أعرِف حَدِّي

 

إنَّ الحَدَّ ضَربٌ مِنَ الصُّحبَة. واللفظةُ في ذاتِها تَشي بِماهيَّتِها؛ خَطٌّ يُحاذيك، وتخومٌ يُسايِرُك. ولَقَد لَبِثتُ سِنينَ عَدَداً في كَنَفِ الحدِّ الَّذي يَعنيني أمرُهُ هاهُنا؛ حَدِّ الكاتبِ الَّذي يَقصُر طَرفُهُ عَن مُجاوَزَةِ عِبارَتِه، ويَعجِز عَنِ البُروز مِن حُجرَةِ عَقلِهِ رَيثَما يُبصِرُ هَيئَتَها مِن قارِعَةِ الطَّريق. وحَدُّ الكاتبِ لا يُطابِقُ حَدَّ اللُّغَةِ تَماماً، مَعَ ما لِلُّغَة مِن نَصيبٍ فيه؛ إنَّما هُوَ حَدُّ المُمسِكِ بِالقَلَم، ذلِكَ الَّذي تَعبُر حَصيلَتُهُ مِنَ الواقعِ بِأسرِها عبرَ جِهازٍ عَصَبيٍّ فَريد، وتاريخٍ واحد، وصنفٍ واحدٍ مِنَ الشَّهوات. فَأنا الآلةُ والعَقَبَة، وأنا العينُ وغِشاوتُها.

وما شَكواتي هَذِهِ بِالنَّدبِ التليدِ حَولَ الانغلاقِ عَلى الذات، أو ذلِكَ الاكتشافِ الغَضِّ الَّذي يَرى استحالَةَ مَعرِفَةِ الآخَرِ مَعرِفَةً يَقينيَّة. فَتِلكَ شَكوى تَتَسَربَلُ بِتَواضُعٍ ظاهِريٍّ طالَما حَسِبتُهُ غُروراً مَقنُوعاً؛ كَأَن يَقولَ قائل: «انظُروا إِلَيَّ، كَم أنا سَجينٌ هُنا، ويا لَفَداحَةِ مأساتي». أمّا الحَدُّ الَّذي أَعنيه فَأَشَدُّ وُقوعاً وأعظَمُ إحراجاً. إنَّهُ تِلكَ اللحظةُ الَّتي أُعيدُ فيها قِراءَةَ ما كَتَبتُ، فَأُدرِكُ بِوَجهٍ مُحَمَّرٍ مِنَ الخَجلِ، أَنّني عُدتُ لِوَصفِ الباطنِ ذاتِه، وسَلَكتُ نَفسَ سَبيلِ المُقاربة، خالِطاً بَينَ عاداتِ انتباهي وهَيئَةِ العالَمِ عَلى حَقيقَتِه. فالنثرُ مُحكَم، والفكرُ جَليّ، والنصُّ رُمَّتُهُ قادِرٌ عَلى صِياغَتِهِ أيُّ امرِئٍ أَوسَطِ الدهاء، مِمَّن طالَعَ ما طالَعتُ مِن صُحُف، وحَمَلَ سِماتِ طَبَقَتي، وساوَرَتهُ هَواجِسُ لَيلي. وإذن فالحَدُّ لا يَكمُنُ في استحالَةِ إدراكِ الآخَر، إنَّما يَكمُنُ في دَوامِ سَعيي لِإدراكِ الآخَرِ بِاليَدِ نَفسِها، ومِنَ المَقعَدِ نَفسِه، مُوقِناً أنَّ المَقعَدَ نَهجٌ ومَسار.

ودَعني أُفَصِّل القولَ قَبلَ أَن يَتَكَلَّسَ التجريدُ فَيَغدو ضَرباً مِنَ المُدافَعَة. أَخُطُّ عِبارَةً، تَقضي بِأمرٍ في الفَقد، أو في نَسيجِ مَدينَة، أو في لَوحَةٍ سَمَرتُ أمامَها طَويلاً. تَرُوقُني العبارة، فَلَها إيقاعٌ، وفي طَيّاتِها بَغتَةٌ يَسيرَة، ولا تُضاهي أُسلوبَ أحَد. يَنقَضي يَوم، فَأَعود لِلعبارة. وأرى حينَها أَنَّها لا تَمُتُّ بِصِلَةٍ لِلفَقدِ أوِ المَدينةِ أوِ اللوحَة. إنَّها تَعنيني أنا، مُكِبّاً عَلى وَصفِ الفَقدِ أوِ المَدينةِ أوِ اللوحَة. فَالمَوضوعُ دائِماً هُوَ الذاتُ الكاتبَة، تَقِفُ في الصَّدارَة، وتُشيرُ بِاستِحياءٍ نَحوَ العالَم. فالحَدُّ لا يُمَثِّلُ جِداراً أرتَطِمُ بِه، هُوَ نافِذَةٌ أَحسَبُها المَنظَرَ ذاتَه.

