أستحقُّ أن أُرى الآن

 

لست أدري كيف أبلغ مَبْلَغَ نفسي بعد الممات. وإني لَأَعْلَمُ أنه قول مُسْتَغْرَبٌ يبعث على الحيرة، ولكنه الحَقُّ الذي لا مِرْيَةَ فيه. فما منا من يقدر على ذلك، ولا من سيقدر. ولقد لازمني هذا الهَمُّ طيلة عمري، وساورني في هَزِيعِ الليل مراراً. إِذْ لو كان المرء لا يدرك ما «كان بمقدوره أن يكونه» إلا بانقضاء أَجَلِهِ، فهل يُغْنِي ما يصنعه الآن في زمن «الإِمْكَانِ» شيئاً؟

وتمر بي أيام أرى فيها أن الجواب هو النَّفْيُ. فإن مَشَقَّةَ الوجود تغلب كل أمل ترجو بُلُوغَهُ وأنت في قيد الحياة، وما تدركه مَنُوطٌ بأسباب تخرج عن طَوْقِ إرادتك. وفي بعض الأيام، يُقْعِدُنِي النَّصَبُ حتى عن مجرد التفكير في الأمر.

ودعني أُجَلِّي لك الأمر وأُبَيِّنَهُ. لقد بدا لي منذ زمن بعيد أن بلوغ «العَظَمَةِ» في عيون العالم وثقافة العَامَّةِ اليوم، لا يقتصر على أن تكون مَوْهُوباً فيما تصنع. ولا حتى أن تفوق بقريحتك سَوَاداً أعظم من الخلق. إنما العظمة الحَقَّةَ والتفرد في هذا الزمان، يستوجبان خَصْلَةً من اثنتين أو كِلْتَيْهِمَا معاً: أن تكون حَدَثاً في سنك، أو أن تكون في عِدَادِ الموتى.

فهذا «فان غوخ» لم يبع في حياته سوى لَوْحَةٍ واحدة. وكان فَنُّهُ مَجْفُوّاً مستهاناً به عند أكثر من حوله، وأنفرت طِبَاعُهُ الحادة وآفاته النفسية كل من دَنَا من حِمَاهُ. وإنما حَظِيَ بالثناء اليوم لأنه مَيِّتٌ. فليس بين ظَهْرَانَيْنَا ليخبرنا بما يجول في خاطره أو لِيُجَادِلَنَا في معتقداته، وهذا ما يُيَسِّرُ علينا مَدْحَهُ، وتنزيهه، وادعاء الشوق إليه. صرنا نتغنى بعظمته في دَعَةٍ، لسبب يَسِيرٍ: أنه لا يملك أن يَرُدَّ الجواب. ولو قدر على ذلك لما شَاعَ ذكره، أو لما كان بهذه الشهرة وعلى هذا النحو المِثَالِيِّ. لكان مَنْبُوذاً لتقلبات مزاجه الرَّعْنَاءِ ومعاناته مع غَوَائِلِ الإدمان. ولتحاشاه الناس إن أبصروه يمشي في الأسواق مَأْخُوذاً بنوباته وَهَوَاجِسِهِ. ولعُدَّ عَجْزُهُ عن لزوم حِرْفَةٍ راتبة ضرباً من الكَسَلِ، ولأصبحت علله البدنية المفاجئة مَبْعَثَ ريبة وخطر عليه وعلى غيره. ناهيك عن أن قدرته على صياغة رَوَائِعَ جديدة كانت لتُبْخِسَ قيمة ما لديه، إِذْ كان بوسعنا حينئذ أن نطلب المَزِيدَ. ولكان بإمكاننا أن نُضَيِّقَ عليه لِيُبَدِّلَ أسلوبه نحو ما نراه نحن صَوَاباً.

فهو إذن مَقْبُولٌ مَمْدُوحٌ لأنه لا يُقْلِقُ راحتنا! ولا يسبب حَرَجاً لأحد بكثرة نِتَاجِهِ، أو بآراء شَاذَّةٍ في وجوه السياسة، أو بخصومات بَغْتَةً. فمبلغ علمنا بمحاسن ما تركه ومساوئه مَحْدُودٌ، وذلك مُبْتَغَانَا. فتصبح كل قِطْعَةٍ نادرة ومضمونة، وهذا مَنَاطُ الأمر؛ إِذْ كيف لشيء أن يستحق الإِجْلَالَ إن لم يكن نَادِرَةَ الزمان؟

وثمة طريق آخر أقل هَلَاكاً نحو المجد في عصرنا هذا: أن تكون في مَيْعَةِ الصِّبَا. فإن أتقنت عملاً وأنت غَضُّ الإِهَابِ، نلت من الاسْتِحْسَانِ عَفْواً ما لا يناله من أتقن ذات العمل وقد بلغ الأَرْبَعِينَ. أينشر كَهْلٌ في الثانية والأربعين كتاباً؟ لعمري هذا جَيِّدٌ وعمل حسن! وينشر شاب في الثامنة عشرة نَفْسَ الكتاب؟ يا لَلْعَجَبِ! إنك لَعَبْقَرِيُّ زمانك! وحَرِيٌّ بالخلق أن يقتبسوا من نِبْرَاسِ موهبتك وهمتك العَجِيبَةِ!!

فمجرد بقائك حَيّاً يغدو أقل إِبْهَاراً كلما امتد بك العُمُرُ، بغض النظر عن أن مَشَقَّةَ العيش تتضاعف بتوالي الأَيَّامِ. نلبث أطفالاً لِبُرْهَةٍ، تملؤنا المَطَامِحُ، ثم نفارق الصِّبَا لتبقى الطموحات قائمة، فَنُدْفَعُ لمكابدة السبيل الأَشَدِّ حَسْماً نحو الذِّكْرِ والمجد.

لم يبع فان غوخ سوى لَوْحَةٍ واحدة، ولكن نُقِلَ أنه قد وَهَبَ الكثير منها. كان يقدم صَنَائِعَهُ ونفثات روحه هَدَايَا للخِلَّانِ والأقران، ولمن أَلْهَمُوهُ، وأحياناً لكل سَائِلٍ. بعض تلك اللوحات تُزَارُ في المتاحف اليوم، إلا أن جُلَّهَا قد طُوِيَ أَثَرُهُ، لأن من أُهْدِيَتْ إليهم - بمن فيهم أُمُّهُ - رأوها سَذَاجَةً أو عِبْئاً يشغل المكان، فَتَخَلَّصُوا منها في النهاية.

ولم يبق له نَصِيرٌ دائم سوى أخيه الأصغر «ثِيُو». والذي أَنْفَقَ على جُلِّ مطالب أخيه سنين طِوَالاً من حياته، لِعَجْزِ الثاني عن ذلك. كان يدفع ثمن أدوات الرَّسْمِ، والقُوتِ، والرِّحْلَةِ، وأُجْرَةَ المسكن، بل ومَأْوَى اللحظات الأخيرة حينما يُفْسِدُ أخوه صِلَتَهُ بأحد شركاء السكن، أو حينما يُحْتَجَزُ في المصحات إثر نوباته وَهَلَاوِسِهِ. وتراسل الأَخَوَانِ مراراً، وقد جَلَتْ تلك الرسائل المحفوظة لأهل التاريخ صورة أَوْضَحَ لتلك الحياة الكَالِحَةِ التي عاشها هذا الرجل الذي أُسْبِغَ عليه بَهَاءٌ ليس له. قبل مَنِيَّتِهِ بعامين، كتب فينسنت إلى أخيه يقول: «إن نَاراً عظيمة تَتَّقِدُ في صدري، لكن لا أحد يقف لِيَصْطَلِيَ بها، ولا يرى العَابِرُونَ فيها سوى خَيْطٍ من الدخان».

أما اليوم، فقد نَدُرَتْ أعماله، وتَهَافَتَ الناس عليها، وحِيطَتْ بعناية فائقة حتى إنك لا تستطيع الِاقْتِرَابَ للمسها دون أن تتلقى زَجْراً، إن لم يكن أمراً أَدْهَى! هذه اللوحات لم تَتَبَدَّلْ منذ ولادتها. فلماذا يتزاحم الناس عليها اليوم، بينما كان من أُتِيحَتْ لهم صُحْبَةُ الرجل ذاته حال إبداعه لها يَتَحَاشَوْنَ النظر في عَيْنَيْهِ؟ ولماذا كَتَبَ أهل البلدة التي قَطَنَهَا في آخر أيامه عَرِيضَةً لحبس هذا العَبْقَرِيِّ، أو إيداعه المَارِسْتَانَ عند أدنى مَبْلَغٍ، دَرْءاً لأذاه عن المواطنين؟ لأن ذلك الفنان كان إِنْسَاناً أيضاً، وكان هذا الإنسان عِبْئاً وخطراً على نفسه وعلى من حَوْلَهُ. ولذا، لم تكن مُجَازَفَةُ الاحتفاظ به تستحق العَنَاءَ، في نظر السَّوَادِ الأعظم، لإنقاذ رسام مُتَخَبِّطٍ في عُبَابِ تيار ما بعد الانْطِبَاعِيَّةِ. فلم يَغْدُ صَرْحاً خالداً إلا بعد أن أصبح أُثْرِيَّةً منصوبة تُزَارُ. ومن أجل هذا بُجِّلَ.

أن يقتل المرء نفسه في السابعة والثلاثين هو موت في رَيْعَانِ الشباب، ولكنها ليست سِنّاً غضة للعيش بِهَا. إننا نَسْتَحْسِنُ عطاء الناس أكثر إذا كانوا قد تكبدوا العَنَاءَ في إبداعه. فمجرد التَّقْدِيمِ لا يكفي لنيل الصِّيتِ، ما لم تكن ذا مَالٍ وفير تَبْتَاعُ به طريقاً نحو الشهرة وسَنَا الأضواء. وكلما اشتدت كُلْفَةُ النجاة بما تُبْدِعُهُ، زادت غِبْطَتُنَا بأنك كِدْتَ ألا تَنْجُوَ!

لقد لَقِيتَهُ أنت نفسك في لحظة ما من حياتك. ذلك صاحب الشَّغَفِ والموهبة الذي لا يُطَاقُ جِوَارُهُ بسبب عِلَّةٍ أو آفة نفسية أو إدمان أو فَاجِعَةٍ. أنت - أَجَلْ أنت - قد صَادَفْتَ نُسْخَةً حديثة من «فان غوخ»، وعلى الأَرْجَحِ لم يَرُقْ لك كثيراً.

إن المَآسِيَ تُعْشَقُ لما تُخَلِّفُهُ من جَمَالٍ، في عيون أولئك الذين لا يُضْطَرُّونَ لمعالجة بَلَايَاهَا. ولقد كَلِفَ الناس بفان غوخ لأننا صرنا في مَأْمَنٍ من الِالْتِقَاءِ السَّمِجِ به في الأسواق، أو مُجَاوَرَتِهِ حال هَيَجَانِهِ وثوراته كَثِيرَةِ الأذى. لقد قَاسَى الأمَرَّيْنِ، وهذا جَمِيلٌ، لأنه لم يَلْزَمْ أحداً منا أن يَشْهَدَهُ معانياً فيقوم على رِعَايَتِهِ! إن فَنَّهُ لمُبْهِرٌ لأن تجاربه الغَابِرَةَ تثير فُضُولَنَا، بينما خَلَتْ ساحته اليوم مما يُنَغِّصُ علينا أَيَّامَنَا.

وما التَّفَاوُتُ بين كتابتي اليوم وكتابتي بعد المَمَاتِ بشيء. فليس ثَمَّةَ من فَرْقٍ، إلا أن كل ما أُسَطِّرُهُ اليوم يمكنني أن أتحدث عنه بِلِسَانِي. ولا سبيل لأحد أن يَتَخَبَّطَ في تأويل رُمُوزِي أو تَقَصِّي طِبَاعِي بالغاً من ذلك مَبْلَغاً عظيماً، لأنني هنا لِأَفْصِلَ بين صَوَابِهِمْ وخطئهم. إِذْ يمكن الوصول إلى الكَاتِبِ دون الحاجة إلى لَوْحِ تحضير الأرواح! أنا هنا لِأَبُوحَ بما في نفسي، وهذا أَقَلُّ فِتْنَةً مما لو كنت عَدَماً - لأن المَوْتَى يغدون كما يريدهم المُجْتَمَعُ لا كما كانوا عليه يَوْماً، وَغِشَاوَةُ التلميع الوَرْدِيَّةِ لا تُسْدَلُ على أعيننا إلا حينما نفقد وُصُولَنَا إلى أشياء - بِحُلْوِهَا ومُرِّهَا - كانت مُشَاعَةً بين أيدينا فيما سَلَفَ.

لست على يَقِينٍ أنني سأبلغ يوماً مَبْلَغَ نفسي المَيِّتَةِ. وربما كان ذلك مُحَالاً، أو أمراً لا يستحق بذل الجُهْدِ. غير أن ما أَعْلَمُهُ عِلْمَ اليقين، بين طَيَّاتِ الحيرة التي تَغْشَى الخَلَائِقَ في هَزِيعِ الليل، هو أنني أَسْتَحِقُّ أن أُرَى. أستحق أن أُرَى بكل ما فِيَّ وبكل ما أَمْلِكُ البوح به. الآنَ، كما أنا، وما دُمْتُ هُنَا.

لأنني أَحْسَبُ فينسنت كان مُصِيباً. لا في جَذِّ أذنه، ولا في تجرع السُّمُومِ، ولا في مُرَاوَدَةِ بَغَايَا الأرض (ولست بمقام الحَكَمِ هاهنا)، بل في سَبِيلِهِ التي سَلَكَهَا حين طَوَّعَ كل خُطُوبِهِ ليخلق لنفسه عَالَماً أَرْحَبَ - عالماً بَهِيّاً يَأْوِي إليه ويَحْيَا في كَنَفِ فَنِّهِ. ولقد فعل ذلك رَغْمَ أنوف الناس، لا بِسَبَبِهِمْ. صنع ذلك حتى حين حَكَمَ عليه العالم الرَّحْبُ خارج إطار لَوْحَتِهِ بأنه هَالِكٌ لا يُرْجَى بَرُؤُهُ.

ولذا، فإني أَقْتَبِسُ من ذلك المجنون، الفَقِيرِ، العليل، الكَرِيهِ، ذي الشعر الأحمر: «إن كان لي قِيمَةٌ فيما بعد، فإن لي قيمة الآنَ. فإن القَمْحَ قمح، وإن حَسِبَهُ الناس بَادِئَ ذي بَدْءٍ حَشِيشاً». تمر أيام أَحْسَبُ فيها نفسي أَدْنَى إلى الحشيش مني إلى القَمْحِ، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أنني هَاهُنَا مُقِيمٌ. لست تَجْرِبَةً تقبل التَّبْدِيلَ، ولا طَيْفاً للناس الخِيَارُ في الإحساس به.

قد يَعْسُرُ على المرء، حين تُكَشِّرُ الحياة عن أنيابها، أن يتذكر أن كل «ما كان مُمْكِناً» إنما بدأ بمقام «ما يمكن أن يَكُونَ». غير أن الضَّبَابَ يَنْقَشِعُ بين الفَيْنَةِ والأخرى، ويَنْزَاحُ سِتَارُ النَّصَبِ، فَتُدْرِكُ ذلك «الإِمْكَانَ» على حقيقته؛ ليلةً مُتَلَأْلِئَةَ النجوم لا ساحل لَهَا.

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق