رجلٌ كاملٌ في قبحِه
إِنَّهُ لا يَنَامُ أَبَداً. وَيَقُولُ إِنَّهُ لَن يَمُوتَ قَطّ. يَرْقُصُ فِي النُّورِ وَفِي الظِّلِّ، وَهُوَ حَظِيٌّ مُقَرَّبٌ. إِنَّهُ لا يَنَامُ، ذَلِكَ القَاضِي. إِنَّهُ يَرْقُصُ، وَيَرْقُص. وَيَقُولُ إِنَّهُ لَن يَمُوتَ أَبَداً.
لَعَلَّ كورماك مكارثي قَد صَاغَ، فِي شَخْصِيَّةِ القاضي هولدن، الشَّخْصِيَّةَ الأكثَرَ إثارةً للرُّعْبِ والهاجسِ في رِحَابِ الأدبِ الأمريكيّ قاطبة. فَهَذَا الغَرِيمُ في رائعة مكارثي «خطّ الدَّم»، يُمَثِّلُ صُورَةً غنية التكوين للشَّرِّ الإنسانيّ، صورة تَحْمِلُ وِزْرَ سلسلة من الأفعال الشَّنِيعَةِ المنثورة في أرجاء الرواية. فَفِي المَشْهَدِ الذي نلتقي فيه نحن القراء بِالقَاضِي للمرة الأولى، على سبيل المثال، نَرَاهُ يَفْتَرِي على واعظ يُدعى القِسّ جرين، وتدفع اتهاماته البَاطِلَةُ باشتهاء الأطفال والبهائم حُشُودَ العوام إلى تشكيل عصابة لِفَتْكِ هَذَا الرَّجُلِ وشنقه. ولما سُئل بعد ذلك عن كيفية معرفته بالقس، أَجَابَ هولدن بِكُلِّ وَقاحةٍ أنه «لَم تَقَع عَيْنَاهُ على الرجل قبل يومنا هذا». وَيُلمِّحُ الرَّاوِي عند مكارثي في مواضع أخرى إلى أن القاضي قَد أَزْهَقَ أَرْوَاحَ أطفال وانخرط في علاقات آثِمَةٍ معهم. وفي حادثة تُثِيرُ الحَيْرَةَ، يبتاع جرواً من فتى بائع للكلاب، لِيَقُومَ بِكُلِّ بُرُودٍ بإلقائه في النهر بعد لحظات، على مَرْأَى وَمَسْمَعٍ من الصبي. وبوجه عام، يَتَجَلَّى القاضي هولدن كَقَاتِلٍ وَحْشِيٍّ لا يعرف للأخلاق وَازِعاً. إنه، وبأقل تعبير، رَجُلٌ مُوغِلٌ فِي السُّوءِ.
بَيْدَ أَنَّ مَا يَأْسِرُ أَلْبَابَ قراء «خطّ الدم» بالقوة ذاتها هو أن القاضي يَبْدُو، من وجوه أخرى، إِنْسَاناً جَدِيراً بالثناء، يمتلك قِسْطاً وَافِراً من التهذيب والإنسانية. وكما وصفه أحد الباحثين، فَإِنَّ القَاضِي هو «مَثَلٌ أَعْلَى للثقافة الرفيعة». فرغم ضخامة جسده المُفْرِطَةِ، نَرَاهُ رَاقِصاً رَشِيقاً يتذوق مَبَاهِجَ الموسيقى ويطرب لها. وفي عدة مشاهد، يَظْهَرُ بَاذِلاً نَفْسَهُ في عطف وسخاء لِمَصْلَحَةِ رِفَاقِهِ، مُظْهِراً آيات الصداقة ولربما ضَرْباً من ضروب العدالة. وَمِمَّا يَلْفِتُ النَّظَرَ أكثر، أن القاضي يُعَدُّ نَمُوذَجاً أَسْمَى للفضائل الفكرية. فَهُوَ وَاسِعُ الِاطِّلَاعِ متعدد الألسن، يتواصل بِسُهُولَةٍ بلغات غير الإنجليزية. وهولدن، بصورة أعم، هُوَ المُتَحَدِّثُ الأَكْثَرُ حِنْكَةً وبراعة في الرواية، وخَطِيبٌ مصقَعٌ يتمتع بقدرات بلاغية تَكَادُ تَكُونُ خَارِقَةً للطبيعة. وأخيراً، يُوحِي لَقَبُهُ المِهْنِيُّ بأنه يتحلى بإحدى أُمَّهَاتِ فَضَائِلِ العقل، ألا وهي مَلَكَةُ الحُكْمِ وَالقَضَاءِ.
فَكَيْفَ لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ أَشَرَّ النَّاسِ إن بدا، في أحيان، أَنْبَلَهُم؟ وهل تُخفف فضائله من غُلَوَاءِ شَرِّهِ، أم أنها تسهم فيه بطريقة ما؟ وَمَا الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ مكارثي بالتحديد حيال الرجل الشرير في تصويره لِلْقَاضِي هولدن؟ إن الغاية الكبرى من هذا المقال هِيَ اسْتِجْلَاءُ هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ عبر بسط شخصية القاضي، بِغْيَةَ جَلَاءِ مَفْهُومِ مكارثي للشر في «خطّ الدم». وأرمي إلى تبيان أن تَحْلِيلَ مكارثي يَتَّسِمُ بِجَلَاءٍ خاص، إذ نجد في القاضي شخصية نَذَرَتْ نَفْسَهَا، عن مبدأ وبشدة، لمشروع زَعْزَعَةِ شُؤُونِ البَشَرِ والحياة السياسية السليمة بعنف، طَمَعاً فِي مَنْفَعَتِهِ الخاصة. وفي الواقع، يُسَخِّرُ القاضي خصاله الشريرة لبلوغ سُدَّةِ القِيَادَةِ: فمع أنه لا يَتَرَأَّسُ رَسْمِيّاً «عصابة غلانتون»، وهي زمرة من صائدي الجماجم تشكل مَآثِرُهُمُ الدَّمَوِيَّةُ موضوع الرواية، إلا أن القاضي هو الزَّعِيمُ الفِكْرِيُّ والأخلاقي لهذه العصبة، ومورد لا يَنْضُبُ لِتَوْجِيهِ أتباعه. وأحاجج بأن مكارثي، من خلال القاضي، يَكْشِفُ عَنْ تَضَارِيسِ رُوحِ الرجل الشرير، مظهراً قبل كل شيء التَّجَاذُبَ بين تنكره الطَّمُوحِ للعدالة من جهة، وَالْتِزَامِهِ الرَّاسِخِ، وإن كان بغير وعي، بها من جهة أخرى. علاوة على ذلك، فَإِنَّ نَظْرَةَ الرَّجُلِ الشِّرِّيرِ إلى غاية المعرفة، مَقْرُونَةً بِظَمَئِهِ لاكتساب معرفة لا تُحَدّ، هي المفتاح لفهم هذا التَّجَاذُبِ فِي رُوحِهِ.
مِنْ بَيْنِ الشَّخْصِيَّاتِ الكثيرة التي لا تُنْسَى في عالم «خط الدّم»، يَبْرُزُ القَاضِي هُولْدِن بِأَوْضَحِ المعالم. فلقاؤه يعني الاصطدام بِمَشْهَدِ الضَّخَامَةِ وَالشُّذُوذِ، مشهد قد يدنو من الِانْبِتَاتِ عَنِ الهَيْئَةِ البشرية. فعند دخوله خيمة القس جرين، يُرْسَمُ هولدن كـ«رَجُلٍ هَائِلٍ يرتدي معطفاً من القماش الزيتي... كان أَصْلَعَ كَحَجَرٍ أَمْلَسَ، ولا أثر للحية في وجهه، بِلا حَوَاجِبَ لِعَيْنِهِ وَلَا أَهْدَاب. وكان يقارب السبعة أَقْدَامٍ طُولاً...». ومما يترافق مع ضَخَامَةِ هولدن قوته الأسطورية. ففي أحد المشاهد، على سبيل المثال، يَرْفَعُ «نَيْزَكاً حَدِيدِيّاً هَائِلاً» فوق رأسه في رهان، ويقذفه لمسافة بعيدة. وَفِي اللِّقَاءِ الأَخِيرِ بين القاضي والفتى، بطل الرواية، يُوصَفُ هولدن بأنه «يَضُمُّ [الفتى] بين ذراعيه نحو لَحْمِهِ الهَائِلِ وَالمُرَوِّعِ». من حيث المظهر الجسدي، يَبْدُو القَاضِي عُمُوماً مسخاً - ما يسميه الراوي «رِجْساً هَائِلاً».
وَمَعَ ذَلِكَ، ثَمَّةَ جَوَانِبُ في شخصية هولدن تبدو مختلفة، فَتَظْهَرُ رَقِيقَةً وَفَتِيَّةً. فـ«وجهه»، كما نعلم، «كَانَ هَادِئاً وَصِبْيَانِيّاً على نحو غريب. ويداه كانتا صغيرتين». وَتَقِفُ هَذِهِ الإِشَارَاتُ الوصفية كنقطة تباين مع هيئة القاضي المَسْخِيَّةِ. وهناك نقطة أخرى، لعلها أَكْثَرُ فَائِدَةً لِمَقْصِدِنَا، ألا وهي طلاقة محياه وحسن مزاجه العام. فَفِي طَيَّاتِ القِصَّةِ، غالباً ما يُصَوَّرُ هولدن مُبْتَسِماً أو ضاحكاً. وتتركز نِهَايَةُ حَادِثَةِ القس جرين في حَانَةٍ مُكْتَظَّةٍ برجال ضاحكين، يتصدرهم القاضي. وَحِينَ يَرَى هولدن الفتى للمرة الأولى، يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ مُبْتَسِماً؛ وفي المرة التالية التي يرى فيها الفتى، قُبَيْلَ انْضِمَامِ الأَخِيرِ لعصابة غلانتون، يرمقه بالابتسامة ذَاتِهَا. وللإنصاف، فإن الابتسام والضحك لا يَتَعَارَضَانِ بِالضَّرُورَةِ مَعَ الخُبْثِ: فكثيراً ما يُصَوَّرُ الأشرار مستبشرين بأفعالهم. غير أنه، وفي خِضَمِّ مَسِيرَتِهِ كأداة للرعب، يَمْضِي القَاضِي فِي حَيَاتِهِ بِسَجِيَّةٍ تتسم بالخفة، إن لم تكن مَوَدَّةً صَرِيحَةً تجاه من يلقاهم. وفي أَحَدِ المَشَاهِدِ، يذهب الراوي إلى حد نعته بـ«الدَّمِثِ».
وَإِنَّهُ لَمِنَ العَجِيبِ أَنْ يُظْهِرَ القاضي مثل هذه الروح العالية بِالنَّظَرِ إِلَى الحَيَاةِ القاسية الملطخة بالدماء التي يحياها مع عصابته. وَلِبَدْءِ فَكِّ طَلَاسِمِ خفة روحه الآسرة، يُفِيدُنَا الغَوْصُ فِي حَيَاةِ هولدن الباطنية، بالقدر الذي يكشفه لنا مكارثي. وَلَعَلَّ السِّمَةَ الأَبْرَزَ في شخصية هولدن هي ذكاؤه وَسَعَةُ عِلْمِهِ، اللذان يمتلكهما بدرجة تفوق بكثير أَيَّ شَخْصِيَّةٍ أُخْرَى في الرواية. فبحسب «الكاهن السابق» توبين، «هَذَا الرَّجُلُ حَاذِقٌ في كل صنيعة». ويضيف توبين أنه «لَمْ يَرَهُ قَطُّ يشرع في عمل إلا وأثبت بَرَاعَتَهُ فِيهِ». فبأي وجه يَكُونُ القَاضِي «بَارِعاً»؟
يَبْرُزُ هُولْدِن، مِنْ جِهَةٍ، كعارف بِشَتَّى الصَّنَائِعِ، دائم الاستعداد والقدرة على إنجاز المهام التِي تُثْبِتُ نَفْعَهَا العملي له ولرفاقه. ويلخص رَاوِي مَكَارْثِي هَذَا الجانب من شخصية هولدن عند وصفه لِمَهَارَتِهِ فِي الرَّسْمِ: القاضي «رَسَّامٌ كَمَا هُوَ خَبِيرٌ بأشياء أخرى، وَمُتَمَكِّنٌ مِنْ عَمَلِهِ أَيَّمَا تَمَكُّنٍ».
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، والأهم من ذلك، فإن هولدن مَوْسُوعِيٌّ، وَاسِعُ الِاطِّلَاعِ في شتى ميادين المعرفة الإنسانية. فَالقَاضِي، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، يطرح «تأملات أنثروبولوجية حول تَكَاثُرِ الأَعْرَاقِ وتفرقها وعزلتها عبر الكوارث الجيولوجية، وَتَقْيِيماً لِلسِّمَاتِ العِرْقِيَّةِ بالنظر إلى الفروق المناخية والجغرافية». وَعِنْدَمَا يَتَوَقَّفُ مَعَ رِجَالِهِ في مسارهم، يلقي «محاضرة ارْتِجَالِيَّةً فِي الجيولوجيا» ويتصدى لبعض الاعتراضات اللاهوتية عَلَى حُجَّتِهِ. وفي مواضع أخرى، يُظْهِرُ هُولْدِن اهْتِمَاماً بَالِغاً بعلم النبات، وَعِلْمِ الفَلَكِ، وعلم الحفريات، وَآثَارِ الحَضَارَاتِ القَدِيمَةِ.
لَا يَقْتَصِرُ الأَمْرُ عَلَى مُجَرَّدِ معرفة القاضي الواسعة بالعالم ومكوناته. إنّما يَبْدُو فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ كمن لا يُرْوَى ظَمَؤُهُ لِلتَّعَلُّمِ. وبمعنى آخر، يبدو أنه يرى السَّعْيَ وَرَاءَ المَعْرِفَةِ كأحد المهام المحورية - إن لم تكن المَهِمَّةَ المِحْوَرِيَّةَ - في حياته. وعلاوة على ذلك، يَكْتَنِفُ سَعْيَهُ المَعْرِفِيَّ مزاج غاية في البهجة. فبينما يُدَوِّنُ مُلَاحَظَاتِهِ عَنِ العَالَمِ الطبيعي، مثلاً، «مُسَجِّلاً في دفتر صغير»، يُعَلِّقُ تُوبِين بِأَنَّ القاضي «لَمْ يَكُنْ قَطُّ أكثر انشراحاً». وأخيراً، إذا كان ظَمَؤُهُ لِلْمَعْرِفَةِ يَبْدُو عَصِيّاً على الارتواء، فإن هناك جَانِباً وَقِحاً فِيهِ أيضاً: فدراسة هولدن لا يعوقها رَادِعٌ أَخْلَاقِيٌّ قَطّ. فبعد أن أردى تودفاين، وَهُوَ عُضْوٌ آخَرُ في العصابة، أحد أفراد الأباتشي قَتِيلاً، يُمْعِنُ القَاضِي النَّظَرَ في جثة القتيل ويقلبها «كما لو كان هُنَاكَ مَا يُقْرَأُ فِيهَا». إن دافعه لمعرفة هَذِهِ الأُمُورِ يَحْجُبُ أي خجل قد يعتريه بحضرة المَوْتَى: فَقَدْ «مَزَّقَ [هولدن] سراويل الرجل بسكينه»، كما نُخبر. «وَإِلَى جَانِبِ أَعْضَائِهِ التَّنَاسُلِيَّةِ الداكنة، كان مربوطاً كيس جِلْدِيٌّ صَغِيرٌ، فقطعه القاضي وحفظه أيضاً في جَيْبِ سُتْرَتِهِ».
لَقَدْ لُوحِظَ أَنَّ القَاضِي هولدن ظَمْآنُ لِلْمَعْرِفَةِ لِذَاتِهَا، بمعنى أنه يجهد في دراسته طَمَعاً فِي المَنَافِعِ التي يرجوها منها. هذا بالطبع قَوْلٌ مَأْلُوفٌ عَنْ شَخْصِيَّتِهِ (أو شخصية أي إنسان آخر)، طَالَمَا أَنَّ كُلَّ مَنْ ينخرط في طلب العلم يَبْتَغِي نَفْعاً لِنَفْسِهِ. ومع ذلك، ما هي تِلْكَ المَنَافِعُ بِدِقَّةٍ بِالنِّسْبَةِ للقاضي؟ وما الذي يحفزه عَلَى طَلَبِ العِلْمِ بمثل هذا الإصرار، والممزوج بِمِثْلِ هَذِهِ المُتْعَةِ؟
مِنَ المُحْتَمَلِ أَنَّ هُولْدِن ينخرط في تقصياته سعياً وَرَاءَ التَّأَمُّلِ، لَا أَكْثَرَ ولا أقل. وكونه «مُنْشَرِحاً» إِبَّانَ إِجْرَائِهِ لأبحاثه، يمثل سبباً للاعتقاد بأنه يَلْتَذُّ بِعَمَلِيَّةِ التَّعَلُّمِ. ومهما يكن من أمر، فَإِنَّ القَاضِي يَكَادُ يُبْدِي على الدوام مزاجاً منشرحاً، سَوَاءٌ فِي سِنِيِّ دراسته أو في أوقات أخرى. فَضْلاً عَنْ ذَلِكَ، ثمة شذوذ آخر في شخصيته يَمِيلُ إِلَى دَحْضِ فكرة أنه يدرس فقط لِمَلَذَّاتِ التَّأَمُّلِ. فبعض أشد المقاطع إثارة للرعب فِي «خطّ الدَّمِ» تروي الطريقة التي يجري بِهَا هُولْدِن أَبْحَاثَهُ، والتي تتبع جميعها نَمَطاً مُزْدَوِجاً. أولاً، عند مصادفته شيئاً جَدِيراً بِالدِّرَاسَةِ، يمعن القاضي النظر فيه مطولاً وَيُسَجِّلُ مُلَاحَظَاتِهِ عَنْهُ في يومياته. ثانياً، وبمجرد أن يرضى عَمَّا سَجَّلَهُ، يَعْمِدُ إلى تدمير ذلك الشيء. بالنسبة لهولدن، فَإِنَّ عَمَلِيَّةَ فَحْصِ الأشياء في العالم تنتهي بِإِبَادَتِهَا.
هَذَا النَّمَطُ يَتَجَلَّى بِشَكْلٍ رَئِيسِيٍّ فِي الآثَارِ البَشَرِيَّةِ. ففي إحدى الليالي، تخيم العصابة «بَيْنَ أَطْلَالِ ثَقَافَةٍ غَابِرَةٍ في أعماق الجبال الحجرية». وَكَانَ هُولْدِن نَفْسُهُ قَدْ اقتطع وقتاً في وقت سابق لِاسْتِكْشَافِ الأَطْلَالِ وَجَمْعِ ما تيسر له، بما في ذلك «قِطْعَةٌ مِنْ دِرْعٍ للقدمين صُنع في متجر في طُلَيْطِلَةَ قَبْلَ ثَلَاثَةِ قُرُونٍ». وحول نار المخيم في الليل، يُرَتِّبُ مَا وَجَدَهُ عَلَى قِطْعَةِ قماش لدراسته، ويرسمه «في الجَانِبِ وَالمَنْظُورِ، وَيُدَوِّنُ الأبعاد بخطه الأنيق، ويكتب هَوَامِشَ». وَعِنْدَمَا انْتَهَى، كَمَا يَرْوِي الراوي، «تناول الدرع الصغير وَقَلَّبَهُ فِي يَدِهِ وَدَرَسَهُ ثانية، ثم طواه على شَكْلِ كُرَةٍ مِنْ رَقَائِقِ المعدن وقذفه في النار. وَجَمَعَ الآثَارَ الأُخْرَى وَأَلْقَى بِهَا أَيْضاً فِي النَّارِ...». وَلَمَّا سُئِلَ عَنِ الغَايَةِ مِنْ هَذِهِ الأفعال الغريبة، «ابْتَسَمَ هُولْدِن وَقَالَ إِنَّ نِيَّتَهُ كَانَتْ مَحْوَهَا مِنْ ذَاكِرَةِ الإِنْسَانِ».
وَلَكِنْ، إِذَا كَانَتِ الآثَارُ الإِنْسَانِيَّةُ تَظَلُّ بُؤْرَةَ اهْتِمَامِهِ العلمي ونزعاته التدميرية، فَإِنَّ الأَشْيَاءَ الطَّبِيعِيَّةَ تلقى مصيراً مشابهاً كَذَلِكَ. وَلَعَلَّ أَبْرَزَ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ يَتَبَدَّى حينما كانت العصابة تخترق أَدْغَالاً خَارِجَ أُورِيس، عَاصِمَةِ سُونُورَا. فبمحاذاة نهر الياكي العريض وتطويق «أَدْغَالِ الخَيْزُرَانِ» وَ«صُخُورٍ ضَخْمَةٍ وشلالات»، يَنْفَصِلُ هُولْدِن عَنِ العِصَابَةِ مِرَاراً لاستقصاء الطبيعة. فَالقَاضِي، كَمَا نُخْبَرُ، «كَانَ يَحْمِلُ بُنْدُقِيَّتَهُ المحشوة ببذور صَلْبَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ فَاكِهَةِ النُّوبَالِ، وَفِي المَسَاءِ كَانَ يُجَهِّزُ بِمَهَارَةٍ الطُّيُورَ المُلَوَّنَةَ الَّتِي اصطادها، فَارِكاً جُلُودَهَا بالبارود وحاشياً إياها بكرات من العُشْبِ الجَافِّ وَحَافِظاً لَهَا فِي حقائبه». وَيُقَدِّمُ «الكاهن السابق» توبين تأكيداً لِنَشَاطِ القَاضِي العِلْمِيِّ: فلدى مصادفته أشجار «الصَّفْصَافِ وَالجَارِ وَالكَرَزِ» مزدهرة في «أُخْدُودٍ خَشَبِيٍّ صغير»، كَانَ هُولْدِن «يَتَوَقَّفُ لِدِرَاسَةِ النَّبَاتَاتِ ثُمَّ يركض ليلحق بهم... ضَاغِطاً الأَوْرَاقَ فِي كِتَابِهِ».
فَمَا الغَايَةُ مِنْ طَرَائِقِ هُولْدِن الغريبة، والتي تبلغ ذروتها في الِاسْتِئْصَالِ الأَبَدِيِّ لأشياء طبيعية ومصطنعة من الوجود؟ هَذَا السُّؤَالُ طَرَحَهُ تُودْفَايْن على القاضي كتعقيب على أَبْحَاثِهِ فِي أَدْغَالِ سُونُورَا. وفي الواقع، يشير مكارثي فِي عُنْوَانِ الفَصْلِ الخاص بهذا القسم إلى أن إِجَابَةَ هُولْدِن لا تتناول أقل من «وَجْهَةِ نَظَرِهِ فِي عَمَلِهِ كَعَالِمٍ». فَفِي السَّطْرِ الأَوَّلِ مِنْ رده، يوضح أن كل ما «يُوجَدُ فِي الخَلِيقَةِ دُونَ عِلْمِي، يُوجَدُ دُونَ إِرَادَتِي وَرِضَايَ». بِالطَّبْعِ، إِنَّ مَفْهُومَ الرِّضَا، فِي كُلِّ مَرَاحِلِ الفكر السياسي، يَسْتَبْطِنُ التَّبَادُلِيَّةَ، لكونه يعني الموافقة الطَّوْعِيَّةَ. بَيْدَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ المَعْنَى المَقْصُودَ بـ«رِضَا» القاضي، كَمَا نُدْرِكُ عَلَى الفَوْرِ. «هَذِهِ المَخْلُوقَاتُ المجهولة»، كَمَا يَقُولُ مُشِيراً إلى عيناته، «قد تبدو ضئيلة أو لا شَيْءَ فِي هَذَا العَالَمِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فإن أصغر فتات قَدْ يَلْتَهِمُنَا. أَيُّ شَيْءٍ مُتَنَاهِي الصِّغَرِ تحت تلك الصخرة بَعِيداً عَنْ إِدْرَاكِ البَشَرِ. إن الطبيعة وحدها قادرة على اسْتِعْبَادِ الإِنْسَانِ، وَفَقَطْ عندما يُستأصل وجود كل كَائِنٍ وَيُرْغَمُ عَلَى الوُقُوفِ عارياً أمامه، سيغدو الإِنْسَانُ سَيِّداً مُتَوَّجاً على الأرض بحق». ولما علم تودفاين أن كلمة «سيد» (Suzerain) تَعْنِي المُهَيْمِنَ أَوِ الرَّاعِيَ، سأل عن سبب عدم اسْتِخْدَامِ القَاضِي لِمُصْطَلَحٍ أَبْسَطَ. فَشَرَحَ هُولْدِن: «لأنه راعٍ مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ. السَّيِّدُ المهيمن يحكم حتى في وُجُودِ حُكَّامٍ آخَرِينَ. فَسُلْطَتُهُ تَنْقُضُ الأَحْكَامَ المحلية».
تَحْفِلُ إِجَابَةُ القَاضِي لِتُودْفَايْن بِرُؤًى غزيرة حول شخصيته. فَهُولْدِن يُفْصِحُ فِي هَذِهِ السُّطُورِ، أولاً، عَنْ مَفْهُومِهِ لِلطَّبِيعَةِ. فالطبيعة لَيْسَتْ رَحِيمَةً وَلَا خَيِّرَةً إيجابياً؛ بل هي منتصبة فِي عَدَاءٍ لِلْإِنْسَانِيَّةِ. صحيح أن القاضي يقدم ضَرْباً مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى البَشَرِيَّةِ هنا، إذ تبرز الطَّبِيعَةُ كَالشَّيْءِ الوَحِيدِ الذي يمكنه «اسْتِعْبَادُهَا». غير أَنَّ هَذَا الثَّنَاءَ يجب أن يُؤخذ كعزاء بَارِدٍ، بِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّ الطَّبِيعَةَ تمارس نوعاً من الاستبداد عَلَى الإِنْسَانِ. فَحَتَّى أَحْقَرُ جزء من العالم الطبيعي بِوُسْعِهِ أَنْ يُهَدِّدَ البَشَرِيَّةَ بِأَعْظَمِ الشُّرُورِ. والأهم من ذلك، يُجَادِلُ القَاضِي بِأَنَّ السَّعْيَ نحو المعرفة المطلقة هُوَ السَّبِيلُ الأَوْحَدُ الَّذِي يُمْكِنُ للإنسان من خلاله أن يَدْرَأَ عَنْ نَفْسِهِ خطر الطبيعة، ويظفر بِاليَدِ الطُّولَى فِي النِّهَايَةِ. فَبِإِجْبَارِ كائنات الطبيعة على «الوُقُوفِ عَارِيَةً» تَحْتَ نُورِ العَقْلِ البارد، يَعِدُ عِلْمُ هُولْدِن بِقَلْبِ عَلَاقَةِ الحاكم والمحكوم، جاعلاً من الإِنْسَانِ السُّلْطَةَ عَلَى الطَّبِيعَةِ، «سَيِّدَ الأرض».
تَسْتَحْضِرُ نَظْرَةُ هُولْدِن لِلْعَلَاقَةِ بين المعرفة والطبيعة الغَايَاتِ الرَّئِيسِيَّةَ لِلْمَشْرُوعِ العِلْمِيِّ الحديث. وهو المشروع الذي دشنته تَعَالِيمُ مَكْيَافِيلِي عَنِ «الحَقِيقَةِ الفَعَّالَةِ» وَدَعْوَتُهُ للرجال لقهر الحظ. ثُمَّ تَبَلْوَرَ عَبْرَ أَنْظِمَةِ بيكون وديكارت وَوُضِعَ مَوْضِعَ التَّنْفِيذِ مِنْ خِلَالِ النُّصُوصِ السياسية لهوبز، وسبينوزا، ولوك. إِنَّ مَعْرِفَةَ العَالَمِ تَمْنَحُ البَشَرِيَّةَ قوة فيه وعليه، مِمَّا يُتِيحُ لِلْإِنْسَانِ مُتَابَعَةَ غاياته بيسر أكبر مِمَّا لَوْ ظَلَّ قَابِعاً فِي الجَهْلِ. نَحْنُ نَعْرِفُ النظام السياسي المُؤَسَّسَ عَلَى طَرِيقَةِ تَصَوُّرِ العلم هذه بالليبرالية: فالعقلانية العِلْمِيَّةُ الحَدِيثَةُ، بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، تَعِدُ البشرية بالأدوات الفِكْرِيَّةِ الَّتِي تُحَرِّرُ بِهَا نَفْسَهَا. وَمِنَ الافتراضات المهمة لهذه العقلانية أَنَّ العِلْمَ يَحْمِلُ طَابَعاً إنسانياً بالأساس. فبيكون، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، يجادل بشهرة في «تقدم المعرفة» بِأَنَّ تَطَوُّرَ المَعْرِفَةِ يزود البشرية بـ«مُسْتَوْدَعٍ غَنِيٍّ»، من أَجْلِ «تَخْفِيفِ وَطْأَةِ الوُجُودِ الإنساني». أما هوبز، من جانبه، فَيَدَّعِي غَايَةً مُشَابِهَةً، موضحاً في «اللفياثان» أن «نُورَ عُقُولِ البَشَرِ هُوَ الكَلِمَاتُ الجلية... والعقل هو الخَطْوُ؛ وَازْدِيَادُ العِلْمِ هُوَ السبيل؛ ونفع البشرية هُوَ الغَايَةُ». فَإِذَا كَانَتِ المعرفة من أجل السيطرة عَلَى الطَّبِيعَةِ، فَإِنَّ السَّيْطَرَةَ تَكُونُ من أجل جعل حياة البَشَرِيَّةِ أَقَلَّ عِبْئاً، وأكثر حرية وسعادة.
وَلَكِنْ مَهْمَا اشْتَرَكَ القَاضِي هُولْدِن مع مؤسسي العلم الحَدِيثِ فِي الِافْتِرَاضَاتِ حَوْلَ غاية المعرفة، فإن خُرُوجَهُ عَنِ افْتِرَاضَاتِهِمْ هُوَ الأَشَدُّ دلالة. فمن الجلي أَنَّ أَبْحَاثَ هُولْدِن تَنْتَهِي بِإِبَادَةِ كل من الأشياء البشرية وَالطَّبِيعِيَّةِ - وَهُوَ يَسْعَى لمحو حتى ذكراها - فِي حِينِ أَنَّ غَايَاتِ العلم الحديث تتوخى تَحْوِيلَ الطَّبِيعَةِ إِلَى شَيْءٍ نافع للبشرية («مُسْتَوْدَعٍ غني»). فَضْلاً عَنْ ذَلِكَ، فإن المستفيدين من إحسان القَاضِي أَقَلُّ عَدَداً بكثير من المستفيدين من مشروع هوبز، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ. فَإِذَا كَانَتْ تقصياته تنفع أحداً غيره، فَإِنَّهَا فِي الغَالِبِ تنفع الرجال المتعطشين لِلدِّمَاءِ الَّذِينَ يَتَعَاوَنُ مَعَهُم.
وَتُشِيرُ خَاتِمَةُ رَدِّ هُولْدِن عَلَى تودفاين إلى أوضح
الأسباب لِلتَّشْكِيكِ فِي نَزْعَتِهِ العِلْمِيَّةِ الإنسانية. وهي بلا ريب التَّفْسِيرُ
الأَكْمَلُ لِطُمُوحِهِ فِي أن يصبح سيد الأرض. فَبِوَضْعِهِ يَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ،
يلاحظ القاضي أن «هَذَا هُوَ حَقِّي وَادِّعَائِي». إِنَّهُ يعلن، بعبارة أخرى، حقه
فِي مِلْكِيَّةِ الأَرْضِ، كما هي وبأكملها. ومع ذلك، وَكَمَا يُتَابِعُ، «فِي كُلِّ
مَكَانٍ عليها توجد جيوب مِنْ الحَيَاةِ المُسْتَقِلَّةِ... ولكي تكون ملكي، يجب أَلَّا
يُسْمَحَ بِحُدُوثِ شَيْءٍ عليها إلا بإذني». وكحاكم مُحْتَمَلٍ، يَبْتَغِي القَاضِي
أَنْ يكون حكمه على الطبيعة مُطْلَقاً، لِذَا يَجِبُ أن تكون حصيلته المعرفية مَوْسُوعِيَّةً.
وَلِإِدْرَاكِهِ أَنَّ اسْتِقْلَالِيَّةَ الكائنات الأخرى تمثل تهديداً خَطِيراً لِاسْتِقْلَالِهِ،
فإنه يرى في المعرفة السلاح الَّذِي يُخْمِدُ اسْتِقْلَالِيَّةَ هؤلاء الآخرين. وعندما
يتحداه تودفاين بِشَأْنِ هَذَا الِادِّعَاءِ، محاججاً بأنه لا يمكن لِأَحَدٍ أَنْ يَعْرِفَ
كُلَّ شَيْءٍ، يظل القاضي ثَابِتاً عَلَى مَوْقِفِهِ. «الرَّجُلُ الذي يعتقد أن أسرار
العَالَمِ مَخْفِيَّةٌ إِلَى الأَبَدِ يعيش في الغموض والخوف. وَسَتَجُرُّهُ الخُرَافَاتُ
إِلَى الحضيض... أما ذلك الرجل الَّذِي يَأْخُذُ عَلَى عَاتِقِهِ مهِمَّةَ استلال خيط
النظام من النسيج، فَبِمُجَرَّدِ اتِّخَاذِهِ القَرَارَ، سيكون قد تولى زمام العالم،
وَفَقَطْ مِنْ خِلَالِ تَوَلِّي هَذَا الزمام، سيوجد سَبِيلاً لِإِمْلَاءِ شُرُوطِ
مَصِيرِهِ». فبغض النظر عن ادِّعَاءَاتِ «الحَيَاةِ المُسْتَقِلَّةِ»، يُوَظِّفُ القاضي
معرفته بالأرض بِغْيَةَ الِاسْتِحْوَاذِ عَلَيْهَا لنفسه. وما تدميره لِلْأَشْيَاءِ
الَّتِي يَدْرُسُهَا إلا اتساق مع ادعائه بالملكية: فَبِإِبَادَةِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ،
يَمْنَعُ الآخرين بشكل قاطع مِنْ امْتِلَاكِهَا.
إِنَّ الإِيحَاءَ بِأَنَّ هُولْدِن يُدْرِكُ صفات الطبيعة وميولها، كَمَا نُوقِشَ آنِفاً، لَا يَعْنِي بالضرورة افتراض أن الطبيعة مُنْتَظِمَةٌ، بِحَيْثُ تَكْشِفُ عَنْ نَفْسِهَا للبشر كشيء عقلاني أَوْ مُرَتَّبٍ مَنْهَجِيّاً. فَالطَّبِيعَةُ لا تحتاج إلى أَنْ تَكُونَ مُنْتَظِمَةً لِتَتَمَكَّنَ مِنْ «استعباد» البشرية؛ بل يكفيها أَنْ تَكُونَ الأَقْوَى. غَيْرَ أَنَّ التمهيد السردي لأكثر خُطَبِ القَاضِي هُولْدِن كشفاً للحقيقة، وتحديداً تعليقاته عَلَى «مَا وَرَاءَ الأَرْضِ، وعلى النظام، وعلى الغَائِيَّةِ فِي الكَوْنِ» و«عَلَى الحَرْبِ» في الفصل ١٧، يَنْطَلِقُ مِنْ مَنْظُورِ النِّظَامِ الإلهي للعالم، كما صاغه «الكاهن السابق» توبين. فعندما سُئل عما إذا كَانَ هُنَاكَ يَوْماً «قَمَرَانِ فِي السَّمَاءِ»، يسلم توبين باحتمالية ذلك، وَلَكِنَّهُ يَخْلُصُ إِلَى أَنَّهُ إذا كان الأمر كذلك، فَمِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّ «الرّب الحَكِيمَ العلي، في استيائه مِنْ تَكَاثُرِ الجُنُونِ عَلَى هذه الأرض، لابد أنه بَلَّلَ إِبْهَامَهُ وَانْحَنَى مِنَ الهَاوِيَةِ وقرصه مبيداً إياه فِي هَسِيسٍ». فَمَهْمَا تَفَتَّقَ الذهن عن صور غَرِيبَةٍ، يُمْكِنُ افْتِرَاضُ أَنَّ الرّب يرعى أشياء العالم فِي عِنَايَتِهِ. فِي نَظَرِ توبين، الرّب هو الحاكم الشَّامِلُ لِلْكَوْنِ.
وَبِالنَّظَرِ إِلَى طُمُوحِ القاضي هولدن ليغدو «سَيِّدَ الأَرْضِ»، لَا يَنْبَغِي أن نتفاجأ بمعرفة أنه يَدْخُلُ فِي هَذَا الحِوَارِ عَلَى النَّقِيضِ من «الكاهن السابق»، مُوَضِّحاً بَدَلاً مِنْ ذَلِكَ أَنَّ «الحقيقة حول العالم... هي أن كل شيء مُمكن». فالبشر يَتَبَيَّنُونَ نِظَاماً لِلْعَالَمِ فَقَطْ لأَنَّهُمْ قد ألفوا «غرابة» الطبيعة. بعبارة أخرى، فَإِنَّ الحَقِيقَةَ حَوْلَ الطَّبِيعَةِ تتشوه في أعين البشر بسبب ضَرُورَةِ العَيْشِ فِي العَالَمِ يَوْماً بِيَوْمٍ. وبلغة تستحضر خُطْبَةَ هُولْدِن السَّابِقَةَ عَنْ «خَيْطِ النِّظَامِ»، يسهب قائلاً:
الكَوْنُ لَيْسَ بِالشَّيْءِ الضَّيِّقِ، وَالنِّظَامُ الَّذِي فِيهِ لا تقيده مساحة فِي تَصَوُّرِهِ لِكَيْ يُكَرِّرَ مَا يوجد في جزء مِنْهُ فِي أَيِّ جُزْءٍ آخَرَ. وحتى في هَذَا العَالَمِ، فَإِنَّ الأَشْيَاءَ التي توجد دون علمنا أكثر مِنْ تِلْكَ الَّتِي نَعْلَمُهَا، والنظام في الخليقة الذي تَرَاهُ هُوَ مَا وَضَعْتَهُ أنت هناك، كخيط في مَتَاهَةٍ، لِكَيْ لَا تَضِلَّ طريقك. فالوجود له نظامه الخَاصُّ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أي عقل بشري أن يُحِيطَ بِهِ، ذَلِكَ العَقْلُ نَفْسُهُ الذي هو مجرد حَقِيقَةٍ بَيْنَ حَقَائِقَ أُخْرَى.
فَالطَّبِيعَةُ لَا تَرُومُ تَكْرَارَ نَزَعَاتِهَا بانتظام ولا كشف طُرُقِهَا لِلْبَشَرِيَّةِ. وَإِذَا مَا بَدَتِ الطبيعة منتظمة ومرتبة مَنْهَجِيّاً، فَذَلِكَ فَقَطْ لِأَنَّ البَشَرَ قد جعلوا جزءاً يَسِيراً مِنْهَا كَذَلِكَ، بِغْيَةَ تَيْسِيرِ الحياة في العالم. وَبَعْدَ النَّظَرِ فِي هَذَا القَوْلِ، يتسنى لنا أن نُدْرِكَ بِشَكْلٍ أَكْمَلَ مَا يَعْنِيهِ القاضي بقوله إن «كُلَّ شَيْءٍ مُمْكِنٌ»: فَأَكْثَرُ ما يصدق على الطَّبِيعَةِ هُوَ عَشْوَائِيَّتُهَا. فالعالم مَحْكُومٌ، في الاعتبار الحاسم، بالصدفة البحتة.
وَمَا الَّذِي تُومِئُ إِلَيْهِ هَذِهِ البصيرة - سيادة الصدفة العمياء - حول، وَلِأَجْلِ، الشُّؤُونِ الإِنْسَانِيَّةِ؟ إجابة هولدن تنجلي في الحوار الذي يَلِيهِ، وَالَّذِي يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ الحَرْبِ. يبدأ الحوار مجدداً من المَنْظُورِ الدِّينِيِّ: يُلَاحِظُ الرِّجَالُ أَنَّ الكتاب المقدس يعلمنا أن الحَرْبَ شَرٌّ، وَمَعَ ذَلِكَ تمتلئ صفحاته بـ«العديد مِنْ حِكَايَاتِ الحَرْبِ الدَّمَوِيَّةِ». إن تقييم هولدن للتعليم التَّوْرَاتِيِّ اسْتِجَابَةً لِرِجَالِهِ تقييم معقد. فهو يؤيد بسهولة مُلَاحَظَتَهُ حَوْلَ انْتِشَارِ الحَرْبِ بَيْنَمَا يدحض إدانتها الأخلاقية. وَيُعَلِّقُ قَائِلاً: «لَا يَهُمُّ مَا يظنه الرجال في الحرب. فالحرب بَاقِيَةٌ. كَمَثَلِ أَنْ تَسْأَلَ الرِّجَالَ عما يظنونه في الحجر. الحرب كَانَتْ هُنَا دَائِماً. قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ الإنسان، كانت الحرب بانتظاره». علاوة على ذلك، تُثْبِتُ مُمَارَسَةُ الحَرْبِ أنها سابقة منطقياً على كُلِّ الصَّنَائِعِ الأُخْرَى: إِنَّهَا الصَّنْعَةُ المِعْمَارِيَّةُ العُلْيَا التي تشرف عَلَى مَا عَدَاهَا.
وَالدَّلِيلُ الأَكْبَرُ الَّذِي يَسُوقُهُ القَاضِي هولدن دعماً لرأيه هو البشرية ذَاتُهَا. فَالْبَشَرُ يَجِدُونَ مُتْعَةً فِي القتال. وتنبثق الحرب من نزعة ذُكُورِيَّةٍ مُتَأَصِّلَةٍ للعدوان فِي البَشَرِ ومن الملذات التي يجدونها فِي القِتَالِ: فَهِيَ «بَاقِيَةٌ لِأَنَّ الشبان يحبونها ولأن الشيوخ يحبونها فِيهِمْ». وَمُبَرِّرُ هُولْدِن للحرب، فوق ذلك، يتأسس عَلَى مَفْهُومِهِ لِغَايَةِ البَشَرِيَّةِ:
وُلِدَ الرِّجَالُ لِلْأَلْعَابِ. لا شيء غير ذلك. كل طفل يَعْلَمُ أَنَّ اللَّعِبَ أَنْبَلُ مِنَ العمل. ويعلم أيضاً أَنَّ قِيمَةَ اللُّعْبَةِ أَوْ جَدَارَتَهَا لا تكمن في اللعبة ذَاتِهَا، بَلْ فِي قِيمَةِ مَا يُطرح للمقامرة. فَأَلْعَابُ الحَظِّ تَتَطَلَّبُ رِهَاناً ليكون لها أي معنى. وألعاب الرِّيَاضَةِ تَنْطَوِي عَلَى مَهَارَةِ وَقُوَّةِ الخُصُومِ، وذل الهزيمة وَفَخْرُ النَّصْرِ هُمَا بِحَدِّ ذَاتِهِمَا رِهَانٌ كَافٍ لأنهما متأصلان فِي قِيمَةِ اللَّاعِبِينَ ويعرفانهم. ولكن في تجربة الحَظِّ أَوْ تَجْرِبَةِ القِيمَةِ، تَطْمَحُ كل الألعاب إلى بلوغ حَالَةِ الحَرْبِ، فَهُنَا يَبْتَلِعُ المُرَاهَنُ عَلَيْهِ اللعبة واللاعب وكل شيء.
أَسْمَى غَايَاتِ البَشَرِيَّةِ هِيَ مُمارَسَةُ الفِعْلِ النَّبِيلِ، وَالحَرْبُ هِيَ أنبل الأفعال قاطبة. نُبْلُهَا يَتَأَتَّى مِنْ تَمَتُّعِهَا بِطَابَعِ اللَّعِبِ الحُرِّ، بِخِلَافِ العَمَلِ المَحْكُومِ بِالضَّرُورَةِ. وَالحَرْبُ، إذن، تصدق على قِيمَةِ البَشَرِيَّةِ عُمُوماً - إِنَّهَا المعنى الأرقى لِمَا «وُلِدَ الرِّجَالُ» لأجله - وهي معيار لِتَحْدِيدِ قِيمَةِ الأَفْرَادِ.
بَيْدَ أَنَّ الأَمْرَ يَغْدُو أَعْظَمَ مِنْ هذا بكثير بِالنِّسْبَةِ لِهُولْدِن. فصلاحية إرساء مَكَانَةِ الرِّجَالِ هي من صَمِيمِ دَوْرِ الحَرْبِ، «الَّتِي رِهَانُهَا هُوَ فِي آنٍ وَاحِدٍ اللُّعْبَةُ والسلطة والمبرر. ومن هذا المَنْظُورِ، فَإِنَّ الحَرْبَ هِيَ أَصْدَقُ أشكال الكهانة ومعرفة الغيب. إِنَّهَا اخْتِبَارٌ لِإِرَادَةِ المَرْءِ وإرادة الآخر ضمن تِلْكَ الإِرَادَةِ الكُبْرَى التي، ولأنها تربطهما، تضطر للاختيار». فَبِفَرْضِهَا فَائِزاً وَخَاسِراً، وتوطيدها العلاقة بين الطرفين، تضطلع الحَرْبُ بِدَوْرِ عِنَايَةٍ إِلَهِيَّةٍ. إنها «اللعبة المطلقة لأن الحرب فِي النِّهَايَةِ هِيَ فَرْضٌ لِوَحْدَةِ الوجود. الحرب هي الرب». فما الذي يقصده القَاضِي هُولْدِن بهذا التصريح المذهل، بأن الحَرْبَ هِيَ «الرَّبُّ»؟ تذكر أن العالم لا يحكمه الرّب بَلِ الصُّدْفَةُ العَمْيَاءُ: لَيْسَ ثَمَّةَ نظام أساسي كامن في العالم، حَتَّى وَإِنْ كَانَ القاضي وَغَيْرُهُ من العارفين قَادِرِينَ عَلَى اسْتِشْفَافِ شَيْءٍ حقيقي عن نزعاته. جوهر الكل، بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، هُوَ الفَوْضَى. غَيْرَ أنه، وبواسطة الحرب، تتشكل سُلْطَةٌ دَاخِلَ هَذِهِ الفَوْضَى معبر عنها بصيغة مراتب وقيم. وَبِمَا أَنَّ الحَرْبَ تَعْمَلُ عَلَى إِضْفَاءِ النظام على الفوضى عبر إرادتها، فَإِنَّهَا تَفْرِضُ «وَحْدَةَ الوُجُودِ» وتنفرد بقدرتها على ذلك. فَالحَرْبُ هِيَ المَسْرَحُ الَّذِي يقع عليه مثل هذا التبرير للعالم، وَمِنْ ثَمَّ فَهِيَ إِلَهِيَّةٌ.
فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ من أطروحة هولدن، وبعد إدراكه لِمَضَامِينِ هَذِهِ الحُجَّةِ، يطرح عُضْوُ العِصَابَةِ «دوك إيرفينغ» اعتراضاً دِفَاعاً عَنِ العَدَالَةِ. فيعلق قَائِلاً: «القوة لا تصنع الحق. فَالرَّجُلُ الَّذِي يَنْتَصِرُ في قتال ما ليس مُبَرَّأً أَخْلَاقِيّاً». فَالقُوَّةُ وَالعَدَالَةُ، في نظر إيرفينغ، شيئان منفصلان، وَلَا يُمْكِنُ لِلْقُوَّةِ أَنْ تكون جوهر العدالة. غَيْرَ أَنَّ القَاضِي يَرُدُّ على هذا الاعتراض بالتشكيك في أَسَاسِ الأَخْلَاقِ ذَاتِهِ. «القانون الأخلاقي هُوَ ابْتِكَارٌ بَشَرِيٌّ لتجريد الأقوياء من حقوقهم لِصَالِحِ الضُّعَفَاءِ. وَقَانُونُ التَّارِيخِ يقوضه عِنْدَ كل منعطف. لا يمكن أَبَداً إِثْبَاتُ صِحَّةِ أو خطأ رؤية أخلاقية بأي اختبار نهائي. فَالرَّجُلُ الَّذِي يَخِرُّ صَرِيعاً في مبارزة لا يُعد بذلك مخطئاً في آرائه. بَلْ إِنَّ مُجَرَّدَ تَوَرُّطِهِ في مثل هَذِهِ التَّجْرِبَةِ يُقَدِّمُ دَلِيلاً على رؤية جديدة وَأَوْسَعَ». فَقَانُونُ الأَخْلَاقِ (أي العدالة) يَقِفُ في تعارض مع قانون التَّارِيخِ، وَالَّذِي هُوَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ أي شيء يسهل نجاح المرء فِي الحَرْبِ. ولكن في نهاية المطاف، تَطْغَى مَطَالِبُ التاريخ على القانون الأخلاقي، كُلِّيّاً وَبِطُرُقٍ شَتَّى. وَفِي حُجَّةٍ تذكر بخطبة غلاوكون عن العدالة فِي الكِتَابِ الثَّانِي مِنْ «جمهورية» أفلاطون، يَقُولُ هولدن إن العدالة مُجَرَّدُ عُرْفٍ: إِنَّهَا لَيْسَتْ سِوَى حِيلَةٍ يبتدعها الضعفاء لكبح جِمَاحِ الأَقْوِيَاءِ. وَعِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، فإن العدالة في الِاعْتِبَارِ الحَاسِمِ ضَعِيفَةٌ: فالصفات التي تثبت نجاحها في الحرب ستكون دَائِماً قَادِرَةً عَلَى قهر الفضائل الأخلاقية. وباختصار، فَإِنَّ مَنْ يَخْتَارُ العيش في ضوء الحقيقة حول العالم - وَهُولْدِن يُمَثِّلُ بِوُضُوحٍ هذا الرجل - سيهب نفسه للحرب فِي احْتِقَارٍ سَافِرٍ لِمَبَادِئِ العدالة.
تُشِيرُ هَذِهِ الحُجَجُ إلى ما هو، في الأرجح، المَعْنَى الأَعْمَقُ الَّذِي يرى هولدن نفسه من خلاله كَقَاضٍ: فَهُوَ يَسْتَوْعِبُ قانون التاريخ ويرى نفسه أهلاً لِتَطْبِيقِهِ. وَكَمَا يُوَضِّحُ هولدن، فَإِنَّ كل «أَحْكَامِ» الإنسان يجب أن تُعرض للتصديق أمام «محكمة عليا» (أي مَحْكَمَةِ التَّارِيخِ). وهذه المحكمة هي التي يفهم القاضي هولدن نَفْسَهُ مُتَرَئِّساً لَهَا. وأخيراً، فإن مفهوم هولدن الخاص لِلْفِقْهِ القَانُونِيِّ - المُؤَسَّسِ عَلَى منظوره للطبيعة المحكومة بالصدفة، والذي يُحَرِّكُ إِدَارَتَهُ لِلْقَانُونِ، وَبِشَكْلٍ أوسع حياته - يمثل تحدياً اسْتِبَاقِيّاً لِقَوَانِينِ العَدَالَةِ. يَسْعَى القاضي لأن يكون، على هذا النحو، رَجُلاً شِرِّيراً. ففي محكمة التاريخ، كما يجادل، «تغدو اعْتِبَارَاتُ الإِنْصَافِ والاستقامة والحق الأخلاقي باطلة ولا مسوغ لها، وَهُنَا تُحْتَقَرُ آرَاءُ المُتَقَاضِينَ. فقرارات الحياة والموت، وما سَيَكُونُ وَمَا لَنْ يَكُونَ، تجعل من كل مَسَائِلِ الحَقِّ مُجَرَّدَ هراء».
اسْتُهِلَّ هَذَا المَقَالُ بالإشارة إلى أن القاضي هولدن، ذلك الكِيَانَ المَسْخِيَّ الَّذِي يؤثر القوة مبتهجاً عَلَى الأَخْلَاقِ، يَتَجَلَّى في صفحات «خطّ الدم» كشخصية تُثِيرُ الإِعْجَابَ في جوانب مهمة - بل وباعتباره الشخصية الأَكْثَرَ إِثَارَةً لِلْإِعْجَابِ في الكتاب. ومع ذلك، في الحِسَابِ الخِتَامِيِّ، فَإِنَّ فَضَائِلَهُ، لا سيما ذكاءه وظمأه للمعرفة، لا تسهم في رفع هذا الكيان إلى مرتبة عُلْيَا بِالنِّسْبَةِ لَنَا، بِحَيْثُ يغدو جَدِيراً بالثناء في جوهره. بل بِالأَحْرَى، يُفْهَمُ بِشَكْلٍ أَصَحَّ أن هذه الصفات المثيرة لِلْإِعْجَابِ تنهض بدور هام في شَرِّ القَاضِي.
يَتَأَلَّفُ تَحْلِيلُ مكارثي لِلشَّرِّ، المُعَبَّرِ عَنْهُ من خلال صورته المخيفة لِلْقَاضِي، من شقين مترابطين. أولاً، وبشكل أوضح، فإن رُؤْيَةَ القَاضِي هولدن للدور السليم للإنسان في العالم مُتَحَرِّرَةٌ بِشَكْلٍ خَطِيرٍ من أي أَسَاسٍ أخلاقي. فتحليله للحرب، على سبيل المِثَالِ، يَذْهَبُ إِلَى أنه ليس ثمة معيار طبيعي للحكم عَلَى صِحَّةِ أو خطأ نظرة أخلاقية، وَفَضْلاً عَنْ ذَلِكَ، فإن الوسيلة الممكنة الوحيدة للفصل بين وجهات النَّظَرِ المُتَبَايِنَةِ هي القوة الغاشمة. وَلِأَنَّ القَاضِي مُوقِنٌ بِأَنَّ هَذِهِ البَصِيرَةَ تَقْبِضُ على الحقيقة حول العالم، فَهُوَ مُلْزَمٌ بالعيش متسقاً معها. ونظراً لأن أَبْرَزَ سِمَاتِ القاضي هي كونه عارفاً متفوقاً وظمآن للمعرفة بِلا ارْتِوَاءٍ، فمن المنطقي أن نفترض وجود صِلَةٍ، عند مكارثي، بين التقدم في العِلْمِ وَتَقْوِيضِ القانون الأخلاقي. فحصافة عَيْنِ هولدن التَّحْلِيلِيَّةِ، الموجهة نحو الطبيعة الخَارِجِيَّةِ وَالبَشَرِ أَنْفُسِهِمْ، قد كشفت له أن القوة هِيَ الشَّيْءُ الوَحِيدُ الذي يحظى فِعْلاً بمرتبة القانون. بل إن مفهوم العَقْلَانِيَّةِ الذي يعتنقه القاضي متحرر هو الآخر بشكل خطير من أَيِّ أَسَاسٍ أَخْلَاقِيٍّ، وبوصفه كذلك، فَإِنَّهُ يُعَزِّزُ مَوْقِفاً عَدَمِيّاً تجاه العالم الطبيعي والبشرية. وَالقَاضِي هولدن هو تجسيد لِهَذَا المَوْقِفِ العَدَمِيِّ الذي بموجبه يتمتع بِحُرِّيَّةٍ تَامَّةٍ فِي إشباع حبه للحرب.
يَرْتَبِطُ هَذَا الشِّقُّ الأَوَّلُ مِنْ تحليل مكارثي بصلة وثيقة بغاية تقصيات هولدن العلمية، ألا وَهِيَ إِحْرَازُ القُوَّةِ والسيطرة على الطبيعة. فبدلاً من التأمل فِي العَالَمِ لِأَجْلِ التأمل ذاته، يَنْخَرِطُ القَاضِي في الدراسة لأجل الغزو. وكما سَلَفَ الذِّكْرُ، فَإِنَّ تعبير هولدن عن غايته يستحضر مشروع العقلانية في بدايات العصر الحَدِيثِ، وَتَحْدِيداً حُجَّةَ أمثال بيكون وهوبز بِأَنَّ العِلْمَ ينبغي أن يُطلق عقاله، ويُطور، وَيُسْمَحَ لَهُ بالهيمنة على الطبيعة، لأن مثل هَذِهِ النتيجة تعد بمنافع واسعة النطاق للبشرية. غير أن نَجَاحَ هَذَا المسعى يعتمد على التوفيق بنجاح بين الاهتمام بِخَيْرِ البَشَرِيَّةِ وهذا النموذج الجديد مِنَ العِلْمِ. وبعبارة أعم، فإنه يَتَطَلَّبُ تَوْجِيهَ المُمارَسَةِ العلمية نحو غايات أخلاقية، مثل «تخفيف وَطْأَةِ الوُجُودِ الإنساني». وبالفعل، يَبْدُو أَنَّ اثْنَيْنِ من الافتراضات المسبقة لِلْعَقْلَانِيَّةِ الحديثة المبكرة هُمَا، أولاً، أن المعرفة في حَدِّ ذَاتِهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ شيء حميد، بل هِيَ نَافِعَةٌ إِيجَابِيّاً للبشرية، وثانياً، أن التقصي العِلْمِيَّ إِنْسَانِيُّ النَّزْعَةِ بطبيعته.
وَوِفْقاً لِتَصْوِيرِ مكارثي للقاضي، فإن هذين الافْتِرَاضَيْنِ المُسْبَقَيْنِ زائفان بوضوح. فَالتَّقَصِّي العِلْمِيُّ المُطْلَقُ والموجه نحو غزو الطبيعة من جهة، والاهتمام بخَيْرِ الآخَرِينَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، لا يتوافقان بالضرورة. بعبارة أخرى، إن الاهتمام الفَاعِلَ بِمَا هُوَ صائب أخلاقياً ليس مُتَأَصِّلاً فِي السعي وراء المعرفة. ومن خلال شخصية القَاضِي هُولْدِن، يعبر مكارثي عَنْ مَخَاوِفِهِ الخاصة إزاء مخاطر العلم والانتشار المطرد لِلْمَعْرِفَةِ. فَالسَّعْيُ وَرَاءَ العلم مهدد دائماً بِالِانْزِلَاقِ نَحْوَ العدمية لأن القانون الأخلاقي مُجَرَّدُ أَمْرٍ طارئ على العلم، وليس سِمَةً ضَرُورِيَّةً فِيهِ، ولأن التقدم في العلم يَمِيلُ إِلَى تآكل أسس الأخلاق. وبالتالي، يُشِيرُ تَصْوِيرُ مكارثي للقاضي إلى نقده لِلْحَدَاثَةِ، بِقَدْرِ مَا يبرز مخاطر افتراض أن انْتِشَارَ التَّنْوِيرِ سيكون في سبيل الارتقاء بحياة الإنسان. وإذا كان تصوير مَكَارْثِي لِلْعَالِمِ جَدِيراً بِالتَّصْدِيقِ، فثمة ما يدعو إِلَى تَوَخِّي الحَذَرِ مِنْ هذا الافتراض.
كَمَا أُظْهِرَ آنِفاً، وبالتحديد بِسَبَبِ التْزَامِهِ بالعلم، خَلَصَ القاضي هولدن إلى استنتاج مفاده أنه لا يُوجَدُ شَيْءٌ اسْمُهُ العدالة بالطبيعة، وهو ثَابِتٌ فِي تَشَبُّثِهِ بِهَذِهِ البصيرة. لذا، فإن الشق الثاني مِنْ تَحْلِيلِ مكارثي للشر قد يكون مفاجئاً بَعْضَ الشَّيْءِ: يبرهن هولدن، بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ، أنه في الواقع مُلْتَزِمٌ التزاماً عَمِيقاً بالعدالة، حَتَّى وَإِنْ كان ذلك بغير وعي منه. وَبِذَلِكَ يُظْهِرُ مكارثي أن هَذِهِ الشَّخْصِيَّةَ الأَكْثَرَ إِثَارَةً لِلرُّعْبِ في «خط الدّم» تحيا حَيَاةً تَتَّسِمُ بِتَنَاقُضٍ عميق وخطير.
فَبِأَيِّ وَجْهٍ يَلْتَزِمُ القاضي بالعدالة؟ على الرَّغْمِ مِنْ ادعائه بأن حقيقة الحرب «تجعل من كل مَسَائِلِ الحَقِّ مُجَرَّدَ هُرَاءٍ» - أي مَسَائِلِ وُجُودِ معيار للحكم على صِحَّةِ شَيْءٍ أَوْ شَخْصٍ مَا، وبالتالي معيار لتحديد مسألة الاسْتِحْقَاقِ العَادِلِ - يُظهر هولدن باستمرار إِيمَانَهُ بِوُجُودِ معيار مهم للحق، وَبِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي شُرُوطَ هَذَا المعيار. وَكَمَا نَعْلَمُ مِنْ حواره مع تودفاين الذي يكشف فِيهِ عَنْ وَجْهَةِ نَظَرِهِ كعالم، فإن هذا المعيار لَيْسَ القُوَّةَ فِي حَدِّ ذَاتِهَا، كَمَا كُنَّا نَتَوَقَّعُ، بل المعرفة. القوة لا تصنع الحَقَّ؛ بَلِ المَعْرِفَةُ هِيَ مَا تَفْعَلُ ذلك. فالبصيرة الثَّاقِبَةُ في العالم هي أكثر بكثير مِنْ مُجَرَّدِ شيء مفيد أَدَاتِيّاً لِلْعَارِفِ. إنها، وفقاً للقاضي، مسوغ الحكم ذَاتُهُ، والأساس الذي بموجبه يستحق العَارِفُ «بِحَقٍّ» أَنْ يَحُوزَ السيادة على العالم المَادِّيِّ وَالبَشَرِيَّةِ. فبناءً على سُلْطَةِ مَعْرِفَتِهِ، يَدَّعِي القاضي لنفسه الحَقَّ فِي إعطاء الإذن لوجود أي شَيْءٍ «يُوجَدُ فِي الخَلِيقَةِ»، مؤكداً فضلاً عن ذَلِكَ أَنَّهُ من حقه أن «يتولى زِمَامَ العَالَمِ». مِنْ جِهَةٍ، إذن، يَعْتَقِدُ القَاضِي هولدن نفسه عَالِماً بأن العدالة مجرد وهم وَخِدَاعٍ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، يرى نفسه مستحقاً عن جَدَارَةٍ للقب «السيد» بسبب معيار حقيقي وَجَلِيٍّ، ألا وَهِيَ المعرفة.
وَيُقَدِّمُ تَقْيِيمُ القاضي نفسه لبطل «خطّ الدم» دَلِيلاً إضافياً على هَذَا التَّفْسِيرِ. يُوَاجِهُ هُولْدِن الفتى لأول مرة في الفصل الأَوَّلِ، مباشرة بعد أن أَشْعَلَ هُوَ وَتُودْفَايْن النار في فندق عَبَثاً وبلا غاية. ومع التِهَامِ أَلْسِنَةِ اللَّهَبِ لِلْمَبْنَى، يحدق القاضي في الفتى بابتسامة تَعْلُو مُحَيَّاهُ. يرى القاضي هولدن، لِلْوَهْلَةِ الأُولَى، شيئاً مميزاً في الشاب مشعل الحرائق: فمشاركته المُبَاشِرَةُ فِي تَأْجِيجِ الفوضى التدميرية تَبْدُو عَلَامَةً على أنه، مِثْلَ هُولْدِن، قَدْ أَدْرَكَ طَبِيعَةَ الأشياء واختار تَبَعاً لِذَلِكَ أَنْ يهب نفسه لِلْحَرْبِ. ولكن، وقرب نهاية الرواية، وفي زيارة للفتى في سِجْنِ سَانْ دِيِيغُو، يُعَبِّرُ القاضي عن خيبة أَمَلِهِ المُطْلَقَةِ وإدانته للفتى. وفي إشارة إلى التوقعات الَّتِي كَانَتْ تُرَاوِدُهُ يوماً، يسأل القاضي: أَلَا «تَعْلَمُ أَنَّنِي كُنْتُ سَأُحِبُّكَ كَابْنٍ»؟ ولكنه يعترف، بَعْدَ تَارِيخٍ طَوِيلٍ جَمَعَهُمَا في العصابة، بأنه خَذَلَهُ. «لقد تَقَدَّمْتَ... للمشاركة في عمل. ولكنك كُنْتَ شَاهِداً على نفسك. لقد نصبت نفسك حَاكِماً عَلَى أَفْعَالِكَ. وضعت أعذارك وَقَبُولَكَ قَبْلَ أحكام التاريخ، وقطعت صِلَتَكَ بِالجَسَدِ الَّذِي تَعَهَّدْتَ أَنْ تَكُونَ جُزْءاً مِنْهُ وَسَمَّمْتَهُ في كل مشاريعه». يرى القاضي عصابة غلانتون كفرقة، مُتَلَاحِمَةً وَمُوَجَّهَةً بِمَبَادِئِ «عملها»، والتي هي بِوُضُوحٍ مبادئ الحرب. ويتابع: «إذا لم تكن الحرب مُقَدَّسَةً، فَالإِنْسَانُ ليس سوى طِينٍ يَعْبَثُ. حَتَّى المَعْتُوهُ [في العصابة] تصرف بحسن نية وَفْقاً لقدراته. فَلَمْ يُطلب من أي امرئ أَنْ يُقَدِّمَ أَكْثَرَ مما يملك، ولم تُقارن حصة أَيِّ امْرِئٍ بِحِصَّةِ آخَرَ. فقط طُلب من كل واحد أَنْ يُفْرِغَ قَلْبَهُ في الوعاء المشتَرَكِ، وواحد منا لم يَفْعَلْ».
يَشْهَدُ بَيَانُ اللَّوْمِ الذي أصدره هولدن على الْتِزَامِهِ بِالحَقِّ، من وجهين عَلَى الأَقَلِّ. أولاً، لو كانت العدالة خدعة - أي لَوْ كَانَتْ حِيلَةً يَبْتَدِعُهَا الضعفاء لكبح الأقوياء، ومؤسسة عَلَى مُجَرَّدِ الخداع - فلن يكون هناك أَسَاسٌ عَقْلَانِيٌّ سَلِيمٌ لِلتَّفَانِي فِي سَبِيلِ الصالح المشترك، لأن ذلك سيتطلب كَبْحَ المَرْءِ لِخَيْرِهِ الشخصي خِدْمَةً لِلْآخَرِينَ الَّذِينَ يؤلفون الجماعة. غير أَنَّ هُولْدِن قد ألزم نفسه كلياً بالمشروع المشتَرَكِ الَّذِي تَعْكُفُ عَلَيْهِ عصابة غلانتون: فهو على ما يَبْدُو مُسْتَعِدٌّ لِأَنْ «يُفْرِغَ قَلْبَهُ» لأجله، مشيداً بمساعي الآخرين الَّذِينَ يَتَصَرَّفُونَ بـ«حُسْنِ نِيَّةٍ» للقيام بِالشَّيْءِ نفسه. وفي كل هَذَا، ثَمَّةَ معنى واحد، بطبيعة الحَالِ، تتناقض فيه مَبَادِئُ القَاضِي مع شخصه: فالشخص الَّذِي يَدْحَضُ العَدَالَةَ بملء فِيهِ يجب أن يتصرف بِعَدَالَةٍ تجاه أعضاء عصابته، وهم معه، لِكَيْ يَضْطَلِعُوا بمشروعهم المشتَرَكِ بِفَاعِلِيَّةٍ.
عَلَى أَنَّ حُجَّةَ «الشَّرَفِ بين اللصوص» هَذِهِ، إِذَا جَازَ التعبير، ليست الأكثر إقناعاً. فَالعَدَالَةُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ ستكون مجرد أَدَاةٍ لِنَجَاحِ العِصَابَةِ في غاياتها، أَيّاً كَانَتْ، فِي حِينِ أَنَّ هولدن يُظهر نفسه مُلْتَزِماً بالعدالة بمعنى أسمى، كَغَايَةٍ فِي حَدِّ ذَاتِهَا. إنه يعتقد أَنَّ العِصَابَةَ مُرْتَبِطَةٌ بِبَعْضِهَا البعض بالمبادئ المستمدة مِنَ البَصِيرَةِ الصحيحة في العَالَمِ، وَأَنَّ مِثْلَ هذه المعرفة تَكْشِفُ عَنِ الخَيْرِ الموضوعي الذي تَنْشُدُهُ الجَمَاعَةُ. وعلى الرغم من أن الفتى يُخْفِقُ فِي الارتقاء إلى مستوى تَوَقُّعَاتِهِ، فإن إفصاح هولدن عن آماله يَكْشِفُ عَنْ إِيمَانِهِ بِمِعْيَارٍ قادر من حيث المبدأ على رَبْطِهِمْ، وَزَرْعِ حَتَّى المَحَبَّةِ بينه وبين الفتى، فَتَوَقُّعَاتُهُ تفترض سَلَفاً مِثْلَ هَذَا المعيار. إن مبدأ الحَرْبِ، أو مَعْرِفَةَ هَذَا المَبْدَأِ، هو ما يجعل الإِنْسَانَ أكثر من مجرد «طِينٍ يَعْبَثُ»: إِنَّهُ يرسي هُدًى، بعبارة أخرى، للسبيل القَوِيمِ فِي الحَيَاةِ بدلاً مِنَ السَّبِيلِ المُشَوَّهِ. باختصار، في الوقت الذي يُجَرَّدُ فِيهِ القانون الأخلاقي مِنْ هَيْبَتِهِ ظَاهِرِيّاً في حُجَّتِهِ لصالح قَانُونِ التَّارِيخِ، يُظْهِرُ لنا مكارثي بِبَرَاعَةٍ أن القاضي مَرْهُونٌ بِالمَبْدَأِ الأخلاقي.
عَلَى هَذَا النَّحْوِ - في هَذَا التَّصْوِيرِ للقاضي هولدن - يَكْشِفُ مكارثي عن خبايا رُوحِ الرَّجُلِ الشرير، مجلياً طبيعته لقرائه. فَمَغْزَى الشَّرِّ لَا يَقْتَصِرُ بِبَسَاطَةٍ عَلَى كَوْنِ المرء راغباً وَقَادِراً على ارتكاب أَفْعَالٍ شنيعة. بل إن شِقَّيْ تَقْيِيمِ مكارثي يَتَلَازَمَانِ معاً. فالرجل الشرير يؤمن إِيمَاناً رَاسِخاً بِأَنَّهُ قد تجاوز قوانين الأخلاق بإثباته اصْطِنَاعَهَا فِي الحُجَّةِ. إنه يعتقد، بعبارة أخرى، أَنَّ الحَقِيقَةَ حَوْلَ العَدَالَةِ هي أنها لا تُوجَدُ بالطبيعة. وفي الوقت عينه، تَتَأَجَّجُ أَفْعَالُهُ بِالْتِزَامٍ مُتَحَمِّسٍ بالعدالة، وَتَحْدِيداً بالعدالة الرَّاسِخَةِ في معيار طبيعي ألا وَهُوَ المعرفة. الرجل الشرير، إذن، يَحْيَا فِي جَوْهَرِهِ حياة تتناقض مع مَبَادِئِهِ. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فعلى الرغم من سعة عِلْمِهِ الفَائِقَةِ، فَإِنَّهُ يفتقر إلى معرفة الذات. وَتَظَلُّ رُوحُ الرَّجُلِ الشرير مَظْلِمَةً بالنسبة له.
إِنَّ مُلَاحَظَتَيْ مكارثي حَوْلَ طبيعة الشر تميلان إِلَى تَعْزِيزِ بَعْضِهِمَا البعض. فمن جهة، وَلِاعْتِقَادِهِ أن القانون الأخلاقي مجرد وَهْمٍ، يشعر الرَّجُلُ الشرير بِلَذَّةِ التحرر مِنَ القُيُودِ التي تمنعه من السَّعْيِ وَرَاءَ رَغَبَاتِهِ عَلَى حِسَابِ الآخرين. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فإن التزامه بِالعَدَالَةِ يَمْلَؤُهُ بثقة غامرة بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ، في الواقع، أن يسعى وَرَاءَ رغباته عَلَى حِسَابِ الآخرين. وَتَكْمُنُ إشارة مكارثي في أن اجتماع هذين الاعتقادين فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ هو جوهر الشَّرِّ وَمَعْنَاهُ، وَهُوَ أَمْرٌ بالغ الخطورة على الإنسانية.