وفي تُراثِ التَّحليلِ النَّفسيِّ يُدعى هذا مَأزَقَ «الأنا»، تِلكَ الصِّيغَةُ الأُولى لِلذاتِ الَّتي تَستَعمِر كُلَّ إدراك. وقَد وَصَفَ «لاكان»، في أصفى لَحَظاتِه، الأنا بِكَونِها ضَرباً مِن سُوءِ الاعتراف، أو تِمثالاً يُشَيِّدُهُ الطفلُ لِيَنوبَ عَن ذاتٍ لَمّا تُخلَق بَعد. فَنَهيَمُ وُجداً بِالتِّمثال. ثُمَّ نُفني أعمارَنا في وَصفِه، مُسَمّينَ ذلِكَ رُؤيَةً وإبصاراً. وما صِيغَةُ المُتَكَلِّمِ عِندَ الكاتبِ - تِلكَ الـ«أنا» الَّتي لا أنفَكُّ أُقحِمُها - سِوى تِمثالٍ تَعَلَّمَ الرَّقنَ عَلى الآلة. فَيُفرِزُ عِباراتٍ تُوهِم بِالبَصيرَةِ لِكَونِها صَقيلَةً، ولِأنَّها تَؤوبُ أبَداً إلى الحُجرَةِ ذاتِها، والمَقعَدِ ذاتِه، ومَجموعَةِ المَراجِعِ ذاتِها، المُصَفَّفَةِ بِعِنايَةٍ عَلى الرَّفِّ الذِّهنيِّ ذاتِه.

ولَقَد رُمتُ الحُلولَ المَألوفَة، فَما شَفَت غَليلاً.

أَوَّلُ الحُلول: القراءة، ويُرتَجى مِنها تَوسيعُ الحَصيلَة، وإفساحُ المَجالِ لِأصواتٍ أُخرى كَي تَقطَعَ حِوارَ الذات. قَرَأتُ الكَثير، أو قَرَأتُ ما يَكفي. طالَعتُ أعمالَ رِوائيّينَ لَحَظوا أُموراً ما كانَ لي أن ألحَظَها قَطّ؛ كَأثَرِ الفَجيعَةِ في هَيئَةِ إمساكِ المَرءِ بِقَدَحِ ماء، أو كَيفَ يُورِثُ لَونٌ أصفَرُ بِعَينِهِ - في خَطِّ عَرضٍ بِعَينِه - وَجَعاً في البَدَن. ولِبِضعِ ساعاتٍ تَعقُب مُطالَعَتي لِكاتِبٍ كَهذا، تَتَراخى عِباراتي، وتَستَعير مِن غَيرِها، وتَتَّسِع رُؤيَتُها. ثُمَّ يَخبو بَريقُ الاستعارَة، أو تَتبَدّى عُيوبُها. فَأنا لا أُبصِر قَدَحَ الماء، فَقط أُبصِرُ الكاتِبَ الآخَرَ وهُوَ يُبصِر القَدَح. وتَبقى عَيني هيَ عَيني. أمّا الإدراكُ المُستَعار فَيَربِضُ فَوقَها كَعَدَسَةٍ لاصِقَةٍ تَزِلُّ وتَنزاح.

ثاني الحُلول: التَّجرِبَة، ويُرتَجى مِنها رِفدُ الكاتبِ بِجَديدٍ يَبُثُّه؛ كَالسَّفَر، والمَخاطر، والحُبّ، والأسى، وصُنوفِ الاقتِلاعِ عَنِ الجُذور، ما غَلا مِنها وما رَخُص. غَيرَ أنَّ التَّجرِبَةَ تَسري في الجِهازِ العَصَبيِّ نَفسِه. فالمَدينةُ المُغايِرَة، مَتى جَرى الإمعانُ فيها بِعاداتِ الانتباهِ ذاتِها، تَؤولُ إلى المَنظَرِ ذاتِهِ مُرتَدِياً حُلَّةً مُختَلِفَة. ولَقَد وَقَفتُ في رِحابٍ كانَ حَرِيّاً بِها أن تُزَلزِلَني، فَرَأيتُ ذِهني يَصنَعُ صَنيعَهُ المُعتاد؛ مِن سَردٍ، وتَنظيمٍ، واستِخلاصٍ، وتَحويلٍ لِلحَدَثِ الخامِ إلى فِقرَةٍ قَبلَ انقِضاءِ الحَدَث. فالحَدُّ لا يَكمُن في قِلَّةِ الوارد. الحَدُّ عِلَّةٌ في المُعالَجَة، وضيقٌ في مَنافِذِ الهَضم. إنَّما الكاتبُ دابَّةٌ بِحَوصَلَةٍ واحِدَة، لا تَفتَأُ تَجتَرُّ العُشبَ نَفسَه.

ثالثُ الحُلولِ هُوَ أَمثَلُها عِندي وأَشَدُّها مَكراً. وَهُوَ السَّعيُ لِلتَّحَرُّرِ بِالكتابة، واتِّخاذُ النَّسَقِ ذاتِهِ مَنفَذاً لِلنَّجاة. ومَبنى هذا الرأي: إذا أَفلَحتُ في نَسجِ عِبارَةٍ تُفاجِئُني، وتَأتي بِما لا تَتَوَقَّعُهُ عادَتي، فَأكُون قَد سَبَقتُ الحَدَّ إلى حين. ويَستَقيمُ هذا الأمرُ رَيثَما أفرُغ مِن خَطِّ العبارَةِ التالِيَة. فَكُلُّ عِبارَةٍ بابٌ يُفضي إلى الرِّواقِ ذاتِه. وما المُفاجَأة إلّا حَدَثٌ باطِنيّ؛ تَرَقَّبَهُ الحَدّ، ودَبَّرَه، وأَخرَجَهُ لِلعَلَن. فَما أشَدَّ وَلَعَ «الأنا» بِتَشخيصِ هُروبِها المَزعوم! تُمَثِّلُ دَورَ السَّجينِ والمُحَرِّرِ مَعاً.

وهُنا أبتَغي الانعِطافَ بِالقَول؛ فَالغايَةُ مِن هذا المَقال لا تَرومُ الانغِماسَ في التَّشاؤُمِ المَعهود لِكاتِبٍ مَفتونٍ بِذاتِه، يَندُب شَغَفَهُ بِها. فَذلِكَ النَّدبُ في حَدِّ ذاتِهِ حُجرَةٌ وادِعَة، حَسَنَةُ الأثاث، بَهِيَّةُ الضِّياء. إنَّما الغايَةُ أن نَتَساءَل: ما جَدوى هذا الحَدّ؟ وما الَّذي قَد يَجعَلُهُ مُمكِناً؟ وما الَّذي يَحدُث حينَ يَكُفُّ المَرءُ عَن مُعامَلَتِهِ كَعَقَبَة، ويَشرَعُ في عَدِّهِ أداةً لِلإدراك؟ الحَدُّ بِوَصفِهِ ضَرباً مِنَ العيون. لِلعَينِ بُقعَةٌ عَمياء، مَوضِعٌ يَخرُجُ مِنهُ العَصَبُ البَصَريُّ فَلا يُرى فيهِ شَيء. فَيَعكِفُ الدِّماغ عَلى رَدمِ هُوَّةِ البُقعَةِ العَمياءِ بِظَنٍّ وتَخمين، مُمتَدّاً بِما يُحيطُ بِها في اتِّصالٍ سَلِس. نَرى العالَمَ مُتَّصِلاً لِأنَّ الدِّماغَ كَذّابٌ ذو ذَوقٍ رَفيع. وما حَدُّ الكاتبِ إلّا بُقعَةٌ عَمياءُ تَعَلَّمَ الكاتبُ حَشوَها بِالتَّخمينات. والتَّخميناتُ هيَ الأُسلوب. والأُسلوبُ هُوَ الحَدُّ مَصقولاً.

فَما مَعنى الكَفِّ عَنِ الصَّقل؟ وما مَعنى الكِتابَةِ نَحوَ البُقعَةِ العَمياء، وتَسديدِ العبارَةِ شَطرَ المَوضِعِ الَّذي يَكِلُّ فيهِ بَصَرُ الكاتب، وتَركِ الحَدِّ يُسفِرُ عَن نَفسِهِ كَحَقيقَةٍ قائِمَةٍ لا كَعِلَّة؟ لَقَد جَعَلتُ أُحاوِلُ ذلِكَ في هَبّاتٍ وعَثَرات. فَتَأتِي الثِّمارُ أكثَرَ فوضى. وتَغدو العِباراتُ غَريبَةً عَنِّي، وتُورِثُني انزِعاجاً يُخالِفُ في طَبعِهِ تَمثيلِيَّةَ الانزِعاجِ المَألوفَة، الَّتي تَصغُر دونَ أن تَكونَ سوى مَطَّةِ غُرور.

وأَضرِبُ عَلى ذلِكَ مَثَلاً. كَتَبتُ لِسَنَواتٍ عَنِ الأسى عَلى نَحوَ ما يَكتُب جُلُّ الكُتّابِ عَنه، أي أَنّني حُمتُ حَولَهُ في الكتابة، مُتَّخِذاً اللُّغَةَ ضَرباً مِن سِياجٍ أنيق. نَطَقتُ بِأُمورٍ صادِقَة. وكانَتِ الصّادِقاتُ صادِقاتٍ وعَديمَةَ الجَدوى. ثُمَّ رُمتُ شَيئاً آخَر. جَرَّبتُ صِياغَةَ عِباراتٍ تُخفِقُ في الاقتناصِ بِالأسى، عِباراتٍ تُقِرُّ في بِنيَتِها اللُّغَويَّةِ بِقُصورِ البِنيَةِ اللُّغَويَّة. ومَأتى ذلِكَ لا يَكونُ بِالإعلانِ عَنِ القُصورِ - فَذاكَ سِياجٌ آخَر - إنَّما بِالتَّكَسُّر، وبِالتَّلاشي والتَّخافُت، وبِتَركِ العبارَةِ تَمضي حَيثُ يَمضي الأسى حَقّاً، في عُمقِ البَدَن، وفي قَعرِ المَكان، وفي تِلكَ الساعاتِ الَّتي تَعجِز اللُّغَةُ عَنِ اقتِفائِها. فَساءَتِ الكِتابَةُ بِكُلِّ مِعيارٍ كُنتُ أحتَكِمُ إلَيهِ سالِفاً. لَكِنَّها قَرُبَت وأدْنَت. فالحَدّ، حينَ أُذِنَ لَهُ بِالكَلام، نَطَقَ بِصَوتٍ أنكَرتُ أن يَكونَ صَوتي. وتِلكَ هيَ المِنحَةُ المُفارِقَة: إنَّ الحَدّ، مَتى ما أُعطِيَ المِنبَر، يَغدو شاهِداً عِوَضَ أن يَكونَ سَجّاناً.

ولِهذا مُسَمَّىً في التُّراثِ الفَلسَفيّ. سَمّاهُ «هيغل» بـ«السَّلبَ المُعَيَّن» (bestimmte Negation)، وَهُوَ قَولٌ مَفادُهُ أَنَّ الحَدَّ يَتَجاوَزُ كَونَه غِياباً مَحضاً لِيَكونَ تَعييناً إيجابيّاً، وهَيئَةً تُفصِحُ لَكَ عَن شَيءٍ مِن ماهِيَّتِك. فَالشَّيءُ هُوَ ما هُوَ عَلَيهِ - في بَعضِ وُجوهِه - بِفَضلِ ما قَصُر عَن إدراكه. فالكاتبُ الَّذي يَعرِف حَدَّهُ - لا مَعرِفَةً مُجَرَّدَة، إنَّما مَعرِفَةً حَميمَةً عِبارَةً تِلوَ عِبارَة - يَعرِفُ شَيئاً عَنِ الكاتب، وعَنِ الذات، وعَنِ الآلِيَّةِ العَجيبَةِ الَّتي تُتِيح لِأيٍّ مِنّا أن يَنطِقَ بِأيِّ شَيءٍ عَلى الإطلاق. فالحَدُّ لا يُناقِض البَصيرَة. الحَدُّ شَرطُ البَصيرَة. والعَينُ الَّتي تُبصِرُ كُلَّ شَيءٍ لَن تُبصِرَ شَيئاً، لِأنَّ الإبصارَ مَرهونٌ بِالاستِبعاد، وبِالتَّركيز، وبِمَخروطِ الانتباهِ الضَّيِّق الَّذي يُضَحّي بِالهامِشِ لِصالِحِ المَركَز. وضيقُ الكاتبِ هُوَ ثَمَنُ انتِباهِه. والسؤال: هَل يَدفع الثَّمَنَ عَن بَيِّنَةٍ أم يَترُكُهُ يَستَنزِفُهُ في الخَفاء؟

وأَوَدُّ أن أكونَ حَذِراً هاهُنا. فَلا أَرومُ إحالَةَ الحَدِّ إلى فَضيلَة، ولا جَعلَ المُعاناةِ فِداءً، ولا الزَّعمَ بأنَّ قُيودي الخاصَّةَ هيَ نَبعُ عَبقَريَّتي. فَذاكَ أسوَأُ ضُروبِ المَلَقِ لِلذات، ذلِكَ الَّذي يَرتَدي لَبُوسَ التَّواضُع. إنَّ الحَدَّ معضِلَةٌ حَقَّة. ويُحدِث ضَرَراً بَيِّناً. فَثَمَّةَ أشياءُ لا أَستَطيع رُؤيَتَها، ولا قَولَها، ولا تَخَيُّلَها، وَغالِباً ما تَكونُ هيَ ذاتَها الأشياءَ الَّتي يَفتَقِر إلَيها العَمَل. فَالمَغزى يَأبى الاحتِفاءَ بِالحَدّ. المَغزى هُوَ الكَفُّ عَنِ التَّظاهُرِ بِإمكانِ الفِرارِ مِنه، والنَّظَرُ في ما يَحدُث حينَ يُنجَز العَمَلُ مِن داخِلِه، تَماماً، دونَ السَّعيِ الدّائِبِ لِلخُروج.

وإذَن، فالحَلُّ الرابِعُ يَعدو كَونَه حَلّاً لِيَكونَ مَوقِفاً. إنَّهُ مَوقِفُ الكاتبِ الَّذي يَكتُبُ مِنَ البُقعَةِ العَمياء، الَّذي يَجعَل مِنَ الحَدِّ مَوضوعاً؛ لا بِمَعنى الإعلانِ عَنه، إنَّما بِتَركِهِ يَصوغ نَسيجَ النَّثرِ ذاتَه، وزاويَةَ النَّظَر، واختِيارَ ما يُوصَفُ وما يُترَكُ في الظِّلال. هَذا ضَربٌ مُختَلِفٌ مِنَ الصِّدق، ضَربٌ يَتَنَزَّهُ عَنِ الاعتِراف، ومَرَدُّهُ كُلُّه إلى الشَّكل. العبارَةُ الَّتي تُقِرُّ بِضيقِها إقراراً بُنيَوِيّاً هِيَ عِبارَةٌ تَصدُقُ القَول. والعبارَةُ الَّتي تَدَّعي الإحاطَةَ بِكُلِّ شَيءٍ هيَ كِذبَةٌ، وبِوُسعِ القارئِ أن يَشُمَّ رائِحَتَها.

القارئ. أعودُ أَدراجي إلى القارئ، ذلِكَ الحَدِّ الآخَر، الَّذي يَجعَلُ المَسعى رُمَّتَهُ مُمكِناً ومُحالاً في آن. القارئُ هُوَ مَن يَقصُر بَصَرُهُ عَن رُؤيَةِ ما أرى، ومَن يَجلِبُ بُقعَتَهُ العَمياءَ إلى الصَّفحَة، ومَن يُقابِلُ ضيقي بِضيقِه. ومُعجِزَةُ القِراءَةِ تَكْمُن في تَطابُقِ حَدَّينِ أحياناً، كَجِدارَينِ اتَّفَقَ أن يَتَشارَكا مَدخَلاً. يُدرِكُ القارئُ العبارَةَ لِأنَّ العبارَةَ أدرَكَت ذاتَها، ولِأنَّها كُتِبَت مِن داخِلِ الحَدِّ لا مِن خَيالاتِ التَّعالي. والكِتابَةُ الأَشَدُّ شُمولاً هِيَ الأكثَرُ خُصوصيَّة؛ وتِلكَ الخُصوصيَّةُ هِيَ السَّبَبُ المُفضِي لِذلِكَ لا العَقَبَةَ دونَه، لِأنَّ الخاصَّ هُوَ المَوطِنُ الأوحَدُ الَّذي يُمكِن لِلعامِّ أن يَحيا فيهِ حَقّاً. فالحَدُّ يَستَحيل أن يَكونَ جِداراً يَفصِلُ بَينَ الذَّوات. إنَّما الحَدُّ شَرطٌ مُشتَرَك، حَقيقَةُ كَونِ المَرءِ إنساناً واحِداً في بَدَنٍ واحِدٍ في زَمانٍ واحِد. وفِعلُ الكِتابَةِ هُوَ فِعلُ مُضاهاةِ تِلكَ الحَقيقَةِ بِحَقيقَةٍ أُخرى؛ شَيئانِ مَحدودانِ يَتَلامَسانِ عِندَ التّخوم.

تُراوِدُني صُورَةٌ تَتَكَرَّر، لا تَبلُغ مَبلَغَ الحُلُم، لَكِنَّها أشبَهُ بِطَيفٍ أو صورَةٍ ذِهنيَّة. رَجُلٌ يَكتُبُ في حُجرَةٍ صَغيرَة. في الحُجرَةِ نافِذَةٌ واحِدَة. تُطِلُّ النافِذَةُ عَلى شارِعٍ ضَيِّق. يَفضي الشارِعُ إلى مَكانٍ ما، لَكِنَّ الرَّجُلَ لا يُبصِر الغايَة؛ لِضيقِ النافِذَةِ ولِانعِطافِ الشارِع. يَكتُبُ عَنِ الشارِع. يَكتُبُ عَنِ الانعِطاف. يَكتُبُ عَنِ استِحالَةِ النَّظَرِ ما وَراءَ الانعِطاف. لا يَنهَضُ لِيَخرُج، لِأنَّ الكِتابَةَ هيَ الخُروج، وهيَ الرِّحلَةُ الوَحيدَةُ الَّتي يَعرِفُها. والحُجرَةُ تَأبى أن تَكونَ سِجناً. الحُجرَةُ هيَ هَيئَةُ انتِباهِه. والنافِذَةُ هيَ الحَدّ. والانعِطافُ هُوَ ما يَجعَلُ الشارِعَ جَديراً بِالنَّظَر.

أنا ذلِكَ الرَّجُل. لَقَد كَفَفتُ عَن مُحاوَلَةِ البُروزِ مِنَ الحُجرَة. وأقلَعتُ عَنِ ادِّعاءِ أنَّ النافِذَةَ باب. وشَرَعتُ أُدرِك أَنَّ الحُجرَةَ نَفسَها أَميَز مِمّا كُنتُ أظُنّ، وأَنَّ لِلجُدرانِ تاريخاً، ولِلمَقعَدِ تاريخاً، وأَنَّ مَيلانَ النور عبرَ النافِذَةِ في هَذِهِ الساعَةِ بِعَينِها هُوَ ضَربٌ مِنَ المَعرِفَة. فالحَدُّ - مَتى وُضِعَ مَوضِعَ التَّأمُّلِ - يَغدو عالَماً. عالَماً قائِماً بِذاتِه، عِوَضاً عَن كَونِهِ بَدَلاً عَنِ العالَم. هذا العالَمُ هُوَ الأَوحَدُ الَّذي في مَقدوري أن أراهُ حَقّاً. ومَهَمَّةُ الكاتبِ تَتَنَزَّهُ عَنِ الفِرار. مَهَمَّتُهُ أن يَرى مِن هاهُنا، بِهاتَينِ العَينَين، وعِبرَ هَذِهِ النافِذَة، وأن يُدَوِّنَ ذلِكَ بِدِقَّةٍ مُتَناهِيَةٍ تَجعَلُ القارئ، في حُجرَتِهِ الخاصَّة، وعِندَ نافِذَتِهِ الخاصَّة، يَعرِفُ ذلِكَ النور.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق