«طَبَقات فحول الشُّعراء» لابن سَلّام الجُمَحي
لمّا كان كتابُ «طبقاتِ فحولِ الشعراءِ» غيرَ متعرِّضٍ لِلشِّعرِ وقضاياهُ في مَتنِه، فقد حفَلَتْ مُقدِّمَتُهُ بِمَباحثَ لها جُذورٌ راسِخةٌ في الشِّعرِ العربيِّ القديمِ، ولا تزالُ هذهِ القضايا مَحلَّ نَظرٍ ونِقاشٍ إلى يومِنا هذا. وقَدْ أثارَتْ مقدِّمةُ ابنِ سلّامٍ جُملةً مِنَ المسائلِ النَّقديَّةِ والأدبيَّةِ، يَصِحُّ أنْ نَعتَبِرَها وَثيقةً نَقديَّةً افتَتَحَ بها ابنُ سلّامٍ دِراستَهُ في تَصنيفِ الشُّعراءِ، إذ تَنطَوي على بَيانِ ثَقافةِ النّاقدِ ومَقدِرَتِهِ في انتِقاءِ مَوضوعاتٍ صارَتْ مِن صَميمِ الدِّراساتِ النَّقديَّةِ مِن بَعدِه. وقَدْ تعرَّضَ ابنُ سلّامٍ في مُقدِّمةِ كِتابِه لِقَضايا شَتّى تَتَّصِلُ بالشِّعرِ، وصرَّحَ فيها أنَّ أوَّلَ عُنصُرٍ يَطرُقُهُ هو الشِّعرُ إذ يَقولُ: «ذَكَرْنا العَرَبَ وَأَشْعارَها، وَالمَشْهورينَ المَعْروفينَ مِنْ شُعَرائِها وَفُرْسانِها وَأَشْرافِها وَأَيّامِها (...) فَبَدَأْنا بِالشِّعْرِ». وَبَعدَ هذا التَّصريحِ يَشرَعُ ابنُ سَلّامٍ في عَرْضِ قَضايا الشِّعرِ.
إنَّ قضيَّةَ الانتِحالِ لَمِن أَهمِّ القَضايا الّتي عُنِيَ بها النُّقّادُ العَرَبُ قَديماً وَحَديثاً، وَقَد أَخَذَتْ حَظَّ الأَسَدِ في مُصَنَّفاتِهم، وَكُلَّما أُثيرَتْ هذِهِ القَضيَّةُ نَشِبَ الجِدالُ وَالخِلافُ في كُلِّ مَكانٍ وَزَمانٍ، فَما سَلِمَ مِنها أَدَبٌ قَطُّ، وَهِيَ ظاهِرَةٌ سَلبيَّةٌ كادَتْ تُدمِّرُ الأَدَبَ العَربيَّ القَديمَ في حُضورِهِ وَهَيكَلِه.
وَيُعَدُّ ابنُ سَلّامٍ الجُمَحِيُّ أَوَّلَ مَنِ انتَبَهَ إلى مَخاطِرِ الانتِحالِ في النَّقدِ الأَدَبيِّ القَديمِ، فاعْتَنى بِهذِهِ القَضيَّةِ وَقَدَّمَ فيها مُناقَشاتٍ وَتَحليلاتٍ مِن خِلالِ كِتابِهِ «طَبَقاتِ فُحولِ الشُّعَراءِ»، وَوَقَفَ عِندَ الأَسبابِ الّتي أَدَّتْ إلى الانتِحالِ السِّياسيَّةِ وَالاجتِماعيَّةِ، فَلَخَّصَ ابنُ سَلّامٍ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ الخَطَرَ الّذي يُمَثِّلُهُ الانتِحالُ عَلى الشِّعرِ العَرَبيِّ القَديمِ وَما يُؤَدّي إلَيهِ مِن اندِثارِ هَذا الأَدَبِ وَضَياعِه. وَعَلى هَذا فَالإشكالُ المَطروحُ في هذِهِ القَضيَّةِ: كَيفَ نَشَأَتْ هذِهِ الظّاهِرَةُ؟ وَفيما تَمَثَّلَتِ الأَسبابُ الّتي أَدَّتْ إلى الشَّكِّ في الشِّعرِ العَرَبيِّ القَديمِ عِندَ ابنِ سَلّامٍ؟
يَبتَدِئُ ابنُ سَلّامٍ كَلامَهُ عَنِ الشِّعرِ المَصنوعِ وَالمَوضوعِ فَيَقولُ: «وَفِي الشِّعْرِ مَصْنُوعٌ مُفْتَعَلٌ، مَوْضُوعٌ كَثِيرٌ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي عَرَبِيَّةٍ، وَلَا أَدَبَ يُسْتَفَادُ، وَلَا مَعْنًى يُسْتَخْرَجُ، وَلَا مَثَلَ يُضْرَبُ، وَلَا مَدِيحَ رَائِعَ، وَلَا هِجَاءَ مُقْذِعَ، وَلَا فَخْرَ مُعْجِبَ، وَلَا نَسِيبَ مُسْتَطْرَفَ». فَالشِّعرُ عَلى هَذا النَّحوِ ضَعيفُ المُستَوى، وَابنُ سَلّامٍ هُوَ أَوَّلُ مَن شَكَّ في صِحَّةِ الشِّعرِ الجاهِليِّ، فَيَسعى مِن خِلالِ هَذا القَولِ إلى غَربَلَةِ الشِّعرِ وَالقِيامِ بِعَمَليَّةِ تَنقيبٍ لِنَزعِ الشَّوائِبِ الضّارَّةِ الّتي أَفْسَدَتْهُ في رَأيِهِ. وَيَتَعَرَّضُ ابنُ سَلّامٍ في قَولِهِ السّابِقِ إلى المَعاييرِ الّتي يَصِحُّ بِها أَنْ نَصِفَ الشِّعرَ بِالصِّحَّةِ وَقَد حَصَرَها في:
- أَنْ يُستَشهَدَ بِهِ العُلَماءُ في كَلامِهِم، أَيْ لا بُدَّ أَنْ يَكونَ الشِّعرُ الصَّحيحُ حُجَّةً في العَرَبيَّةِ، فَالمَنحولُ لا يُستَشهَدُ بِهِ.
- أَنْ يُستَفادَ مِنهُ الأَدَبُ.
- أَنْ يَكونَ جَيِّداً في المَديحِ، غَيرَ فاحِشٍ في الهِجاءِ، مُعجِباً في الفَخرِ، مُستَطرَفاً في النَّسيبِ.
