفسيّ والسَّوداويَّة، مِمّا ألِفَه «هاملت» جَيِّداً. وأغْلَبُ الظَّنّ أنَّه يُكابِد هُنا أيْضاً المَعنى الأحدَث لِلمُصطَلَح: أيِ استِشعارَ المَوتِ بَدَلاً مِن مُجَرَّدِ التَّأمُّلِ فيه.
إذا أعَدنا طَرحَ سُؤال: «مَتى يَقَعُ المَوت؟» في «هاملت»، فَلْيَمْتَدّ نَظَرُنا إلى كَلِماتِ البَطَل الأخيرَة. فَلا غُموضَ في لَحظَةِ احتِضارِه كَما هُوَ الحال مَعَ «ديدمونة» أو «دوقَةِ مالفي» - لا حيلَةَ هُنا لِاستِلالِ نَفَسٍ إضافيّ مِنه بَعدَ أن يَبدو أَنَّه لَفَظَ أنفاسَهُ الأخيرَة. غَيرَ أنَّ ثَمَّةَ اختِلافاً نَصِّيّاً مُثيراً لِلاهتِمام يُسَلِّط الضَّوء عَلى السُّبُلِ الّتي يُمكِن مِن خِلالِها الإشارَة إلى المَوت، سَواءٌ عَلى خَشَبَةِ المَسرَح أو في قِراءَةِ النَّصِّ المَطبوع. يُكابِد «هاملت» المَوت بِثَلاثِ طُرُقٍ مُختَلِفَة، تَبَعاً لِنُسخَةِ المَسرَحيَّةِ المَقروءَة. فَفي أوَّلِ ظُهورٍ مَطبوع لِـ«هاملت» عام ١٦٠٣ (في نُسخَةِ الرُّبْعِيَّةِ الأُولى، أو ما يُعْرَف بِالرُّبْعِيَّةِ «السَّيِّئَة»)، جاءَتِ النُّسخَة أقصَرَ بِكَثير ومُختَلِفَةً وُضوحاً عَنِ الطَّبَعاتِ اللّاحِقَة؛ ويُحْتَمَل أنَّها كانَت إعادَةَ بِناءٍ لِمَسرَحيَّةِ شِكسبير مِن ذاكِرَةِ مُمَثِّل أو مِن أحَدِ أفرادِ الجُمهور، أي نُسخَةً «مَسروقَة» تَحوي مَقاطِعَ مُشَوَّهَةً بِشَكلٍ مَلحوظ. وفي هَذِهِ النُّسخَة، تَبدو كَلِماتُ «هاملت» (بِالنِّسبَةِ لَنا) غَيرَ مَألوفَة، ولَكِنَّها نِهائيَّةٌ وَفقَ الأعرافِ التَّقليديَّة:
أيُّ لِسانٍ سَيَروي قِصَّةَ مَوتِنا،
إن لَم يَكُن لِسانَك؟ آه، قَلبي يَغوصُ يا هوراشيو،
وعَينايَ فَقَدَتا بَصَرَهُما، ولِساني نُطقَه:
وَداعاً يا هوراشيو، ولْتَتَقَبَّلِ السَّماءُ روحي. [هاملت يَموت].
يَطلُب «هاملت» مِن صَديقِه «هوراشيو» ألّا يَنتَحِر لِيُرافِقَه في المَوت، وإنَّما لِيَبقى عَلى قَيدِ الحَياةِ ويَكون شاهِداً عَلى ما جَرى. ومَعَ سَرَيانِ مَفعولِ السُّمّ، يَقوم «هاملت» في نُسخَةِ «الرُّبعيَّةِ الأُولى» بِدَورِ الشّاهِد عَلى أعراضِ الاحتِضارِ الجَسَديَّة الّتي يُكابِدُها. فَهُبوطُ القَلب وفِقدانُ الحَواسّ مُؤَشِّراتٌ طِبِّيَّةٌ مَألوفَة عَلى دُنوِّ الأجَل: إذ يَذكُر أحَدُ الأدلَّةِ الطِّبِّيَّة «صُعوبَةَ التَّنَفُّس، وكَلالَ البَصَر، وتَبَلُّدَ الحَواسّ» مِن بَينِ العَلاماتِ المُنذِرَة. كَما أنَّ تَعبيرَهُ اللَّفظيّ عَنِ التَّجارِبِ والأعراضِ الجَسَديَّة كَتَمثيلٍ لِحالَةٍ باطِنيَّةٍ خَفيَّة، يُمَثِّل أيْضاً عُرفاً مَسرَحيّاً مِن خَصائِصِ النَّمَط «السِّينِيكي» الَّذي يَدين لَه المَسرَحُ المأسَاويّ الإليزابيثيّ بِالفَضل. غَيرَ أنَّه أُسلوبٌ سينيكيّ مُصطَبِغٌ بِالدِّينِية الرّاسِخَة، كَما تُشير كَلِماتُ «هاملت» الأخيرَة في صِفَةِ تَقوى روحيَّة: «ولْتَتَقَبَّلِ السَّماءُ روحي». وتُؤَكِّد التَّعليماتُ المَسرَحيَّة هَذا الأمْرَ البَديهيّ: «هاملت يَموت». ولِذا، تُقَدِّم الرُّبْعِيَّةُ الأُولى مَجموعَةً ثُلاثيَّة مِنَ الدَّلالاتِ عَلى لَحظَةِ المَوت: تَتَمَثَّل في أعراضٍ طِبِّيَّةٍ مَنطوقَة، واستِعدادٍ روحيّ، وتَوجيهٍ لِلمُمَثِّلين (وبِالتَّبَعيَّة، لِقارِئِ النَّصِّ المَطبوع).
غَيرَ أنَّ هَذِهِ النُّسخَة مَرفوضَةٌ في الأغلَب مِن قِبَلِ المُحَرِّرين؛ فَفي نُسخَة «الرُّبعيَّةِ الثّانيَة» لِعام ١٦٠٤، يَموت بِطَريقَةٍ مُختَلِفَةٍ تَماماً، أو بِالأحرى، لا يَموتُ أبَداً (مِنَ النّاحيَةِ النَّصِّيَّة عَلى الأقَل). فَهُوَ يَشرَع في تَوجيهِ رِسالَةٍ لِلأميرِ النَّرويجيّ «فورتينبراس» (الَّذي يَوَدّ «هاملت» أن يَتَوَلّى حُكمَ الدِّنمارك)، لَكِنَّه يَتَوَقَّف في مُنتَصَفِ العِبارَة قائِلاً: «فَأخبِرهُ بِذَلِك، بَعدَما استُدْعِيَت أحداثٌ صَغيرَةٌ وكَبيرَة، أمّا الباقي فَصَمت». وهَذِهِ العِبارَةُ الأخيرَةُ المُباغِتَة لا تُرافِقُها أيَّة إرشادَاتٍ مَسرَحيَّة، وكَلِماتُ صَديقِه «هوراشيو» رَدّاً عَلَيها هِيَ الّتي تُبَيِّن مَوتَه: «الآنَ يَتَصَدَّعُ قَلبٌ نَبيل، طابَ مَساؤُكَ أيُّها الأميرُ الحُلو، ولْتَشْدُ أسْرابُ المَلائِكَةِ لِتَرقُدَ بِسَلام». أمّا في طَبعَة «المَطويَّةِ الأُولى» (First Folio)، وهِيَ مَجموعَةُ المَسرَحيّاتِ المَنشورَة بَعدَ وَفاةِ شِكسبير بِسَبعِ سَنَوات، فَتَكاد أسطُرُ «هاملت» الأخيرَة تَكون مُتَطابِقَة، غَيرَ أنَّ النَّصّ يَجعَل لَه حَشرَجَةَ مَوتٍ «آه، آه، آه، آه» وإرشاداً مَسرَحيّاً: «يَموت».
ورُغمَ اختِلافِ النُّسَخ، فَإنَّ نِهايَةَ «هاملت» لا لَبْسَ فيها. فَلا يوجَد ما يُشير إلى أنَّه يَتَشَبَّث بِالحَياةِ بَعدَ سَطرِهِ الأخير. وفي الواقِع، يُمكِنُنا أن نُلاحِظ بَينَ الطَّبَعاتِ الثَّلاث مَزيجاً مِنَ الأساليبِ الّتي يُشار بِها إلى المَوتِ نَصِّيّاً في مَسرَحيّاتِ عَصرِ النَّهضَةِ الإنجليزيَّة. وأوضَحُها هُوَ الإرشادُ المَسرَحيّ: «يَموت». وهَذا التَّوجيه، شَأنُه شَأن كافَّةِ التَّوجيهاتِ المَسرَحيَّة، يُستَخدَم بِشَكلٍ مُتَفَرِّق في النُّصوصِ المَطبوعَة؛ ومِنَ الشّائِعِ تَماماً ألّا نَجِدَ مِثلَ هَذا الإرشاد، مِمّا يَعني أنَّ المُحَرِّرَ الحَديث لِلمَسرَحيَّةِ عادَةً ما يُضيفُه (وقَد يُضطَرّ أحياناً لِلتَّخمينِ المَبنيّ عَلى أسُسٍ لِمَعرِفَةِ مَوضِعِه). ولابُدَّ أن تَكون حَشرَجَةُ المَوت في النَّصِّ المَطبوع («آه، آه، آه، آه») اختِزالاً لِمَزيجٍ مِنَ الصَّوتِ والحَرَكَةِ غَيرِ المَكتوبَين، واللَّذَين أَدّى بِهِما مُمَثِّلو المَأسَأة، أمثال «ريتشارد بورباج»، سَكَراتِ مَوتِهِم. وحَريٌّ بِنا أن نَذكُر أنَّ خُطوطَ الرُّؤيَة في المَسارِحِ العامَّة، بِخَشَبَتِها المُرتَفِعَة ومُتَفَرِّجيها الواقِفين في الباحَة، تَفرِض مَطالِبَ عَلى أداءِ المَوت تَختَلِف عَن تِلكَ الّتي في المَسارِحِ الحَديثَة؛ فَرَغمَ إشادَةِ الرَّحالَة «توماس بلاتر» بِتَصميمِ المَسارِحِ الإنجليزيَّة حَيث «يَستَطيعُ الجَميع رُؤيَةَ كُلِّ شَيءٍ بِوُضوح»، فَإنَّ المُمَثِّل المُستَلقي عَلى الخَشَبَة يَحتاج إلى المَوتِ صَوتيّاً كَما يَموت بَصَريّاً، لِيُوَصِّلَ إحساسَه لِلمُتَحَلِّقين حَولَ المَسرَح. وتُمَثِّل العِبارَةُ الختاميَّةُ الرَّنّانَة طَريقَةً أُخرى واضِحَة لِتَحقيقِ ذَلِك. فَالقافيَةُ المُزْدَوَجَة تُعَدّ سَبِيلاً تَقليديّاً لِإنهاءِ خِطابٍ طَويلٍ مِنَ الشِّعرِ المُرسَل، وتُستَخدَم عادَةً لِإنهاءِ حَياةِ الشَّخصيَّة. يَلْقى «بروتوس» في «يوليوس قيصر» حَتفاً اختارَه بِنَفسِه طَعناً - عَلى «الطَّريقَةِ الرّومانيَّة» في الانتِحار - مَصْحوباً بِقافيَةٍ مُزْدَوَجَة اختارَها بِنَفسِه كَذَلِك، ويَفْعَل «عُطيل» الشَّيءَ ذاتَه (إذ يُمَثِّل الطَّعن عُموماً مَيتَةً سَريعَة عِندَ شِكسبير، وتَميل الشَّخصيّات لِلمَوتِ في غُضونِ سَطرَين، بِاستِثناء «أنطوني» في «أنطوني وكليوباترا»، الَّذي يُخفِق في انتِحارِه ويَستَغرِق مائَةَ سَطرٍ مُطَوَّلٍ بِشَكلٍ مُريع لِيَموت، مُوَزَّعَةً عَلى مَشهَدَين). أمّا المُؤَشِّرُ الأخير لِلمَوت (وإن كانَ أَقَلَّها مَوثوقيَّة) فَهُوَ إعلانٌ مِن شَخصيَّةٍ أُخرى. وفي هَذا المَوضِعِ غالِباً ما يَتَسَلَّلُ الغُموض.
وسَأنتَقِل أخيرًا إلى «المَلِك لير»، وهِيَ مَأساةٌ أُخرى لِشِكسبير يَصْعُب فيها تَحديدُ النِّهايَةِ المَحتومَة نَصِّيّاً وطِبِّيّاً وقانونيّاً. فَحين يَدخُل «لير» المُسِنّ والواهِنيّ العَقل إلى المَسرَحِ لِلمَرَّةِ الأخيرَة، يُصيب بِالذُّهول كُلَّ مَن لا يَعرِف سِوى المَصدَرِ التّاريخيّ لِلمَسرَحيَّة. فَفي الحَولِيّاتِ التّاريخيَّةِ الإنجليزيَّة الّتي استَقى مِنها شِكسبير مَصدَرَه، تَعيش الِابنَةُ الصُّغرى «كورديليا» بَعدَ وَفاةِ المَلِكِ الإنجليزيِّ القَديم «لير». ولَكِن في نُسخَةِ شِكسبير، يَدخُل «لير» حامِلاً جَسَدَها الَّذي يَبدو هامِداً: «اعْوُوا، اعْوُوا، اعْوُوا [...] لَقَد ذَهَبَت إلى الأبَد». ويُعلِن بِلَهجَةٍ حازِمَة: «أنا أعرِف مَتى يَموتُ المَرء ومَتى يَحيا، إنَّها مَيِّتَةٌ كَالتُّراب»، ورُغمَ ذَلِك، يَطلُب عَلى الفَور أدَواتٍ لِاختِبارِ الحَياة، مِرآةً وريشَة، ويَدَّعي قائلًا: «هَذِهِ الرّيشَةُ تَتَحَرَّك، إنَّها حَيَّة». وتُرفَض احتِماليَّةُ بَقاءِ «كورديليا» حَيَّةً في مُعظَمِ الإنتاجاتِ المَسرَحيَّة، بَل وفي طَبعاتٍ كَثيرَة لِلمَسرَحيَّة، ويُعَدّ سُلوكُ «لير» مَظهَراً مُفجِعاً مِن مَظاهِرِ الحُزنِ والضَّلال. غَيرَ أنَّ الِاحتِمال يَبقى مُلَمَّحاً إليه، ومَرَّةً أُخرى يُدَعِّم النَّصُّ المَسرَحيّ هَذا الغُموض.
فَبِشَكلٍ يَفوق «هاملت»، ثَمَّةَ اختِلافاتٌ جَوهَريَّة بَينَ النُّسَخ - في هَذِهِ الحالَة بَينَ «الرُّبعيَّةِ الأُولى» (١٦٠٨) و«المَطويَّةِ الأُولى» (١٦٢٣) - لَكِنَّ كِلْتَيِهِما تَحمِلان الإرشادَ المَسرَحيَّ ذاتَه: «يَدخُل لير حامِلاً كورديليا بَينَ ذِراعَيه«، ولَيسَ «حامِلاً جُثَّةَ كورديليا». وتُعَدّ هَذِهِ الصِّياغَة بَليغَةَ الدَّلالَة، إذ قَبلَ ذَلِك بِقَليل، تُحمَل ابنَتا «لير» الأُخرَيان، إحداهُما مَسمومَة والأُخرى مَطعونَة، ويُحَدِّد التَّوجيهُ المَسرَحيّ أنَّ «جُثَّتَي جونريل وريغان تُجلَبان». وهَكَذا، تَبدو التَّوجيهاتُ المَسرَحيَّة كَأنَّها تُمَيِّز بَينَ تَصويرِ اثنَتَين هُما جُثَّتانِ بِوُضوح، وبَينَ أُخرى قَد تَكون كَذَلِك أو لا تَكون. يَملَأ شِكسبير المَسرَح بِالجُثَث - وعَلى غَيرِ المَألوف، تُجلَب حَتّى الشَّخصيّات الّتي ماتَت خَلفَ الكَواليس - بِحَيث نَرى في النِّهايَة الأبَ المَلِكيّ وبَناتِهِ الثَّلاث اللَّواتي قَسَّمَ مَملَكَتَه لِأجلِهِنّ، مُمدَّدين جَميعاً ويُحمَلون إلى الخارِج في الطَّقسِ الخِتاميِّ لِلمَأساة؛ حَتّى إنَّ «المَطويَّةَ الأُولى» تُحَدِّد المُرافَقَةَ الموسيقيَّة: «يَخرُجون عَلى وَقْعِ مَارشِ المَوت».
أشرت سالِفاً إلى أَنَّ ميقاتَ مَوتِ «كورديليا» يَكتَنِفُه الغُموض، عَكسَ أُختَيها «جونريل» و«ريغان» - الَّلتَين صُنِّفَتا كَـ«جُثَّتَين» - ولَكِنَّ الحالَةَ الأخيرَة تَستَحِقّ المَزيدَ مِنَ التَّمحيص. فالمَشهَدُ الأخير مِن «المَلِك لير»، كَشَخصيَّةِ «هاملت»، يُظهِر انهِماكاً بِالحالَةِ البَرزَخيَّة بَينَ الحَياةِ والمَوت، وهِيَ حالَةٌ تَسكُنُها عائِلَةُ «لير» بِأكمَلِها في لَحظَةٍ ما. فَفي بِدايَةِ المَشهَد، يَتَوَلّى «ألباني»، زَوج «جونريل»، زِمامَ الأُمور في البَلاط، بَعدَ أن تَتَكَشَّف الدَّناءَةُ الكامِلَة لِمُؤامَرَةٍ تَضُمّ الشَّقيقَتَين «جونريل» و«ريغان»، وعَشيقَهُما «إدموند». يُوَجِّه «ألباني» التُّهمَة مُباشَرَةً إلى «إدموند»، وإلى زَوجَتِه «جونريل» قائِلاً: «أعتَقِلُك، بِتُهمَةِ الخيانَةِ العُظمى، وبِإدانتِك أدين هَذِهِ الأفعى المُذَهَّبَة». ويُشير لَفظُ الإدانَة أوِ (attainder) إلى «العَواقِبِ القانونيَّة لِلإدانَةِ بِالخيانَة، أيِ المَوت ومُصادَرَةِ الثَّروَةِ والشَّرَف، وكَأنَّ الدَّمَ قَد تَلَطَّخ [...] لَطخَةً لا تُمحى». ويُؤمَر «إدموند»، الَّذي أُدين بِـ«خِياناتٍ شَنيعَةٍ وجَليَّةٍ وكَثيرَة»، بِخَوضِ مُحاكَمَةٍ بِالمُبارَزَة، وهُوَ ما يَخسَرُه، إلّا أَنَّ «جونريل» تُجادِل في قَصديَّةِ ذَلِك وقانونيَّتِه. وَحين يُواجِهُها «ألباني» بِالدَّليلِ الوَرَقيّ عَلى خِيانَتِها، تَرُدّ قائِلَة: «القَوانينُ مِلْكي أنا، لا مِلْكُك. مَن ذا الَّذي يَستَطيع مُساءَلَتي عَن ذَلِك؟». لَقَد تَزَوَّجَ «ألباني» لِيَنالَ سُلطَتَها وأراضيها، وهِيَ فَوقَ ذَلِك مَلِكَةٌ، وتَرى نَفسَها فَوقَ القانون. وهَكَذا يَغدو الصِّراع بَينَ «ألباني» و«جونريل» صِراعاً حَولَ مَزاعِمَ مُختَلِفَة لِلسُّلطَةِ القانونيَّة، وبِالتَّبَعيَّة، حَولَ السَّيطَرَة عَلى الحَياةِ والمَوت. ومِن خِلال النُّطقِ بِحُكمِ الإدانَة عَلى «إدموند» و«جونريل»، يُرَسِّخ «ألباني» حَقَّه في سُلطَةِ إعلانِ مَوتِهِما قانونيّاً، قَبلَ فنائِهِما بُيولوجيّاً.
وَحين تَسُمّ «جونريل» أُختَها لاحِقاً وتَطعَن نَفسَها، يَأمُر «ألباني» الحُرّاس قائِلاً: «أحضِروا الجُثَث، سَواءٌ كُنَّ أحياءً أم أمواتاً». ويُعيد انتِقاءُ «ألباني» الدَّقيق لِلكَلِمات تَأكيدَ السُّلطَة الّتي نازَعَتْهُ إيّاها «جونريل»: فَتَتَّخِذ الشَّقيقَتان صِفَةَ «الجُثَث» مِن خِلال قانون إحضار الجسد (habeas corpus)، وأيْضاً بِوَصفِهِما مُدانتَينِ بِالخيانَةِ العُظمى. ويُقابِل ذَلِك عِبارَةُ «أحضِروا الجُثَث» (bring up the bodies)، كَما استُخدِمَت في رِوايَةٍ تَحمِل العُنوانَ ذاتَه لِلكاتِبَة «هيلاري مانتل» (٢٠١٢)، في إشارَةٍ إلى أمرٍ بِإحضارِ عُشّاقِ «آن بولين» المَزعومين إلى المَحكَمَة؛ وقَدِ استُخدِمَتِ اللُّغَةُ نَفسُها في مُحاكَماتِ الخيانَةِ العُظمى لِـ«هنري»، دوق ساسكس عام ١٥٥٤، و«باتريك أوكولون» عام ١٥٩٤. لَقَد كانَت «جونريل» و«ريغان» مَيِّتَتَينِ بِكُلِّ المَقاييس حينَ أُحضِرَتا، وتُجُوِزَت مَشاكِلُ الِاختِصاصِ القَضائيّ؛ فَبِالنِّسبَة لِـ«ألباني»، إنَّه «حُكمُ السَّماءِ هَذا الَّذي يَجعَلُنا نَرتَجِف».
وهَكَذا تُطْرَح أفكارٌ حَولَ الأشكالِ الطِّبِّيَّةِ والقانونيَّة لِلمَوت مِن خِلال هَلاكِ بَناتِ «لير» الثَّلاث، غَيرَ أنَّ مَوتَ «لير» نَفسَه هُوَ ما يُرِينا في النِّهايَة القُوَّةَ المَأساويَّةَ الكامِلَة لِسُؤال: «مَتى يَقَعُ المَوت؟». وكَما تُعَبِّر عَن ذَلِك «إميلي ر. ويلسون»: «إنَّ اللَّحظَةَ الدَّقيقَة لِمَوتِه غامِضَة: فَتَبدو الشَّخصيّاتُ الأُخرى عَلى المَسرَح حائِرَةً حَولَ مَوعِدِ مَوتِ لير، وحَذِرَةً مِنَ التَّصريحِ المُبَكِّر بِـ'أنَّه قَد رَحَلَ حَقّاً'. لَقَد كابَد لير المَوتَ الفِعليّ مِراراً لِدَرَجَةِ أنَّ لَحظَةَ مَوتِهِ الجَسَديّ تَبدو غَيرَ ذاتِ أهَميَّة». و«لير»، بِتَعبير «ويلسون»، هُوَ نَموذَجٌ لِـ«فَرطِ العَيشِ المَأساويّ». فَفي «الرُّبعيَّةِ الأُولى»، يُصدِر حَشرَجَةَ احتِضار («آه، آه، آه، آه») ويُوَدِّع عالَماً مِنَ الألَم بِكَلِماتِهِ الأخيرَة: «تَفَطَّرْ يا قَلب، أرجوكَ أن تَتَفَطَّر»؛ ولا يوجَد إرشادٌ مَسرَحيّ يُحَدِّد ميقاتَ مَوتِه بِدِقَّة. أمّا في «المَطويَّةِ الأُولى» اللّاحِقَة، فَثَمَّةَ إرشادٌ مَسرَحيّ واضِح: «يَموت»، لَكِنَّ هَذا النَّصَّ المُنَقَّح يَمحو كَذَلِكَ العَلاماتِ الشَّكليَّةَ الأُخرى لِلِاحتِضار في خِطابِ «لير» نَفسِه، ويَغدو سَطر: «تَفَطَّرْ يا قَلب، أرجوكَ أن تَتَفَطَّر» تَعبيراً لَيسَ عَن لَحظَةِ احتِضار، وإنَّما عَن ألَمٍ وحُزن تَنطِق بِهِ شَخصيَّةٌ أُخرى تَشهَد مَوتَ «لير». وفي الواقِع، كانَ «لير» يَنظُر إلى شَفَتَيِ ابنَتِهِ المَيِّتَة، قائِلًا: «انظُروا هُناكَ، انظُروا هُناك»، حينَ يُشير الإرشادُ المَسرَحيّ إلى مَوتِه - خابِياً، لَعَلَّه كانَ يَأمُل في ومضَةِ حَياة.
إنَّ دراما شِكسبير المَأسَاويّة مَعنيَّةٌ لِحَدٍّ بَعيد بِمَسألَةِ كَيفيَّةِ وُقوعِ مَواقيتِ المَوت، وبِقَضايا السُّلطَةِ الّتي تَكتَنِفُها: طِبِّيّاً، وقانونيّاً، وفَلسَفيّاً، وعاطِفيّاً. ولِأَنَّها تُؤَدّى مَسرَحيّاً، تَغدو لَحَظاتُ الرَّحيل صَيرورَةً تَشارُكيَّة تَلعَب فيها الشَّخصيَّة (أوِ المُمَثِّل في لَبوسِ الشَّخصيَّة)، والشَّخصيّاتُ الأُخرى عَلى الخَشَبَة، والجُمهور، دَوراً في تَجسيدِها. فَالكَلامُ الَّذي يَنطِق بِهِ شُهودُ مَوتِ المَلِك «لير»: «آه، دَعوهُ يَرحَل»، و«لَقَد رَحَلَ حَقّاً»، لا يُقِرّ بِمَراحِلِ المَوتِ فَحَسْب، ويَحُثّ كَذَلِك أفرادَ الجُمهور أوِ القُرّاء عَلى إطلاقِ سَراحِ «لير» لِيَرحَل - لَعَلَّه نَهجٌ يُقارِب خاتِمَةَ «بروسبيرو» في مَسرَحيَّة «العاصِفَة»، حينَ يَطلُب مِنَ الجُمهور: «حَرِّروني مِن قُيودي، بِمَعونَةِ أياديكُمُ الخَيِّرَة». ذَلِكَ أنَّ صَيرورَةَ المَوتِ في المَأساة تَتَجاوَز الأسطُرَ الأخيرَة، لِتَمتَدّ إلى الموسيقى المَهيبَة لِمَوكِبِ الجِنازَة، وإلى المَوكِبِ الَّذي يَحمِل الجُثَثَ خارِجَ المَسرَح، وُصولاً أخيراً إلى عَوْدَةِ المُمَثِّلين ثانيَةً، بَعدَ أن بُعِثوا مِن جَديد، لِأداءِ الرَّقصَةِ ونَيلِ تَصفيقِ الجُمهور.
إنَّ الأبعادَ الطِّبِّيَّةَ والقانونيَّة لِصَيرورَةِ المَوت، وشَهادَةَ «هاملت» عَلى المَوت في أثنائِه، ولَحَظاتِ خُفوتِ «لير»، كُلُّها تَصِلُنا بِتِلكَ التَّجرِبَةِ الجَماعيَّة لِرُؤيَةِ وإحساسِ المَوت المُجَسَّدِ مَسرَحيّاً - وهِيَ جُزءٌ مِنَ الفَهمِ الأرِسطيّ لِلتَّطَهُّر في الدراما المَأسَاويَّة. فَالقَولُ الَّذي تُومِئ إلَيه المَأساةُ دائِماً، بِتِلكَ المُتعَةِ المُفارِقَة الّتي تَصنَعُها الدراما، لَيسَ «لَقَد مُتِّ»، أو «أنا مَيِّت»، وإنَّما هُوَ: «نَحنُ مَوْتى».