رقٌّ ممسوحٌ بمدادِ الندم

 

تَترامى إلينا حكمةٌ شعبية، مجهولةُ القائل ومنقطعةُ النسب، بموعظة مفادها أن الحياة تأبى أن تكون محضَ تجربةٍ للأداء (بروفة). ولئن رمنا جنيَ ثمار صالحة من هذا القول المأثور لمن تلقاه بالقبول، فبأيّ مفهوم لـ«التجربة» يلوذ القائل؟ وأي مصادرات حول طبيعة «الحياة» اليوم يتوسل بها؟ بصرف النظر عن أسطورة «يوم المرموط»، يُراد لنا بهذا القول أن ندركَ أن الحياة لا تجودُ بفرصة ثانية؛ فلا قِبَلَ لنا بالاستعداد لصروفها، أو صياغتها، أو جدولتها، أو إتقانها قبل وقوعها الفعلي. فما يحلُ بنا يحلُ حقيقةً؛ وما نأتيهِ من أفعال، وما نبرمهُ من قرارات وتدخلات، يُعقبُ آثارًا ملموسة لا ريبَ فيها. والمغزى المُضمر هنا أنه حريٌ بنا أن نحيا الحياة على الوجه الأكمل.

فالحياة الحقة تتنزهُ عن السعة التي تمتازُ بها مجرد تجربةٍ للأداء. فتلك التجربة ملاذٌ آمن يسعُ زلات المرء، وتلعثمهُ في أداء دوره، دونما عواقب تُذكر: فالجمهور غائب، والمخاطرة يسيرة. أما الحياة الحقة، فتقتضي أن نحياها بإلحاح لا يفتر. فكل لحظة مغنم يجبُ اقتناصه: فهذا اليوم لن يعودَ أبدًا، فاحيهِ حتى ثمالته. إننا نبدد أيامنا في الشقاء أو الخمول، ولذا وجبَ أن يكونَ نهجُ حياتنا مناقضًا للخوف، والتردد، والمعاناة. وغايتنا من العيش ينبغي أن تكونَ مراكمةَ رصيد من السعادة الشخصية والتجارب الإيجابية.

غير أن روحًا أشدَ ميلًا إلى السوداوية قد تمضي متسائلة: ما مبلغ حقيقة هذه الحياة «الحقيقية»؟ يتندرُ «أوسكار وايلد» قائلًا إن حياتنا الحقيقية هي تلك التي لا نحياها. إن الاندفاع القهري لاعتصار كل قطرة من الحياة، قد يحجبُ عنا حقيقةً مفادها أنها - على الرغم من أقصى جهودنا - خلوٌ إلا من نزر يسير. ولعل استعارات شكسبير تغنينا ههنا: فبوسعنا، في صحبة جاك المكتئب وماكبث، أن نندبَ حقيقةَ أن حياة الإنسان ما هي إلا مشهد مسرحي، مدبرٌ ومتوقع: فهو في أحسن أحواله مكتوبٌ في فصوله السبعة، وفي أسوأها حكايةٌ يرويها معتوه. ما نحنُ إلا ممثلون على خشبة مسرح؛ نؤدي أدوارنا بحسن نية وسوئها؛ ووجودنا مرهونٌ بالآخرين. كلا، تأبى الحياة حتى أن تكونَ تجربةَ أداء - فالتجربة، في أضعف الإيمان، محكومةٌ بشيء من النظم، وفيها يسعنا أن نختبرَ الأشياء، ونتعارف، ونتلمسَ إمكانات الدور ومتاهات العمل. وما إن يحينُ وقت العرض، حتى ينقضيَ المرح، وتتبددَ النوايا الشجاعة، لتستوليَ علينا المواقف الجاهزة: آثرِ السلامة، وأرضِ الجمهور، وكنْ محترفًا.

ليلةً تلوَ أخرى، يُرتهنُ الممثلون في أنماط مميتة. ونحنُ كذلك، نؤدي أدوارنا الثانوية في مقر العمل، وفي بيوتنا؛ حتى ميولنا ما هي إلا مجموعةٌ من الأوضاع والاقتباسات، بل إننا نشتهي وفق ما نعتقدُ أن الآخرين يريدوننا أن نشتهي. إن حيواتنا، بوصفها عروضًا أدائية، غارقةٌ في الزيف والرياء. ومن ههنا، ربما، تنبعُ تلك الشكوك الملحّة المُصاحبة للاغتراب الحديث، بأن الحياة الحقة قابعةٌ في مكان آخر: في ثقافة مضادة، أو في أصالة وجودية تنتظر قرارًا، أو في استنارة شخصية، أو في كوننا مواطنين في طوبى مستقبلية.

طريقة الاستدلال هذه، المبنية على مقدمة فراغ الحياة وتناهيها، ليست جديدة في تاريخ الفكر. ففي التصور الإسلامي، نجدُ عرضًا بليغًا لهذه المفارقة بين النظرة المادية التي تحصرُ الوجود في الفناء، والنظرة الإيمانية التي تربطهُ بالخلود (athanatos). يُدركُ المنكرون للبعث (الدهريون) أن الحياة قصيرةٌ ومنقضيةٌ، فيندفعونَ مضطرين إلى استنتاج أن كل ما نملكهُ هو متعة اللحظة العابرة، مجادلين: «إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر». وبناءً على هذا التصور، يصبحُ السعي وراء اللذة والتشبث بمتاع الغرور هو الغاية القصوى قبل أن يطوينا العدم.

في النهاية، يستخلصُ هؤلاء نتائجهم من مقدمة خاطئة: لأن الخالق لم يوجِدِ الإنسان عبثًا. الصلاح، والحكمة، والأمل – بل جوهرُ الإنسان ذاته – يجب أن ينظرَ إليها من منظور الأبدية والدار الآخرة، التي وصفت بأنها «الحيوان» (أي الحياة الحقيقية الكاملة). والطريقة الصحيحة للعيش هي اتباعُ مسار الاستقامة، لأن هذا المسار يضمنُ أثرًا ممتدًا في الدنيا وخلودًا مستحقًا في الآخرة. يدركُ الصالحون جيدًا حقيقة المحن والمعاناة الدنيوية، فهم يختبرون بالابتلاءات تمامًا كما يفتنُ الذهب في النار ليخلصَ من شوائبه (وهو المعنى اللغوي الدقيق للفتنة والتمحيص). ووفقًا لهذا المنطق، فإن الحياة، بوصفها حياةً، تزدهر وتكتسبُ معناها الأعمق حين تعاشُ في ضوء اليقين بالخلود، لا تحتَ مقصلة الفناء.

ومما يعظمُ خطبُه، أن السعيَ إثرَ الحكمة  (Sophia) - في لبوسها الأنثوي الفاتن - يبقى، في خضم هذه المفاهيم المتعالية، راسخَ القدم في أرض الواقع. ههنا يُستحضرُ نموذجٌ أصلي: إن أسمى الغايات الروحية لا تنالُ إلا إذا استقرتِ الحياة واطردت، عبرَ ضرب من المثابرة الدائبة، والالتزام المحب بالتنشئة، والتدريب، والتأديب، وهو ما يُسددُ الطالب - بخدعة منظور ربما - نحو نقطة تلاشي الكمال. فالتأديب هو الوسط الذي يكفلُ للمرء توجهًا سليمًا ومطردًا نحو مهمة الحياة المركزية. ولا يختلفُ مساقُ القول حين يكتبُ «هايدغر» عام ١٩٥٠ إلى «طالب شاب» حول مسألة التفكير في «الكينونة». فمهمة التفكير في أعظم الأسئلة تشقُ مسارًا متعثرًا، و«سلوكُ مثلِ هذه الدروب يقتضي دربةً على المشي. والدربة تحتاجُ إلى حرفة. فابْقَ على الدرب، في عوز حقيقي، وتعلمْ حرفةَ التفكير، غير حائد، وإن كنت مخطئًا».

وتَرومُ هذه الملاحظات العجلى تتبعَ مشاغل هذا المقال: ألا وهي استكشافُ الترابط بين الممارسة، وتجربة الأداء (البروفة)، والعرض (الأداء الفعلي)، ومدى قابلية تطبيقها في مجال «الحياة». وتزدادُ هذه العلاقات تعقيدًا حين ندرك، بالإحالة إلى كتاب «أخلاقيات صغرى» (Minima Moralia) لـ«أدورنو»، أن مضمونَ الإنتاج النقدي-المقالي (الذي يضاهي الإنتاج الجمالي في وجوه عدة) هو في منتهى الأمر حياةُ المؤلف ذاتها. وأطرحُ ههنا أنه بالإمكان، إلى حد بعيد، سحبَ مقولات الممارسة، والتجربة، والأداء - المستقاة من التجربة الفنية-الإنتاجية - على التجربة المعيشة. فالعمل والحياة، متى ما اتسما بالجدية والحس النقدي، تتقاطعُ سبلُهما في نقاط جوهرية. وما أرومُ زعزعتهُ هو افتراضُ أي تراتبية «طبيعية» بين هذه المقولات، بحيث يؤثرُ الأداء (العرض) - بما يحملهُ من دلالة على إنجاز الغايات الملموسة وبروز هذا الإنجاز - على المهام المفتوحة للممارسة والتجربة. وإني، في مسعايَ المقالي هذا، لمتطلعٌ إلى إرخاء قبضة هذا الترتيب، وتخطية النهايات المحسومة، والانتصار للطرف الأضعف في سلسلة الثنائيات التي تحكمُ أحكامنا: الجدية/اللعب، العام/الخاص، المتحقق/غير المتحقق، الالتزام/التأجيل، الحسم/التردد، المدبر/العفوي، الفعل/التراخي، النجاح/الخيبة.