وَرَفَضَ ابنُ سَلّامٍ الرُّواةَ الَّذينَ يَعتَمِدونَ عَلى الكُتُبِ في رِوايَتِهِم لِلشِّعرِ، وَرَأى أَنَّ الرِّوايَةَ أَولى مِنَ الكُتُبِ لِأَنَّها تَستَنِدُ إلى رُواةٍ موَثَّقينَ أَخَذوا الشِّعرَ بِالتَّواتُرِ عَن أهلِ البادِيَةِ الّذينَ كانَت لُغَتُهُم صافِيَةً تَأتي عَلى السَّليقَةِ لا يَشوبُها اللَّحنُ الّذي شاعَ عِندَ الأَعاجِمِ، وَعَرَضوهُ عَلى العُلَماءِ المُتَخَصِّصينَ الّذينَ يَملِكونَ القُدرَةَ عَلى التَّمييزِ بَينَ الشِّعرِ الصَّحيحِ وَالمَوضوعِ. وَلِهذا يَقولُ ابنُ سَلّامٍ: «وَقَدْ تَدَاوَلَهُ قَوْمٌ مِنْ كِتَابٍ إِلَى كِتَابٍ، لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنْ أَهْلِ البَادِيَةِ، وَلَمْ يَعْرِضُوهُ عَلَى العُلَمَاءِ. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ - إِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ وَالرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ عَلَى إِبْطَالِ شَيْءٍ مِنْهُ - أَنْ يَقْبَلَ مِنْ صَحِيفَةٍ، وَلَا يُرْوَى عَنْ صُحُفٍ». فَهُناكَ رُواةٌ لا علاقَةَ لَهُم بِالشِّعرِ دَخَلوا هَذا المَجالَ مِثلَ القُصّاصِ وَرُواةِ المَغازي وَالسِّيَرِ وَغَيرِهِم.
وَمِنَ الرُّواةِ غَيرِ المَوْثوقينَ ذَكَرَ ابنُ سَلّامٍ مُحَمَّدَ بنَ إسحاقَ بنِ يَسارٍ صاحِبَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، يَقولُ: «وَكَانَ مِمَّنْ أَفْسَدَ الشِّعْرَ وَهَجَّنَهُ وَحَمَلَ كُلَّ غُثَاءٍ مِنْهُ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ (...) اسْتُعْلِمَ مِنْ عُلَمَاءِ النَّاسِ بِالسِّيَرِ (...) وَكَانَ أَكْثَرُ عِلْمِهِ بِالمَغَازِي وَالسِّيَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَبِلَ النَّاسُ عَنْهُ الأَشْعَارَ، وَكَانَ يَعْتَذِرُ مِنْهَا وَيَقُولُ: لَا عِلْمَ لِي بِالشِّعْرِ، أُتِيَنَا بِهِ فَأَحْمِلُهُ. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ عُذْراً. فَكَتَبَ فِي السِّيَرِ أَشْعَارَ رِجَالٍ لَمْ يَقُولُوا شِعْراً قَطُّ، وَأَشْعَارَ النِّسَاءِ فَضْلاً عَنِ الرِّجَالِ، ثُمَّ جَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى عَادٍ وَثَمُودَ، فَكَتَبَ لَهُمْ أَشْعَاراً كَثِيرَةً، وَلَيْسَ بِشِعْرٍ، إِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ مُؤَلَّفٌ مَعْقُودٌ بِقَوَافٍ».
وَقَد قَدَّمَ ابنُ سَلّامٍ حُجَجاً كَثيرَةً تُثبِتُ انتِحالَ ابنِ إسحاقَ لِلشِّعرِ، مِنها الدِّينيَّةُ وَالتّاريخيَّةُ وَالعَقليَّةُ. فَمِنَ الأُولى يَرى أَنَّ ابنَ إسحاقَ ذَكَرَ أَشعاراً لِأَقوامٍ بادَت كَعادٍ وَثَمودَ وَقَد ذَكَرَ اللهُ في كِتابِهِ العَزيزِ نِهايَتَهُم، قالَ تَعالى: «وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)» [النجم]، وَقالَ في قَومِ عادٍ: «فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ» (٨) [الحاقة] وَغَيرَها مِنَ الآياتِ، فَبِمَا أَنَّ اللهَ سُبحانَهُ ذَكَرَ هَلاكَ هَذِهِ الأُمَمِ فَمِن أَينَ جاءَ هَذا الشِّعرُ؟ وَمَن قالَهُ؟ وَمِنَ الثّانِيَةِ يَرى ابنُ سَلّامٍ أَنَّ اللُّغَةَ العَرَبيَّةَ لَم تَكُن مَوجودَةً في عَهدِ أَقوامِ عادٍ وَثَمودَ، وَأَنَّ تاريخَ الشِّعرِ الجاهِليِّ لا يَذهَبُ إلى ذَلِكَ، وَيُؤَكِّدُ في قَولٍ لَهُ أَنَّ أَوَّلَ مَن نَطَقَ بِالعَرَبيَّةِ نَبِيُّ اللهِ إسماعيلُ عَلَيهِ السَّلامُ الّذي بُعِثَ بَعدَ هَلاكِ عادٍ وَثَمودَ، وَذَكَرَ ابنُ سَلّامٍ في هَذا الأَمرِ اختِلافَ اللُّغاتِ فَلُغَةُ عادٍ الّتي تَعودُ إلى اليَمَنِ لَيسَت لُغَةَ العَرَبِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَولٍ لِأبي عَمرِو بنِ العَلاءِ: «مَا العَرَبُ كُلُّهَا وَلَدُ إِسْمَاعِيلَ، إِلَّا حِمْيَرَ وَبَقَايَا جُرْهُمَ»، وَيَقولُ: «مَا لِسَانُ حِمْيَرَ وَأَقَاصِي اليَمَنِ اليَوْمَ بِلِسَانِنَا، وَلَا عَرَبِيَّتُهُمْ بِعَرَبِيَّتِنَا».
وَمِن جِهَةٍ أُخرى ذَكَرَ في الحُجَجِ العَقليَّةِ أَنَّ تاريخَ الشِّعرِ الجاهِليِّ لا يَذهَبُ إلى عَصرِ عادٍ وَثَمودَ المُوغِلِ في القِدَمِ، وَأَنَّ العَرَبَ في بَداءاتِهِم لا يُمكِنُ أَن نَجِدَ لَهُم قَصائِدَ طَويلَةً مُكتَمِلَةَ البِناءِ مُنَظَّمَةً بِتِلكَ القُوَّةِ وَالتَّماسُكِ الّتي جاءَت عَلَيها في عَهدِ تِلكَ الأَقوامِ البائِدَةِ، فَازدِهارُ الشِّعرِ الجاهِليِّ جاءَ مُتَأَخِّراً نَحوَ مِئَةٍ وَخَمسينَ سَنَةً قَبلَ الإسَلامِ، يَقولُ: «وَلَمْ يَكُنْ لِأَوَائِلِ العَرَبِ مِنَ الشِّعْرِ إِلَّا الأَبْيَاتُ يَقُولُهَا الرَّجُلُ فِي حَاجَتِهِ، وَإِنَّمَا قُصِدَتِ القَصَائِدُ وَطُوِّلَ الشِّعْرُ عَلَى عَهْدِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَهَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ شِعْرِ عَادٍ وَثَمُودَ وَتَوْحِيرِهِ».
فَابنُ سَلّامٍ مِن خِلالِ تَقديمِهِ لِهذِهِ الحُجَجِ الّتي بَيَّنَتِ انتِحالَ الشِّعرِ يُظهِرُ لَنا حِسَّهُ النَّقديَّ الّذي استَطاعَ بِهِ التَّمييزَ بَينَ الشِّعرِ المَصنوعِ وَالشِّعرِ الصَّحيحِ، فَقَد تَفَطَّنَ إلى هذِهِ الظّاهِرَةِ لِأَنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِثَقافَةٍ واسِعَةٍ سَمَحَت لَهُ أَن يَكونَ أَوَّلَ ناقِدٍ تَطَرَّقَ لِهذِهِ القَضيَّةِ مُثبِتاً إيّاها بِحُجَجٍ وَأَدِلَّةٍ قاطِعَةٍ.
وَبَعدَ هَذا العَرضِ النَّقديِّ لِقَضيَّةِ الشِّعرِ المَصنوعِ يَبدَأُ ابنُ سَلّامٍ في تَناوُلِ أَسبابِ الانتِحالِ، وَالّتي تَعودُ في رَأيِهِ إلى عامِلَينِ: عامِلِ تَزايُدِ الشِّعرِ عِندَ القَبائِلِ، وَعامِلِ الرُّواةِ الوَضّاعينَ مِثلَ داوودَ بنِ مُتَمّم بنِ نُوَيرَةَ وَحَمّادٍ الرّاوِيَةِ - الّذي يَعتَبِرُهُ ابنُ سَلّامٍ أَوَّلَ مَن جَمَعَ أَشعارَ العَرَبِ - وَابنِ إسحاقَ صاحِبِ «السّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ» الّذي سَبَقَ الحَديثُ عَنهُ.
أَمّا العامِلُ الأَوَّلُ فَقَد تَسَبَّبَت بِهِ القَبائِلُ حَتّى يُعَظَّمَ شَأنُها أَمامَ غَيرِها مِنَ القَبائِلِ، وَقَد قامَت بَعضُ القَبائِلِ بِحَملِ شِعرِ غَيرِها حينَ وَجَدَتِ العَرَبَ مُنشَغِلينَ بِالدّينِ الجَديدِ، فَكانَ اهتِمامُهُم مُنصَبّاً عَلى حِفظِ القُرآنِ وَالفُتوحاتِ الإسلاميَّةِ، بَدَلاً مِنَ الاهتِمامِ بِحِفظِ الشِّعرِ الجاهِليِّ الّذي كانَ دُستورَهُم وَديوانَهُمُ الخاصَّ، يَقولُ ابنُ سَلّامٍ: «فَجَاءَ الإِسْلَامُ، فَتَشَاغَلَتْ عَنْهُ العَرَبُ، وَتَشَاغَلُوا بِالجِهَادِ وَغَزْوِ فَارِسَ وَالرُّومِ، وَلَهوا عَنِ الشِّعْرِ وَرِوَايَتِهِ». وَالشِّعرُ الّذي وَصَلَ إلَينا لَم يَكُن كامِلاً بَل هُوَ قَليلٌ جِدّاً نَظَراً لِمَوتِ الكَثيرِ مِن حَفَظَتِهِ، يَقولُ: «فَلَمَّا كَثُرَ الإِسْلَامُ، وَجَاءَتِ الفُتُوحُ، وَاطْمَأَنَّتِ العَرَبُ بِالأَمْصَارِ، رَاجَعُوا رِوَايَةَ الشِّعْرِ، فَلَمْ يَؤُولُوا إِلَى دِيوَانٍ مُدَوَّنٍ وَلَا كِتَابٍ مَكْتُوبٍ، وَأَلِفُوا ذَلِكَ وَقَدْ هَلَكَ مِنَ العَرَبِ مَنْ هَلَكَ بِالمَوْتِ وَالقَتْلِ، فَحَفِظُوا أَقَلَّ ذَلِكَ، وَذَهَبَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ كَثِيرٌ». وَيَذهَبُ ابنُ سَلّامٍ إلى أَكثَرَ مِن ذَلِكَ حينَ ذَكَرَ أَنَّ الشِّعرَ الّذي بَينَ أَيدينا ضاعَ مِنهُ الكَثيرُ بِسَبَبِ وَفاةِ الرُّواةِ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِقَولِ أبي عَمرِو بنِ العَلاءِ: «مَا انْتَهَى إِلَيْكُمْ مِمَّا قَالَتِ العَرَبُ إِلَّا أَقَلُّ، وَلَوْ جَاءَكُمْ وَافِراً لَجَاءَكُمْ عِلْمٌ كَثِيرٌ». فَهذِهِ الأَسبابُ في نَظَرِهِ جَعَلَت بَعضَ القَبائِلِ تَتَزايَدُ في شِعرِها حَتّى تَصِلَ إلى مَصافِّ القَبائِلِ الرّائِدَةِ وَيَعلُوَ مَقامُها عِندَهُم، يَقولُ: «فَلَمَّا رَاجَعَتِ العَرَبُ رِوَايَةَ الشِّعْرِ، وَذَكَرَ أَيَّامَهَا وَمَآثِرَهَا، اسْتَقَلَّ بَعْضُ العَشَائِرِ شِعْرَ شُعَرَائِهِمْ، وَمَا ذَهَبَ مِنْ ذِكْرِ وَقَائِعِهِمْ، وَكَانَ قَوْمٌ قَلَّتْ وَقَائِعُهُمْ وَأَشْعَارُهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يَلْحَقُوا بِمَنْ لَهُ الوَقَائِعُ وَالأَشْعَارُ، فَقَالُوا عَلَى أَلْسِنَةِ شُعَرَائِهِمْ، فَزَادُوا فِي الأَشْعَارِ، ثُمَّ كَانَتِ الرُّواةُ بَعْدُ». وَيَظهَرُ هُنا عُنصُرُ التَّعَصُّبِ القَبَليِّ حَتّى تَتَفَوَّقَ هذِهِ القَبائِلُ عَلى غَيرِها وَتَصنَعَ لِنَفسِها أَمجاداً كانَت تَحلُمُ بِها لِتَفتَخِرَ بِها عَلى أَقوامٍ أُخرى.
أَمّا العامِلُ الثّاني فَتَمَثَّلَ في الرُّواةِ الوَضّاعينَ الّذينَ لَم يَكتَفوا بِنَحلِ الشِّعرِ بَل تَجاوَزوهُ إلى خَلطِ الأَشعارِ، إذ يَقولُ ابنُ سَلّامٍ عَن حَمّادٍ الرّاوِيَةِ: «كَانَ غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِهِ، وَكَانَ يَنْحَلُ شِعْرَ الرَّجُلِ غَيْرَهُ، وَيَنْحَلُهُ غَيْرَ شِعْرِهِ، وَيَزِيدُ فِي الأَشْعَارِ»، وَضَرَبَ أَمثِلَةً كَثيرَةً عَلى ذَلِكَ تَدُلُّ عَلى تَزَيُّدِ الرُّواةِ في الشِّعرِ، مِنها قَولُهُ: «أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ ابْنَ دَاوُدَ بْنِ مُتَمّم بْنِ نُوَيْرَةَ، قَدِمَ البَصْرَةَ (...) فَأَتَيْتُهُ أَنَا وَابْنُ نُوحٍ العُطَارِدِيُّ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ شِعْرِ أَبِيهِ مُتَمّم (...) فَلَمَّا نَفَذَ شِعْرٌ جَعَلَ يَزِيدُ فِي الأَشْعَارِ وَيَصْنَعُهَا لَنَا».
حَديثُنا عَنِ القَضيَّةِ السّابِقَةِ وَعَن هذِهِ القَضيَّةِ - ألَا وَهِي التَّوثِيق - يُحيلُنا إلى الكَلامِ عَن مُشكِلَةِ رِوايَةِ الشِّعرِ وَكَيفيَّةِ تَدوينِهِ، فَقَد كانَ الشِّعرُ مَروِيّاً بِالسَّماعِ، وَكانَت هُناكَ أَسواقٌ أَدَبيَّةٌ يُعرَضُ فيها النِّتاجُ الأَدَبيُّ إضافَةً إلى القَبائِلِ، فَكانَ النّاسُ يَروونَ الشِّعرَ، وَكانَ لِكُلِّ شاعِرٍ راوٍ، وَهَذا كانَ سَبَباً كافِياً لِشَكِّ النُّقّادِ بِالشِّعرِ الجاهِليِّ وَاعتِقادِهِم بِانتِحالِ الرُّواةِ لَهُ، فَهذِهِ القَصائِدُ في نَظَرِهِم لَم تُكتَب، وَلَم تَبدَأ عَمَليَّةُ التَّدوينِ إلّا في القَرنِ الثّاني في العَصرِ العَبّاسِيِّ تَقريباً، وَيَذهَبُ مُصطَفى عَليّ عُمَرَ إلى القَولِ إِنَّ العَرَبَ لَم تَعرِفِ الكِتابَةَ وَحُجَّتُهُ أَنَّ القُرآنَ لَم يُجمَع إلّا بَعدَ مُرورِ قَرنٍ مِنَ الهِجرَةِ، وَبَعدَ وَفاةِ النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، حَتّى الأَحاديثَ النَّبَويَّةَ دُوِّنَت بَعدَ مُرورِ قَرنٍ مِنَ الهِجرَةِ، وَنَجِدُ مُصطَفى عَليّ عُمَرَ يَرفُضُ ما ذَهَبَ إلَيهِ ابنُ عَبدِ رَبِّهِ الّذي رَأى أَنَّ المُعَلَّقاتِ كُتِبَت وَعُلِّقَت بِالكَعبَةِ إذ يَقولُ: «لِهَذا فَإِنَّنا نَختَلِفُ مَعَ ابنِ عَبدِ رَبِّهِ في العِقدِ الفَريدِ حَيثُ يَزعُمُ أَنَّ مُعَلَّقاتِ شُعَراءِ الجاهِلِيّينَ كانَت مَكتوبَةً وَمُعَلَّقَةً في الكَعبَةِ»، لَكِنّا نَرى أَنَّ هَذا الكَلامَ فيهِ بَعضُ المُغالَطَةِ فَبَعضُ العَرَبِ عَرَفوا الكِتابَةَ وَالدَّليلُ عَلى ذَلِكَ أَنَّ النَّبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ طَلَبَ مِن أُسارى حَربِ بَدرٍ أَن يُعَلِّمَ كُلُّ أَسيرٍ عَشَرَةَ أَطفالٍ مُقابِلَ حُرِّيَّتِهِم، كَما نَجِدُ المُشرِكينَ وَالمُسلِمينَ وَقَّعوا عَلى رِسالَةٍ لِلصُّلحِ فيما بَينَهُم.
هَذا ما كانَ حَولَ تَدوينِ الشِّعرِ، لَكِنَّ ما يَهُمُّ ابنَ سَلّامٍ هُوَ مُشكِلَةُ التَّوثيقِ، فَلا يُهِمُّهُ الشِّعرُ المَبثوثُ في الكُتُبِ بِقَدرِ ما يَهتَمُّ بِالشِّعرِ المَروِيِّ، وَيَجِبُ أَن تَكونَ الرِّوايَةُ مُتَواتِرَةً عَنِ البَدوِ وَمَعروضَةً عَلى النُّقّادِ المُتَخَصِّصينَ، وَأَن يَكونَ الرّاوي مِنَ المَوْثوقِ بِهِم، لِهَذا يَقولُ: «وَقَدْ تَدَاوَلَهُ قَوْمٌ مِنْ كِتَابٍ إِلَى كِتَابٍ، لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنْ أَهْلِ البَادِيَةِ، وَلَمْ يَعْرِضُوهُ عَلَى العُلَمَاءِ. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ - إِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ وَالرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ عَلَى إِبْطَالِ شَيْءٍ مِنْهُ - أَنْ يَقْبَلَ مِنْ صَحِيفَةٍ، وَلَا يُرْوَى عَنْ صُحُفٍ»، فَهُوَ يَستَنِدُ إلى رَأيِ الجَماعَةِ، وَلا يَعتَمِدُ عَلى الرَّأيِ الفَردِيِّ، وَيَرى أَنَّهُ «لَيْسَ مِنَ المَقْبُولِ الخُرُوجُ عَلَى هَذِهِ الآرَاءِ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا رَأْيُ جَمَاعَةِ العُلَمَاءِ»، وَحينَ قَدَّمَ امرَأَ القَيسِ مَثَلاً، وَبَوَّأَهُ هذِهِ المَنزِلَةَ الرَّفيعَةَ، استَنارَ بِآراءِ العُلَماءِ الّذينَ أَجمَعَ جُلُّهُم عَلى أَنَّهُ سَبَقَ إِلى أَشياءَ ابتَدَعَها، وَاستَحسَنَتهَا العَرَبُ، وَاتَّبَعَتهُ فيها الشُّعَراءُ.
وَالأَساسُ عِندَهُ أَن يَقومَ هَذا الشِّعرُ عَلى السَّليقَةِ وَاللُّغَةِ السَّليمَةِ، وَالدَّليلُ عَلى ذَلِكَ أَنَّهُ لَم يَتَعَرَّضْ إلى الشُّعَراءِ المُحدَثينَ لِابتِعَادِ شِعرِهِم عَن هَذِهِ الصِّفاتِ وَعَدَمِ اعتِمادِ اللُّغَوِيّينَ وَالنَّحْوِيّينَ عَلَيهِم.
يُقِرُّ ابنُ سَلّامٍ الجُمَحِيُّ في بَدءِ مُقَدِّمَتِهِ أَنَّ الشِّعرَ صِناعَةٌ كَغَيرِهِ مِنَ الصِّناعاتِ فَيَقولُ: «وَلِلشِّعْرِ صِنَاعَةٌ وَثَقَافَةٌ يَعْرِفُهَا أَهْلُ العِلْمِ، كَسَائِرِ أَصْنَافِ العِلْمِ وَالصِّنَاعَاتِ: مِنْهَا مَا تُثَقِّفُهُ العَيْنُ، وَمِنْهَا مَا تُثَقِّفُهُ الأُذُنُ، وَمِنْهَا مَا تُثَقِّفُهُ اليَدُ، وَمِنْهَا مَا يُثَقِّفُهُ اللِّسَانُ». فَجَعَلَ ابنُ سَلّامٍ لِلنّاقِدِ الشِّعرَ أَربَعَ آليّاتٍ يَتَفَحَّصُ بِها: العَينَ، وَالأُذُنَ، وَاليَدَ، وَاللِّسانَ. فَالعَينُ يَستَعمِلُها النّاقِدُ لِأَجلِ البَصيرَةِ النَّقديَّةِ الّتي يَتَمَتَّعُ بِها لِمَعرِفَةِ الشِّعرِ الصَّحيحِ مِنَ المَنحولِ، وَذَلِكَ بَعدَ التَّدقيقِ فيهِ. أَمّا الأُذُنُ فَمِن خِلالِها يُحَدِّدُ النّاقِدُ موسيقى الشِّعرِ وَقَواعِدَ اللُّغَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالنَّحْوِيَّةِ وَحتّى العَروضِيَّةِ حَتّى يُمَيِّزَ الشِّعرَ المَلحونَ مِنَ الصَّحيحِ، وَقَد وَقَفَ النُّحاةُ عَلى الأَخطاءِ اللُّغَوِيَّةِ وَالنَّحْوِيَّةِ وَحتّى العَروضِيَّةِ وَذَكَرَ ابنُ سَلّامٍ بَعضَ الأَمثِلَةِ كَوُقوعِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ في خَطَإٍ نَحويٍّ في قَولِهِ:
فَبِتُّ كَأَنِّي سَاوَرَتْنِي ضَئِيلَةٌ
مِنَ الرُّقْشِ فِي أَنْيَابِهَا السُّمُّ نَاقِعُ
فَمَوضِعُ «ناقِعٌ» كانَ يَنبَغي أَن يَكونَ «ناقِعاً». وَعيبَ عَلى النّابِغَةِ الإقواءُ في قَولِهِ:
أَمِنْ آلِ مَيَّةَ رَائِحٌ أَوْ مُغْتَدِ
عَجْلَانَ ذَا زَادٍ وَغَيْرَ مُزَوَّدِ
زَعَمَ الغُرَابُ البَوَارِحُ أَنَّ رِحْلَتَنَا
وَبِذَاكَ خَبَّرَنَا الغُدَافُ الأَسْوَدُ
وَالإقواءُ مِن عُيوبِ القافِيَةِ وَيُقصَدُ بِهِ تَغييرُ حَرَكَةِ حَرفِ الرَّوِيِّ، وَقَد ذَكَرَ ابنُ سَلّامٍ ذَلِكَ في قَولِهِ: «وَلَمْ يُقْوِ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ وَلَا مِنْ أَشْبَاهِهِمْ إِلَّا النَّابِغَةُ». أَمّا اليَدُ وَاللِّسانُ فَتُساهِمانِ في عَمَليَّةِ التَّحَقُّقِ وَالتَّأَكُّدِ مِنَ الشِّعرِ وَصاحِبِهِ بِالبَحثِ وَالتَّنقيبِ.
آثَرَ ابنُ سَلّامٍ في كِتابِهِ أَهَمِّيَّةَ الثَّقافَةِ عِندَ النّاقِدِ، وَتَعَرَّضَ إلى ذَلِكَ في عِدَّةِ مَواضِعَ، فَأَشارَ إِلى أَخطاءٍ صَدَرَت مِن أَشخاصٍ غَيرِ مُتَخَصِّصينَ في الشِّعرِ إذ يَقولُ: «وَجَدْنَا رُوَاةَ العِلْمِ لَمْ يَغْلَطُوا فِي الشِّعْرِ، وَلَا يَضْبِطُ الشِّعْرَ إِلَّا أَهْلُهُ». وَهَذا يَدُلُّ عَلى مَعرِفَةِ العَرَبِ قَديماً لِلاختِصاصِ في مَجالٍ مُعَيَّنٍ، وَلِلتَّخَصُّصِ لا بُدَّ مِن تَوَفُّرِ شُروطٍ في المُتَخَصِّصِ، فَالنّاقِدُ بِاعتِبارِهِ مُتَخَصِّصاً عِندَ ابنِ سَلّامٍ يَتَطَلَّبُ أَن تَتَوَفَّرَ فيهِ الشُّروطُ أَوِ الآليّاتُ الّتي سَبَقَ ذِكرُها وَهِيَ: العَينُ، وَالأُذُنُ، وَاليَدُ، وَاللِّسانُ، وَكُلُّ هَذِهِ الآليّاتِ تَنطَلِقُ مِن ذَوقِ النّاقِدِ فَهِيَ أَهَمُّ ميزَةٍ يَتَمَتَّعُ بِها، وَلا تَأتي هَذِهِ المَلَكَةُ إلّا بِكَثرَةِ المُمَارَسَةِ. وَمِنَ الأَمثِلَةِ الّتي ذَكَرَها ابنُ سَلّامٍ قَولُهُ: «وَكَذَلِكَ بَصَرُ الرَّقِيقِ، فَتُوصَفُ الجَارِيَةُ فَيُقَالُ: نَاصِعَةُ اللَّوْنِ، جَيِّدَةُ الشَّطْبِ، نَقِيَّةُ الثَّغْرِ، حَسَنَةُ العَيْنِ وَالأَلْفِ، جَيِّدَةُ النُّهُودِ، ظَرِيفَةُ اللِّسَانِ، وَارِدَةُ الشَّعْرِ، فَتَكُونُ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ بِمِئَةِ دِينَارٍ وَبِمِئَتَيْ دِينَارٍ، وَتَكُونُ أُخْرَى بِأَلْفِ دِينَارٍ وَأَكْثَرَ، وَلَا يَجِدُ وَاصِفٌ (...) وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ فِي القِرَاءَةِ وَالغِنَاءِ: الصَّوْتُ إِنَّهُ لَنَدِيُّ الحَلْقِ، طَلِقُ النَّفَسِ، مُصِيبٌ لِلَّحْنِ، وَيُوصَفُ الآخَرُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ بَعِيدٌ، يَعْرِفُ ذَلِكَ العُلَمَاءُ عِنْدَ المُعَايَنَةِ وَالاسْتِمَاعِ لَهُ، بِلَا صِفَةٍ يُنْتَهَى إِلَيْهَا، وَلَا عِلْمٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَثُرَتِ المُدَارَسَةُ تُعْدِي عَلَى العِلْمِ بِهِ. فَكَذَلِكَ الشِّعْرُ يَعْلَمُهُ أَهْلُ العِلْمِ بِهِ». فَهَذا المِثالُ يُوَضِّحُ مَدى أَهَمِّيَّةِ الاختِصاصِ وَلِكُلِّ عِلمٍ نُقّادُهُ المُتَخَصِّصونَ، وَكَذَلِكَ الشِّعرُ لَهُ نُقّادٌ مُتَخَصِّصونَ مُتَسَلِّحونَ بِذَوقِهِمُ الخاصِّ إضافَةً إلى ثَقافَتِهِم في الشِّعرِ وَمَعرِفَتِهِم بِدَقيقِهِ، وَهَذِهِ الثَّقافَةُ تُساعِدُهُم في التَّمييزِ بَينَ الشِّعرِ الصَّحيحِ وَالشِّعرِ الزّائِفِ، وَتُنَمّي مَهارَةَ النّاقِدِ.
تَطَرَّقَ ابنُ سَلّامٍ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ إلى نَشأَةِ الشِّعرِ العَرَبيِّ، الّتي كانَت نَشأَتُهُ الأُولى عِبارَةً عَن أَبياتٍ يَقولُها الشّاعِرُ عِندَ حاجَتِهِ إذ يَقولُ: «وَلَمْ يَكُنْ لِأَوَائِلِ العَرَبِ مِنَ الشِّعْرِ إِلَّا الأَبْيَاتُ يَقُولُهَا الرَّجُلُ فِي حَاجَتِهِ، وَإِنَّمَا قُصِدَتِ القَصَائِدُ وَطُوِّلَ الشِّعْرُ عَلَى عَهْدِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَهَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ». لَكِنَّ ابنَ سَلّامٍ يَعودُ لِيُعطِيَنا أَوَّلَ مَن قَصَّدَ القَصائِدَ وَذَكَرَ الوَقائِعَ: «المُهَلهِلَ بنَ رَبيعَةَ التَّغلِبِيَّ فِي قَتْلِ أَخِيهِ كُلَيْبٍ، قَتَلَهُ بَنُو شَيْبَانَ». وَهَذا رَأيُ ابنِ سَلّامٍ حَولَ أَوَّلِ مَن قَصَّدَ القَصائِدَ وَهُناكَ آراءٌ أُخرى تَذهَبُ إِلى أَبعَدَ مِن ذَلِكَ. وَلَم يَكتَفِ ابنُ سَلّامٍ بِذِكرِ النَّشأَةِ وَلَكِنَّهُ تَطَرَّقَ إِلى التَّطَوُّرِ الّذي لَحِقَ بِالشِّعرِ، فَتَحَدَّثَ عَنِ البِيئَةِ الّتي نَما فيها الشِّعرُ وَازدَهَرَ فَذَكَرَ أَنَّ الشِّعرَ كانَ في رَبيعَةَ ثُمَّ قَيسٍ ثُمَّ تَميمٍ، وَهَذِهِ الأَخيرَةُ عِندَ النّاقِدِ بَقِيَ الشِّعرُ مُزدَهِراً عِندَهُم حَتّى عَصرِهِ.
تَعَرَّضَ ابنُ سَلّامٍ إلى قَضيَّةِ الصِّدقِ وَالكَذِبِ في ثَنايا حَديثِهِ عَن عاطِفَةِ الشُّعَراءِ عِندَ نُطقِهِم بِالشِّعرِ، وَذَكَرَ أَنَّ العَرَبَ تَعُدُّ المُهَلهِلَ بنَ رَبيعَةَ التَّغلِبِيَّ أَوَّلَ مَن كَذَبَ في الشِّعرِ إذ يَقولُ: «وَزَعَمَتِ العَرَبُ أَنَّهُ كَانَ يَدَّعِي فِي شِعْرِهِ، وَيَتَكَثَّرُ فِي قَوْلِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ فِعْلِهِ». وَنَجِدُهُ في حَديثِهِ عَن زُهَيرِ بنِ أبي سُلمى يَذهَبُ إلى هَذِهِ القَضيَّةِ فَيَصِفُهُ بِالصِّدقِ، فَيَقولُ: «كَانَ لَا يُعَاظِلُ بَيْنَ الكَلَامِ، وَلَا يَتَّبِعُ وَحْشِيَّهُ، وَلَا يَمْدَحُ الرَّجُلَ إِلَّا بِمَا فِيهِ». وتَمَثَّلَ صِدقُهُ في مَدحِهِ لِلإنسانِ بِالحَقائِقِ الّتي يَتَمَتَّعُ بِها. وَإِذا تَوَغَّلنا في طَبَقاتِ ابنِ سَلّامٍ نَجِدُهُ يَعودُ مَرَّةً أُخرى لِلحَديثِ عَن هَذِهِ القَضيَّةِ في طَبَقاتِ فُحولِ الإسلامِ عِندَ تَناوُلِهِ شِعرَ جَميلِ بُثَينَةَ وَكَثَيِّرِ عَزَّةَ، فَيَقولُ: «وَكَانَ جَمِيلٌ صَادِقَ الصَّبَابَةِ، وَكَانَ كَثِيرٌ يَتَقَوَّلُ». فَكَيفَ عَلِمَ ابنُ سَلّامٍ أَنَّ جَميلاً صادِقٌ في شِعرِهِ وَكَثَيّراً كاذِبٌ؟ وَمَدارُ ذَلِكَ يَتَمَثَّلُ في حَياةِ الشّاعِرَينِ: فَجَميلٌ عَشِقَ بُثَينَةَ وَشِعرُهُ تَرجُمانٌ لِأَحاسيسِهِ تُجاهَها، في حينَ يَذكُرُ ابنُ سَلّامٍ أَنَّ كَثَيّراً «لَمْ يَكُنْ عَاشِقاً»، وَهُنا قَدَّمَ ابنُ سَلّامٍ حُجَّتَهُ في كَذِبِ كَثَيِّرٍ.
لا يَزالُ ابنُ سَلّامٍ يُقَدِّمُ لَنا مِن خِلالِ مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ «طَبَقاتِ فُحولِ الشُّعَراءِ» قَضايا نَقديَّةً هامَّةً ذاتَ أَثَرٍ عَلى الشِّعرِ وَالشّاعِرِ، وَتُعَدُّ قَضيَّةُ الطَّبعِ وَالصَّنعَةِ أَهَمَّ تِلكَ القَضايا الّتي وَضَعَت حَدّاً فاصِلاً بَينَ الشُّعَراءِ المَطبوعينَ بِالفِطرَةِ وَالشُّعَراءِ المُتَصَنِّعينَ المُهَذِّبينَ لِشِعرِهِم أَوِ المُتَكَلِّفينَ. وَلَم يَستَعمِلِ ابنُ سَلّامٍ لَفظَةَ طَبعٍ بَل نَجِدُهُ يَستَخدِمُ لَفظَةَ قَريحَةٍ، وَذَلِكَ في قَولِهِ: «وَلَمْ يَكُنْ أَوْسُ بْنُ مَغْرَاءَ إِلَى النَّابِغَةِ فِي قَرِيحَةِ الشِّعْرِ»، وَيَقولُ عَن خِداشِ بنِ زُهَيرٍ: «هُوَ أَشْعَرُ فِي قَرِيحَةِ الشِّعْرِ مِنْ لَبِيدٍ»، وَقَولُهُ أَيضاً: «وَالكُمَيْتُ بْنُ مَعْرُوفٍ الأَوْسَطُ أَشْعَرُهُمْ قَرِيحَةً». وَنَعني بِالقَريحَةِ طَبيعَةَ الإنسانِ، وَالطَّبيعَةُ هِيَ الفِطرَةُ الّتي جُبِلَ عَلَيها الإنسانُ، وَبِالتّالي هِيَ الطَّبعُ الفِطريُّ. وَقَد أَشارَ إلى الطَّبعِ عِندَما ذَكَرَ إعجابَ الأَصمَعِيِّ بِشِعرِ النّابِغَةِ الجَعدِيِّ إذ يَقولُ: «كَانَ الأَصْمَعِيُّ يَمْدَحُهُ بِهَذَا وَيَنْسُبُهُ إِلَى قِلَّةِ التَّكَلُّفِ». وَمِنَ الحُجَجِ الّتي ذَكَرَها ابنُ سَلّامٍ في تَقديمِهِ لِلنّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ قَولُهُ: «شِعْرُهُ كَلَامٌ لَيْسَ فِيهِ تَكَلُّفٌ». فَالنّاقِدُ مِن خِلالِ هَذِهِ الآراءِ استَطاعَ التَّفريقَ بَينَ الشِّعرِ المَطبوعِ الّذي يَأتي عَلى السَّليقَةِ وَالاستِرسالِ دونَ تَعَبٍ وَبَذلِ جُهدٍ، وَالشِّعرِ المَصنوعِ الّذي يُعادُ النَّظَرُ فيهِ إِمّا بِغَرَضِ تَهذيبِهِ وَتَنقيحِهِ كَما فَعَلَ زُهَيرُ بنُ أبي سُلمى، أَو لِإغراقِهِ في الصَّنعَةِ الّتي شاعَت في العَصرِ العَبّاسِيِّ مَعَ الشُّعَراءِ المُوَلَّدينَ فَيَخرُجُ بِذَلِكَ الشّاعِرُ عَن عَمودِ الشِّعرِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ.
عالَجَ ابنُ سَلّامٍ قَضيَّةَ «بِناء القَصيدَة» عِندَ تَعَرُّضِهِ لِلطَّبَقَةِ الأولى مِن شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ، فَبَنى مِن خِلالِ الحُجَجِ الّتي قَدَّمَها بُنيَةَ القَصيدَةِ العَرَبيَّةِ القَديمَةِ وَوَضَعَ هَيكَلاً خاصّاً بِها، فَهِيَ نَموذَجُ الشِّعرِ العَرَبيِّ الأَصيلِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَن نَبَّهَ إلى هَذا البِناءِ عِندَ احتِجاجِهِ لِامرِئِ القَيسِ بِأَنَّهُ «قَالَ: مَا قَالَ مَا لَمْ يَقُولُوا، وَلَكِنَّهُ سَبَقَ العَرَبَ إِلَى أَشْيَاءَ ابْتَدَعَهَا، وَاسْتَحْسَنَتْهَا العَرَبُ، وَاتَّبَعَهُ فِيهَا الشُّعَرَاءُ، اسْتِيقَافَ صَحْبِهِ، وَالتَّبْكَاءَ فِي الدِّيَارِ، وَرِقَّةَ النَّسِيبِ، وَقُرْبَ المَأْخَذِ، وَشَبَّهَ النِّسَاءَ بِالظِّبَاءِ وَالبِيضِ، وَشَبَّهَ الخَيْلَ بِالعِقْبَانِ وَالعِصِيِّ، وَقَيَّدَ الأَوَابِدَ. وَأَجَادَ فِي التَّشْبِيهِ. وَفَصَلَ بَيْنَ النَّسِيبِ وَبَيْنَ المَعْنَى». فَالنّاقِدُ مِن خِلالِ هَذا القَولِ يُبرِزُ الهَيكَلَ العامَّ لِلقَصيدَةِ العَرَبيَّةِ القَديمَةِ أَو لِعَمودِ الشِّعرِ العَرَبيِّ الّذي يَعتَمِدُ عَلى التَّشبيهاتِ القَريبَةِ الواضِحَةِ غَيرِ الغامِضَةِ، فَتَشبيهاتُ امرؤ القَيسِ قَريبَةٌ مِن بيئَتِهِ لِهَذا أُعجِبَت بِها العَرَبُ وَاتَّبَعوهُ في ذَلِكَ، كَما نُلاحِظُ مِن خِلالِ هَذا القَولِ وَضعَ مَنهَجٍ لِلقَصيدَةِ العَرَبيَّةِ القَديمَةِ مِن بِدايَتِها إلى نِهايَتِها، فَتَبدَأُ القَصيدَةُ بِالوُقوفِ عَلى الأَطلالِ وَالبُكاءِ عَلى الدِّيارِ وَهِيَ ما تُعرَفُ بِالمُقَدِّمَةِ الطَّلَلِيَّةِ، لِيَنتَقِلَ إلى النَّسيبِ وَتَشبيهِ النِّساءِ بِالظِّباءِ وَالبَيضِ وَغَيرِها مِنَ التَّشبيهاتِ، وَيَخرُجَ بَعدَها إلى غَرَضٍ آخَرَ بِحَسَبِ رَغبَةِ الشّاعِرِ، فَالقَصيدَةُ العَرَبيَّةُ القَديمَةُ مُتَنَوِّعَةُ الأَغراضِ وَهِيَ خاصِّيَّةٌ أَساسِيَّةٌ في بُنيَتِها.
ذَكَرَ ابنُ سَلّامٍ في حُجَجِهِ الّتي قَدَّمَها أَثناءَ عَرضِهِ لِلشُّعَراءِ في الطَّبَقاتِ عَناصِرَ خاصَّةً بِلُغَةِ الشِّعرِ، فَتَحَدَّثَ عَن حُسنِ الدّيباجَةِ وَالجَزالَةِ وَكَثرَةِ الرَّونَقِ فَقالَ عَنِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ: «كَانَ أَحْسَنَهُمْ دِيبَاجَةَ شِعْرٍ، وَأَكْثَرَهُمْ رَوْنَقَ كَلَامٍ، وَأَجْزَلَهُمْ بَيْتاً، كَأَنَّ شِعْرَهُمْ كَلَامٌ لَيْسَ فِيهِ تَكَلُّفٌ، وَالمَنْطِقُ المُتَكَلِّمُ أَوْسَعُ مِنْهُ عَلَى الشَّاعِرِ، وَالشِّعْرُ يَحْتَاجُ إِلَى البِنَاءِ وَالعَرُوضِ وَالقَوَافِي، وَالمُتَكَلِّمُ مُطْلَقٌ يَتَخَيَّرُ الكَلَامَ».
وَهَذا القَولُ يُعطينا مُمَيِّزاتِ الشِّعرِ، وَالفَرقَ بَينَ الشِّعرِ وَالنَّثرِ، فَحُسنُ الدّيباجَةِ وَكَثرَةُ الرَّونَقِ وَالجَزالَةُ هِيَ في نَظَرِ ابنِ سَلّامٍ صِفاتٌ خاصَّةٌ بِلُغَةِ الشِّعرِ وَيَعني بِها السَّبكَ وَالتِحامَ أَجزاءِ الكَلامِ، وَقَد ذَكَرَها الجاحِظُ في حَديثِهِ عَن مُمَيِّزاتِ الشِّعرِ مِنَ التِحامِ الأَجزاءِ وَالفَهمِ القَريبِ، وَسُهولَةِ المَخارِجِ، وَعُذوبَةِ النُّطقِ، إذ يَقولُ ابنُ رَشيقٍ القَيرَوانِيُّ: «قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الجَاحِظُ: أَجْوَدُ الشِّعْرِ مَا رَأَيْتَهُ مُتَلَاحِمَ الأَجْزَاءِ، سَهْلَ المَخَارِجِ، فَتَعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ أُفْرِغَ إِفْرَاغاً وَاحِداً، وَسُبِكَ سَبْكاً وَاحِداً؛ فَهُوَ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ كَمَا يَجْرِي الدِّهَانُ». لَكِنَّ أبا هِلالٍ العَسكريَّ جَعَلَ هَذِهِ الصِّفاتِ في كِتابِهِ «الصِّناعَتَينِ» خاصَّةً بِلُغَةِ القُرآنِ إذ يَقولُ: «وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا أَغْفَلَ عِلْمَ البَلَاغَةِ، وَأَخَلَّ بِمَعْرِفَةِ الفَصَاحَةِ لَمْ يَقَعْ عِلْمُهُ بِإِعْجَازِ القُرْآنِ مِنْ جِهَةِ مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ حُسْنِ التَّأْلِيفِ، وَبَرَاعَةِ التَّرْكِيبِ، وَمَا شَحَنَهُ بِهِ مِنَ الإِيجَازِ البَدِيعِ، وَالاخْتِصَارِ اللَّطِيفِ، وَضَمَّنَهُ مِنَ الحَلَاوَةِ، وَجَلَّلَهُ مِنْ رَوْنَقِ الطَّلَاوَةِ، مَعَ سُهُولَةِ كَلِمِهِ وَجَزَالَتِهَا، وَعُذُوبَتِهَا وَسَلَاسَتِهَا».
وَقَد قَدَّمَ ابنُ سَلّامٍ نَماذِجَ عَديدَةً حَولَ عَناصِرِ لُغَةِ الشِّعرِ مِنها حَديثُهُ عَنِ البَعيثِ المُجاشِعِيِّ فَقالَ: «وَكَانَ البَعِيثُ شَاعِراً فَاخِرَ الكَلَامِ حُرَّ اللَّفْظِ»، وَيَقولُ عَنِ القُطامِيِّ: «وَكَانَ القُطَامِيُّ شَاعِراً فَحْلاً، رَقِيقَ الحَوَاشِي، حُلْوَ الشِّعْرِ». وَمِن عَناصِرِ لُغَةِ الشِّعرِ الّتي أَشارَ إلَيها ابنُ سَلّامٍ الفَصاحَةُ وَيَقصِدُ لَها جَزالَةَ اللَّفظِ وَحُسنَ المَعنى، وَقَد قَدَّمَ أَمثِلَةً عَلى ذَلِكَ مِنها حَديثُهُ عَن ذي الرُّمَّةِ وَعَمرِو بنِ أَحمَرَ.
وَنَستَخرِجُ مِنَ النَّصِّ السّابِقِ حَولَ الحُجَجِ الّتي ذَكَرَها ابنُ سَلّامٍ عَنِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ وَالّتي قَدَّمَها عَنِ امرؤ القَيسِ، الفَرقَ بَينَ الشِّعرِ وَالكَلامِ الّذي حَدَّدَهُ في ثَلاثَةِ عَناصِرَ: البِناءِ وَالعَروضِ وَالقَوافي. أَمّا بِناءُ القَصيدَةِ فَقَد سَبَقَ الحَديثُ عَنهُ في الحُجَجِ الّتي قُدِّمَت عَنِ امرؤ القَيسِ، وَأَمّا العَروضُ وَالقَوافي فَهِيَ تُحَدِّدُ موسيقى الشِّعرِ لَكِنَّها لَيسَت مِقياساً أَساسِيّاً فَقَد يَتَحَقَّقُ وُجودُها في النَّصِّ وَلا يَكونُ شِعراً، وَقَد قَدَّمَ ابنُ سَلّامٍ مِثالاً عَلى ذَلِكَ الشِّعرِ الّذي وَضَعَهُ ابنُ إسحاقَ وَنَسَبَهُ لِقَومِ عادٍ وَثَمودَ. وَالشِّعرُ وَالكَلامُ عِندَ الشّاعِرِ ضَيِّقٌ وَالضَّروراتُ تُبيحُ المَحظوراتِ كَما يُقالُ، وَغِيابُ الضَّروراتِ يَعني أَنَّ الشّاعِرَ يَملِكُ رُخصَةً لِتَجاوُزِ هَذا الضّيقِ، فَإِمّا أَن يَكونَ هَذا التَّكَلُّفُ مَحموداً أَو مَذموماً، وَمِنَ التَّكَلُّفِ المَحمودِ ما نَجِدُهُ عِندَ زُهَيرِ بنِ أبي سُلمى في تَجَنُّبِ المُعاظَلَةِ، أَمّا المَذمومُ فَنَجِدُهُ عِندَ الشُّعَراءِ المُوَلَّدينَ.
وَقَفَ هَذا المَقال عَلى القَضايا النَّقديَّةِ الّتي تَطَرَّقَ إلَيها ابنُ سَلّامٍ الجُمَحِيُّ في كِتابِهِ «طَبَقاتِ فُحولِ الشُّعَراءِ»، وَاتَّضَحَ لَنا أَنَّ ابنَ سَلّامٍ لَم يَقِف عِندَ قَضيَّةِ الانتِحالِ فَقَط وَالّتي كانَ السّابِقَ إلى طَرحِها، بَل نَجِدُهُ يُعالِجُ قَضايا أُخرى صارَت مِن صَميمِ الدِّراساتِ النَّقديَّةِ كَحَديثِهِ عَن قَضيَّةِ الطَّبعِ وَالصَّنعَةِ، وَالصِّدقِ وَالكَذِبِ، وَبِناءِ القَصيدَةِ، وَثَقافَةِ النّاقِدِ إلى غَيرِها مِنَ القَضايا. فَكِتابُهُ وَإِن صَنَّفَهُ لِفُحولِ الشُّعَراءِ فَقَد تَطَرَّقَ فيهِ لِقَضايا نَقديَّةٍ قَيِّمَةٍ فاتِحاً بِذَلِكَ المَجالَ لِمَن جاءَ بَعدَهُ فَوَسَّعَ فيها. وَلِهَذِهِ القَضايا عَلاقَةٌ بِالمَعاييرِ النَّقديَّةِ كَونَها وُلِدَت مِن رَحِمِها، فَالحُجَجُ الّتي اعتَمَدَ عَلَيها ابنُ سَلّامٍ في تَصنيفِ الشُّعَراءِ كانَتِ المَركَزَ الأَساسيَّ لِلقَضايا النَّقديَّةِ المَعروضَةِ.
