سنُوري ستورْلُسون
إنَّ المتنَ الواسعَ والمتنوِّعَ للمرويّاتِ النثريَّةِ الدنيويَّةِ القديمةِ المكتوبةِ في لغةِ الشمالِ، بينَ القرنينِ الثاني عشرَ والخامسَ عشرَ، والمدوَّنةِ في غالبِها في «آيسلندا» وبعضِها في «النرويج»، لَيُشكِّلُ تحدّياً للرؤى المستقرَّةِ حولَ تطوُّرِ الأدبِ الأوروبيِّ. وقد صُنِّفتْ هذهِ النصوصُ ضمنَ أجناسٍ أدبيَّةٍ متباينةٍ، ومعَ ذلكَ تجمعُها قواسمُ مشتركةٌ وسماتٌ تميِّزُها عن مساراتِ التطوُّرِ الأدبيِّ في ربوعِ أوروبا الأخرى. وفي وجوهٍ عدَّةٍ، تبدو ملاحمُ الآيسلنديّينَ (المعروفةُ أيضاً بملاحمِ العائلاتِ) أقربَ إلى الروايةِ التاريخيَّةِ في العصورِ اللاحقةِ مِن أيِّ جنسٍ أدبيٍّ شعبيٍّ صِيغَ باللغاتِ المحليَّةِ في أقطارِ أوروبا إبّانَ العصورِ الوسطى. وممّا لا شكَّ فيهِ أنَّ كثيراً مِنَ النماذجِ والأفكارِ المبثوثةِ في هذهِ الملاحمِ الآيسلنديَّةِ تستندُ إلى مصنَّفاتٍ أُنتِجتْ في بلاطاتِ القارَّةِ ومراكزِ التعليمِ الكنسيَّةِ (والتي استمدَّتْ بدورِها قسطاً مِنَ الكتابِ المقدَّسِ المسيحيِّ). وتتجلّى الفائدةُ في تتبُّعِ تأثيراتِ المصنَّفاتِ الدنيويَّةِ والدينيَّةِ في هذهِ الملاحمِ، سوى أنَّ الإلهامَ الأصيلَ للشعرِ والقصصِ في الديارِ الإسكندنافيَّةِ يستقي منابعَهُ مِن جذورٍ أخرى، متجاوزاً النصوصَ المكتوبةَ السابقةَ أوِ التبادلَ الثقافيَّ معَ المجتمعاتِ الجنوبيَّةِ التي عُرِفتْ في الشمالِ إثرَ وفودِ المسيحيَّةِ.
وفنُّ القصصِ يختلفُ جوهراً عن فنِّ الكتابةِ؛ لوجودِ الفنِّ السرديِّ في وسائطَ أخرى كثيرةٍ. وحينَ يطالعُ الناسُ نصّاً مكتوباً، يميلونَ إلى توهُّمِ أنَّ الكلماتِ المقروءةَ تطابقُ تماماً ما قد يسمعونَهُ في الأداءِ الشفهيِّ لمادَّةٍ مشابهةٍ. وهذا التوهُّمُ يغفلُ فرقاً جوهريّاً بينَ هذينِ التجلّيَينِ للفنِّ القوليِّ؛ الأداءِ الشفهيِّ مِن جهةٍ، وقراءةِ الكلماتِ مِن سِفْرٍ، سواءٌ في صمتٍ أو جهراً أمامَ حشدٍ، مِن جهةٍ ثانيةٍ. وصياغةُ نصٍّ أو هيكلتُهُ في القالبِ المكتوبِ تمنحُ صانعَهُ قدرةً على إبداعِ شيءٍ جديدٍ، شيءٍ يتعذَّرُ بلوغُهُ في الأداءِ الشفهيِّ، ويستوجبُ الكتابةَ ليتجسَّدَ في هيئتِهِ المعهودةِ.
ولكلِّ وسيلةٍ قصصيَّةٍ مواطنُ قوَّتِها ومحدوديَّتِها الخاصَّةِ. فالتصويرُ السينيمائيُّ، مثلاً، يستعينُ بمواردَ تقنيَّةٍ تفوقُ طاقةَ القُصّاصِ الأفرادِ أو فِرَقِ المسرحِ لإيصالِ مقاصدِهِ الدراميَّةِ والسرديَّةِ. وينطبقُ الحكمُ ذاتُهُ على الكتابةِ؛ فحينَ أتقنَ أهلُ شمالِ غربِ أوروبا إمكاناتِها، اهتدَوا شيئاً فشيئاً إلى تطويعِ متطلَّباتِها التقنيَّةِ لصالحِ فنونِ القولِ، مِنَ الشعرِ والقصصِ الذي كانَ مقصوراً قبلَها على الشفاهيَّةِ، ممثِّلاً جزءاً مِن إرثِهِمُ الثقافيِّ المتوارثِ.
ومعَ سقوطِ الإمبراطوريَّةِ الرومانيَّةِ، احتكرتِ الكنيسةُ ثقافةَ الكتبِ في أوروبا احتكاراً شبهَ تامٍّ. وهيَ ثقافةٌ كانَ مقصدُها الأسمى تمجيدَ الخالقِ ونشرَ كلمتِهِ المقدَّسةِ، غالباً بتعاونٍ معَ حكّامٍ زمنيّينَ وجَدوا في الدينِ الجديدِ منافعَ للارتقاءِ بمكانتِهِمْ في المجتمعِ وتوطيدِها. وبتحالفِهِمْ معَ الكنيسةِ، أمكنَ للحكّامِ تسويغُ بنيَةِ السلطةِ التي يتربَّعونَ على عرشِها كأمرٍ مقدَّرٍ مِنَ الإلهِ الذي يعظُ بهِ رجالُ الدينِ في محاريبِهِمْ. وأمرَ الملوكُ بكتابةِ سِيَرِهِمْ لبيانِ حظوتِهِمْ عندَ الإلهِ الذي اصطفاهُمْ، مرسِّخينَ بذلكَ مواقعَهُمْ في النسقِ الكونيِّ المسيحيِّ الممتدِّ جذورُهُ في «روما» وبلادِ حوضِ المتوسِّطِ. وفي أرجاءٍ متفرِّقةٍ مِن أوروبا الغربيَّةِ، شقَّتْ موادُّ دنيويَّةٌ طريقَها إلى الرقوقِ، مستلهمةً بقدرٍ ما ثقافةَ الكتابِ المسيحيَّةِ ومتأثِّرةً بها، كحالِ الملاحمِ الأيرلنديَّةِ القديمةِ والشعرِ الإنجليزيِّ القديمِ والمرويّاتِ الفرنسيَّةِ، غيرَ أنَّ أيّاً مِن هذهِ الآدابِ لم يتطوَّرْ ليقاربَ الأعمالَ الدنيويَّةَ المؤلَّفةَ التي نعرفُها اليومَ. ومفهومُ «المؤلِّفِ» بمعناهُ الحديثِ لم ينبثقْ في الفكرِ الغربيِّ إلّا معَ إشراقةِ عصرِ النهضةِ الإيطاليَّةِ، وتحديداً في شخصيَّةِ «دانتي أليغييري»؛ إذ نسبَ دانتي مؤلَّفاتِهِ صراحةً لإبداعِهِ الخالصِ، واضعاً بذلكَ أسسَ التفكيرِ الحديثِ والافتراضاتِ المرتبطةِ بشخصِ «المؤلِّفِ»، لتنتشرَ هذهِ الأفكارُ عبرَ ذاتِ القنواتِ التي سلكتْها الثقافةُ المسيحيَّةُ مِن قبلُ، منطلقةً مِن قاعدةٍ أيديولوجيَّةٍ دينيَّةٍ لتنتقلَ تدريجيّاً إلى الفضاءاتِ الدنيويَّةِ.
ومدى سهولةِ انتشارِ الأفكارِ في العصورِ الوسطى، وفيما تلاها بدرجةٍ كبيرةٍ، يدينُ بالكثيرِ للغةِ التي صِيغتْ بها أوَّلَ مرَّةٍ. وقد تربَّعتْ «فلورنسا» في قلبِ العالمِ الأوروبيِّ الوسيطِ، وحينما نهضَ مثقَّفوها للكتابةِ الفرديَّةِ بقصدِ التأليفِ في القرنِ الرابعِ عشرَ، قُرِئتْ أعمالُهُمْ وأفكارُهُمْ وقُلِّدتْ، ممّا أسهمَ في بذرِ بذورِ النهضةِ الإيطاليَّةِ والتحوُّلاتِ الفكريَّةِ العميقةِ التي أطلقتْها في ربوعِ أوروبا. غيرَ أنَّهُمْ لم يكونوا الروّادَ. ومِنَ المطالبِ الشيِّقةِ مقارنةُ مكانةِ دانتي وبتراركا وبوكّاتشيو بمكانةِ «سنوري ستورلسون» في «آيسلندا». فقبلَ ظهورِ دانتي بقرابةِ قرنٍ مِنَ الزمانِ، أتى سنوري بصنيعٍ مشابهٍ، يبلغُ ذاتَ الدرجةِ مِنَ الاستثناءِ والجدَّةِ، ولو قُيِّضَ لهُ أن يكتبَ بإحدى اللغاتِ «المركزيَّةِ» في أوروبا، لسهُلَ تخيُّلُ العواقبِ الواسعةِ والخالدةِ لابتكاراتِهِ. ولسوءِ طالعِ الحضارةِ الغربيَّةِ، كانتْ ضيعةُ سنوري تقبعُ في الأقاصي النائيةِ للعالمِ الأوروبيِّ في ذلكَ الزمانِ؛ فخلفَ آيسلندا لا تقعُ سوى «غرينلاند»، بعدَ أن تخلّى الفايكنغُ حوالَي عامِ ١٠٠٠ عن مساعيهِمْ لدفعِ حدودِهِمْ إلى سواحلِ أمريكا الشماليَّةِ. ولم تُحْدِثْ ريادةُ سنوري أثرَها إلّا داخلَ موطنِهِ، معَ أنَّها كانتْ طفرةً عميقةً تحملُنا اليومَ، بعدَ قرابةِ ثمانمائةِ عامٍ على رحيلِهِ، على تصنيفِ الكتبِ وعقدِ المحافلِ مدحاً لمآثرِهِ.
والأعمالُ المنسوبةُ إلى سنوري (متجاوزينَ الشكوكَ الجادَّةَ حولَ مفهومِ التأليفِ في العصورِ الوسطى إجمالاً، وحقيقةِ الدورِ الذي ربَّما إيدّاهُ أو لم يؤدِّهِ في تصنيفِ هذهِ الأعمالِ) تضمُّ «سيرةَ القدِّيسِ أولافْ المفردةَ»، ومجموعةَ سِيَرِ الملوكِ المعروفةَ باسمِ «هيمسكرينغلا» (Heimskringla)، ودليلَهُ للشعرِ التقليديِّ في «الإيدّا» (Prose Edda)، وملحمةَ «إيغيلْ سكالا-غريمسون» (Egil's Saga). وكلُّ هذهِ الآثارِ (خصوصاً حينَ تتأمَّلُ مجتمعةً كنتاجٍ لكاتبٍ واحدٍ) تظهرُ مبلغاً مِنَ الأصالةِ يجعلُها، إن صحَّ نسبتُها إليهِ، ممثِّلةً لمستوىً وآفاقٍ مِنَ التفكيرِ الابتكاريِّ استغرقَ رجالَ القلمِ ونساءَهُ في أنحاءِ أوروبا قروناً طوالاً لمحاكاتِهِ: كالنقدِ التاريخيِّ مِن منظورٍ دنيويٍّ (كما تتجلّى قيمةُ مصادرِهِ في مقدِّمةِ هيمسكرينغلا)؛ وإعادةِ الهيكلةِ الأدبيَّةِ للمعارفِ الشفهيَّةِ التقليديَّةِ (في ترتيبِ المأثوراتِ الأسطوريَّةِ والعروضيَّةِ ونظمِها في الإيدّا)؛ والمرويّاتِ النثريَّةِ التي تبشِّرُ بالروايةِ التاريخيَّةِ كقالبٍ أدبيٍّ (في رسمِ شخصيَّةِ «إيغيلْ سكالا-غريمسون» وتطوُّرِها في الملحمةِ الموسومةِ باسمِهِ). وإن كانَ سنوري هوَ الصانعَ الفعليَّ لكلِّ هذهِ الآثارِ، فإنَّ جذورَ هذهِ الأصالةِ تقبعُ منطقيّاً في تجاربِ شبابِهِ، ومحيطِهِ الفكريِّ الذي شبَّ فيهِ متأهِّباً لمسيرتِهِ راشداً في مقامِ الشاعرِ والقاصِّ وفقيهِ القانونِ والسياسيِّ.
وُلدَ سنوري في شتاءِ عامِ ١١٧٨/١١٧٩. وكانَ والدُهُ، ستورلا مِن «هفامر» (وهوَ اسمُ ضيعتِهِ)، زعيماً محليّاً صغيراً مِن غربِ آيسلندا، عاديَّ المكانةِ على مستوى البلادِ. فلم يَنَلْ ستورلا مثلاً أرفعَ منصبٍ في «جمهوريَّةِ آيسلندا»، منصبَ «قائلِ القانونِ»، ولم يكنْ مِن عدادِ الزعماءِ البارزينَ الذينَ دعموا النفوذَ المتناميَ للكنيسةِ خلالَ القرنِ الثاني عشرَ. أمّا الزعيمُ الأشدُّ بأساً ونفوذاً في ذلكَ العهدِ فكانَ «يون لوفتسون» مِن «أودي» في الجنوبِ. وباعتبارِهِ حفيداً (مِنِ ابنةٍ غيرِ شرعيَّةٍ) للملكِ «ماغنوس بيرفتر» (صاحبِ الساقينِ العاريتينِ)، يبدو أنَّ يون كانَ يرى في نفسِهِ ممثِّلاً للسلطةِ الملكيَّةِ في آيسلندا، ممّا يفسِّرُ التطلُّعاتِ الاجتماعيَّةَ لمَنْ ترعرعوا في كنفِهِ ورعايتِهِ في «أودي». وفي عامِ ١١٨١ صادفَ أن أدّى دورَ الوسيطِ في نزاعٍ محليٍّ انخرطَ فيهِ ستورلا. وضمنَ مساعي الصلحِ، عرضَ يونع أن يتكفَّلَ بتربيةِ الرضيعِ سنوري. ومثلُ هذا العرضِ مثَّلَ شرفاً عظيماً لأسرةِ الصبيِّ، إذ أولتْ لابنِها فرصةَ النشأةِ في أهمِّ مركزٍ علميٍّ في البلادِ، حيثُ يتلقّى الفتيانُ أرقى تعليمٍ ممكنٍ آنذاكَ في آيسلندا تهيئةً لانخراطِهِمْ في سلكِ الكهنوتِ.
ونتطلَّعُ بشغفٍ إلى معرفةِ المزيدِ عن نشأةِ سنوري في «أودي» وطبيعةِ التعليمِ الذي ظفرَ بهِ هناكَ: كم بلغَ حظُّهُ مِنَ اللاتينيَّةِ على سبيلِ المثالِ؟ وما حجمُ إحاطتِهِ بالكتبِ التي شكَّلتْ قِوامَ تعليمِ الطامحينَ إلى السلكِ الدينيِّ الذينَ نشأَ بينَهُمْ؟ وهل تعلَّمَ فعليّاً القراءةَ والكتابةَ بنفسِهِ؟ وعندَ الخوضِ في خلفيَّةِ «إيدّا سنوري» (المعروفةِ أيضاً بـ«الإيدّا النثريَّةِ»)، يشيرُ أنثوني فولكس إلى أنَّهُ رغمَ وجودِ دلائلَ على إحاطةٍ بالعلومِ المدرسيَّةِ والمؤلَّفاتِ اللاتينيَّةِ في العروضِ، لا يظهرُ سنوري دليلاً قاطعاً على قراءتِها فعليّاً؛ معَ التيقُّنِ مِن أنَّ مَنْ تولّى كتابةَ الإيدّا كانَ عالماً بالأفكارِ الفلسفيَّةِ والدينيَّةِ الشائعةِ في عصرِهِ. وحديثاً، طرحَ هلغي ثورلاكسون رأياً وسطاً، مقترحاً رسومَ سنوري في درجاتٍ كهنوتيَّةٍ دنيا رغمَ انصبابِ تعليمِهِ الأساسيِّ على تأهيلِهِ لمسيرةٍ مستقبليَّةٍ في الحياةِ العامَّةِ.
أمّا تدريبُهُ القانونيُّ والسياسيُّ فأمرٌ مقطوعٌ بهِ. فقد مارسَ المحاماةَ في نزاعاتِ المحاكمِ إبّانَ التجمُّعاتِ المحليَّةِ (الثينغ)، وانتُخِبَ «قائلاً للقانونِ» لأوَّلِ مرَّةٍ في صيفِ عامِ ١٢١٥. وبحلولِ ذلكَ الوقتِ، رسَّختْ أسرتُهُ جذورَها في العالَمينِ القانونيِّ والسياسيِّ: فخلالَ الحقبةِ بأسرِها المعتدَّةِ بينَ عاميِ ١١٨١ و١٢٧٦، انحدرَ جميعُ قائلي القانونِ وفقهائهِ في آيسلندا مِن إحدى العائلتينِ المهيمنتينِ في البلادِ؛ عائلتِهِ (آل ستورلونغار) وعائلةِ (آل هوكدلير). وبوصفِهِ قائلاً للقانونِ، يبدو أنَّ سنوري عملَ في تعاونٍ وثيقٍ معَ «ستيرمير الكاراسونِ» العالمِ، ومِنَ المرجَّحِ امتدادُ هذا التعاونِ ليشملَ حقولاً أخرى. والمؤسفُ ضآلةُ عِلمِنا بشخصِ ستيرمير سوى كونِهِ كاتباً؛ فنحنُ نعلمُ أنَّهُ صنَّفَ نسخةً مِن كتابِ الاستيطانِ (Landnámabók) وسيرةً أقدمَ للقدِّيسِ «أولافْ» مِن سيرةِ سنوري (وكلا المؤلَّفينِ مفقودانِ اليومَ، ومعَ ذلكَ نستنبطُ شيئاً مِن مضامينِهِما عبرَ المصنَّفاتِ اللاحقةِ التي استوَقَتْ منهُما على الأرجحِ)، وقد لعبَ دوراً، ربَّما في مقامِ المحرِّرِ، في «سيرةِ سفيرير»، وهيَ سيرةُ الملكِ سفيرير في النرويجِ التي خطَّها أصلاً كارل يونسون، رئيسُ ديرِ «ثينغيرار». انتُخِبَ ستيرمير قائلاً للقانونِ مرَّتينِ، الأولى بينَ عاميِ ١٢١٠ و١٢١٤ (وخلفَهُ فيها سنوري للأصيافِ الأربعةِ التاليةِ) والثانيةُ في عامِ ١٢٣٢، حيثُ مارسَ مهامَّ المنصبِ لأربعةِ أصيافٍ جديدةٍ بعدَ مرورِ عشرِ سنواتٍ متتاليةٍ قضاها سنوري في المنصبِ. ووفقاً لسجلِّ قائلي القانونِ المحفوظِ في مخطوطةِ «أوبسالا» لكتابِ «إيدّا سنوري»، انطلقتِ الولايةُ الثانيةُ لسنوري في صيفِ عامِ ١٢٢٢ خلفاً لـ«تيتر ثورفالدسون». عملَ ستيرمير كاهناً في «ريكهولت»، مقرِّ سكنِ سنوري، قبلَ عامِ ١٢٢٨ حتّى تسلَّمَ زمامَ إدارةِ الديرِ الأوغسطينيِّ في جزيرةِ «فيدي» عامَ ١٢٣٥، حيثُ أمضى أيّامَهُ حتّى وافتْهُ المنيَّةُ في عامِ ١٢٤٥. وكانَ ديرُ «فيدي» قد شُيِّدَ حوالَي عامِ ١٢٢٥ بمبادرةٍ مشتركةٍ مِن سنوري وثورفالدر غيزورارسون، شقيقِ أسقفِ سكالهولت. ويشيرُ سيغوردور نوردال إلى أنَّ ستيرمير قد يكونُ نجلَ كاري رونولفسون، رئيسِ ديرِ «ثينغيرار» المتوفّى عامَ ١١٨٧ أو ١١٨٨. وبذلكَ ربَّما ارتبطَ ستيرمير في صباهُ بديرِ «ثينغيرار»، ممّا يعلِّلُ إسهامَهُ في سيرةِ الملكِ سفيرير. ويجلو عن ستيرمير وسنوري اشتراكُهُما في الاهتماماتِ، كما يُنبئُ تقاطعُ مساريهِما المهنيَّينِ بوجودِ رابطةِ صداقةٍ وثيقةٍ بينَهُما.
وكانتْ سطوةُ ومكانةُ العشيرةِ أو العائلةِ الأخرى التي استحوذتْ على السياسةِ الآيسلنديَّةِ خلالَ المائةِ عامٍ الأخيرةِ مِن عهدِ الجمهوريَّةِ (٩٣٠-١٢٦٢)، وهُمْ آلُ «هوكدلير»، تستمدُّ قوَّتَها مِن تحالفٍ وثيقٍ معَ الكنيسةِ، وتختلفُ بذلكَ عن مسارِ آلِ «ستورلونغار». وبذلَ سنوري مساعيَ حثيثةً، لم تكنْ كلُّها نافذةً أو باقيةً، لنسجِ روابطَ معَ آلِ «هوكدلير»، عبرَ تحالفاتِ المصاهرةِ وصلاتِ الصداقةِ. ونحنُ على بيِّنةٍ تامَّةٍ بتفاصيلِ حياةِ سنوري في ميدانِ السياسةِ، بفضلِ السجلّاتِ المعاصرةِ تقريباً المبثوثةِ في مجموعةِ ملاحِمِ آلِ «ستورلونغار» ومصادرَ أخرى، والتي جمعَها بعينٍ ناقدةٍ أوسكار غودموندسون في سيرتِهِ الجليلةِ عن «سنوري». وما تُجليهِ هذهِ السجلّاتُ يقيناً هوَ حرصُ سنوري على استنفارِ كلِّ السبلِ لبسطِ نفوذِهِ، عاقداً التحالفاتِ معَ سادةِ القومِ وناقضاً لها، ومصاهراً لأسرِهِمْ، ومتلاعباً بدواليبِ القانونِ.
وفضلاً عن هذا، مارسَ سنوري الشعرَ احترافاً (skáld)، ومتوسِّلاً بصنعتِهِ لاختراقِ الدوائرِ الداخليَّةِ للبلاطِ النرويجيِّ. ولقد رأى في نفسِهِ ممثِّلاً لتقليدٍ عريقٍ تمتدُّ جذورُهُ إلى عهودِ ما قبلَ المسيحيَّةِ. وقدِ اتُّخِذَ الشعراءُ عدَّةً للرفعةِ مِن شأنِ الحكّامِ الأحياءِ وتخليدِ مآثرِ أسلافِهِمْ في الذاكرةِ الشفهيَّةِ، وهيَ غايةٌ حُصِرتْ في أفرادٍ مِنَ الآيسلنديّينَ منذُ زمنِ الدخولِ في المسيحيَّةِ أو قبلَهُ. وتحتوي مخطوطةُ «أوبسالا» لإيدّا سنوري، قُبيلَ سجلِّ قائلي القانونِ مباشرةً، على «سجلِّ الشعراءِ» (Skáldatal)، المرتَّبِ بعنايةٍ زمنيَّةٍ يربطُ شعراءَ البلاطِ بالملوكِ والزعماءِ الذينَ وقفوا بينَ أيديهِمْ للخدمةِ.
وفي زمانِ ولادةِ سنوري، كانتِ الكتابةُ في أوروبا تسعى أساساً لنشرِ رسالةِ الإنجيلِ وإعلاءِ شأنِ الملوكِ والنبلاءِ مِن خلالِ نظمِ الأعمالِ التاريخيَّةِ. وقبلَ ذلكَ، في حقبةِ العصورِ الكلاسيكيَّةِ، صنَّفَ الإغريقُ والرومانُ كتباً عنِ الآلهةِ والأبطالِ، متخيِّلينَ إيّاهُمْ في مقاصرَ سماويَّةٍ تنعكسُ صورُهُمْ على الكواكبِ، كما جرتْ عادةُ البشرِ في أقطارِ الأرضِ. وتلكَ هيَ التصوُّراتُ المتجلّيةُ في أعمالٍ مثلِ كتابِ «التحوُّلاتِ» للشاعرِ «أوفيد»، والذي ظلَّ ذائعاً ومقروءاً إبّانَ العصورِ الوسطى قاطبةً. بيدَ أنَّ نموذجَ أوفيد لم يخلقْ أثراً كبيراً في نفوسِ الثقافاتِ المنضويةِ رويداً إلى المسيحيَّةِ، والمتلقِّيةِ فنَّ الكتابةِ عنْها؛ إذ بدَتْ آلهتُها المنبوذةُ وأساطِيرُها موادَّ غيرَ لائقةٍ بمساعي النسّاخِ وكتاباتِهِمْ. ولا نظفرُ بمرويّاتٍ عن طبقاتٍ أدنى في سلَّمِ المجتمعِ، كالفلّاحينَ والزعماءِ؛ فهذهِ الموضوعاتُ لم تكنْ لتتناغمَ طبيعيّاً معَ القيمِ والمواقفِ التي بثَّتْها الكنيسةُ والأدبُ الذي رعتْهُ ونمَّتْهُ. ورغمَ شيوعِ الكتابةِ المحليَّةِ الدنيويَّةِ وتوسُّعِها، فقد بقيتْ متسربلةً بطابعٍ أرستقراطيٍّ غالبٍ. وكانَ المصدرُ الأوَّلُ لهذهِ الكتابةِ منبثقاً مِن فرنسا: فمِن أواخرِ القرنِ الحادي عشرَ والثاني عشرَ أتتْنا «أغاني المغامراتِ» (أغاني الإيمائيّاتِ)، وهيَ شعرٌ ملحميٌّ شفهيٌّ صِيغَ في قالبٍ كتابيٍّ؛ وحوالَي ذلكَ العهدِ أيضاً نشهدُ المرويّاتِ الرومانسيَّةَ المكتوبةَ الأولى، التي استُلهِمتْ على الأرجحِ مِن قصصِ الرواةِ الـ«بريتون» وأشعارِهِمْ. وشرعَ هذا النوعُ مِنَ النشاطِ الأدبيِّ يمهِّدُ الطريقَ لأصنافٍ شتّى مِنَ القصصِ الدنيويِّ بالفرنسيَّةِ، شعراً ونثراً، بتوجيهٍ على الأغلبِ مِن نبلاءَ متعلِّمينَ (الفارسُ المتأدِّبُ)؛ أي مِن فئةٍ تملكُ مكانةً اجتماعيَّةً تضاهي مكانةَ سنوري في آيسلندا، متزامنةً معَ بلوغِهِ سنَّ الرشدِ. وقد أثارتْ هذهِ المرويّاتُ المكتوبةُ نقاشاً واسعاً حولَ دورِ المؤلِّفِ في ابتداعِها، وطبيعةِ صلتِها بأيِّ إرثٍ شفهيٍّ قد يقبعُ خلفَها، في مساجلاتٍ تشبهُ إلى حدٍّ بعيدٍ النقاشَ المتَّصلَ بأصولِ الملاحِمِ الآيسلنديَّةِ.
والمشهدُ الأدبيُّ الذي ورثَهُ سنوري في آيسلندا يغايرُ تماماً ما أورثَهُ لمَنْ بعدَهُ. فقدِ ابتدأتْ كتابةُ النصوصِ السرديَّةِ المطوَّلةِ في آيسلندا بتدوينِ أخبارِ ملوكِ النرويجِ على يدِ رهبانِ «ثينغيرار»، بكلتا اللغتينِ اللاتينيَّةِ والآيسلنديَّةِ. ومِنَ المرجَّحِ أنَّ هذا الصنيعَ كانَ معلوماً بالتفصيلِ عندَ ستيرمير، لا سيَّما إن صدقَ الرأيُ القائلُ بنشأتِهِ في «ثينغيرار». وتتمثَّلُ ثورةُ سنوري في إدراكِهِ الفرصَ الكامنةَ في المهاراتِ والتقنيّاتِ التي حازَها الرهبانُ لخلقِ شيءٍ مغايرٍ برمَّتِهِ. وبقفزةٍ جريئةٍ مِن خيالِهِ، أيقنَ أنَّ الموضوعاتِ التي تتخطّى سِيَرَ القدِّيسينَ والملوكِ قابلةٌ للتدوينِ في الكتبِ، بادئاً بتقييدِ الأساطيرِ الموروثةِ عن حقبةِ ما قبلَ المسيحيَّةِ في صحائفِ إيدّاتِهِ، وتالياً - ربَّما - في رصدِ حيواتِ شخصيّاتٍ تاريخيَّةٍ وخصوماتِها مثلَ «إيغيلْ سكالا-غريمسون». وهذا المسعى تطلَّبَ تكييفاً للمناهجِ والأفكارِ المتعلِّقةِ بالبنيَةِ الأدبيَّةِ التي لعلَّهُ تعرَّفَ إليها في «أودي». فلئنْ كانَ تعليمُهُ الشخصيُّ قد تجاوزَ هذا المسارَ، فإنَّ ستيرمير قد ملكَ قطعاً المهاراتِ والمعارفَ المنشودةَ. ومِن هنا، يُحتمَلُ أنَّ سنوري عملَ معَ ستيرمير ونسّاخِهِ على إنجازِ مهمَّةٍ بكرٍ وغيرِ مسبوقةٍ، آخذاً حصيلةَ المعرفةِ والثقافةِ والشعرِ والقصصِ التي تلقّاها في صباهُ مِن أفواهِ أشياخِهِ العلماءِ - وهيَ موادُّ لم تعدُ أن تكونَ شفهيَّةً محضةً حتّى ذلكَ الحينِ، وقد هيَّأتْهُ لمسيرتِهِ راشداً في دنيا السياسةِ والنزاعاتِ القانونيَّةِ وروايةِ الحكاياتِ وشعرِ البلاطِ - محوِّلاً إيّاها إلى هيئةِ الكتابِ.
وباتَ الأدبُ الدنيويُّ الأوروبيُّ متاحاً في الشمالِ عامَ ١٢٢٦ بظهورِ «ملحمةِ تريسترام»، وهيَ الصيغةُ النرويجيَّةُ لقصَّةِ تريستران لصاحبِها «توما مِن بريتاني» بترجمةِ الرّاهبِ روبرت. وتعكسُ ترجمةُ روبرت شغفاً نرويجيّاً مستجدّاً بالتيّاراتِ الأدبيَّةِ الوافدةِ مِنَ الأصقاعِ المعدودةِ أشدَّ تحضُّراً في أوروبا، ويجوزُ أنَّها كانتْ دافعاً لسنوري كي يعملَ فكرَهُ في توظيفِ الكتابةِ لإبداعِ جديدٍ مِن موادِّ بيئتِهِ. وتلا «ملحمةَ تريسترام» سيلٌ مِنَ التراجمِ والأعمالِ الأصيلةِ على ذاتِ المنوالِ. ومحاسنُ التشابُهِ في الأسلوبِ دفعتْ لفيفاً مِنَ العلماءِ المعاصرينَ لربطِ كتابةِ ما يدعونَهُ «ملاحمَ الشمالِ الأسطوريَّةِ» (سِيَرَ الأزمانِ الغابرةِ) بهذا الأدبِ الفروسيِّ. ومصطلحُ «ملاحمُ الشمالِ الأسطوريَّةِ» اصطلاحٌ وُلدَ في القرنِ التاسعَ عشرَ لوصفِ مجموعةٍ مِنَ المرويّاتِ النثريَّةِ الآيسلنديَّةِ، المتخلَّلةِ بالشعرِ، والتي تدورُ أحداثُها خارجَ آيسلندا في عصرِ الفايكنغِ وما قبلَهُ. ومعَ مفارقةِ هذهِ الملاحمِ الأسطوريَّةِ لملاحمِ الآيسلنديّينَ في أوجُهٍ شتّى - في الإطارِ الزمنيِّ المزعومِ، والفضاءاتِ المكانيَّةِ (التي تتَّسعُ لتشملَ عالَمَ الفايكنغِ كلَّهُ والأراضيَ الشماليَّةَ والشرقيَّةَ والجنوبيَّةَ والجنوبيَّةَ الغربيَّةَ)، وشغفِها بالألغازِ، وبطولاتِها المبالغِ فيها - فإنَّ الجنسينِ يتشاطرانِ سماتٍ أسلوبيَّةً وتركيبيَّةً جمَّةً. وتبدو أشباهُ الملاحمِ الأسطوريَّةِ أوضحَ ما تكونُ في الفصولِ التي تقعُ أحداثُها خارجَ آيسلندا ضمنَ ملاحِمِ الآيسلنديّينَ الأصليَّةِ. ورغمَ تطابقاتٍ وتوازياتٍ معَ أدبِ القارَّةِ، فإنَّ الفوارقَ أبلغُ أثراً؛ كمستقليَّتِها الواضحةِ في مفرداتِها، وتناولِها لموضوعاتِ الحبِّ والعواطفِ بأسلوبٍ يصعبُ تعليلُهُ دونَ الرجوعِ إلى منبعِ إلهامٍ ومنظومةِ قيمٍ مغايرةٍ لتلكَ التي جاءَ بها الأدبُ المترجمُ. ومرَّةً أخرى يتبدّى لنا نمطٌ جذبَ فيهِ الآيسلنديّونَ التقنيّاتِ والموضوعاتِ والهياكلَ مِن أدبِ القارَّةِ، مكيِّفينَ لها لتناسبَ الحكاياتِ الحيَّةَ المستقاةَ مِن تراثِهِمُ المحليِّ. وليسَ بعصيٍّ على التخيُّلِ أنَّ سنوري كانَ، مرَّةً أخرى، روحَ الإلهامِ لهذا التوجُّهِ الجديدِ، إذ تضمُّ «إيدّاتُهُ» ملخَّصاتٍ لبعضِ أساطيرِ الأبطالِ التي نلقاها في الملاحمِ الأسطوريَّةِ، وخاصَّةً قصَّةَ «سيغوردر فافنيسباني» (قاتلِ التنينِ)، وكنزَ ذهبِ التنينِ، وهلاكِ آلِ «فولسونغار» (النيبيلونغ).
ولا عجبَ في أن يقعَ الناسخونَ لملاحمِ الآيسلنديّينَ أنفسُهُمْ تحتَ تأثيرِ الأدبِ الدنيويِّ الأوروبيِّ، وتحديداً بعدَ ترجمةِ هذا الأدبِ وجعلِهِ مطواكاً للقصّاصِ الآيسلنديّينَ. ويلوحُ هذا التأثيرُ في أظهرِ صورِهِ في زمرةٍ مِنَ الملاحمِ تُعرفُ بملاحمِ الشعراءِ (ملحمةُ غونلوغْ أورمستونغو، وملحمةُ هالفريدار، وملحمةُ كورماكس، وملحمةُ بيارنار أبطالِ هيتيلالْ، وملحمةُ فيكلوندار)، وكلُّها تدورُ في فلكِ الحبِّ الخائبِ الذي يمثِّلُ عمادَ أدبِ البلاطِ الأوروبيِّ.
ونظراً لصلةِ والدِهِ بالتبنّي، يون لوفتسون، بالأسرةِ الملكيَّةِ النرويجيَّةِ، والسابقةِ التي رسَّختْها سِيَرُ الملوكِ ذاتُ الطابعِ القداسيِّ، يبدو طبيعيّاً شروعُ سنوري في مسيرتِهِ الكتابيَّةِ بسِيَرِ الملوكِ. غيرَ أنَّ أعمالَ سنوري في سِيَرِ الأعلامِ تتمتَّعُ بمستوىً يفوقُ بكثيرٍ جودةَ أسلافِهِ؛ فإلى جانبِ تفوُّقِهِ في الصنعةِ السرديَّةِ، يفلحُ سنوري في دمجِ الدوافعِ السياسيَّةِ لشخصيّاتِهِ، عاكساً في الوقتِ عينِهِ التصوُّراتِ المعاصرةَ للمثقَّفينَ الآيسلنديّينَ حولَ المجتمعِ ودورِ الملكِ والدولةِ. وفي «سيرةِ القدِّيسِ أولافْ المفردةِ» ومجموعةِ «هيمسكرينغلا»، يرتقي سنوري بفنِّ كتابةِ سِيَرِ الملوكِ المتأصِّلِ إلى ذروةٍ فنّيَّةٍ غيرِ مسبوقةٍ. وتظهرُ مجموعةُ «هيمسكرينغلا» عنايةً فائقةً بالهيكلِ والشكلِ: فالمجموعةُ تُحاطُ بإطارٍ أسطوريٍّ في السيرةِ الأولى (سيرةُ يونغلينغار)، بينما يتمحورُ الصلبُ الأساسيُّ للعملِ، على غرارِ الكتابِ المقدَّسِ، حولَ حياتيِ الملكينِ المبشِّرينِ المسيحيَّينِ، أولافْ تريغفاسون وأولافْ هارالدسون. وفضلاً عن ذلكَ، يدرجُ سنوري استشهاداً بأبياتٍ وافرةٍ مِن شعرِ البلاطِ (سكالديّ) لم ترِدْ في المصادرِ المكتوبةِ الأقدمِ. ولذا، يُستطاعُ قراءةُ «هيمسكرينغلا» بوصفِهِ امتداداً برّاقاً ومتَّسقاً لتراثِ كتابةِ الملاحمِ، سواءٌ المؤلَّفةُ في آيسلندا أو غيرِها، والتي سردتْ سِيَرَ القادةِ الملكيّينَ. ويُرجَّحُ أنَّ غايةَ سنوري مِن تصنيفِ هذهِ السِيَرِ الملكيَّةِ كانتْ رفعَ مقامِهِ بينَ نخبةِ النرويجِ الاجتماعيَّةِ، حيثُ حملَ طموحاً شخصيّاً بعيدَ المدى.
وتتجلّى الطفرةُ الحقيقيَّةُ في شروعِ سنوري في كتابةِ - أو أمرِهِ بكتابةِ - أعمالٍ مستقلَّةٍ عنِ البناءِ المباشرِ على النماذجِ الأدبيَّةِ المألوفةِ، وأظهرُها «إيدّاتُهُ» - دونَ نفيِ استفادتِهِ مِن أفكارٍ وتقنيّاتٍ سرديَّةٍ برزتْ في أعمالٍ سالفةٍ. ومِن هذا المنطلقِ، ربَّما خطرَ ببالِهِ تدريجيّاً أنَّ زعماءَ آيسلندا الدنيويّينَ، شأنُهُمْ شأنُ ملوكِ أوروبا وفرسانِها، قادرونَ أيضاً على زيادةِ »رأسِ مالِهِمُ الثقافيِّ» مِن خلالِ تدوينِ سِيَرِ أسلافِهِمْ، ولعلَّ هذهِ كانتْ بذرةَ فكرةِ تأليفِ «ملحمةِ إيغيلْ سكالا-غريمسون».
فإن كانَ سنوري بالفعلِ صاحبَ فكرةِ «الإيدّا» التي حملتْ اسمَهُ، فهوَ على الأرجحِ أوَّلُ أوروبيٍّ منذُ العصورِ الكلاسيكيَّةِ يدركُ طاقةَ الكتابةِ على توثيقِ منظومةٍ معرفيَّةٍ كاملةٍ كانتْ تتناقلُ فيما سبقَ مشافهةً حصراً. فقدِ استوجبَ الشعرُ التقليديُّ للبلاطِ الإحاطةَ بالتراثِ المتراكمِ لقصائدِ الأبطالِ الأقدمينَ، والأشعارِ الأسطوريَّةِ، والمرويّاتِ حولَ العالمِ وموقعِهِ في الكونِ الأوسعِ، إلى جانبِ المدائحِ البليغةِ للملوكِ والنبلاءِ والأشعارِ المنتظمةِ للمناسباتِ، والأوزانِ العروضيَّةِ، والمصطلحاتِ الشعريَّةِ، وغيرِ ذلكَ الكثيرِ، وكلُّ هذا كانَ يتطلَّبُ الترتيبَ في إطارٍ متماسكٍ. وكانتِ العروضيّاتُ الشفهيَّةُ تُدرسُ على الأغلبِ بمنهجيَّةٍ رسميَّةٍ بينَ الشعراءِ الشفهيّينَ الناشئينَ. ومثلَ ذلكَ نظاماً معرفيَّاً شاملاً، متجاوزاً الإطارَ المحدودَ للثقافةِ الشعبيَّةِ أو الفولكلورِ بالمعنى المتداوَلِ، ولا يرتقي لإتقانِهِ سوى الأفرادِ المدرَّبينَ تدريباً كاملاً بعدَ سنواتٍ مِنَ المراسِ الجادِّ والشاقِّ. وكانَ الهدفُ الأسمى هوَ اكتسابُ الملكةِ على نظمِ الأبياتِ في مختلفِ البحورِ (السكالديَّةِ) باستخدامِ مجازاتِ هذهِ الصنعةِ ولغتِها الشعريَّةِ.
ووقفَ سنوري في مفترقِ طرقٍ ثقافيٍّ: ففي حينِ كانَ في صباهُ مغموراً في عالمِ الشعرِ الشفهيِّ وسردِ القصصِ تهيئةً لمسيرتِهِ كشاعرٍ ومشرِّعٍ، كانَ في الوقتِ عينِهِ فرداً مِن أولى الأجيالِ التي عانقتْ أبعادَ التغييرِ الجذريِّ الذي جلبَهُ إدخالُ فنِّ الكتابةِ على مجتمعِهِ. ولابدَّ أنَّهُ أدركَ بشكلٍ جليٍّ كيفَ كانَ التقنينُ المكتوبُ للقوانينِ يبدِّلُ بنيَةِ السلطةِ ضمنَ «آيسلندا»، لا سيَّما فيما يمسُّ مكانةَ الفقهاءِ وقائلي القانونِ المدرَّبينَ شفهيّاً ومدى نفوذِهِمْ. ومِنَ المحتملِ أنَّ سنوري كانَ يرمقُ بشيءٍ مِنَ الغبطةِ أولئكَ الفتيانَ الذينَ يكتنفونَهُ في «أودي»، المنخرطينَ في تدريبِ الكهنوتِ، إذ كانوا يقدرونَ على قراءةِ ومراجعةِ كلِّ ما يستوجبُ عليهِمْ نيلُهُ مِنَ الحكمةِ والعلمِ بنهجٍ منظَّمٍ - بينما كانَ عليهِ الاكتفاءُ بالمصادرِ الشفهيَّةِ الخالصةِ في مسارِهِ التعليميِّ الدنيويِّ. وقد أُتِيحتْ لهُ كلُّ الفرصِ ليعاينَ الفائدةَ العظمى التي يمكنُ أن تقدِّمَها الكتبُ لتنظيمِ العلومِ الكنسيَّةِ، ومِن ثَمَّ تقفزُ لهُ الفكرةُ لتطبيقِ هذهِ التقنيّاتِ على نمطِ المعارفِ التي تحتمَ عليهِ اكتسابُها.
وتكمنُ أهميَّةُ الأعمالِ المنسوبةِ لسنوري وجدَّتُها في قيمتِها الأدبيَّةِ وعبورِها الحدودَ الفاصلةَ بينَ العالَمينِ الشفهيِّ والمكتوبِ، بطريقةٍ لم يعهدْها تلقينُ أوروبا الوسيطةِ. وإذا كانَ هوَ حقّاً مَنْ وقفَ خلفَ «الإيدّا النثريَّةِ»، فلابدَّ أنَّ الفكرةَ قد نبعتْ منهُ ليشيدَ هذا الجسرَ بينَ العالَمينِ، مميِّزاً عملَهُ عن سائرِ التصانيفِ الوسيطيَّةِ التي استغلَّ فيها المؤلِّفونَ المعلوماتِ والقصصَ الشفهيَّةَ في التأليفِ الكتابيِّ. فقد تربّى سنوري في كنفِ الثقافةِ الشفهيَّةِ التي رامَ تحويلَها إلى حبرٍ على ورقٍ، وكانَ جزءاً لا يتجزَّأُ منْها. ولئنْ صُنِّفتْ أعمالٌ أدبيَّةٌ دنيويَّةٌ فيما سبقَ معتمدةً موادَّ تقليديَّةً مِن مناقعَ شفهيَّةٍ - كـ«أغاني المغامراتِ» مثلاً، وربَّما قصائدِ «ماري دي فرانس» البريتونيَّةِ - فلم يعاينْ أحدٌ قبلَهُ محاولةً لعرضٍ ممنهجٍ لمجالٍ بأكملِهِ مِنَ الثقافةِ كما فعلَ سنوري في الإيدّا. فالإيدّا تبسطُ بينَ أيدينا رؤيةً متكاملةً لأسطورةٍ شاملةٍ، صاغَها قلمُ خبيرٍ ضليعٍ بمكنَّياتِها (معَ نيَّةِ التأليفِ الصريحةِ)، مِن حقبةٍ يمكنُنا افتراضُ أنَّ الأسطورةَ فيها كانتْ تمثِّلُ تقليداً ينبضُ بالحياةِ. ومعَ سنوري، يُضحِي المؤلِّفُ هوَ راويةَ المعلومةِ ومصدرَها الرئيسَ، ممّا يمنعُنا مِن تصوُّرِهِ كباحثٍ معاصرٍ أو جامعٍ للفولكلورِ، والنظرِ إلى شواهدِهِ في سياقٍ مغايرٍ للسياقِ الذي نجدُها فيهِ. ولا يسعُنا افتراضُ - كما فعلَ جمعٌ مِنَ الباحثينَ - أنَّ الإيدّا تزخرُ بسوءِ فهمٍ ارتكبَهُ سنوري ذاتُهُ في محاولتِهِ إعادةَ بناءِ نظامٍ مِن شذراتٍ معرفيَّةٍ متناثرةٍ. فمثلُ هذهِ الأفكارِ تعرِّضُنا للانزلاقِ في وهمِ وجودِ صيغةٍ «أصيلةٍ» أو «نقيَّةٍ» لأسطورةٍ أو قصيدةٍ في ماضٍ منزَّهٍ خُلِّيَ مِن كلِّ شائبةٍ، ادُّعِيَ ضياعُها أو فسادُها بحلولِ عصرِ سنوري، ممّا دفعَهُ لخلقِ هيئةٍ مستعادةٍ مشكوكٍ في صحَّتِها ليورثَنا إيّاها.
إنَّ تصنيفَ الإيدّا شأنٌ مختلفٌ جذريّاً عن عمليَّةِ جمعِ وترتيبِ وإعادةِ صياغةِ الموادِّ المجزَّأةِ على يدِ دخلاءَ كالعلماءِ، والمبشِّرينَ، والباحثينَ الميدانيّينَ، على سبيلِ المثالِ. ففي عصورِ أوروبا الوسيطةِ، حيثُ كانتِ المسيحيَّةُ تتمدَّدُ مِنَ الجنوبِ محكمةً سيطرتَها على كلِّ حراكٍ أدبيٍّ، لا نعثرُ على شخصٍ يتناولُ الريشةَ والرقَّ ليجمِّعَ سِفراً مقارباً عن أساطِيرِ قومِهِ المحليَّةِ - رغمَ التسليمِ بامتلاكِ شتّى الثقافاتِ لأساطيرِها الفرديَّةِ أو حتّى تلكَ التي تتقاطعُ في بعضِ مناحيها. ولذا تمثِّلُ الإيدّا إنجازاً خلّاقاً يخرقُ التصنيفاتِ المتعارفِ عليْها في التأليفِ؛ إذ أنتجَ عملاً دنيويّاً يمزجُ بينَ الرصانةِ العلميَّةِ والروحِ الشعبيَّةِ، مرتكِزاً على المرويّاتِ التقليديَّةِ الشفهيَّةِ، بنَفَسٍ أدبيٍّ وتأليفيٍّ لا نصادفُ لهُ مثيلاً في كلِّ أوروبا قبلَ ظهورِ «دانتي» و«بوكّاتشيو» في «فلورنسا». فلم يكنْ سنوري، أو مَنْ شاءَ أن يكونَ مصنِّفَ الإيدّا، الأوروبيَّ الأوحدَ في زمانِهِ الذي تراودُهُ خواطرُ التأليفِ الدنيويِّ، ومِنَ المؤكَّدِ أنَّ كتاباتِهِ قدِ استوحتْ نصوصاً أخرى آيسلنديَّةً وأعجميَّةً، متوِّجاً هذا الأثرَ الذي خلَّفَهُ بتفرُّدٍ يجعلُهُ حريّاً بمكانةٍ عزيزةٍ خاصَّةٍ في تاريخِ الفكرِ الأوروبيِّ.
في المجتمعِ الشفهيِّ، تحيا معارفُ القومِ المتراكمةُ بروايةِ القصصِ وإنشادِ الأشعارِ والانخراطِ في طقوسٍ وأفعالٍ تنضوي في طيّاتِها على التصوُّراتِ عنِ الماضي والمُثلِ الأخلاقيَّةِ والقيمِ التي يقومُ على أساسِها صرحُ المجتمعِ. وعبرَ هذا التقليدِ تنتقلُ شتّى أنواعِ المعارفِ. وهوَ الأداةُ التي تتعلَّمُ مِن خلالِها الأجيالُ الصاعدةُ شؤونَ القانونِ والأنسابِ، وعلومَ الإبحارِ، والمهاراتِ التقليديَّةِ، ولا ننسى علمَ الفلكِ الذي يُعَدُّ أقدمَ مخزونٍ منظَّمٍ للمعرفةِ «العلميَّةِ» عندَ بني البشرِ. والفهمُ الدقيقُ لصفحةِ السماءِ وحركاتِ الأجرامِ العلويَّةِ مشاعٌ بينَ كلِّ الثقافاتِ الإنسانيَّةِ، مهما بلغَ تواضعُها في ميدانِ التقنيةِ، وعادةً ما يُعبَّرُ عنْهُ في المجتمعاتِ قبلَ الكتابيَّةِ مِن خلالِ مرويّاتٍ وقصائدَ أسطوريَّةٍ.
ولابدَّ أنَّ مثلَ هذهِ المعرفةِ كانتْ في صلبِ التعليمِ التقليديِّ بينَ النخبةِ الثقافيَّةِ الشفهيَّةِ لشعوبِ الشمالِ مِن قبلِ وفودِ علومِ الكتابِ وعلمِ الفلكِ المدوَّنِ مِن حوضِ المتوسِّطِ بأمدٍ بعيدٍ - لا سيَّما وإن ذكرْنا أنَّ الإسكندنافيّينَ كانوا قومَ ترحالٍ وبحّارةً يحتاجونَ لرصدٍ فلكيٍّ ثاقبٍ في أسفارِهِمْ. ويُرجَّحُ انغراسُ هذهِ المعرفةِ التقليديَّةِ ضمنَ التصوُّرِ الأسطوريِّ للعالمِ، ممّا ينيرُ لنا سرَّ بقائِها رغمَ تحوُّلِ الجوانِبِ الدينيَّةِ في الحياةِ نحو المسيحيَّةِ، لتجدَ طريقَها نهايةً إلى ثنايا «إيدّا سنوري». فقد ظلَّتْ هذهِ المعرفةُ ركناً عتيداً في تدريبِ الشعراءِ الناشئينَ على تقليدِ الشعرِ السكالديِّ، وجزءاً مِنَ المفرداتِ المتداوَلةِ يوميّاً في وصفِ الظواهرِ الفلكيَّةِ. وبحلولِ زمنِ سنوري، يُفترَضُ أنَّ الأساطيرَ كانتْ قد تجرَّدتْ مِن طوائفِها الدينيَّةِ والطقسيَّةِ، ولكنَّها بقيتْ قطعاً في صميمِ اللغةِ المعمِّرةِ المستخدمةِ لوصفِ قبَّةِ السماءِ ومساراتِ الشمسِ، والقمرِ، والكواكبِ، والنجومِ الثوابتِ، وسائرِ الأجرامِ السماويَّةِ.
وفي قسمِ «غيلفاغينينغ» (خداعُ غيلفي)، وهوَ الجزءُ الأوَّلُ مِنَ الإيدّا، يبرزُ سنوري عرضاً نيِّراً ومنظَّماً بدقَّةٍ للرؤيةِ الكونيَّةِ المتوارَثةِ، مسبوكاً في إطارٍ وهميٍّ تمويهيٍّ (والاسمُ يعني وهمَ غيلفي). والسمةُ المحوريَّةُ في هذا التمويهِ تتمثَّلُ في تصوُّرِ الآلهةِ والظواهرِ الأسطوريَّةِ متمركزةً في مواقعَ مختلفةٍ بقبَّةِ السماءِ - أي كـَ«أماكنَ» أو «قاعاتٍ» في السماءِ. أقدمُ النصوصِ المترجمةِ عن علمِ الفلكِ بالآيسلنديَّةِ تستخدمُ مرادفاتٍ مِن مجمعِ الآلهةِ الرومانيِّ للإشارةِ إلى الكواكبِ: فيُعرَّفُ «أودينْ» بكوكبِ عطاردَ، و«فريّا» بالزهرةِ، و«تير» بالمريخِ، و«ثور» بالمشتري. وتسميةُ ووصفُ الظواهرِ الفلكيَّةِ يمثِّلانِ حلقةً مِن حلقاتِ الأدوارِ الكثيرةِ التي تقومُ بها الأساطِيرُ في كلِّ الثقافاتِ المعروفةِ، ولا يلوحُ أيُّ سببٍ لافتراضِ شذوذِ الثقافةِ الآيسلنديَّةِ أو الإسكندنافيَّةِ القديمةِ عن هذهِ القاعدةِ. وبصرفِ النظرِ عنِ الكسوةِ اللاتينيَّةِ السطحيَّةِ، فإنَّ ما نمثُلُ أمامَهُ هنا هوَ تقليدُ علمِ النجومِ الإسكندنافيُّ الأصيلُ. ومِن هذا المنظورِ، فإنَّ «إيدّا سنوري» تتجاوزُ كونَها ملخَّصاً علميّاً أو إعادةَ بناءٍ للوثنيَّةِ ارتكازاً على مصادرَ شعريَّةٍ، لتكونَ عرضاً منهجيّاً لرؤيةٍ كونيَّةٍ متجانسةٍ كانتْ سائدةً بينَ نخبةِ الشعراءِ في القرنينِ الثاني عشرَ والثالثَ عشرَ، مترجمةً بمصطلحاتٍ أسطوريَّةٍ ومدوَّنةً نصّاً لمنفعةِ الناشئةِ مِن طلبةِ الشعرِ السكالديِّ التطبيقيِّ وفنونِهِ. والعالمُ، وبالتحديدِ قبَّةُ السماءِ كما تُرصَدُ بالعينِ المجرَّدةِ، يتجاوزُ ظاهرَهُ ليغدوَ مسرحاً للأساطِيرِ والمغامراتِ المسرودةِ في تلكَ الحكاياتِ.
والتفسيرُ الأقربُ للمنطقِ واليسرِ هوَ إحاطةُ سنوري التامَّةُ بمفهومِ إسقاطِ المصطلحاتِ الأسطوريَّةِ على الظواهرِ الفلكيَّةِ الفعليَّةِ. أي حينما يذكرُ سنوري السماءَ، فهوَ يعنيها بالضبطِ. وهذهِ المصطلحاتُ التقليديَّةُ المرتبطةُ بـ«السماءِ» ربَّما لاقتْ دعماً مِن خلالِ الاطلاعِ المستجدِّ على علمِ الفلكِ الكلاسيكيِّ ضمنَ التمثيلاتِ الأدبيَّةِ المكتوبةِ للأساطيرِ، ككتابِ «التحوُّلاتِ» لأوفيد، والذي ربَّما حفَّزَ سنوري على طرحِ معارفِهِ في صورةٍ مشابهةٍ أو مضاهيةٍ. وإذا رغبتَ في تأمُّلِ السماءِ والنجومِ في ليالي الشتاءِ الحالكةِ، فإنَّهُ لمِنَ المفيدِ جدّاً أن يتوفَّرَ حوضٌ دافئٌ في باحةِ دارِكَ لتستلقيَ فيهِ، كما يمكنُ لمُلّاكِ هذهِ الأحواضِ في عصرِنا إثباتُ ذلكَ، وكما كانَ لدى سنوري في «ريكهولت».
وتشهدُ مسيرةُ سنوري كلَّ الشهودِ على نشأتِهِ في كنفِ الثقافةِ الشفهيَّةِ إبّانَ شبابِهِ، وقد أرستْ هذهِ النشأةُ لبنةَ الأساسِ في تطوُّرِهِ الفكريِّ. وهذا ليسَ بنفيٍ لكونِ سنوري رجلاً لعصرِهِ وزمانِهِ. فمِنَ الطبيعيِّ جدّاً أن تُجلِيَ أعمالُهُ العلومَ المعاصرةَ لهُ والأفكارَ والمواقفَ والمعارفَ المقبولةَ عموماً والتي لا يتسنّى لنا اليومَ إدراكُها سوى مِن خلالِ الكتبِ. فمشاركةُ سنوري الفريدةُ في التراثِ الثقافيِّ الإنسانيِّ تنبعُ أساساً مِن إدراكِهِ العميقِ للطاقاتِ الكامنةِ في التأليفِ المكتوبِ كأداةٍ لاحتواءِ العلمِ والثقافةِ التي شبَّ عليْها هوَ وأجيالٌ لا حصرَ لها مِن قبلِهِ شفهيّاً حصراً، حيثُ كانتْ تتناقلُ من فمٍ إلى أذنٍ، متجاوزةً الاعتمادَ على المعرفةِ الموسوعيَّةِ أو التبحُّرِ في العلومِ الكتابيَّةِ لمعاصريهِ. ومتّى ما قبِلْنا يقيناً غيرَ مردودٍ بأنَّ سنوري قد تربّى في ظلالِ التقليدِ الشفهيِّ، غدتْ أعمالُهُ أعظمَ خطراً وأوثقَ مصداقيَّةً، أي انعكاساً صادقاً للأفكارِ الرائجةِ في عصرِهِ حولَ ما كانَ يُعتبَرُ أسطورةً قديمةً - وهوَ رأيٌ يختلفُ تماماً عنْ، ويجبُ ألا يُلبَسَ بهِ، فكرةِ العرضِ الصادقِ للأسطورةِ كما قد تكونُ في أزمانِ ما قبلَ المسيحيَّةِ. وبدايةً، فإنَّ أيَّ حديثٍ عن «نهضةٍ» هوَ حديثٌ مضلِّلٌ جدّاً إذا انتهجْنا نموذجاً قائماً على الاستمراريَّةِ والوصالِ، مجانباً لادّعاءِ الإحياءِ عندَ نقلِ المعرفةِ التقليديَّةِ مِن بطونِ الثقافةِ الشفهيَّةِ إلى صحائفِ الرقِّ. ولا مجالَ للحديثِ عن «إحياءِ» المعارفِ القديمةِ المستقاةِ مِنَ المصادرِ المكتوبةِ أو اللقى الأثريَّةِ في آيسلندا في القرنينِ الثاني عشرَ والثالثَ عشرَ بنفسِ الدلالةِ التي يُتداوَلُ فيها مصطلحُ «النهضةِ» لوصفِ الثقافةِ الإيطاليَّةِ في أواخرِ العصورِ الوسطى.
وثمَّةَ دواعٍ للاعتقادِ باستمرارِ ينبوعِ الابتكارِ الأدبيِّ لدى سنوري، ومجاوزتِهِ محطَّةَ تحويلِ «العلمِ» الأسطوريِّ الشفهيِّ المنظَّمِ وشعرِ العروضِ إلى النطاقِ المكتوبِ. فتلوحُ إشاراتٌ كثيرةٌ تشيرُ إلى احتمالِ وقوفِهِ خلفَ تأليفِ «ملحمةِ إيغيلْ سكالا-غريمسون»، السيرةِ الخاصَّةِ بجدِّهِ الشاعرِ والزعيمِ والمحاربِ إيغيلْ سكالا-غريمسون، ممهِّداً بذلكَ لذروةِ مجدِ الأدبِ الآيسلنديِّ الوسيطِ، ألا وهيَ ملاحمُ الآيسلنديّينَ. وقد أدهشَ العلماءَ حجمُ التوازياتِ بينَ حياةِ ومصيرِ إيغيلْ وحياةِ ومصيرِ سنوري ذاتِهِ، ممّا يمنحُ سبباً وجيهاً للظنِّ بأنَّ القصصَ التي ورثَها سنوري عن إيغيلْ قد لامستْ وتراً حسّاساً في نفسِهِ. وتعودُ أقدمُ شذرةٍ مخطوطةٍ وُجدَتْ مِن ملاحمِ الآيسلنديّينَ إلى ما يُسمّى «شذرة ثيتا» لملحمةِ إيغيلْ، والتي يرجعُ تاريخُها إلى أوساطِ القرنِ الثالثَ عشرَ، ممّا يجعلُ وقوعَ كتابةِ هذهِ المخطوطةِ قبلَ وفاةِ سنوري في ١٢٤١ أمراً جائزاً تماماً. ومعَ هذهِ المخطوطةِ، نقفُ على أرضيَّةٍ صلبةٍ؛ فكلُّ الأفكارِ والتأمُّلاتِ حولَ أفضليَّةِ قِدمِ ملاحمَ أخرى على ملحمةِ إيغيلْ ترتكزُ على نظريّاتٍ وانطباعاتٍ يتعذَّرُ إثباتُها. ومعظمُ هذهِ النظريّاتِ يقومُ على تصوُّراتٍ مهتزَّةٍ عن مراحلِ التطوُّرِ الأدبيِّ لفنِّ الملحمةِ والروابطِ الكتابيَّةِ المفترَضةِ فيما بينَها (ما يُسمّى الروابطُ النصيَّةُ أو ريتينغسل)؛ في حينِ لا نصادفُ أيَّ دليلٍ مادّيٍّ قاطعٍ على وجودِ ملاحمَ أخرى في صيغةٍ مكتوبةٍ قبلَ هذا العهدِ.
إنَّ القولَ بأنَّ «ملحمةِ إيغيلْ سكالا-غريمسون» هيَ مِن تصنيفِ سنوري ستورلسون، وبأنَّها كانتْ طليعةَ الملاحمِ المكتوبةِ للآيسلنديّينَ، ليتطابقُ تماماً معَ المشهدِ الموصوفِ هنا حولَ مركزيَّةِ دورِ سنوري في نهضةِ الآدابِ الآيسلنديَّةِ، معَ أنَّ أيّاً ممّا قيلَ هنا لا يمكنُ قطعُ الشكِّ باليقينِ فيهِ. والتشابُهُ معَ صنيعِهِ في الإيدّا لافتٌ للنظرِ: أي توظيفِ التأليفِ المكتوبِ لتدوينِ وتوريثِ المعارفِ الشفهيَّةِ (والشعرِ الشفهيِّ الأصيلِ). وممّا يجدرُ ذكرُهُ أنَّهُ، حتّى بعدَ تقييدِ سنوري لها في الرقِّ، استمرَّ تناقلُ هذهِ المعارفِ مشافهةً كما جرتِ العادةُ مِن سالفِ العصورِ، وكانَ هذا العرضُ الشفهيُّ أقلَّ كلفةً، وأسرعَ، وأيسرَ، وأقربَ للطبيعةِ مِن كتابتِهِ. ولذا فإنَّ جرأةَ سنوري على مخالفةِ المألوفِ تمثِّلُ انقلاباً أيديولوجيّاً هائلاً.
وغالباً ما تعرضُ تواريخُ الأدبِ مساراً يبدو طبيعيّاً تماماً للتطوُّرِ في الأدبِ الآيسلنديِّ، منطلقاً مِن أدبِ المناقبِ والقدِّيسينَ، إلى التاريخِ الملكيِّ المتخلَّلِ بمرويّاتٍ قصيرةٍ عن آيسلنديّينَ في البلاطِ، وصولاً إلى ملاحمِ الآيسلنديّينَ المطوَّلةِ بصيغتِها الأصيلةِ. وهذا مفهومٌ مغلوطٌ: فالخطوةُ المتَّخذةُ في تأليفِ مصنَّفاتٍ كالإيدّا وملحمةِ إيغيلْ لم تكنْ بديهيَّةً على الإطلاقِ ولم تمثِّلْ نتاجاً ساذجاً لتطوُّرٍ تدريجيٍّ طبيعيٍّ. فلكيْ تتحقَّقَ هذهِ القفزةُ، تعيَّنَ على فردٍ موجودٍ في ظروفٍ استثنائيَّةٍ أن يدركَ فرصةَ تحقيقِها، وأن يتلقّى بصيرةً إلهاميَّةً فريدةً (دونَ نسيانِ أنَّ الأفكارَ الجديدةَ لا تنبتُ مِنَ العدمِ، فهيَ جزءٌ دائمٌ مِنَ الثقافةِ والزمانِ والتيّاراتِ والمعرفةِ وأنماطِ التفكيرِ المعاصرةِ). وتطلَّبَ الأمرُ أن يكونَ هذا الفردُ غائصاً في أعماقِ كلتا الوسيلتينِ وما تقدِّمانِهِ، ملمّاً أيضاً بمواطنِ القصورِ فيها - فالشفاهيَّةُ تقصرُ في الاعتبارِ والديمومةِ، والمكتوبةُ مكبَّلةٌ بموضوعاتٍ مقبولةٍ وتقنيّاتٍ راسخةٍ.
وبقبولِ هذا النموذجِ لأصولِ كتابةِ الملاحمِ، يمكنُنا عدُّ ملاحمِ الآيسلنديّينَ ثمرةَ فكرةٍ أصيلةٍ في ذهنِ مبتكرٍ فردٍ (على النحوِ الذي لا مراءَ فيهِ في حالةِ الإيدّا)، متجاوزةً فكرةَ التطوُّرِ الطويلِ والمتدرِّجِ مِنَ البداياتِ البدائيَّةِ إلى النضجِ الكاملِ كما يفترضُ النموذجُ المتعارفُ عليْهِ. وإن كانَ الاعتمادُ على أعمارِ المخطوطاتِ نهجاً مبسَّطاً لتأريخِ الملاحمِ، فإنَّهُ يظلُّ منطلقاً أوثقَ ممّا يمكنُ جنيُهُ مِن مناهجَ انطباعيَّةٍ غائمةٍ مبنيَّةٍ على التفوُّقِ الأسلوبيِّ والاستعاراتِ المتبادلةِ. وهذا يوحي بأنَّ الابتكارَ المتجلّيَ في «ملحمةِ إيغيلْ سكالا-غريمسون» قد أوقدَ شرارةَ سيلٍ عارمٍ مِنَ الملاحمِ المكتوبةِ التي نهلتْ مِن عينِ العالمِ الشفهيِّ للقصصِ والذي كانَ منثوراً بجلاءٍ في ربوعِ البلادِ. وتجلّى انشغالُ الآيسلنديّينَ اللاحقينَ العميقُ بأخبارِ الاستيطانِ الأوَّلِ؛ فتشابكتِ الشخصيّاتُ بينَ الحكاياتِ عبرَ أواصرِ النسبِ والصداقةِ؛ وأدّى الزعماءُ الأفرادُ أدواراً في حكاياتٍ عدَّةٍ، في مداها المحليِّ أو حتّى على مستوى بلادِهِمْ. وهذا الشغفُ ينعكسُ أيضاً في «كتابِ الاستيطانِ» (Landnámabók) الذي حفظَ سجلّاتٍ موجزةً للمستوطنينَ في كلِّ نواحي الجزيرةِ، بمَنْ فيهِمْ كثيرونَ ممَّنْ ظهروا في الملاحمِ. وكثيراً ما تطابقُ المعلوماتُ الواردةُ في الملاحمِ تلكَ التي في كتابِ الاستيطانِ، وأحياناً تناقضُها، وهوَ أمرٌ متوقَّعٌ في ثقافةٍ تقليديَّةٍ حُفِظتْ سجلّاتُها شفهيّاً، ويجبُ ألا يُتَّخذَ ذريعةً لنسجِ نظريّاتٍ غارقةٍ في الخيالِ عن ملاحمَ ضائعةٍ، كما جرتِ العادةُ مراراً. والصورةُ المتبدِّيةُ تظهرُ شعباً يتوحَّدُ تحتَ مظلَّةِ نظامٍ متجانسٍ مِنَ القيمِ والقوانينِ والرؤيةِ للماضي، معَ حضورِ فوارقَ إقليميَّةٍ واضحةٍ. وتلكَ هيَ الأخبارُ التي شرعَ الناسُ الآنَ في صبِّها في القالبِ المكتوبِ. وللعجبِ، فقد فطنوا أيضاً إلى إمكانيَّةِ تطبيقِ الأساليبِ ذاتِها على تجاربِهِمْ في الحياةِ الواقعيَّةِ للأحداثِ الأقربِ والمعاصرةِ في القرنينِ الثاني عشرَ والثالثَ عشرَ، مولِّدينَ الملاحمَ المدوَّنةَ في «مجموعةِ ملاحمِ ستورلونغار» والمحفوظةَ في مخطوطاتٍ مِنَ النصفِ الثاني للقرنِ الرابعَ عشرَ. والموضوعاتُ السرديَّةُ والبنى الموجودةُ في الملاحمِ المعاصرةِ في مجموعةِ ستورلونغار تتقاطعُ كثيراً معَ تلكَ الموجودةِ في ملاحمِ الآيسلنديّينَ رغمَ اقترابِ الكتّابِ الشديدِ مِنَ الأحداثِ الفعليَّةِ والأشخاصِ الذينَ يصفونَهُمْ.
وبمجرَّدِ أن أطلقَ سنوري العجلةَ وأبدى استعدادَهُ لإنفاقِ ثروةٍ صغيرةٍ لتدوينِ القصصِ الدنيويِّ عن أفرادٍ مِن طبقتِهِ الاجتماعيَّةِ على الرقِّ، هبَّ الآخرونَ لاقتفاءِ أثرِهِ. فللرهبانِ ورجالِ الدينِ الاستمرارُ في خطِّ سِيَرِ القدِّيسينَ والملوكِ الدعاةِ وحياةِ المسيحِ وحواريِّيهِ، أمّا سنوري فقد برهنَ على قدرةِ الكتبِ على احتواءِ موضوعاتٍ أخرى، وعلَّمَهُمْ سبيلَ ذلكَ. ويُنبئُ عمرُ المخطوطاتِ الناجيةِ أنَّ جيرانَ سنوري (وربَّما أقرباءَهُ) في غربِ آيسلندا كانوا الطليعةَ التي تلقَّفتِ التوجُّهَ الجديدَ، إذ تحوي المخطوطاتُ التاليةُ لها في القِدمِ «ملحمةِ لاكسديلا»، و«ملحمةِ آيربيغيا» و«ملحمةِ هيذارفيغا»، وكلُّها تدورُ أحداثُها في الغربِ. وبعدَ هذا، نلقى أقدمَ مخطوطاتِ «ملحمةِ برينو-نيالس»، ممّا قد يوحي بمستوىً مِنَ الطموحِ لدى أهلِ «رانغارثينغ» في الأراضي المنخفضةِ الجنوبيَّةِ حيثُ نشأَ سنوري، في محاولةٍ واعيةٍ ربَّما لتجاوزِ أسلافِهِمْ الغربيّينَ بإخراجِ عملٍ أشدَّ طولاً وتعقيداً ممّا سبقتْ محاولتُهُ.
وبعدَ استتبابِ سُنَّةِ كتابةِ الملاحمِ، يسهُلُ تخيُّلُ دورِها المحتملِ في صياغةِ الهويَّةِ المحليَّةِ والاعتزازِ الإقليميِّ. ولنا أن نرسلَ الخيالَ في صورةٍ لا تبعدُ كثيراً عنِ المنافسةِ بينَ العائلاتِ وقوى السلطةِ المختلفةِ في إيطاليا أواخرَ القرنِ الثاني عشرَ لتشييدِ أبراجٍ أعلى وأبهى (أو حتّى بناءِ أيِّ برجٍ!)، كما حصلَ في بلدةِ «سانْ جيمينيانو» الصغيرةِ، حيثُ أوقدتِ الصيحةُ حمّى شيَّدتِ اثنينِ وسبعينَ برجاً قبلَ اندثارِ الموضةِ. وفي آيسلندا، زحفَ حماسُ كتابةِ الملاحمِ عبرَ البلادِ حتّى توَّجَ كلَّ إقليمٍ (باستثناءِ شبْهِ جزيرةِ «ريكيانيس» في الجنوبِ الغربيِّ) بملاحمَ مكتوبةٍ مِن ضربٍ أو آخرَ.
و(كما يبيِّنُ مشهدُ المخطوطاتِ المعاصرةِ، مثلَ مخطوطةِ شذرةِ "إيغيلْ سكالا-غريمسون"، المدوَّنةِ في منتصفِ القرنِ الثالثَ عشرَ)، يظلُّ الاعتمادُ على عمرِ المخطوطاتِ المعروفةِ إشكاليّاً وقائماً على أدلَّةٍ محدودةٍ. فقد فُقِدتْ مخطوطاتٌ، وربَّما خُطَّتْ ملاحمُ لم تخلِّدْ في أيِّ نسخٍ باقيةٍ. غيرَ أنَّ المقارنةَ بينَ قِدمِ المخطوطاتِ والخلفيّاتِ المكانيَّةِ للملاحمِ الواردةِ فيها - سواءٌ أكانتْ حسنةً أم رديئةً أم متوسِّطةً - يُسفرُ عن رؤىً مفيدةٍ. والمشهدُ المتكشِّفُ يظهرُ تيّاراً انبثقَ مِنَ الشقِّ الغربيِّ الأوسطِ لآيسلندا، يتوسَّعُ رويداً رويداً ليعانقَ أرجاءَ البلادِ كاملةً، وهيَ صورةٌ تتناقضُ تماماً معَ ما تحكيهِ كثيرٌ مِنَ التواريخِ الأدبيَّةِ التي تعرضُ سلسلةً سريعةً مِن تطوُّرٍ طبيعيٍّ خلالَ القرنينِ الثالثَ عشرَ والرابعَ عشرَ، منطلقاً مِنَ البدائيَّةِ إلى النضجِ وصولاً إلى الانحطاطِ والزوالِ.
ومِنَ الأعمالِ المكتوبةِ المنسوبةِ إلى سنوري، يتبيَّنُ أنَّ الرجلَ الذي وقفَ خلفَها قد تلقّى تعليماً شموليّاً في الميادينِ الدنيويَّةِ المطلوبةِ لشابٍّ مِن طبقةِ الزعماءِ يرومُ تسلُّقَ المراتبِ كشاعرٍ وسياسيٍّ: كالقانونِ، والشعرِ، والأنسابِ، وعلمِ الكونيّاتِ، والأساطيرِ، وفنِّ السردِ. ومِن سماتِ أعمالِ سنوري تخفيفُهُ الوطأةَ عنِ الخوارقِ والتدخُّلاتِ الربّانيَّةِ، كما تجلّى في إعادةِ صياغتِهِ لـ«سيرةِ القدِّيسِ أولافْ» (الملكِ أولافْ هارالدسون) وفي إيدّاتِهِ كذلكَ. وفي الإيدّا على وجهِ التخصيصِ، يبذلُ سنوري جهداً مضنياً لتقديمِ تفسيرٍ تاريخيٍّ بشريٍّ لآلهةِ الشمالِ؛ فيقولُ إنَّ هذهِ الآلهةَ كانتْ في جوهرِها بشراً فانينَ، قدَّسَهُمُ الناسُ عن جهالةٍ. ويواجهُ سنوري الأسئلةَ الكبرى المرتبطةَ بخلقِ الكونِ ومصيرِهِ. وفي سردِهِ لحكاياتِ الأبطالِ وسِيَرِ الملوكِ يتأمَّلُ النواميسَ والأخلاقَ التي تحكمُ مجتمعَ البشرِ، بينما يتفحَّصُ في «هيمسكرينغلا» مصداقيَّةَ المصادرِ التاريخيَّةِ وموثوقيَّتَها، لا سيَّما دورَ الشعراءِ حينَ مدحوا الزعماءَ طمعاً في الجوائزِ الماديَّةِ والرفعةِ (كما كانَ الشأنُ قطعاً في بعضِ دوافعِهِ الشخصيَّةِ). وختاماً، في «ملحمةِ إيغيلْ سكالا-غريمسون»، يستقصي موقعَ الفردِ في صراعِهِ معَ أولي البأسِ والقُوَى الخفيَّةِ. وفي رسمِهِ لشخصيَّةِ الشاعرِ «إيغيلْ سكالا-غريمسون»، يقدِّمُ لنا سنوري شخصيَّةً مدوَّرةً عميقةً، متتبِّعاً حياتَها مِن مهدِها إلى لحدِها في شيخوخةٍ متقدِّمةٍ، وعارضاً إيّاها مِن خلالِ التبايناتِ الأسلوبيَّةِ بينَ النثرِ السرديِّ المقتضبِ المتجرِّدِ، والشعرِ الشديدِ الخصوصيَّةِ والقوَّةِ الموضوعِ على لسانِ الشخصيَّةِ المحوريَّةِ. ومَنْ ابتدعَ «ملحمةَ إيغيلْ» يميِّزُ نفسَهُ كمؤلِّفٍ بمعنًى يميلُ للحداثةِ أكثرَ مِن كونِهِ وسيطيّاً، قادراً على الإفصاحِ عن طيفٍ واسعٍ - ومتناقضٍ غالباً - مِنَ الأفكارِ والعواطفِ الشخصيَّةِ.
وبعدَ أن أتمَّ سنوري تدوينَ التراثِ الموروثِ للأساطيرِ والعروضِ في الإيدّا، ربَّما كانَ مِنَ المنطقيِّ جدّاً أن يتَّخذَ الخطوةَ التاليةَ لتوسيعِ رقعةِ العملِ، وتأليفِ ملحمةٍ مستوحاةٍ مِن أشعارِ وحكاياتِ عائلةٍ مِنَ المستوطنينَ في البلدِ الجديدِ - وبالتحديدِ، في البقعةِ التي ارتبطَ بها سنوري أيَّما ارتباطٍ، حيثُ رأى النورَ، واختارَ قضاءَ سني نضجِهِ وممارسةَ سطوتِهِ. لقد وضعَ سنوري، أو شخصٌ ذو صلةٍ وثيقةٍ بهِ، بصمةً بالغةَ الخصوصيَّةِ على كلِّ الأعمالِ المنسوبةِ إليهِ، تماماً كما يصنعُ رواةُ القصصِ في كلِّ مرَّةٍ يؤدُّونَ فيها عملاً مشافهةً أمامَ حشدٍ مِنَ الناسِ. وسمحتْ عمليَّةُ الكتابةِ بوجودِ إمكانيّاتٍ جديدةٍ، وفي مقدِّمتِها عرضُ المادَّةِ بنظامٍ وترتيبٍ يفوقُ ما قد يرغبُ فيهِ، أو يقدرُ عليْهِ، الروّاةُ والمعلِّمونَ الشفهيُّونَ. وبلوغُ سنوري مرتبةً جمعَ فيها ثمارَ العالَمينِ ليوحي برؤيةٍ شخصيَّةٍ ووعيٍ تأليفيٍّ مِن نوعٍ نربطُهُ بكتّابِ الخيالِ في القرونِ اللاحقةِ. ولئنْ رُبطَ بزوغُ مفهومِ «المؤلِّفِ» الحديثِ في الأدبِ الغربيِّ باسمِ دانتي عموماً، فإنَّنا معَ سنوري والمؤلِّفينَ الذينَ اقتفَوا خطاهُ نستطيعُ ردَّ هذا التاريخِ إلى الوراءِ بمقدارِ قرنٍ مِنَ الزمانِ. والفارقُ، بطبيعةِ الحالِ، هوَ أنَّ دانتي كتبَ بلغةٍ نافذةٍ في إقليمٍ مؤثرٍ؛ بينما خطَّ سنوري في الأطرافِ النائيةِ، ولم تكدْ أعمالُهُ تتجاوزُ موطنَهُ الأصليَّ. ولو قُيِّضَ لنا إثباتُ أنَّ «ملحمةَ إيغيلْ» كانتْ حقّاً أوَّلَ ملحمةٍ مدوَّنةٍ، وأنَّ سنوري هوَ مؤلِّفُها حقّاً، فلربَّما كنّا نتتبَّعُ جذورَ الروايةِ الحديثةِ عائدينَ إلى تلكَ الشرارةِ الإبداعيَّةِ التي مكَّنتْ سنوري ستورلسون، في سنواتِ عمرِهِ الأخيرةِ، مِن تولُّدِ فكرةِ الكتابِ الذي وصلَنا تحتَ عنوانِ «ملحمةِ إيغيلْ سكالا-غريمسون».