ولئن سلمنا بأن «فن» أي شيء - سواء أكان موسيقى، أم صيانة دراجات نارية، أم رقص صالات، أم حتى فن العيش نفسه - يلزمُ الفاعلين مفهوميًا ببلوغ ضرب من النتائج المحددة عبر فعل مدبر وممارس، فإن الإنجاز لا ينفكُ عن جوهر الأمر. غير أن الإخفاق في تحقيق النوايا، أو التمخضَ عن نتائج غير مقصودة ولكنها محمودة، يبقى احتمالًا قائمًا. وحتى في السياقات الفنية-الإنتاجية، قد تكون الأحكام المتعلقة بنجاح العمل أحكامًا مؤقتةً محضة؛ فالنجاح مرهونٌ بمعايير خارجية ونوايا مسبقة، وكلاهما قد يخضعُ للتحوير بفعل العمل ذاته. وحين يكتبُ «إرنست بلوخ»: «إن الحقيقة هي أن كل نقد للنقص، وعدم الاكتمال، والتعصب، ونفاد الصبر، يفترضُ سلفًا، وبلا ريب، تصورًا لكمال ممكن وتوقًا إليه»، فإنه محقٌ في إصراره على أن نقدَ النقص - وهو صنيعٌ يوميٌ للفنان والكاتب - ينطوي بالضرورة على توقٍ إلى كمال مرتجى، بيدَ أن منطقَ الصيرورات الفنية يعلمنا أيضًا أن الكمالَ هدفٌ رواغٌ دائمُ الحركة.

ومن منظورٍ آخر، فإن السخطَ على العمل (وهو ما يحفزُ على المراجعة، كما سأبين لاحقًا) لا ينحصرُ تمامًا في شكل النفي المحدد عند «بلوخ»، وليس - إن جاز لي القولُ - محفزًا أو معينًا خصوصًا للعمل الفني. إن «التوقَ» إلى الكمال يفتقرُ إلى وسط، ومادة، ومحل لأي إنجاز محتمل. فالكمالُ يجب أن يتبدى للفنان كإمكانية واقعية، بفضل مؤازرة التقنية المحكمة، والمواد الرصينة، والنوايا المعقولة. وإن الحديثَ، على سبيل الجمع بين الأضداد، عن «إخفاقات متقنة» - أي تلك الأعمال الفنية التي تخفقُ في إدراك غايات استثنائية ونبيلة، واعتبارها أسمى من أعمال بلغت مبتغاها الكامل من طموحات ضحلة - ليوافقَ منطقَ «بلوخ».

بيد أن إساءةَ استخدامِ هذا المنطق، واتخاذَ الشظايا والإخفاقاتِ صنمًا يُعبد، يطمسُ المهمة الأساسية المتمثلة في السيطرة على الأدوات الفنية. ولبلوغ ذلك، لا بدَ للمرء أن يخبرَ شيئًا من النجاح. ومع الإقرار بأن الإخفاق النبيل واللافت يقبعُ في أقصى تخوم الكفاءة الحقة، إلا أن ثمةَ شعورًا بأن الإخفاق يعالجُ ههنا معالجةً نثرية اعتيادية، ويقللُ من شأنه. فالإخفاقُ، إن أمكنَ إثباتُه أصلًا، هو شأنٌ يوميٌ مألوفٌ في الإنتاج الفني والكتابة، وهو كذلك - للعجب - في أمر الحياة ذاتها.

وعلى سبيل الجلية والإيضاح، أودُ أن أرسيَ بعضَ الفروق بين مفهومي عن الأداء (العرض) ومفهوم «أوستن» عن الإنجازية (الأقوال الإنجازية). فالمصطلحان يتداولانِ أحيانًا على أنهما مترادفان. وبعبارة موجزة: في حين أن القول الإنجازي يتطلبُ - في غالبية الأمر - أداءً، فإن الأداء ليس بالضرورة قولًا إنجازيًا. ولكونه مؤدىً، فإنه يخضعُ كذلك لسياقات الممارسة وتجربة الأداء (البروفة). ومأخذي ههنا هو أنه لا يمكنُ الإغضاء عن الممارسة والتجربة إلا من وجهات نظر مخصوصة.

لنأخذِ النموذجَ المثالي لقول: «أقبلُ» في مراسم الزفاف. ففي واقع الأمر، من السائغ الافتراضُ أنه في حالات كثيرة، يكونُ النطقُ بهذا القول الإنجازي النموذجي («أقبلُ» وما يتبعهُ من عهود الزفاف) قد خضعَ لممارسة وتجربة دقيقتين قبلَ موعد نطقِهِ الإنجازي الفعلي. وفي طور التجربة، ورغمَ أن كل حركة وقول في الطقس قد تكونُ محكمةً في موضعها، إلا أنه في غياب الأثر الفعلي الملزم للقول، يبقى ما يجري مجردَ رسمٍ إجرائي. ومهما بلغَ صدقُ الفاعلين أو التزامهم أثناءَ هذه التجربة الصورية، فإنه من دونِ حشدِ الضيوف، والشهود، والموقعين، وجلال الطقس الملزم، ومهابة الساعة المضروبة - وباختصار، من دونِ السبل الكفيلة بإتمام الإجراء على وجهه الصحيح - لا يتجلى شيءٌ من السلطة الاجتماعية القاهرة لمؤسسة الزواج.

وتغدو الكلماتُ، على حدِ تعبير «أوستن»، «جوفاء»، كجوافِ الكلمات التي ينطقُ بها الممثلون على خشبة المسرح، إذ لا يترتبُ على نطقها في طور التجربة أي عقدِ ولاءٍ ملزم. غيرَ أن الركونَ إلى النظرة الخارجية للمنظر يَغضُ من شأن الجهد الذي يبذله الفاعلون المعنيون. فتجربةُ هذا القول لا يلزمُ أن تكونَ خبرةً جوفاءَ لمن ينطقُ بها؛ بل هي تُدني حدثَ الزواج خطوةً نحو «الواقع»، وفي غضون ذلك، تبقى صورةُ الأثر الفعلي النهائي لما يقالُ مخيمةً أمامَ المتكلم. إن التدربَ على مراسم الزفاف يبقى مسعى جادًا؛ إذ لا بدَ من مواجهة رهبة الموقف وقهرها لكي تمضيَ المراسمُ في رونقٍ وبهاء. وللمسؤول المشرف أن يُسديَ توجيهات نافعة: ارفعْ صوتك، التفِتْ ههنا، لا تنسَ أن تتنفس. فمن منظور الفاعلين، تُصممُ حركاتُ الزفاف - إلى حدٍ ما - كما يُصممُ العرضُ المسرحي. ولعلَ المعنيين يبتغون النطقَ بالكلمات في صدق، وثقة، وجلاء. ومثلُ هذه الدقائق لا تُقدمُ ولا تُؤخرُ في قوة الإنجاز الفعلي. فقولُ «أقبلُ» هو إيذانٌ بتسليط كافة القوى القانونية، والنفسية، والاجتماعية الجبارة المرتبطة بالزواج لتأخذَ مجراها، وترسمَ نقطةَ اللاعودة، بحيث لا يُعدُ المرءُ متزوجًا حتى يجتازَ هذا الإجراء المخصوص. وفي عرف الإنجازية، لا يُشترطُ حتى أن يقصدَ الزوجان السعيدان ما يقولانِه، ولا أن يقولاهُ بطريقةٍ معينة، بل حسبهما أن يقولاهُ وأن يُشهدَ عليهما وهما يقولانِه.

إن الأفعالَ، والمآثر، والعروض (سواءٌ أُلْفِظَتْ بالكلماتِ أم بغيرها)، تفتقرُ في كثير من الأحيان إلى التدرب والتجربة. وإذا ما تبنينا موقفَ «جوديث باتلر»، التي «تحاججُ بأن الأدائية هي ضربٌ من الممارسة الاقتباسية التي تتشكلُ بموجبها الذوات الجنسية والجندرية تشكلًا مستمرًا»، فإن هذه الممارسة ستنطوي - على الأرجح - على كافة البدايات المترددة، والأخطاء، والتصويبات التي لا تنفكُ عن أي ممارسة. فمسارُ أي جهود تبذلُ للتشكيل الأدائي للجنسانية لا يسيرُ بالضرورة في سلاسة. والأهم من ذلك، أن نظريةً في أدائية الجندر قد تستفيدُ كثيرًا من وصف التكوين الجندري بوصفه شيئًا مشروطًا بالتدرب والتجربة، لا بوصفه نتيجةً مكتملةً في النهاية.

لم يخفِ «أدورنو» إقراره باللحظة «المجربة» (المتدرب عليها) في كتاباته؛ إذ كان يعتمدُ على سيرورة ابتكار تنهضُ أولًا على «تجربة» الأفكار عبر الإملاء، ثم إخضاع المذكرات المتراكمة لحلقات من التحرير والتنقيح. ولم يكنِ المعيار الحاسم في طور التحرير التنبؤَ برد فعل القارئ، وإنما التيقنَ من أن العرض المكتوب يوفي الموضوع حقه. وفي سياق هذا الموضوع ذاته، يمكنُ اعتبارُ الكتابة ضربًا من العرض (الأداء)، عرضًا للعدالة، وإنصافًا للموضوع. وإذا كان الموضوع هو حياةَ الكاتب نفسه، فإن الكتابة التأملية ذاتَ الطابع السيّري، كمثل التي في «أخلاقيات صغرى»، تمثلُ كذلك عرضًا لتلك الحياة، مستجلبةً - في اللحظة المضروبة - سيلانَ التجربة المعيشة إلى قالبٍ رصين ذي دلالة.

وتأخذُ العدالةُ مجراها حين تكابدُ الكتابةُ لبلوغِ صورتها النهائية عبر أطوار التحرير وإعادة الصياغة. فكتابةُ أي نصٍ ذي شأن تستلزم، لا محالة، بدايات زالّة، ومراجعات، وتنقيحًا، وحذفًا. فنادرًا ما تصمدُ الأفكارُ الأولى للإقناع طويلًا؛ وما هي إلا هنيهةٌ حتى تشطبَ بخجل تلك الفكرة التي بدتْ بالأمس بصيرةً ثاقبة، أو تلك العبارة التي لاحتْ قاطعةً بليغة. وما يحدثُ في تلك الفاصلة الزمنية يشبهُ بروزَ الروح الموضوعي للنص. فشعورُ الارتياح بمجرد إفراغ الكلمات على الورق سرعان ما يتبدد، ولزامٌ على المرء أن يستشفَ المعنى العلني والمتجسد لما كتبَ فعلًا من خلال النص ذاته، لا من خلال آمال مؤلفه. وفي فقرةٍ غارقةٍ في الأجواء القوطية، أسمى كتابُ «نظريةٍ استطيقيةٍ» هذه الروحَ الموضوعية بـ«Irrlicht»، أي ضوءَ الغواية التائهَ في الفولكلور، الذي يسكنُ المستنقعات ويُغوي المسافرينَ الوحدان ليحيدوا عن الدرب المستقيم.

إن موضوعيةَ النص لا تستقرُ على حالٍ قط، بل تستدرجُ الكاتب للسعي إثرَ تطويرها، ولكنْ «دون أي ضمانة بأن القوى الإنتاجية - أي روحَ الفنان وإجراءاته - ستكونُ ندًا لتلك الموضوعية». أجل، لا ضمانات. غيرَ أن الكاتب لا يسعُه - في الوقت عينِه - الاستغناءُ عن قوته الإنتاجية، أو، على وجهٍ أدق، عن إجراءاته. وإن لم تتنزلْ عليه هذه القوى دفعةً واحدةً في منتصف الليل بموجب عهدٍ فاوستي (كما أشيعَ عن أمثالِ باغانيني)، فإن قوى الكاتب الإنتاجية تكونُ قد صقلتْ واشتدَّ عودُها بموجب عهدٍ آخر: ألا وهو السعي إثرَ موضوعيةٍ رواغةٍ في النص. وهذا ما يعدُ تلمذةً أبديةً في محراب الكتابة.

ويستطردُ المقطعُ ذاته قائلًا: «إن المخاطرةَ التي تتجشمُها الأعمال الفنية تسهمُ في صنعِ جدّيتها؛ إنها صورةُ الموت في مجالها الخاص». وبتوسيعِ هذه الفكرة، يمكننا افتراضُ أن أداءَ (عرضَ) العمل الفني يعرفُ بدوره شيئًا عن المخاطرة: ألا وهو، هل سيكونُ الفنانُ المؤدي ندًا للمهمة؟

يتضمنُ شقُ الكلمة (Per) في كلمة (Performance) معنى الدفعِ بالشيء حتى منتهاه (الكمال). وفي سياق الفن، لا يقتصرُ الأداءُ على إنجاز العمل الفني بنجاح، بلْ إن هذا الأداء يجري نصبَ عينِ إمكانيةِ الإخفاق. وليسَ حضورُ الجمهور ومشاهدته هو ما يصنعُ الأداءَ، بل إن حضورَ «الآخرِ» هو ما يفرضُ القواعدَ التي تشكلُ كينونةَ الأداءِ الحي: إياكَ والخطأ، لا فرصةَ ثانية، واصلِ التقدم، ولا تبددِ اللحظة. (ويمكنُ خلقُ هذا الضغط ذاتيًا في الخلوة). في الأداء الحي، لا تطاردُ غوايةُ «Irrlicht» سوى اللحظةِ الراهنة، وتماسكِ - أو منطقِ - الترقب، والاستجابة، والتجلي، والموازنة، والموضعة، والتلوين. فإن أخفقتَ في هذه الراهنية، جازَ القولُ: «لقد هلكتُ هناك».

إن التدريبَ، وتجربةَ الأداءِ (البروفة)، والممارسةَ، ووضعَ المسودات، وتدوينَ الملاحظات، لهي مشاقُ تحضيريةٌ تُتَكبدُ في خفاءٍ، ولا يبدو أن أيًا منها يعرضُ الفنانَ للمخاطرة. أما بالنسبة للكاتب، فإن البقاءَ في دوامة التنقيح الأبدي للنص، واستدعاءَ الأفكار المرجأة، والشكوك، والتأملات، والتعديلات، لهو تعطيلٌ مستمرٌ لموضوعية النص؛ وبذلك لا يتسنى لمطلب النص الموضوعي أن يسفرَ عن وجهه قط. فالاكتفاءُ بالتجربة مخاطرةٌ تفضي إلى العقم. يصلُ الكتابُ إلى نقطة اللاعودة، حيثُ يأتونَ فعلًا فريدًا لا يقبلُ التكرار: إذ يُسلمونَ النص، على ما فيهِ من قصور، إلى مخاطرة الوقوف وحيدًا والقراءة على تلك الحال. وإن إخراجَ النص من بوتقة القوة الإنتاجية للكاتب لا يعدو أن يكونَ قرارًا، أو استسلامًا عفويًا؛ فهو لم يكتملْ، ولكنه «تُرِكَ» (تُخلِّيَ عنه)، على حد تعبير «بول فاليري».

وكثيرًا ما نقرأُ: «لا يمكنُ استيعابُ معنى فكرِ أدورنو استيعابًا كاملًا إذا اقتصرَ على المضمون على حساب الشكل. لقد سعى أدورنو إلى إحداث اتساق بين أسلوب كتاباته وتيماتها. وبنيةُ كثير من أعماله تجسدُ عمليًا قلقه إزاء تطور الأنظمة القمعية في الفكر والتنظيم» (هيلد، مقدمة في النظرية النقدية). بيدَ أن هذا القولَ يقصرُ عن أن يكونَ بصيرةً نافذة؛ إذ هو لا يعدو أن يُرددَ ما صرحَ به أدورنو نفسه حولَ كيفية بناء نصوصه، وعلةَ ذلك. ولئن كانَ الشكلُ في كتاباتِ أدورنو لم ينلْ ما يستحقه من عناية، فإنه لمن السفَه منازعةَ الرأي القائل بأن نصوصه تمارسُ عملًا نقديًا من خلال شكلها، وعرضها، أو «تأليفها»، شأنها في ذلك شأن مضمونها الصريح.

ولا غروَ أن مقاربةً تحليليةً لشكل مقالةِ أدورنو هي أمرٌ متصورٌ ومرحبٌ به، غيرَ أن إغراءَ إضفاء الطابع الجمالي على كتابته عمومًا يبقى إغراءً شديدَ الوطأة. وههنا أيضًا، كان لأدورنو قصبُ السبق، حيثُ أذكى نيرانَ التأملات بعبوره حدودَ الوسائط: فسّرت المقارنات بينَ تأليف النص النقدي، والشعر، والموسيقى. وتداخلتِ الاستعارات الثرية في دورانٍ موحٍ: إذ تؤكدُ في آنٍ واحدٍ «موسيقيةَ» اللغة و«نحو» الموسيقى.

ويمكنُ تقليبُ هذا كلِه مرارًا وتكرارًا، بيدَ أنه لا يُرجى أن يُكتبَ تعليقٌ على أدورنو يرومُ، على غراره، اختبارَ الحساسيات، أو «تطعيمَ لغته بالموسيقى»، أو كوكبةَ أفكاره، أو إيقافَ جدلياته عند حدها. ويتساءلُ المرء: كم مرة يسعنا أن نذكرَ، في محراب النظرية، بالتكافل الحيوي بين الشكل والمضمون في النص قبلَ أن نستسلمَ لإغراءِ تكريم هذه النظرية عبرَ أدائها فعليًا في كتاباتنا؟ ثمةَ سبلٌ شتى لإبقاء الشيطان بعيدًا: هل نُسهبُ في الحديث عن الممارسة العملية (parataxis)؟ هل نقلبُ مسألةَ الشكل والمضمون من منظورٍ آخر؟ هل نعقدُ مؤتمرًا أو مائدةً مستديرة؟ هل نعيدُ اجترارَ الحجج مرارًا وتكرارًا دونَ أن نسألَ أنفسنا: هل يمكنني أن أكتبَ على هذا النحو؟

إن القوى التي تخنقُ الفكرة الوليدةَ القائلةَ باستجابةِ الشكل للمضمون لهي قوى عاتية. فالتهديدُ برفضِ النشرِ ماثلٌ لا ريبَ فيه، وتتضافرُ معَ هذا الرفضِ، متى حلَّ، شكوكٌ أكاديميةٌ جمة، ليس أقلها ذلك الخجلُ الصبياني المتولد عن العجزِ، والتقصيرِ في إنجاز الواجب، والسقوطِ في حمأةِ الادعاء. إنها تبعاتُ الغرورِ، وأطيافُ أدواتِ القمعِ الأكاديمي التي ترسختْ في النفوسِ على مرِ السنين، والتي ربما صبّتْ بسوءِ نيةٍ على أجيالٍ من الطلاب. مخاوفُ تكفي لقضمِ ظهور الأغلبية: فلن تبلغَ مبلغَ من قرأَ «بما فيه الكفاية»، وأيُ أطروحةٍ تأتي بها قد تنقضُها أطروحةٌ أخرى أشدُ بأسًا في مستقبل الأيام. وقارئكَ - الخارجُ من صفوفِ الجماعةِ الأكاديمية - ملتزمٌ بمقتضى حرفته بأن يكونَ ناقدًا وساخطًا، ولن يألوَ جهدًا في التعبيرِ عن تحفظاته على صنيعك. وإذن، فسوفَ أقصرُ عن بلوغِ معاييرِ المعرفةِ الموضوعية: فليكنِ المخرجُ ألا أكتبَ شيئًا يخرجُ عن عباءةِ التخندقِ الدفاعيِ الصارم.

ثم يأتيكَ الرقيبُ من بابِ التخمةِ والتكرار. فقد أحصى «آرثر سي دانتو» ما يقربُ من أربعينَ شكلًا من أشكالِ التعبيرِ الفلسفيِ-الأدبيِ، مما طواهُ النسيانُ وخرجَ من دائرةِ الاستعمال. ويصفُ سيادةَ المقالِ الأكاديميِ بأنها بقاءٌ للأصلحِ وفقَ المنظورِ الدارويني. فلقد استأثرت الرسالةُ الأكاديميةُ الرصينةُ المسبوكةُ حججُها بالساحة. وباتتِ النصوصُ التي تستمدُ طاقتها من طريقةِ عرضها نادرةَ الوجود. وما عادَ الشكلُ يُناقشُ بوصفه شكلًا، بل باتَ أسيرًا للنموذجِ الأساسي: مراجعةُ الأدبياتِ، المنهجيةُ، التحليلُ، الخاتمة. فأيُ خياراتٍ أخرى بقيتْ؟ وهل تُدَرَّسُ الكتابةُ الكوكبيةُ للطلابِ؟ وهل نُمارسُ الترصيفَ؟ أو حتى الكتابةَ الجدليةَ؟ لقد دانتِ الثقافةُ الأكاديميةُ عمومًا بتفضيلِ المضمونِ الصريحِ على العرضِ (الشكل). أما تعميقُ الصلةِ بين العرضِ والمضمونِ - والحلمُ بعروضٍ فلسفيةٍ - فلا يعدو أن يكونَ، في أحسنِ الأحوالِ، نشاطًا يُزاولُ في أوقاتِ الفراغِ؛ عملًا لعطلةِ نهايةِ الأسبوعِ، لا جزءًا من المهامِ المهنيةِ. «إن التأملاتِ التي ترومُ تَحملَ مسؤوليةِ موضوعها، ومن ثَمَّ مسؤوليتَها عن نفسها، تُثيرُ الريبةَ بأنها محضُ إشباعٍ ذاتيٍ مغرورٍ، وأجوفٍ، ومنبتٍ عن المجتمعِ» (أدورنو، أخلاقياتٌ صغرى).

حِيالَ نصٍ نقديٍ تبرأَ من طرائقِ العرضِ المألوفةِ والنبرةِ المتداولةِ، قد تأتي الاستجاباتُ في معرضِ التأويلِ أو التذوقِ، أو قد تتخذُ مسلكًا عمليًا بأن تسألَ: كيفَ صُنع؟ وتُضحي الغايةُ حينها هي التساميَ لبلوغِ مقامِ النصِ عبرَ القدرةِ على إعادةِ كتابته.

غيرَ أن الجانبَ العمليَ يورثُ الحرجَ. فهو، شأنُهُ شأنُ «العملِ العظيمِ»، يُلقي الرهبةَ في النفوسِ، ويضعُ المتيمَ بهِ أمامَ حقيقةِ قصوره. فاللوحةُ الشخصيةُ البديعةُ، أو سوناتةُ البيانو المتأخرةُ لبيتهوفن، أو نثرُ والتر بنيامين، كلها أعمالٌ - كانتْ وما زالتْ - تستعصي على المحاكاةِ؛ فصنيعُ الأستاذِ يُحلقُ بعيدًا خارجَ مدارِ أيِ ممارسةٍ ممكنةٍ، حتى ليغدوَ مجردُ التصدي لاكتسابِ شيءٍ من تقنيتهم ضربًا من العبث.

وأيًا كانَ الانبهارُ الذي استبد بالأعمالِ ورامَ استراقَ شيءٍ من سطوتها، فإنه يُعاقَبُ عقابينِ حينَ يُقسرُ على المرورِ عبرَ وسيطٍ غريبٍ كلَ الغرابةِ: كالمقالِ الأكاديميِ، والأطروحةِ، وعبرَ إخضاعِ العقلِ لمشاربَ جديدةٍ، لا تقلُ صرامةً، بيدَ أنها قصيةٌ عن مناهجِ التقنيةِ الفنيةِ. ففي الحرمِ الأكاديميِ، يلقى نكرانُ الذاتِ، وتكبدُ المشاقِ، والعنايةُ المضنيةُ بالتفاصيلِ، جزاءً موفورًا. لكنَ الخبرةَ المحصلةَ تغتربُ تمامَ الاغترابِ عن تلكَ التي راودتِ الأخيلةَ في النبضاتِ الأولى للشغفِ الفني.

وفي غمرةِ التسرعِ لمعانقةِ نحو الكدِ والمشقةِ، يسهلُ الإغفالُ عن إمكانيةِ أن الكفاءةَ، تلكَ التي ترفدُ قدراتي وتعززُ ملكاتي، قد تنالُ بيسرٍ، ومتعةٍ، وانشراحٍ. ههنا يضعُ «جيل دولوز» إصبعَهُ على موطنِ الداء: «أخالُ أنهُ من العسيرِ جدًا أن تتعاطى الفلسفةَ إن لم تكنْ متسلحًا بنوعٍ من اليقينِ المصطلحيِ. إياكَ أن تُحدثَ نفسكَ بالاستغناءِ عنهُ، ولكنْ، إياكَ أيضًا أن تُوهمَ نفسكَ بصعوبةِ تحصيله. إن الأمرَ لا يعدو أن يكونَ أشبوهةً بمقاماتِ البيانو».

تُستَصعبُ الفلسفةُ من دونِ الإلمامِ بمفاتيحِ مفاهيمها، لكن الظفرَ بملكةِ استعمالِ هذهِ المفاهيمِ ليسَ إلا رهينَ الممارسةِ والتكرار. وإن سقوطَ هذهِ الملاحظةِ من علوٍ ليختزلُ المهمةَ ويردها لحجمها الطبيعيِ: أدِ مقاماتكَ، وبذلكَ تستأثرُ لنفسكَ بشيءٍ من القوةِ الإنتاجية. و«دولوز» جادٌ تمامَ الجدِ في تمثيله هذا: «تاريخُ الفلسفةِ حِكْرٌ على الفلاسفةِ ليصنعوه، لكنهُ، ووا أسفاه، قد آلَ إلى أيديِ أساتذةِ الفلسفةِ، وهذا شرٌ وبيلٌ؛ إذ حالوا الفلسفةَ إلى مادةٍ للامتحاناتِ بدلَ أن تكونَ مادةً للدراسةِ والمقاماتِ الدربية».

لا ريبَ أن المقاماتِ الدربيةَ تنطوي على شيءٍ من المشقةِ وعنتِ الرتابةِ، غيرَ أنهُ لا مناصَ من مكابدتها. وها هي ذي، معَ ذلك، تتنزهُ عن أن تكونَ عسيرةً. فهي عصارةُ القوةِ الإنتاجيةِ الموسيقيةِ، والموطئةُ للحظةِ الأداءِ (العرض). فهل يعرضُ المرءُ مقاماتِه الدربيةَ على الملأ؟ قلةٌ من يرونَ فيها مادةً للعرضِ؛ فهي إنما جُعلتْ مادةً للامتحانات. بيدَ أن الخطبَ في المقاماتِ جللٌ؛ إذ تنضوي تحتَ لوائها صنعةُ الموسيقى بأسرها: من اللحنِ، والمقامِ، والإيقاعِ، والسرعةِ، والنبرةِ، والمخارج. وإن اكتسابَ هذهِ القوى الفريدةِ - كالثقةِ اللمسيةِ على مفاتيحِ البيانو، أو التفلسفِ - قد يكونُ ثمرةَ ضربٍ من التطبيقِ اليوميِ المألوفِ؛ ورغمَ رتابته، فإن المرءَ يقطعُ فيهِ أشواطًا على حينِ غِرّةٍ، في خلوةٍ وتحررٍ من قيودِ المواعيدِ، خلالَ سويعاتِ اليومِ المتناثرة.

تُمثلُ الضربةُ الاستفتاحيةُ في فصلِ «فجواتٍ»، المقطعِ ٥٠ من «أخلاقياتٍ صغرى»، نموذجًا يطردُ في كثيرٍ من مقالاتِ الكتابِ: فالهمُ الشاغلُ ههنا منوطٌ بانكشافِ النصوصِ والفكرِ لسطوةِ الرقابةِ الغيريةِ وسلبِ الشرعيةِ، وسبلِ المثقفِ في ذرءِ هذا القمعِ المحدقِ بفكرهِ: «غالبًا ما يؤولُ الأمرُ بالنزاهةِ الفكريةِ إلى تخريبِ الفكر. فالكاتبُ مدفوعٌ بإلحاحٍ لإبرازِ كافةِ الخطواتِ التي أفضتْ بهِ إلى خلاصتهِ، تمكينًا لكلِ قارئٍ من تتبعِ المسارِ، ومضاعفتهِ إن أمكنَ - في حرمِ الصناعةِ الأكاديمية». والمقصدُ المرميُ ههنا هو أمرٌ حتميٌ يستترُ في ثنايا المجتمعِ أو المؤسسةِ، ويلقي بكلكلهِ على المثقفِ، مستنزفًا وعيهِ رويدًا رويدًا بمقولةِ: امتثل!

ولقائلٍ أن يبتدرَ بالسؤالِ: من يقصد؟ ومن ذا الذي يفرضُ هذا الأمر؟ ومتى؟ ولمَ اللجوءُ إلى التعميمِ بشأنِ «كلِ قارئ»؟ ولمَ ينبغي لمثقفٍ من طينةِ أدورنو أن يكترثَ لما يرتجيهِ منهُ المجتمع؟ وما العيبُ في الاستراتيجيةِ النيتشويةِ - التي اقتبسها رولان بارت في مستهلِ كتابه «لذةِ النص» - «فليكنْ إشاحةُ النظرِ هو نفيي الوحيدَ»؟

لقد باتَ من الجليِ أن أدورنو في «أخلاقياتٍ صغرى» قد انتهجَ حيلةَ الإشهارِ بالمحظوراتِ لتكونَ درعًا يكيدُ بها لتأويلاتهِ الجدليةِ لمحنةِ التجربةِ الذاتية. ولا ضيرَ في مدى «واقعيةِ» هذهِ المحظوراتِ، أو سياقاتها الدقيقة. فلعلها محضُ فزاعاتٍ خيالية. غيرَ أن هذهِ المناوشاتِ الظليةَ لا تخلو من وجاهةٍ سيكولوجيةٍ - بلْ وطاقةٍ علاجية. فأولًا، ليسَ من اليسيرِ فكُ الاشتباكِ بينَ ما تبتغي «قوله» وبينَ ما يتوقعُ الجميعُ منكَ أن تقوله. وإني ألمحُ ههنا إلى مقولةِ لاكان «ماذا تريدُ؟». لقد صيغتْ رغباتكَ صياغةً محكمةً عبرَ اصطداماتها برغباتِ الآخرين. فالـ«مهنةُ» تنتظرُ منكَ حجاجًا صريحًا، والأكاديميونَ ينتظرونَ ذلكَ من أنفسهم.

على أن الصراحةَ في عرضِ الفكرِ ليستْ بجريمةٍ، ولا هي خطيئةٌ فلسفيةٌ أو كتابية: بلْ هي معضلةٌ لا تبرزُ إلا حينَ تستبدُ قيمٌ بعينها بثقافةٍ ما، أو حينَ تسلطُ سيفَ ضغطٍ نفسيٍ وأخلاقيٍ على الكاتبِ على حسابِ ما يفكرُ فيه. وباستلابِ الدالِ السيدِ - «النزاهةِ الفكريةِ» - من قبضةِ الآخرِ (الأكاديميينَ الذينَ يفترضُ بهمْ فهمُ مغزاهُ وصبُّ جامِ غضبهمْ على المقصرينَ فيه)، يبدأُ هذا الدالُ بالرنينِ الأجوفِ؛ إذ يغدو منبتَ الصلةِ بمدلولهِ، ومن ثَمَّ ينقلبُ إلى ضدهِ: فالنموذجُ المبجلُ للعرضِ الصريحِ والدقيقِ منطقيًا للأفكارِ ليسَ في واقعِ الأمرِ سوى كذبةٍ؛ فنظامُ أفكارنا هو كَبّةٌ متشابكةٌ، وخليطٌ من حدسٍ، وتجاربَ غائمةِ المعالمِ، وتكهناتٍ. «بلْ إن المعرفةَ لتأتينا عبرَ شبكةٍ من التحيزاتِ، والآراءِ، والاختلاجاتِ، والتصويباتِ الذاتيةِ، والمصادراتِ المسبقةِ، والمبالغاتِ؛ بعبارةٍ موجزةٍ: عبرَ وسطِ التجربةِ الكثيفِ، الراسخِ الأركانِ، الذي يأبى أن يكونَ شفافًا على سننٍ واحدٍ». فإن كانَ الآخرُ يرومُ نزاهةً فكريةً، فلهُ ذلك. لكنها ستشبهُ يومياتِ مريضٍ بالهيستيريا أكثرَ من مشابهتها لـ«أخلاقياتِ» سبينوزا.

إن هذا «الزيغَ» الشكليَ عندَ أدورنو في مقاربتِهِ لهذهِ المسألةِ هو زيغٌ ظاهريٌ فحسب. فهو لا ينبعُ من افتتانٍ أو هوسٍ بما يراهُ الآخرُ جائزًا، ليغتنمَ منهُ لذةَ التعبيرِ الماكر. إن الدالَ السيدَ للنزاهةِ الفكريةِ قد باتَ عرضًا مرضيًا؛ فهو صنيعةُ وهمٍ ويولدُ كبتًا: إنهُ «يستحضرُ خرافةَ الليبراليةِ حولَ إمكانيةِ إيصالِ كلِ فكرةٍ للكافةِ» ويُسفرُ عن «قمعِ التعبيرِ الموضوعيِ الملائمِ لهذهِ الأفكار». فالأمرُ مشحونٌ منذُ البدءِ ليعادَ تشكيله رمزيًا؛ حيثُ يمكنُ استكشافُ أولويةٍ جديدةٍ من نسيجِ الوهمِ القديم. وههنا ينتصبُ معيارٌ جديدٌ لـ«التعبيرِ الموضوعيِ الملائمِ». ويسعنا القولُ مباشرةً إن الشكلَ الكتابيَ الذي يأبى أن يكونَ «موضوعيًا وملائمًا» هو التعبيرُ المبتذلُ أو التافه: «فقيمةُ الفكرةِ تقاسُ بمدى نأيها عن متصلِ المألوف». فالفكرةُ النزيهةُ يعبرُ عنها بأسلوبٍ يلائمُ الفكرةَ عينها؛ والفكرةُ، كي تحظى بقيمةٍ، لا يمكنُ أن تكونَ مجردَ زيادةٍ من نفسِ الشيءِ، أو عبارةً مبتذلةً منتزعةً من سجلِ الآراءِ الممضوغةِ سلفًا والمقبولةِ اجتماعيًا.

ولقد خطتْ ههنا، تحتَ لواءِ النزاهةِ، الشيمُ الفاضلةُ للمثقفِ السوداوي: تحلَ بشجاعةِ التفكيرِ المختلفِ، وليكنْ قالبُ كتابتِكَ على قدرِ مضمونها. وكما طفقَ أدورنو يؤكدُ، فإن الثمنَ الذي ستدفعهُ لبلوغِ ذلكَ هو أن ينفضَ الناسُ عن سماعك، أو إن أصغوا، فلن يفقهوا مما تقولُ شيئًا. «سيجدُ الكاتبُ أنهُ كلما كانَ تعبيرهُ دقيقًا، ومخلصًا، وملائمًا، ازدادتْ حصيلتهُ الأدبيةُ غموضًا في أعينِ الناسِ، في حينَ أن الصياغةَ المتساهلةَ واللامسؤولةَ تكافأُ على الفورِ بفهمٍ مؤكد». إن قولبةَ العرضِ ستقودُ حتمًا إلى قولبةِ التفكير. وحينها، لن يجرؤَ المفكرُ إلا على التفكيرِ فيما يمكنُ حشرهُ بإنابةٍ داخلَ هيكلِ عرضٍ مصدقٍ عليهِ سلفًا.

وتبرزُ في هذا المقامِ وجهةُ بحثٍ أخرى تستدعي التأمل: لو أن الكاتبَ كفَّ، ولو للحظةٍ، عن اكتراثهِ بإرضاءِ قارئه (فإرضاءُ القارئِ مخايلُ إخفاقٍ في حقِ الفكر)، فكيفَ لهُ أن يعيدَ صياغةَ مهمةِ الكتابة؟ إن التفكيرَ الأصيلَ صنْوٌ للاستثمارِ في الكتابةِ، وفي الرصانةِ البلاغيةِ والنحويةِ، وفي البيانِ، وفي امتحانِ الاقتصادِ النصي. وبهذا السّمتِ يستحيلُ الفيلسوفُ الحداثيُ كاتبًا، أو على أقلِ تقديرٍ منشغلًا حدَ الهوسِ بالكتابة. ومن ههنا، فإن الجنسَ الأدبيَ الدقيقَ الموسومَ بـ«نصائحَ للكاتبِ» - والذي مردُهُ غالبًا إلى القالبِ العتيقِ للحكمِ والمأثوراتِ (sententiae) - يستقرُ عن جدارةٍ ضمنَ الأعمالِ الكاملةِ لكلٍ من أدورنو وبنيامين. وما أشدَ وقوعَ هذا القولِ على أرضِ الواقعِ: «أولى محاذيرِ الكتابِ: أن تتفقدَ في كلِ نصٍ، وفي كلِ قطعةٍ، وفي كلِ فقرةٍ، ما إذا كانتِ التيمةُ المركزيةُ تبرزُ بجلاءٍ كافٍ. فأيُ امرئٍ يرومُ التعبيرَ عن شيءٍ تأخذهُ نشوةُ الفكرةِ حتى يغفلَ عن التروي فيها. ولفَرْطِ قربهِ من مقصدهِ، وغرقِهِ "في أفكارهِ"، ينسى أن يبوحَ بما أرادَ البوحَ به».

وليستْ هذهِ النصائحُ كأمثالِ العوامِ الدارجةِ، أو تقريرًا مغفلًا ومؤدلجًا لـ«واقعِ الحالِ»، بلْ هي بجلاءٍ صنيعةُ نشاطٍ دقيقٍ ومتخصص. وبهذا الاعتبارِ، يمكنُ تحسسُ شيءٍ من التهكمِ ههنا، حيلةٌ مضادةٌ تُبسطُ فيها الأقوالُ التي تحملُ نفسَ النبرةِ اللغويةِ للحكمةِ الشعبيةِ، لمنفعةِ تلكَ الأرواحِ المتوحدةِ العالقةِ في مدارِ التأملِ النقديِ والكتابةِ، والتي تكابدُ لاقتناصِ لحظاتٍ خاطفةٍ من الأصالةِ بمعزلٍ عن الصالحِ العام. غيرَ أن هذا القالبَ محفوفٌ بالمخاطرِ؛ إذ قد يثيرُ النفورَ سريعًا: فخطبةُ الوداعِ الشهيرةُ لـ«بولونيوس» إلى «لايرتيس» في مسرحيةِ هاملت، ورغمَ ما تطفحُ بهِ من حكمةٍ، تبقى عظةَ أبٍ لابنهِ، ومثلُ هذهِ الحكمةِ كفيلةٌ، عن بينةٍ، بتأجيجِ حنقٍ عقْديٍ (أودِيبي).

ويأبى أسلوبُ الجوامعِ والمأثوراتِ أن يقتصرَ على العتاقةِ، بلْ يبدو أنهُ يصطدمُ بشواغلِ أدورنو نفسه حولَ حتميةِ استحالةِ التواصلِ حينَ يتعلقُ الأمرُ بالفكرِ الأصيل. ولئن كانَ التكثيفُ والحسمُ في الكتابةِ الفلسفيةِ قد يُفْضِيَانِ إلى كثافةٍ تعبيريةٍ تُجهدُ القارئَ، فإن القوى عينها تتمخضُ في أعمالِ أدورنو، في بعضِ الأحيانِ، عن أقوالٍ مأثورةٍ محكمةٍ، ومكتنزةٍ، وذاتِ وقعٍ رنانٍ، تُمثلُ ذروةَ التواصلِ السلس.

هذهِ الوصايا - التي قد تُسمى شذراتٍ، وإن كانتِ التسميةُ تَغُضُ من نبرتها الصارمةِ - لا تؤتي أُكُلها إلا لمن طفقَ يعملُ بالفعل. فهي تُحاكي تلكَ الموعظةَ التي يُسديها معلمٌ لتلميذهِ، موجزةً، عصيةً على النسيانِ، وغايتُها إعادةُ التلميذِ إلى جادةِ الصوابِ أو الارتقاءُ بعملهِ إلى مراقٍ أعلى. وإني لأستبينُ هذا من المشهدِ البدئيِ للعازفِ معَ «أستاذِ» الموسيقى، وتقويمِ الأداءِ عبرَ بصيرةٍ صاعقةٍ تكشفُ عيوبهُ ومواطنَ قصوره.

فالحكمةُ العمليةُ للكاتبِ تتنزهُ عن كونها فلسفةً تقنيةً، لترقى إلى مواساةٍ وتحفيزٍ لعملِ المثقفِ الكاتبِ. وتستوفي هذهِ الأقوالُ مبدأَ: «إن الشعارَ الصالحَ نافعٌ لشحذِ الممارسةِ» (وهو مبدأٌ يبدو في ذاتهِ، إن انتزعَ من سياقهِ، شعارًا أيضًا). صحيحٌ، شريطةَ أن يمتلكَ المرءُ سلفًا ممارسةً يشحذها. أما لمن يكابدُ في الكتابةِ، ويترقبُ سخطَ المحررينَ أو المقيمينَ، وتتعثرُ أوراقه، ويلهثُ خلفَ بؤرةِ تركيزٍ، أو نبرةٍ ملائمةٍ، فإن كلماتِ أدورنو تغدو شحنةً موقظةً: إياكَ والعاطفةَ الجياشةَ، احذرْ تلكَ التفاصيلَ الشيطانيةَ، وإياكَ أن تستخفَ بحكمك: «إذا ما أثارَ النصُ المكتملُ، مهما كانَ طولهُ، ولو شيئًا يسيرًا من التوجسِ، فليؤخذْ هذا التوجسُ على محملِ الجدِ البالغِ، بما يجاوزُ كثيرًا أهميتهُ الظاهرية. فالتورطُ العاطفيُ معَ النص، والغرورُ، كفيلانِ بطمسِ كلِ تحرجٍ. وما قد يمررُ كشكٍ ضئيلٍ، قد يكونُ إيذانًا بانعدامِ القيمةِ الموضوعيةِ للنصِ برمتهِ». ويطالعنا «فيرناندو بيسوا» بتذكيرٍ أشدَ صرامةً للعنايةِ بتفاصيلِ الكتابةِ الدقيقةِ حينَ يقولُ: «إن ملامستكَ لقدميِ المسيحِ ليستْ عذرًا لاقترافِ أخطاءٍ في علاماتِ الترقيم».

ولئن كانَ «بنيامين» يُجِلُ أدواتِ الكتابةِ وموادَها إجلالًا عظيمًا، فإن كدحَ الكتابةِ لا يرتبطُ في المقامِ الأولِ بالعملِ اليدويِ للطباعةِ أو الخطِ بلْ بسيرورةٍ دائريةٍ من الطرحِ، والقلقِ، والتنقيح. بيدَ أن هوةً سحيقةً تفصلُ بينَ كلِ طورٍ من هذهِ الأطوار. فالعينُ النقديةُ الهادئةُ، أو تمحلُقُ المحررِ، يحجبانِ جسارةَ تلكَ الصياغاتِ الأولى المحفوفةِ بالمخاطرةِ، تلكَ الكلماتِ المتهورةِ التي ينبني عليها اكتمالُ النصوص. فموقعُ المحررِ - الناقدِ هو موقعُ ذاتٍ لاحقةٍ تتحملُ وزرَ مثاليةِ النصِ وانضباطه. وثمةَ مقطعٌ كاشفٌ أيما كشفٍ في «أخلاقياتٍ صغرى»، موسومٌ بـ«كبشِ الفداءِ»، يسلطُ الضوءَ على ممارسةِ أدورنو للإملاء: «يتيحُ الإملاءُ للكاتبِ، في بواكيرِ أطوارِ الإنتاجِ، أن يُناورَ بنفسهِ ليحتلَ موقعَ الناقد. فما يمليهِ هو قولٌ مترددٌ، مؤقتٌ، محضُ مادةٍ للمراجعةِ، غيرَ أنهُ، بمجردِ تدوينه، يتبدى لهُ مغتربًا وذا موضوعيةٍ إلى حدٍ ما. ولا مدعاةَ لخوفهِ من تدوينِ شيءٍ قاصرٍ على الورقِ؛ فهو ليسَ من يتولى الكتابةَ بيدهِ: إنهُ يُخادعُ المسؤوليةَ لصالحِ مصالحهِ. وتتخذُ مخاطرةُ الصياغةِ هيئةً بريئةً في بادئِ الأمرِ، كمذكرةٍ ألقيتْ عفويًا، ثم تستحيلُ عملًا على شيءٍ قائمٍ بالفعلِ، بحيثُ لا يعودُ يدركُ حجمَ جسارتهِ حقَ الإدراكِ».

لقد كانَ أدورنو يملي بواكيرَ أفكارهِ في جلِ أعمالهِ الكبرى على زوجتهِ غِرْتل. تبدأُ هذهِ الصياغاتُ كبروفةٍ شفهيةٍ عفويةٍ، ليتلاها الاستحسانُ أو الاستهجانُ على عجلٍ. كما أن الناسخةَ (غرتل) تتلقى عبءَ أيِ مشاعرِ امتعاضٍ قد تثورُ إذا ما طالَ النصَ نقدٌ. لقد كابدَ أدورنو لكظِ جموحِ عاطفتهِ تجاهَ نصوصهِ التي كانتْ «يفترضُ أنها مقدسةٌ»، وكانَ دورُ غرتل أن تقفَ حاجزًا بينهُ وبينها.

لقد كانتْ مسؤوليةُ تأليفِ النصِ موزعةً، إلى حدٍ ما، بينهُ وبينَ غرتل. فالصياغاتُ الأولى قاصرةٌ؛ هي توطئاتٌ مستقبليةٌ، مقذوفةٌ إلى الأمامِ، نحو ذواتٍ لاحقةٍ - المحررِ الناقدِ، أو الآخرِ - ستتولى استنطاقَ معانيها في قابلِ الأيام. لم يكنْ أدورنو «يملكُ»، بكليتهِ، ما يرومُ قولهُ حينَ شرعَ في الكلام. ولكمْ يساورُ المرءَ العجبُ بعدَ حينٍ: ما مبلغُ اكتمالِ صورةِ الكاتبِ هذهِ؟ فحينَ يستخدمُ أدورنو لفظةَ «الكاتبِ» المجردةَ، لا يسعُه أن يخفيَ طويلًا أنهُ يشيرُ إلى نفسه. فهذهِ النبرةُ المتجردةُ تبرهنُ على أن قوامَ «الكاتبِ» وصورته، مثلهُ كمثلِ الـ«أنا»، لا يستمدانِ إلا من الآخر.

ولنتأملْ «الحنقَ» الذي يظهرُ في ردِ فعلِ الكاتبِ إزاءَ النقد. في السياقِ اللاكانيِ، نلاحظُ أن العدوانيةَ، وإن لانتْ، تطفحُ حينَ تتشققُ الـ«أنا»، وحينَ يبدو أن الطرفَ المقابلَ يبدي من الرباطةِ والموضوعيةِ أكثرَ مما يبديهِ من ينبغي أن يضطلعَ بمهمةِ التفلسف. يدركُ الفيلسوفُ اختلالَ نسقِ تفكيره، وفي اللحظةِ عينها، قد يستشيطُ عدوانيةً وهو يحدثُ نفسه: «آخرُ ما أبتغيهِ هو مساعدتكِ». بيدَ أن أدورنو يشيرُ، في المقطعِ ذاته، إلى أن استحضارَ العدوانيةِ يعودُ على العملِ بنفعٍ محمودٍ: فهو «يطهرُ علاقتهُ بموضوعهِ تطهيرًا حميدًا». يخففُ من غلواءِ المقاومةِ الباطنيةِ؛ فلن يعودَ الكاتبُ «متشبثًا برأيهِ حدَ العنادِ». وحسبنا أن نقولَ إن التنقيحَ وإعادةَ الكتابةِ، لا سيما إن جاءتْ قسرًا إثرَ آراءٍ غيرِ مجاملةٍ من الآخرينَ، قد تورثُ لواعجَ مريرةً من التيهِ والفقد. ولعلَ الحجمَ المقتضبَ لمقالةِ أدورنو، وبنيتها المحكمةَ والمشدودةَ، يتجافيانِ عن كونهما محضَ خيارٍ أسلوبيٍ، ليكونا ثأرًا لهذا الفقد. كما أنهُ يعوضُ عن تبددهِ المحتمل.

تحملُ لفظةُ «التعبيرِ» بالإنجليزية (Expression) ظلالًا سيكولوجيةً بالغةَ الأثر. فحريةُ المرءِ في التعبيرِ عن ذاتهِ عرفٌ صحيٌ؛ بلْ وتعدُ حقًا من حقوقِ الإنسان. وتحملُ الكلمةُ الألمانيةُ (Ausdruck) نفسَ المضامين. إلا أن ثمةَ ظلًا ميكانيكيًا أيضًا. ففي ألمانيا، على سبيلِ المثال، تطبعُ طابعاتُ الحاسوبِ ورقَ A4.

لقد كانَ أدورنو مستريحًا للتشبثِ بمفهومِ التعبير. فالكلمةُ تنطوي على نظريةٍ مصغرةٍ للكتابةِ: تقتضي سلفًا وجودَ «شيءٍ يقالُ» ورغبةً في البوحِ بهِ وإطلاقِه في العراء. يتضمنُ التعبيرُ حركةً من الداخلِ إلى الخارج. وما إن تطلقُ «تعبيراتُ» المثقفِ «في الخارجِ»، حتى يناطَ بها التماسكُ أمامَ التمحيصِ، وتجرعُ سوءِ الفهمِ، أو أن تسلمَ بقدرها.

بيدَ أن الصورةَ تأبى أن تكونَ بهذهِ البساطة. فأولًا، ليسَ الـ«كاتبُ» مجردَ شخصٍ صادفَ أن يكتبَ، بلْ هو امرؤٌ آلى على نفسه الالتزامَ بالتفكيرِ، فباتَ مسترقًا للكتابةِ، يفتقرُ إليها، ويسألُ عما تخطُهُ يداه. إن الكتابةَ الرصينةَ تتعقدُ ضرورةً بفعلِ خطابٍ سلطوي. فما «لديَ لأقوله» هو ما «يلزمني أن أقوله»، وهو ما أسألُ قوله، وما يتشوقُ الآخرُ إلى سماعهِ أو يقهرني على البوحِ به. تلكَ المحاولاتُ البكرُ التي أزهقتْ أو طُمستْ لاحقًا، ربما نُبذتْ لأنها شابهتِ الاقتباساتِ مشابهةً جليّةً. فالصياغاتُ لم تتبلورْ بعدُ لتقفَ بذاتها. غيرَ أن موضوعيةَ النصِ قد يبالغُ فيها، لتتخذَ عقيدةً حتميةً. بلا ريبٍ، يلقى عبءُ ما ينبغي لي قوله تحويرًا نافعًا ومقاومةً من مطلبِ النصِ نفسه، ومن كلِ تلكَ السماتِ الفكريةِ أو الجماليةِ في النصِ التي تنطلقُ وتتفاعلُ أثناءَ الكتابة. إلا أن هذهِ المطالبَ، ورغمَ موضوعيتها، لا تسلعُ النصَ. فذلكَ يفرطُ في تثبيتِ النصِ ويعاندُ هشاشةَ الشعورِ بهويةِ الكاتب. إن المراجعةَ تقتلعُ كلَ تلكَ «الزلاتِ القلميةِ»، كلَ تلكَ العثراتِ التي قد تفضحُ بعدًا آخرَ لما كانَ الكاتبُ يرومُ قوله دونَ أن يعيَ أنهُ يقوله. ولكنْ لعل المراجعةَ تستدرجُ الزلاتِ الفرعيةَ لتضاعفَ من وقعِ هذهِ الأخطاءٍ في درجاتٍ أعلى من التركيب.

فالصياغةُ النصيةُ غيرُ الموفقةٍ تمامًا لا تستبدلُ حتمًا بالمراجعة. إذ يمكنُ أن يتخذَ العدولُ عن الرأيِ مشهدًا يعرضُ على الملأِ، وذلكَ عبرَ الحيلةِ البلاغيةِ المعروفةِ بالتصويبِ (Metanoia). فيحقُ للكاتبِ أن يصبوَ قوله، مبقيًا على النصِ الأصليِ دونَ شطبٍ بجوارِ التحسينِ المزعومِ، ليمارسَ كلا التصريحينِ سطوتهما. إن الحركةَ الجدليةَ للفكرةِ تحملُ الصفةَ عينها. فالفكرةُ الثانيةُ التي تقفزُ إلى أقصى نقيضٍ لا تدحضُ سابقتها، إذ إن «المنهجَ الجدلي... يطلقُ التصريحاتِ ليستردها ويتشبثَ بها في آنٍ معًا». إن أيَ نصٍ أشبعَ تنقيحًا يحملُ نفحةً من الرقِ الممسوح. وإن الاحتفاظَ بأطوارِ التحريرِ كافةً لقَمينٌ بأن يضفيَ شفافيةً على الفكر. غيرَ أن «ذنبَ» الفكرةِ التي لم تنلْ حقها من الشرعيةِ لا يكفرُ عنه بمجردِ عرضِ أخطاءٍ المفكرِ في موكبٍ استعراضي.

لقد أقامَ أدورنو تنظيرًا مقارنًا بينَ مسارِ التفكيرِ ومسارِ الحياة. فالحياة: «تخطُ خطًا متأرجحًا، متخبطًا، مخيبًا للآمالِ إذا ما قورنَ بمقدماته، ومعَ ذلك، في هذا المسارِ الفعليِ وحده، الذي لا يفتأُ يكونُ أدنى مما ينبغي، تستطيعُ - في ظلِ ظروفِ الوجودِ المفروضةِ - أن تمثلَ حياةً غيرَ منذمةٍ قسرًا. فلو أن حياةً ما بلغتْ غايتها مباشرةً، لكانتْ قد حادتْ عنها. ومن يتوفى شيخًا وفي قلبهِ قناعةٌ بنجاحٍ خالٍ من المآخذِ، فلن يكونَ سرًا إلا ذاكَ التلميذَ النجابةَ، الذي يسردُ كافةَ مراحلِ الحياةِ دونَ سقطةٍ أو هفوةٍ، حاملًا على ظهرهِ حقيبةَ مدرسةٍ مخفيةً».

إن حياةً تعاشُ «وفقَ الخطةِ المرسومةِ» تتنزهُ عن كونها حياةً، فهي غفلٌ من الصروفِ على نحوٍ غريبٍ، حيثُ يُشذبُ مسارها ليقتصرَ على تلكَ اللحظاتِ التي تشبعُ النهمَ السرديَ للآخر. في ظلِ وجودٍ مدارٍ كليًا، الحياةُ المقبولةُ الوحيدةُ هي تلكَ التي تعرضُ امتثالها استعراضًا. إن براءةَ السيرةِ الذاتيةِ المنقحةِ تضاهي في جوهرها براءةَ برهانٍ أنيقٍ انطلقَ من المبادئِ الأولى: ليستْ سوى ضربٍ من النسيانِ الاستراتيجي.

وعلى العكسِ من ذلك، فإن النسيانَ النبيلَ والجامحَ للماضيِ يذرُ الحياةَ «تحيدُ» عن مسارها المرسومِ، لتسلكَ دربًا جديدًا، وبدايةً بكرًا. فتحولُ الحياةِ، أو الخلاصةُ، أو القهرُ الذاتيُ الذي يعتملُ حينَ يغيرُ المرءُ رأيهُ، يأبى أن يكونَ نسيانًا. فإن كانَ الذنبُ والخزيُ هما الحافزانِ لإصلاحِ الحياةِ، فقد نُقشا في الذاكرةِ بلا رجعةٍ، ولن ينسيا؛ غيرَ أن النظامَ القديمَ للوجودِ يكفُ عن الاستبدادِ بالوعيِ؛ وإنما يمكثُ بمثابةِ تلكَ الحياةِ العتيقةِ التي عوملتْ بالإحياءِ والتجديد. أما النسيانُ، فإنهُ يخاطرُ بالنكوصِ إلى العاداتِ البالية.

وهذهِ روايةٌ عن فنانٍ لم يبرحهُ ذنبُ الإخفاقِ، رسامٌ أخفقَ في مبدأِ الأداءِ الرسميِ: أي تجسيدَ رؤيتهِ الباطنية. فإخفاقهُ هو تقصيرٌ عن إدراكِ المثالِ؛ فهو يدركُ - أو يذكرُ - ما ينبغي أن يكونَ عليهِ المثالُ، لكنهُ يعجزُ عن بلوغه. والحديثُ عن الذنبِ ههنا ينبثقُ متسقًا: فلفظةُ «μαρτία»، التي تعني في اليونانيةِ «الطيشَ عن الهدفِ»، هي إحدى المفرداتِ لـ«الخطيئةِ». يستذكرُ الرسامُ الأمريكيُ ريتشارد ديبنكورن في دفترِ ملاحظاتِ المرسمِ:

أخالُ أن حاجتي الملحةَ إلى العملِ على اللوحةِ وإعادةِ صياغتها حتى تكتملَ، قد استحالتْ سيرورةً تتجسدُ من خلالها أفكاري. وأجدني عاجزًا أبدًا عن تصورِ فكرةٍ للوحةٍ، ثم صبها على القماشِ والقبولِ بها كما هي، وليسَ ذلكَ لقلةِ محاولاتي بلْ لاستحالته. لقد كنتُ في شبابي أعدُ هذا العجزَ نقصًا – وكانَ يساورني شعورٌ بأن أفكاري هي في جوهرها أفكارٌ مبتذلةٌ. وربما كانَ هذا صحيحًا أو لا يزالُ، ولكنْ كيفما كانَ الأمرُ، فإنني منذُ البداياتِ تقريبًا، كنتُ أتوخاهُ بشيءٍ من الراحةِ إلى القدرةِ على التصحيحِ، على تقويمِ الأمورِ، وكانَ مصاحبًا لذلكَ شعورٌ يداني الشعورَ بالذنبِ وأنا أمارسُ ذلكَ في خلوةِ مرسمي... كأنني قد أخفقتُ في عرضي الأولِ، بيدَ أنني بصيغةٍ ما استطعتُ أن أختلسَ هذهِ الفرصةَ الثانيةَ لأخرجَ بشيءٍ يسعني أن أضعهُ مصافَ أعمالِ أقراني (والتي كانتْ بالطبعِ ولادةً أولى). وبعدَ حينٍ، أدركتُ أن فنونَ الرسمِ والكتابةِ والتأليفِ الموسيقيِ هي في صميمها أنشطةٌ تتغذى من التنقيح... ومعَ مرورِ الوقتِ، بدأتُ أشعرُ أن ما كنتُ أتوخاهُ حقًا في الرسمِ، وما كنتُ أستمتعُ بهِ استمتاعًا حصريًا تقريبًا، هو التبديلُ – أي تغييرُ ما يمثلُ أمامي – سواءٌ بالحذفِ أو التجاوزِ أو تراكبِ أفكارٍ متباينةٍ. ويلزمني أن أعترفَ أيضًا بشيءٍ من الشعورِ بالذنبِ ههنا إذ باتَ يخالجني شعورٌ بأن سيرورةَ الرسمِ لديَ أصبحتْ مشروعًا بالجملةِ، وأن نيتي الأولى، كما هو الحالُ معَ نيتي أثناءَ العملِ، قد اختزلتْ إلى مجردِ "تقويمِ الأمور".

في هذهِ السياقةِ، التنقيحُ هو الجوهرُ التقنيُ وهو مبعثُ خزيِ الفنان. فالتنقيحُ شاهدٌ على إخفاقهِ في أدائهِ الأساسيِ، إخفاقهِ في إصابةِ الهدفِ من أولِ رميةٍ. فالتنقيحُ هو الأداءُ المخجلُ للتعويضِ، أو لعلهُ أداءُ التستر. وكانَ الطورُ الأخيرُ من هذا الاعترافِ المثقلِ بالذنبِ هو انقيادُ نواياه نحو عملهِ إلى حالةٍ من اللاتحديدِ المطلقِ، حتى غدا الأمرُ مجردَ سعيٍ لـ«تقويمِ الأمور». لقد حادَ ديبنكورن هو الآخرُ عن مسارِ حرفته.

ينتهي كلُ قسمٍ من أقسامِ «أخلاقياتٍ صغرى» بقفلةٍ بديعةِ السبك. فهي تغلقُ على نفسها بروعةٍ مثيرةٍ للشجن. وإن تلكَ الحياةَ المعطوبةَ التي تعرضُ في تلكَ المجموعةِ لا تزالُ قادرةً على ابتكارِ بهاءِ البصيرة. ويُخيمُ ثقلُ هذهِ القفلةِ ههنا أيضًا، ولكنْ - وهذهِ هي اللحظةُ اليتيمةُ التي يأتي فيها هذا الكاتبُ على ذكرِ حياتهِ - إني لا أملكُ شيئًا من عبقريةِ أدورنو. سأخطئُ التصويبَ (أطيشُ عن الهدفِ)، لكنني لسببٍ عجيبٍ مغتبطٌ بذلك. فهذا يعني أنني في مسيسِ الحاجةِ إلى الرجوعِ إلى المادةِ، وإلى الممارسةِ، واجتثاثِ كلِ ما أطيقُ من إجراءاتٍ ثم المكابدةِ فيها، في صمتٍ بليغٍ وبمعزلٍ عن الأنظار.

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق