ساحرةُ القريضِ في مذبحِ القُنوط

 

الصَّمْتُ؛ مَن أمعَنَ في صَمْتِه مسَّ جذورَ الكلام.

راينر ماريا ريلكه، «إلى السيدة فانيته كلافل».

وريلكه… فكِّر في ريلكه، وفي ألمه الفادِح.

آن سكستون، «باتريشيا ماركس: حوارٌ مع آن سكستون».

حين ماتت آن سكستون سنة ١٩٧٤ كانت قد أتمّت لتوِّها ما أرادته أن يكون كتابَها الأخيرَ من الشعر: «التجديفُ المُفْزِعُ نحوَ الرّب». وقبلَ ذلك الديوان لم تكن وجهةُ عملها واضحةً تمامَ الوضوح. فقد سبقه سبعةُ دواوينَ شعرية، بدأت بقصائد «إلى بيدلام» و«العودةُ جزءًا من الطريق» (١٩٦٠) القويةِ المُقلِقة. وكانت سِمَتُها المميِّزةُ سطرًا صافياً من السردِ الشخصي؛ غير أنّ هذا السرد كان كثيرًا ما يَغْمُض: أهو سيرةٌ حقيقية، أم ضربٌ من «سيرةٍ زائفة» مصنوعةٍ فنّيًا ومُحْكَمةِ التلاعب؟ ذاع صيتُها، ونالت جائزةَ بوليتزر سنة ١٩٦٦، وألفَ القارئُ قصائدَ كثيرًا ما تُختار في المختارات مثل: «الفتاةُ المجهولة في جناح الولادة»، و«الحقيقةُ التي يعرفها الموتى»، و«زوجةُ الفلّاح»، و«الإجهاض». كنّا نعرف صوتَها، لكنّ كلَّ قصيدةٍ كانت تبدو نصرًا منفردًا لا صلةَ بينه وبين سواه. وتصنيفُها المبكّر ضمن «شعراءِ الاعتراف» لم يبدُ قطّ أنه يمنحُ تلك البصائرَ التي وعد بها. شاعرٌ زميلٌ لها ألقى بعملها في قمامة الازدراءِ، وعلى الطرف الآخر قامت ساندرا غيلبرت بتأليه «جنونها الإلهي» في مقالٍ عنوانه: «هَلِّلوا لآن» (Jubilate Anne).

وكان جزاءُ القارئ - أخيرًا - هو التجديفُ المُفْزِعُ نحوَ الرّب: كتابُ شاعرةٍ ناضجة، كانت عبادتُها للفنِّ وحيدةَ الوجهة، مُطلقةَ السيادة، حتى استطاعت أن تُصرّح بأقصى البساطة: «إنني عاشقةٌ للكلمات». لقد أعدّت سكستون هذا الديوان ونوَتْه منشورًا بعد موتها. وقبل موتها بعامٍ قالت لمُحاوِرٍ إنّها كتبت المسودّاتِ الأولى لتلك القصائد في أسبوعين ونصف، وإنها ستواصل صقلَها، لكنها لن تسمحَ بنشرها إلا بعد رحيلها. ثم تضيف رسائلُها المنشورة معلومةً مُفزعة: أنها كانت قد أرسلت المخطوطَ إلى ناشرها بالفعل، وكانت تقرأ التجاربَ الطباعية في اليوم الذي أنهت فيه حياتها بيدها.

ويكتسبُ هذا الديوانُ سلطانًا خاصًّا بوصفه العملَ الذي أرادته آن سكستون خاتمةً نهائية. إذ تتبيّنُ أخيرًا هيئةُ مسارِها الشعريّ واتجاهُه. ويتبيّنُ أيضًا - بفظاظةٍ كئيبة - أن الانتحار جزءٌ مقصودٌ بوعيٍ من الكتاب. إننا لا نبلغُ المعنى الذي قصدته، ولا «البرنامجَ الكليّ» الذي أعدّته ليعيشه قارئُها، ما لم نضع هذه الحقيقةَ العارية في القلب.

وكما توحي كلمة «التجديف» في العنوان، فإن صورةَ البحر تسري في هذا الديوان؛ وسرعان ما يتضحُ أن هذا البحر المجازي حاملٌ لإحدى أعمقِ أفكارِ الثقافة الغربية وأكثرِها سريانًا.

لقد لاحظ أحدُ أوائلِ مراجعي سكستون بروزَ البحر في شعرها، وحين سألها مُحاوِرٌ لاحقٌ عنه أكّدت أهميتَه الشخصية لديها. كانت من نيو إنغلاند: البحرُ في تاريخها وفي خبرتها اليومية. كما تُقرّبها هذه الصور من بعضِ أبرزِ كُتّاب أمريكا. وإميلي ديكنسون مثالٌ آخر، امرأةٌ تكاد تكون «مُقفَلةً على البرّ»، ومع ذلك يفيضُ بحرٌ في شعرها. إن تقليد نيو إنغلاند يُستعادُ بوصفه قد بدأ بمغامرةٍ خطِرة عبرَ محيطٍ مجهول، وكانت الثقافةُ طوال تاريخها تقوم على التجارة في البحر. ولِسكستون شخصيًا كان البحرُ مهربًا وتجديدًا، حيث كانت الأسرةُ تقضي العطلات منذ طفولتها. إنه خطرٌ ونظامُ حياةٍ معًا. وفي معظم شعرها هو أيضًا مسرحُ رحلةِ الروح. والعبارةُ الأكثرُ اقتباسًا من مراجعي دواوينها الأولى كانت تلك التي التقطتها من كافكا وجعلتها صدارةً لديوان «كلُّ جميلاتي» (All My Pretty Ones): «ينبغي للكتاب أن يكون فأسًا للبحر المتجمِّد داخلنا».

وفي ديوانها الأخير يصير هذا البحر دافئًا، يعجُّ بحياةٍ هادرة. فالقصيدتان اللتان تفتتحان الديوان وتختمانِه، «التجديف» و«انتهى التجديف»، تُقيمان إطارًا لاستكشافِ البحر، وتَرِدُ إشاراتٌ صريحة إلى البحر في ثلثي القصائد. والبحر - حرفيًّا - هو الوسطُ السائل الذي تجري فيه الحياةُ العقلية لهذا الشعر. تبدأ القصيدة الأولى بانبثاق «الذات» من اللاوجود؛ فالطفلُ يتدرّج في فعلِ ما هو أكثرُ إنسانية، لكنه يظلُّ يشعرُ أنه «تحتَ البحر طوال الوقت». وما إن نمضي سبع صفحاتٍ حتى تتّضح الرؤية: البحرُ مصدرُ كلِّ حياة:

من البحرِ خرجتْ يدٌ،

جاهلةٌ كقرشٍ صغير،

مضطربةٌ بملحِ أمِّها،

صامتةٌ بصمتِ الأسماك،

سريعةٌ بمذابحِ المدّ والجزر،

ومدَّ الرّب يده من فمِه

ودعاها: رجلًا.

ثم خرجتْ اليدُ الأخرى

فدعاها الرّب: امرأةً.

صفّقتِ اليدان.

ولم يكن ذلك خطيئة.

بل كان كما أراد له أن يكون.

في هذا القولِ سكينةُ صوابٍ هادئ، وإحساسٌ بالنظام، وحكايةٌ - جديدةٌ على سكستون - عن اختراعِ الجنسانية بلا اضطراب. وتستمدُّ القصيدةُ وقارَها وسلطانَها من محاكاتها لنبرةِ البيانِ الكتابي.

لكن البحرَ ليس أصلًا فقط؛ إنه أيضًا استعارةٌ للجريان المتواصل للحياة في الإنسان. فسكستون، مثلًا، ترى النبضَ الذي يقرعُ شرايينَها «بحرًا يضربُ في حلقي». ثم يتّسع التصوير بعد صفحات: «القلب… يبتلع المدَّ والجزر، ويبصقهما وقد تطهّرا». البحرُ في آنٍ واحدٍ داخلٌ وخارج. حتى الأذنُ «أصدافُ محار»، صيغت لتجلب صوتَ البحر على الدوام إلى وعي الإنسان. وهذا يلمّح إلى أن البشر يحيون في «بحرِ حياة»، لكن إن علمتَ أن الصدفة تُضخِّم - في الحقيقة - خفقانَ الدم في داخل السامع، فإن السطر يدلّ أيضًا على أن بحرَ الحياة «في الداخل».

وثمّة عناصرُ سلبية في هذا العالَم البحريّ الرمزي الهائل. فعلى الحافة بين البحر والبرّ، بين الروح والمادّة، يقيمُ السرطان الذي يُحدِثُ السّرَطانَ المؤلم، وبرغوثُ الرمل الذي قد يدخل الأذنَ فيُحدِثُ جنونًا في الدماغ، والسّلحفاة التي تُعطي صورةً لكسل الإنسان وتبلُّده. وثمّة البرّ نفسه، الذي يحملُ الإثمَ الإنسانيّ، ويمنحُ صورًا للجفاف الروحي والخراب. غير أنّ الحافة بين البحر والبرّ هي أيضًا منطقةُ خَلْق؛ فيها «يضع البحر أصابعه الكثيرة على الشاطئ»، وتتفاعل الأضداد. البحرُ «أمّ» لازمة، كما الأرض «أبٌ» لازم، ومن غير تفاعلِهما لا حياة.

ثم تنفتحُ رؤيةٌ أخرى بينما تستكشف سكستون موضوعَ بحرها: «لعلّ الأرضَ تطفو» على البحر. عالمُ المادة يطفو على بحرِ الروح والحياة؛ ولذلك لا يبعدُ هذا البحرُ عن أحدٍ منا. حتى المقيم على اليابسة يستطيع أن يحفر بئرًا في قلب الصحراء وأن يلمس ذلك البحر، كما تنصحُ الشاعرةَ أبو الهول في قصيدةٍ أخرى:

وجدتُ البئر [بئرَ الرّب]

... وكان هناك ماءٌ،

فشربتُ،

...ثم تكلّمتِ البئرُ إليّ.

قالت: إن الوفرةَ تُغرفُ من الوفرة،

ومع ذلك تبقى الوفرة.

وهنا يبلغُ القارئُ المُقَدِّر - في هذه النقطة من الديوان - الإدراك الأدبيّ العتيق لبحرٍ مجازيّ يُحيطُ بكلِّ حياة ويبعثُها بحيويةٍ خلاقة، وسطٍ سائلٍ «تعيشُ فيه الأشياء وتتحرك وتكون»، «وفرةٍ» خلاقة تُسرف في أشكالها. وهذه هي الرؤية نفسها التي تقف خلف كثيرٍ من الأدب الذي يمكن أن يُوصف بـ«الرومانسي» أو «المتحمّس» أو «الصوفي» بأي معنى.

وهذه الصورُ والاستعارات تقودنا إلى إحدى أكثر قصائد سكستون تأثيرًا، وهي القصيدة الوحيدة في الديوان التي يظهر فيها اللفظُ الواضحُ المنتظر: «اللوغوس» (Logos):

حين يدخلُ الرجلُ

المرأةَ،

كالموجِ يعضُّ الشاطئ،

مرّةً بعد مرّة،

وتفتح المرأةُ فمَها في اللذّة

وتلمعُ أسنانُها

كالأبجدية،

يظهر اللوغوسُ يحلبُ نجمًا،

والرجلُ

داخلَ المرأة

يعقدُ عقدةً

لكي لا يكونا

أبدًا بعد ذلك منفصلين،

والمرأةُ

تصعدُ إلى زهرة

وتبتلعُ ساقَها،

ويظهر اللوغوس

ويُطلقُ أنهارهما.

إن سكستون تُعيدُ هنا تلخيصَ خمسةٍ وعشرين قرنًا من التصوّف الإيروتيكي الغربي، حيث امتزجت صورُ «نشيد الأنشاد» مبكرًا بعبادة التوراة، ثم تطوّرت عبر كتابات يوحنا الرائي إلى كريستولوجيا اللوغوس عند الآباء اليونانيين الذين تأثروا هم أنفسهم بفكرةِ أفلاطون الجميلة، في «طيماوس»، عن العالم بوصفه جسدًا إلهيًا خلاقًا. فالطاقةُ الإلهية الخلاقة، التي تُطلقُ نفسها في نشاطٍ دائمٍ فرِح، لها - بحسب القصيدة - نظيرٌ لحظيّ في النشوة البشرية: يستطيع الإنسان، ولو لبرهةٍ أثناء المعاشرة، أن «يمتدّ عبر ستارِ الرّب» ليشارك - بالتماسّ المباشر - في جريانِ الحياة الخلّاق.

الصورةُ تحملُ الفكرة. وأهمُّ وظيفةٍ لصور البحر في «التجديفُ المُفْزِعُ نحوَ الرّب» هي أن تحمل العناصر التي تُنتجُ هذه الصوفية اللوغوسية بوصفها آخر إنجازٍ لسكستون، آخر فكرةٍ واهبةٍ للحياة صار عملها يجسّدها.

ومن أهمّ قصائد هذا التركيب الشخصي قصيدةٌ غريبةٌ اسمها «السمكة التي مشت». العنوان يقدّم السيناريو: سمكةٌ تدخل العنصرَ الإنساني زمناً، فتجده «مُحرِجًا» و«بلا نعمة»: «لا إيقاعَ في بلاد التراب هذه»، تقول. لكن التجربة تُوقظُ في الشاعرة-الراصدة ذكرياتٍ عميقة عن وجودها الضبابيّ السابق في البحر، عائمةً في «ملحِ بطنِ الرّب»، مع أشواقٍ طويلة «إلى بلادك، أيتها السمكة». وفي ضوء قصيدة «اللوغوس» التي تسبقها مباشرةً لا تبدو هذه القصيدة غريبةً كلَّ الغرابة. فبإشاراتها إلى النعمة ورمز السمكة التقليدي بوصفه المسيح، تكون هذه نسخةَ آن سكستون الشخصية جدًّا عن «اللوغوس» المتجسّد الساكن بين الناس. تؤكد سكستون أنها هي نفسها عرفت تجربةً صوفية: أن تعيش في حياةِ الإله الجارية. وتنتهي القصيدة بحوارٍ بين الشاعرة والسّمكة-اللوغوس.

وحدسُ سكستون باللوغوس ذاته خلاق، يُنجبُ عملًا تخييليًا آخر. تتتابع التطوّرات وتُنسج الروابط. فالرّب - مثلًا - غيرُ مكتملٍ بلا جسد: وفق قصيدةٍ عنوانها «الأرض»:

الرّب يملكُ السماء،

لكنّه يشتهي الأرض

...لكنه أكثرَ من كل شيء، يحسد الأجساد،

هو الذي لا جسدَ له.

وفي قصيدةٍ لاحقة من الديوان يتمنّى اللوغوس أن يتجسّد أكثرَ من مرة:

لقد وُلِدتُ مرّاتٍ كثيرةً، مسيحًا زائفًا،

لكن دعني أولدُ ثانيةً

في شيءٍ حقيقي.

في عالمٍ كهذا، حيث اللوغوس هو البحر الذي تسكنه الشاعرة، يصبح كلُّ شيءٍ مشحونًا بـ«الشخصانية» أو «الشخصية». وقربَ نهاية الديوان تبدأ قصيدةٌ بقولها:

لا أستطيع أن أمشي شِبرًا

دون أن أحاولَ المشيَ إلى الرّب.

لا أستطيع أن أحرّك إصبعًا

دون أن أحاولَ لمسَ الرّب.

وهذه الأرضية أرضيةُ المتصوفة واللاهوتيين الذين رأوا اللوغوس قائمًا أزليًا، مسؤولًا عن خلقِ العالم المادي، ومسؤولًا أيضًا عن منعِه من السقوط ثانيةً في اللاوجود.

وهكذا يغدو البحرُ - وهو يندمج في فكرة اللوغوس - الاستعارةَ العميقة التي تمنحُ «التجديفَ المُفْزِعَ نحوَ الرّب» أوسعَ معناه وأشدَّ قوته: بحرُ اللوغوس يمنح الحياة أولًا، ويعضدها ويحملها، ثم يستعيدها في النهاية. بحرُ اللوغوس هو الحلبةُ الشخصانية لصراع العقل الإنساني؛ وهو كذلك غايةُ العقل والعاطفة. ووعيُ الشاعرة في مركز هذا العالم. عبقريتُها تتّقدُ في هذا الاتصال الحيوي بمصدرها. وبهذا الديوان يصنعُ عملُ آن سكستون تركيبًا شديدَ الشخصية لإمكانات التصوف في الحضارة الغربية.

ومن المُدهِش أن نعثر على هذا التقوى التقليدية في سيدةٍ «متأنّقة» مثقفة، كانت محادثتها مرشوشة بألفاظٍ فاحشةٍ عادية، وكانت علامتُها التجارية علبةَ سجائر «سالم» التي لا تفارقها. ففي الصور المصاحبة لأعمالها تظهر مهذّبةً بعناية، مرتديةً ثيابًا غالية، متخذةً وضعية تصوير أمام شُرفةٍ زجاجية تُزيّنها أثاثاتُ الخيزران ونباتاتٌ في أصص. إن كان هذا هو موضعُ العذاب، بدا الأمر تهكّمًا ساخرًا. وبناءً على هذه الصور قد يكاد المرء يتّهم آن سكستون بالإفراط في تدليل الذات؛ وقد نكاد نوافق واحدًا من نقّادها الأوائل أنها «شاعرةٌ بلا ميولٍ صوفية». لكن صوتَها مُكوَّنٌ عميقًا من طبقاتٍ من خبرةٍ أصيلة. وقد صار الأسلوبُ في هذا الديوان الأخير نحيلاً دقيقًا، وعرضُها للسانها الشخصي أكثرَ إحكامًا.

والمُفاجئ أيضًا أن نجد هذه السيدة عالمةً بالتقليد إلى هذا الحد. كانت تزدري تعليمَها الرسمي: «لستُ - على حدّ علمي - مثقفةً من أي نوع… لم أدخل الجامعة قط، كنتُ راسبةً رسوبًا محضًا في أي تعليمٍ تلقيته، كنتُ أضحك وأنا أعبر الامتحانات… وحتى بدأت في السابعة والعشرين لم أكن أقرأ كثيرًا». وقد دفعت ملاحظاتُها صديقًا متعاطفًا إلى أن يكتب (وأظنّه مخطئًا): «ولم تكن سكستون شخصًا تأمليًا أو فكريًا على نحوٍ خاص. جاءت إلى الشعر متأخرة، وإلى التعلّم متأخرةً أكثر، ومع أنها عملت بجدّ لتثقّف نفسها، لم تكتسب قط مفرداتٍ تُناقش بها أفكارَها بمستوى يملك قيمةً أو دوامًا». لكن القارئ يخرج من «التجديفُ المُفْزِعُ نحوَ الرّب» بإحساسٍ أنه وُضع في تماسّ عميق مع تقليد الأدب والحسّ الديني؛ فهي تُجسّد طولَ ذلك التقليد وغناه.

فعلى سبيل المثال، يبدو العنوان «التجديفُ المُفْزِعُ نحوَ الرّب» كأنه يَقبضُ بظلاله على أصداء إميلي ديكنسون، وبعضُ قصائد حبّها تتضمن صورَ التجديف نحو مرفأٍ آمن. والكتاب - حقًا - يوحي منذ انطباعاته الأولى أنه يُعيد تلخيص التجربة الأمريكية في الأدب. وتنعكس أسطورة «يوريكا» لبو في هذه الأسطر: «سآخذ عتلةً، وأقتلع القطعَ المكسورة، من الرّب في داخلي». وتُردِّد ويتمن حين تسمي قصائدها «أغنيةً لنفسي». وصوتُ ت. س. إليوت المتأخر يُسمَع حتمًا في هذه الأسطر:

أصغوا.

لا بدّ أن نتوقّف جميعًا عن الموت بالطرائق الصغيرة،

في فَوَّهاتِ الكراهية،

وفي حُفَرِ اللامبالاة -

قتلٌ في المعبد.

المكان الذي أعيش فيه

نوعٌ من متاهة،

وأنا أظلُّ أطلب

المخرجَ أو البيت.

ومع ذلك لو استطعتُ أن أُصغي

إلى شجاعةِ هؤلاء الأطفالِ البلدغيّة

وألتفتُ إلى الداخل، إلى وباءِ روحي

بعينين أكثرَ من النجوم

لأذبتُ الظلام...

ولا بدّ من إيماءة إلى بركة ثورو المُشخَّصة حين تلاحظ «البركةَ وهي تلبس شاربَها من الصقيع». وثمّة اشتباكٌ مباشر مع قصيدةٍ لإميلي ديكنسون حين تقول: «لعلني لا أحد». ويُلمَح الإرثُ الهندي الأمريكي لمحةً سريعة حين تتخيّل محميّةً فيها «ريشُهم البلاستيكي، الحلمُ الميت»، وتحاولُ هي أن تُعيدَ إحياءَ تلك الأحلام الهندية عن النار، والنسر، والقيوط، والطيور الصغيرة. وكُتّاب أمريكا الكبار حاضرون كذلك في صور البحر في كل صفحة تقريبًا من «التجديفُ المُفْزِعُ نحوَ الرّب». وهي تُوسِّع أيضًا اهتمام الكاتب الأمريكي بالتطور: يظهر الموضوعان في قصيدةٍ واحدة حيث «البحر… مطبخُ الرّب».

بل يمكن العثور عليها أشدَّ حضورًا داخل هموم الحداثة في القرن. فهي تُشبه ييتس في بدايات الديوان: «[الأطفال] يكتبون حياتَهم، على قرنٍ سقطَ إلى الخراب». وقد تعلّمت المزاجَ الحديث من كيركغارد، وتقدّم في إحدى القصائد نسختَها الشخصية من «المرض طريق الموات». وتعلّمت من بيكيت بناءَ مشاهد العبث، بحيث تكون حياتُها هي النصّ. وتعلّمت الجديةَ الميتافيزيقية لـ«الختم السابع» لإنغمار برغمان: إذ تتخيّل القصيدةُ الأخيرة من هذا الديوان سكستون وهي تلعب «الفلَش الملكي» ضد أوراق الرّب الجامحة الشاعرية. وتعلّمت من لوول وبيريمان وسنودغراس كيف تُحرِّر كتابتها لتُضاهي نبرات الكلام الداخلي الحديث وهمومه. وقد انكسرت المحرّماتُ اللغوية: فابتذالاتُ الكلام العادي تُغدو - في السياق - كاشفةً بمقدار ما كانت التحليقات الخيالية قديمًا كاشفة. والبنى العروضية في عملها الأخير لا تصحُّ إلا داخل القصيدة المفردة - لكل قصيدة شكلُها.

ويحتوي «التجديفُ المُفْزِعُ نحوَ الرّب» طبقةً من تقاليد تاريخية أعمقَ وأطول. وما سيجعل شعرَ آن سكستون صالحًا للبقاء هو تحديثُها لحكمةِ التأمل الدائمة في الغرب. قال سي. إس. لويس: «إنّ الإنسانية لا تمرّ بمراحل كما يمرُّ القطار بالمحطات: فهي، ما دامت حيّة، لها امتيازُ أن تتحرّك دائمًا دون أن تترك شيئًا وراءها». تظلّ السماءُ والجحيمُ نافعين للعقل كي يُحدِّد موقعه، حتى عند شعبٍ بلا «إيمان» يرى فيهما مكانين حقيقيين. وديوان سكستون الأخير يقدّم خلاصةً شديدةَ التخصيص للحكمة الدائمة: لتلك الأسئلة التي تُؤطِّر استقصاءنا، وتلك القيم التي نتأملها على الدوام في خلوتنا. لقد كتبت سلاسلَ مزاميرها الخاصة، وأمثالَ حكمتها. وهي تنظر إلى آثار الشر في الداخل وتقتنص تفسيرًا مرحًا من أول نصٍّ في الأدب: «لا أقصد أن أكون [شرًّا]، تفهمون، إنما شيءٌ أكلتُه». إن النسيج محبوكٌ بكثافة على يد امرأة «قليلة التعليم».

يَصِفُ «التجديفُ المُفْزِعُ نحوَ الرّب» لا إدراكَ «اللوغوس» فحسب، بل يَصِفُ أيضًا الرحلةَ التقليديةَ للنفسِ الزاهدة نحوَ «اللقاء». فثمّةَ صوتٌ حاضرٌ منذ الدواوين الأولى يُعاودُ التأكيد على الشِّدّة العصابية في إدراكاتها، تلك الحساسيةِ المفرطة التي تُولِّدها الفوضى الداخلية. غير أنّ هذا الصوت - في هذا الكتاب الأخير - يبدو وقد تَهَذَّبَ ليصيرَ أداةَ بصيرة. لقد غدت الغرفةُ التي تكتب فيها مُقدَّسةً وسِحرية: فمآخذُ الكهرباء في الجدار لعلّها «مغارةُ نحل»، والهاتفُ يضربُ جذورًا ويُزهر، و«الطيورُ تنفجر» خارجَ النافذة؛ وآلتُها الكاتبة في المركز، لها ثمانٌ وأربعون عينًا لا تُغمِض؛ تحملُ أناشيدَ لرقصة «جوي»، وأغاني تأتي من الرّب. وهذه الغرفةُ - غرفةُ الكاتب - تصيرُ المركزَ الجغرافيَّ لقصائدها، كما تصيرُ الكتابةُ شغفَها الواحد الذي أَقْصَى بلا رحمةٍ سائرَ الأشواق: العاشقُ الذي احتُفي به في قصائد الحب، والزوجُ الذي انتهى بزواجٍ ثم طلاق، والبناتُ الآخذاتُ في النضج، والأصدقاءُ الذين نُفِّروا أو تُرِكوا - كلُّ أولئك هبطوا تحت أفقِ هذا الديوان. ولعلّ في الأمر تلك الأنانيةَ القاسية التي ظنّ بيري ميلر أنه رآها في ثورو: تبسيطٌ عنيفٌ لاقتناصِ عزلة الكاتب. وربما كان الأمرُ - على وجهٍ آخر - الغريزةَ الأخيرة للزاهد: أن يُقصي من حياته كلَّ ما لا يدلُّ على هذا العالم، ولا يُضيفُ حِملاً ضروريًّا لمرحلةٍ تالية.

وتبدأ الرحلةُ داخل هذه الغرفة بفراغٍ وحشيّ، بإفراغٍ مُدمِّر. تتخيّل سكستون نفسها «الساحرة»؛ وهي صورةٌ من قصائد سابقة تتخذها الآن هويةً شخصية. تذهب إلى نافذتها لا لتُبصِر، بل لتصرخ: «اخرجوا من حياتي». وتتخيّل نفسها عجوزًا هزلية المنظر:

إنني أجرفُ الأطفالَ إلى الخارج،

مغرفةً بعد مغرفة...

لعلني أصير ناسكةً،

لا أفتحُ البابَ إلا

لقليلٍ من الحيواناتِ المختارة...

لعلني سَدَدْتُ مآخذي

كي أحبسَ الآلهةَ في الداخل...

لكن ذلك - تقول - كلُّه مطلوبٌ من أجلِ عبارةٍ مهيبة: «التسلّقُ البدئيّ الأوّل».

وفي البداياتِ الأولى لهذا الصعود تتدخّلُ قوةُ الشر فتَحُول وتَسُدّ. تشعرُ بـ«قنبلةِ إلهٍ غريب»:

الأطفالُ جميعًا يبكون في أقفاصهم...

إنهم شيوخٌ رأوا أكثرَ مما ينبغي،

أفواهُهم محشوةٌ بثيابٍ قذرة،

ألسنتُهم فقرٌ، ودموعُهم قيح.

ثم تأخذُ هذا الشرَّ إلى نفسها، وتُنشدُ رثاءَ صاحبِ المزامير القديم:

خرجَ الرّب مني

كأنّ البحرَ جفَّ وصار كورقِ صنفرة،

كأنّ الشمسَ صارت مرحاضًا.

خرجَ الرّب من أصابعي.

صارت حجرًا.

صار جسدي جانبَ خروف،

وصار اليأسُ يجولُ في المسلخ.

وبكونها متألّمةً هي أيضًا، يتّسعُ شفَقُها ليشملَ البشريةَ كلَّها، تلك العالقةَ في جحيمِ حلمٍ سيّئ:

إنهم بُكم.

لا يصرخون: النجدة

إلا في الداخل،

حيثُ قلوبُهم مغطّاةٌ باليرقات.

ومع الشفقةِ تأتي البصيرة. تُحسُّ أنّ قلبَها ميت، لكن ليس إلا لأنها سمّتْه «شرًّا». ثم يلوحُ نورٌ آخر حين ترى أن العزلةَ الجسديةَ وجهٌ من وجوهِ بؤس الإنسان؛ ففي قصيدةٍ اسمها «أبوابٌ مُغلَقة» تُحدِّق في جحيم البشر: «الناسُ في الداخل لا ماءَ لهم، ولا يُسمَح لهم أبدًا أن يلمسوا». وكانت في قصيدةٍ أولى من هذا الديوان قد بدأت هذا اللحنَ نفسه:

ثم كانت الحياةُ

ببيتِها القاسي

وبأناسٍ قلّما لمسوا -

مع أنّ اللمسَ هو كلُّ شيء.

وثلاثُ قصائدٍ تظهر قربَ المركز تعيدُ تمثيلَ أوجهٍ من الرحلة نحو إدراك اللوغوس. وأكثرُ قصائد الديوان رسوخًا في التاريخ تسمّى: «المرضُ طريق الموات»؛ وهي تأمّلٌ كيركغارديّ في شعور الإنسان بالفقد والعزلة، وبالاغتراب عن بحرِ الحياة. وما يبقى هو الشرُّ، القذرُ المخلّفاتيّ؛ ويجب أن يُؤكل ببطءٍ وبمرارة. تقفُ القصيدةُ كعمودٍ في وسط الكتاب، وتنتهي بانعطافٍ صاعد، بتطهير:

غسلتني الدموع

موجةً بعد موجةٍ جبانة...

ووقف يسوع فوقي ينظر إلى أسفل

وضحك إذ وجدني قد غبت،

ووضع فمَه على فمي

وأعطاني هواءه.

وتأتي القصيدة التالية بعد صفحاتٍ قليلة فتُتابع هذا الارتقاء. تبدأ «الجدار» بمفارقةٍ: عبر ملايين السنين من التطور، الشيءُ الوحيد الذي لم يتغيّر في الطبيعة هو ظاهرةُ التغيّر؛ فالتبدّلُ هو الثابتُ الوحيد. ومن الحكمة أن يُشارَك في هذه الحقيقة بوعي. وفي الختام يتخذ صوتُ الشاعرة جلالًا رسميًّا؛ إذ صارت رائيةً عاشتْ قريبًا بما يكفي من خبرتها لتخرج بحكمةٍ تستحق أن تُقال:

لكلِّ من يمضون،

وكثيرون هم الذين يتسلّقون ألمهم،

كثيرون سيُمحَون بحبرٍ أسود

فجأةً وقبلَ الأوان،

لهؤلاء الكثيرين أقول،

بحَرَجٍ وبثِقَل،

اخلعوا حياتَكم كالسراويل،

أحذيتكم، ثيابَكم الداخلية،

ثم اخلعوا لحمَكم،

وفُكّوا قفلَ عظامكم.

أعني: اخلعوا الجدار

الذي يفصلكم عن الرّب.

وطريقُ الصعود - رحلةُ الإيجاب - يتخلّلها فرحٌ ورؤى. أمّا البصيرةُ المُؤسِّسة التي تُنظِّم ما بقي من الارتقاء فتأتي في قصيدةٍ ثالثة اسمها «أحقٌّ هذا؟» وهي أطولُ قصائد الديوان، ومكانُها كذلك قربَ المركز. إنها قصيدةُ أشغالٍ وبركاتٍ للأشياء العادية، فتغدو شفّافةً مقدّسة. غير أنّ الشاعرة، في خضمِ ذلك، لا تزالُ تحسُّ نفسها «في بلادِ الوحل الأسود»، وترى نفسها حيوانًا مملوءًا بالقذارة، تعيش في بلدٍ كان لا يزال يُحاربُ فيتنام. تبدأ القصيدةُ بالغريزةِ الطبيعية للإنسان: أن يتوقف عن عمله، ويرفع رأسه نحو الشمس أحيانًا؛ وتنتهي بالنظرِ إلى أعلى فتجد المسيحَ في هيئةِ نورسٍ جريح:

لأني أرفعُ نظري،

وفي وهجٍ من زبدةٍ

هو المسيح،

مُدنَّسٌ بدموعي الحامضة،

المسيح،

حملٌ ذُبح،

أمعاؤه متدلّيةٌ كدودةِ بحر،

لكنه يظلُّ حيًّا، حيًّا

كجناحي نورسٍ أطلسي،

وإن كان قد كفَّ عن الطيران،

فإن الجناحين يظلان يخفقان

رغم كلِّ شيء،

رغم كلِّ شيء.

ثم تسجّل القصيدة التالية لحظاتِ نشوةٍ خالصة، تتشرّب فيها الأعمالُ اليوميةُ والأشغالُ العادية حضورَ الإله: «ثمّة فرحٌ، في كلِّ شيء». وتُسحَب الشاعرة بسَورةٍ «لكي أُغمى عليّ قرب طاولة المطبخ، في صلاةِ ابتهاج». وبعد صفحاتٍ قليلة تُوسِّع ذلك في قصيدةٍ تُسمّى «القلب الكبير»، فتقبل سكونًا جديدًا على مستوىً أعلى من المصالحة:

والرّب يملؤني،

وإنْ كانت هناك أوقاتُ شكّ

خواءً كالوادي العظيم،

مع ذلك الرّب يملؤني.

يمنحني أفكارَ الكلاب،

والعنكبوتَ في شبكته المعقّدة،

والشمسَ

بكلِّ دهشتها،

والكبشَ المذبوح

الذي هو المجد،

لغزُ التكلفة العظمى،

وقلبي،

وهو كبيرٌ جدًّا،

أقسم أنه بالغُ الاتساع،

وحشٌ من نوعٍ ما،

يأخذُ كلَّ ذلك -

ويدخلُ غضبُ الحب.

ويؤدي ذلك - في القصائد التالية - إلى مصالحاتٍ عديدة. يلتفّ الأصدقاء حولها، ويُثمَّنون لما عندهم من «وفرة». وقد تخون الكلماتُ الشاعرةَ أحيانًا، لكنها تظلُّ «معجزة» مع ذلك:

إنني عاشقةٌ للكلمات.

هي حمامٌ يسقط من السقف.

هي ستُّ برتقالاتٍ مقدّسة تستقرُّ في حجري.

هي الأشجارُ، سيقانُ الصيف،

والشمسُ، بوجهها المشتعل.

وتتصالح مع الأم التي كانت حضورًا قاسيًا في دواوين سابقة؛ تستعيدُ الحياةَ عند الثدي، والحياةَ عند الركبة، وتشعر الآن بالقوة اللازمة لمواجهة ما تسميه «عالمَ الكبار». ويصير التراثُ الصوفيّ كله مِلْكَها الشخصي، حتى إنها تستطيع أن تتحدث عن يسوع المسيحية بوصفه «المسيحَ الذي مشى لأجلي».

ولا بدّ لنا إذن أن ننزل إلى آن سكستون بوصفها شاعرةً دينية؛ وقد وجد النقّاد هذا الجانب من شعرها أصعبَ من لغتها الصادمة أو من كشفها لأسرار العائلة. إنه واضحٌ جدًّا في الدواوين المتأخرة أنها تغدو أكثرَ فأكثر اهتمامًا باستكشاف جوانب من التراث الديني الغربي. وكانت باربرا كيفلز هي المُحاوِرة التي استطاعت أن تنفذ أعمقَ نفاذ إلى هذا الجانب من خبرة سكستون. ففي مقابلة «باريس ريفيو» سنة ١٩٧١ قادتها أسئلتُها اللطيفة المُلحّة إلى أن تكشف كثيرًا عن تجاربها الدينية. وقد احتجّت أولًا أنها ليست «كاثوليكيةً مرتدّة» كما ظنّ بعضهم؛ بل كانت متديّنةً على طريقتها البروتستانتية الخاصة. وأغربُ ما في هذا الحوار كشفُها عن الرؤى: «لديّ رؤى، أحيانًا رؤى مُطقَّسة تأتي إليّ من الرّب أو من المسيح أو من القديسين، وأشعر أنني أستطيع لمسَهم تقريبًا… وأنهم جزءٌ مني… وإن أردتم الحقيقة: الأوراقُ تخاطبني كلَّ يونيو… أشعر بعد الرؤية أنني على صلةٍ شديدة بالأشياء. الأمر يشبه شيئًا من بداية كتابة قصيدة؛ فالعالم كله يصير حادًّا واضحَ الحدود، وأصير حيّةً على نحوٍ مُكثَّف…». ويستعيد المرء هنا حكاية هيلدا دوليتل عن نفسها: إذ لمّا ذكرت لسيغموند فرويد أنها ترى رؤى دينية رأى - حينئذٍ - أنها صارت «مُثيرة للاهتمام» بما يكفي، و«مريضة» بما يكفي، ليقبلها مريضةً لديه. غير أنّ سكستون - في هذه المقابلة - استطاعت أن تفصل بين الدين والمرض العقلي على الأقل بما يُرضيها: «حين تكون مجنونًا تكون [الرؤى] سخيفةً وفي غير موضعها؛ أما إذا كانت تجربةً صوفيةً كما يسمّونها فقد وضعتَ كلَّ شيءٍ في موضعه الصحيح». وقد قالت إن الحديث عن هذه الأمور يُسبب لها شيئًا من الضيق، وتُفضّل الانتقال إلى موضوعاتٍ أخرى. لكن خطّ الأسئلة استخرج هذه البصيرة الأخيرة: «أظنّ أن الناس في الزمن الآتي سيكونون أشدَّ صدمةً من شعري الصوفيّ من صدمتهم من شعري الاعترافيّ المزعوم».

ولم يُستحسن هذا الشعر الصوفيّ استحسانًا عامًّا. فبعض النقّاد الخصوم قرأ القصائد الدينية كأنها «شرائطُ كوميك لفظية… وإن صورة "السيدة سكستون" البائسة تذكّر المرء أقلّ بالقديسة تيريزا وأكثر بتشارلي براون». غير أنّ ناقدًا آخر استطاع أن يرى فيها «الكهنوتي… كاهنةً تحتفل بالأسرار»، وأن يستعمل ألفاظًا مثل: «طقسي… عرّافة… نبوئي».

وقد تكون سكستون نفسها قد فوجئت، أو استحيت، من هذا المنعطف في اهتماماتها، ومن اتجاه نموّها الخاص. ولعلّ ذلك يفسّر قرارَها أن تترك القصائد للنشر بعد موتها - مع أنّ القارئ المتنبّه يستطيع أن يتلمّس بذورَ هذا الديوان، وإشاراتِ هذا التطور، في أعمالها السابقة.

ونصلُ أخيرًا إلى «القديسة آن»، التي لم تجد التراثَ الغربي في الروحانية مفلسًا قطّ. ففي أواخر هذا الديوان نراها تقرأ سِيَرَ القديسين، ولها تأمّلاتٌ في الفضائل اللاهوتية الثلاث: الإيمان والرجاء والمحبة. يُوصَف الإيمان أولًا بأنه ثقلٌ عظيم من المعلومات مُعلّق على سلكٍ صغير. ثم يصير هذا السلك الصغير وريدًا رفيعًا ينبض فيه الحبّ ذهابًا وإيابًا، يُغذّي المؤمن بحياةٍ أعلى. وهذه الصلة واهبةٌ للحياة وداعمةٌ لها - كما يُغذّي الغصنُ حياةَ العنب، في صورةٍ أخرى من القصيدة. والخاتمة حديثةٌ على نحوٍ درامي، مع واحدة من تشبيهات سكستون المُبتذِلة المُختزِلة: إن الوريد النابض للإيمان هو «عقدُ الإنسان مع الرّب»، الذي «سيدخلُ يديك، بسهولة ما كانت عشرُ سنتات، تُخرج كوكاكولا». والقصيدةُ لافتةٌ لذكائها وتكثيفها، فضلًا عن سعتها التاريخية.

وتُحاصر قصيدتا التجديف هذا الديوان وتمنحانه عنوانه. وهما القصيدتان الوحيدتان اللتان تستعملان استعارة التجديف. الأولى قصيدةُ بدايات: ذكرياتُ المهد، والدمى، والسنوات المدرسية الأولى، والاعترافُ التدريجي بالألم الداخلي والوحدة. يخرج الوعي من هذه الخبرات كما لو كان يرتفع من تحت بحر، ويبدأ يميّز الرّب كجزيرةٍ هي الغاية. والمجدّف في حلمٍ يُصارع عوائق عبثية، لكنه يحتفظ برجاءِ سكينةٍ وحلٍّ في نهاية الرحلة.

أما القصيدة الأخيرة فمفعمةٌ بالفرح. لقد انتهى التجديف، وانقضى الصراع. والمفاجأة فيها لعبةُ البوكر التي يفرضها الرّب على الوافدة. يُعطيها «فلَشًا ملكيًّا»، عائلةَ الأوراق كلها كاملةً. لكنه خدعها - بورقةٍ جامحة - إذ في يده خمسةُ آسات. وتخدم اللعبةُ والخديعةُ إطلاقَ آخر توترات الديوان. يفيض الضحك، وتدور حلقةُ ضحكه فتتدحرج إلى فمها، مُوَحِّدةً الرّب والمجدّفة في اتحادٍ حميم.

ثم أضحكُ، ويضحكُ الرصيفُ السمكي،

ويضحكُ البحر. وتضحكُ الجزيرة.

ويضحكُ العبث.

وتنتهي القصيدةُ والديوان بحبّ الورقة الجامحة، «أيها الموزّعُ الأثير»، «يا الحبَّ الأبدي… والمُحظوظ».

يبدو «التجديفُ المُفْزِعُ نحوَ الرّب» كأنه أُرغُنٌ مُركّب، تبسيطٌ جذريٌّ نالته الشاعرة بثمنٍ شخصيّ باهظ. وقد وصفت أناييس نِن عملها ككاتبة على هذا النحو: «لماذا يكتب المرء؟ سؤالٌ أستطيع أن أجيب عنه بسهولة، لأني كثيرًا ما سألته لنفسي. أؤمن أن المرء يكتب لأنه مضطر أن يخلق عالمًا يستطيع أن يعيش فيه. لم أستطع أن أعيش في أيٍّ من العوالم التي عُرضت عليّ - عالم والديّ، عالم الحرب، عالم السياسة. كان عليّ أن أخلق عالمًا خاصًّا بي، كالمناخ، كبلد، كجوٍّ أستطيع أن أتنفّس فيه، وأحكم، وأعيد خلق نفسي حين أتهدّمُ بفعل العيش. ذلك - في ظنّي - سببُ كلِّ عملٍ فني».

إن «التجديفَ المُفْزِعَ نحوَ الرّب» «عالمٌ بديل» مصقولٌ مكتمل، لا مفرّ منه مثل كلِّ عملٍ عظيم. إنه التجسيدُ الشخصي لإحدى أقدمِ الأفكار في التقليد الغربي وأشدّها إنعاشًا: فكرة اللوغوس. وهي لا تموت مثل شخصية دنكومب عند هنري جيمس في «سنوات الوسط»، وهو يشعر أنه لم يُكمل العمل الفني الذي كانت حياته كلُّها استعدادًا له. غير أنّ إنجازها في هذا الديوان ما قبل الأخير؛ إذ تبقى الفعلةُ الأخيرة - الانتحار - لتُتأمّل.

ثمّة جسدٌ من النظرية العلمية عن طبيعة الانتحار. أحد المنظّرين الاجتماعيين-النفسيين يبدأ بأسئلة من قبيل: «لماذا يُقدِم الإنسان على شيءٍ مُرعِب كالقتل حين لا يكون شيءٌ مُرعِب كالموت وشيكًا؟» وافتراضُه أن الموت دائمًا وفي كل حالة «مخيف» و«مُفزع». أما عمل سكستون الأخير فهو دليلٌ معاكس. «الانتشاء» كلمةٌ أنسب.

ولعلّنا نقترب من الواقع مع أ. ألفارِز. ففي دراسته الاستثنائية عن الأدب والانتحار كتب ألفارِز: «كلُّ انتحارٍ عالمٌ مُغلق له منطقُه القاهر». كلُّ انتحارٍ حالةٌ خاصة، ملفوفةٌ في لغزٍ فردي. وعليه ينبغي أن نبني نظريةً لكل حالة؛ وللبداية يمكننا أن نقتطف أنطولوجيا قصيرة من تعليقات سكستون على الموت، من رسائلها إلى الأصدقاء:

قتلُ النفس ليس إلا طريقةً لتجنّب الألم.

الانتحار نقيضُ القصيدة.

كنتُ مرةً أظنّ أن الرّب لا يريدني هناك في السماء. الآن أنا مقتنعةٌ أنه يريد.

في رأيي هيمنغواي فعل الصواب.

يكتب المرء كي يحول دون أن يُمحى.

أنا متيقّنة - يا لَعنة الرّب - أنني سأموت قريبًا.

هذه القائمة مرتّبةٌ زمنيًّا، ومع أن الجمل نثرٌ خشنٌ بلا سندٍ من إطار القصيدة، فهي تُظهر تطوّرًا: من موقفٍ مألوفٍ مُثقل بالذنب إزاء الانتحار إلى فهمٍ أكثر انفتاحًا له. وقد تغيّرت أفكارُ سكستون عن الانتحار واضحًا كلما اقتربت من موتها.

وقد جمعت سكستون كثيرًا من تأملاتها الفنية في الانتحار في ديوانها الثالث «عِشْ أو مُت» (١٩٦٦)، وإعطاءُ سردٍ كامل لتكوّن فكرتها يقتضي أن نتعامل مطوّلًا مع تلك الاستكشافات. غير أن جولةً سريعة في هذا الديوان تُخرج لنا عدّة تصريحات مباشرة عن «الشهوة التي تكاد لا تُسمّى» للتدمير الذاتي:

لكن للمنتحرين لغةً خاصة.

مثل النجارين يريدون أن يعرفوا أيَّ الأدوات.

لا يسألون أبدًا: لماذا نبني؟

وقد كانت رحلتُها قد اتجهت سلفًا إلى ذلك المنحى. لكن كذلك - بمعنى أعم - رحلةُ الجميع:

لكنك تعلم يقينًا أن لكلِّ إنسانٍ موتًا،

موتَه الخاص،

ينتظره.

ولذلك سأمضي الآن بلا شيخوخةٍ ولا مرض...

وقد وصف قارئٌ غير متعاطف خاتمةَ «عِشْ أو مُتْ» بأنها نهايةٌ «مُبتذلة»، غير أنّها تُرى على أنها تُحدِّد الديوان تحديدًا قويًّا. فالقرارُ ألّا يقتل المرءُ نفسه «نوعٌ من البيان الإنساني»، احتفالٌ

بالشمس

وبالحلم، وبالهبةِ المتهيّجة.

وفي نحو هذا الوقت سجّلت سكستون توسُّل طبيبها النفسي: «لا تقتلِي نفسك. قد تعني قصائدُك شيئًا لأحدٍ يومًا ما». كأنها أحست بأن مهمةً لا تزال غير مكتملة.

لكنّ أقوى قصائد ديوان ١٩٦٦ ربما تقع في المركز: «أن تفقد الأرض». يُصعَق القارئُ بصدارتها المنقولة عن توماس وولف:

أن تفقد الأرضَ التي تعرفها، لمعرفةٍ أكبر؛

أن تفقد الحياةَ التي لديك، لحياةٍ أكبر؛

أن تترك الأصدقاءَ الذين أحببت، لحبٍّ أكبر؛

أن تجد أرضًا أرفق من الوطن، وأوسع

من الأرض...

ثم تمضي القصيدةُ لتقود القارئ إلى دخولِ عملٍ فنيّ، وهي خبرةٌ بالغة التأثير. إنه دخولٌ إلى عالمٍ من جمالٍ لا زمانيّ، يرفعُ العقلَ ويُبدِّله تبديلًا جذريًّا. لكنّ هذا الدخول - بما أنه مُقدَّمٌ باقتباس وولف - ملتبس: فهو أيضًا خبرةُ موتٍ تُدخلُنا فيها. هذه قصيدةُ سكستون التي تجمع «أنشودةً على جَرّةٍ يونانية» و«أنشودةً إلى عندليب» في آنٍ واحد: إغواءُ الموت يمتزج بفكرةِ الجمال الأزلي. إنه هروبُ «الأنا» مع مخيلتها إلى سكونٍ أبديّ من جمالٍ وحق. وقد كتبت جويس كارول أوتس - بتعاطفٍ أكبر - أن «سكستون كانت تتوقُ إلى تلك الخبرة الأوسع، إلى دفقةِ يقينٍ شبه إلهيّ بأن الذات خالدة». وكان فرويد قد عمّم هذه الظاهرة من قبل: «لا يؤمن لاوعينا… بموتِه الخاص؛ إنه يتصرّف كأنه خالد». نحتاج إذن إلى جهازٍ أوسع من الفئات لفهم الانتحار.

وتأمّل رالف والدو إمِرسون - في شبابه - بسخاءٍ تعدّدَ الدوافع المؤدية إلى الانتحار، وقدّم هذه القائمة:

ليس صوابًا أن نقول على وجه العموم إن المنتحر بطلٌ أو جبان… إن قيمة الفعل تعتمد - بديهًا - في كل حالة على حالة الفرد الخاصة. فقد يكون في واحدٍ أثرَ يأس، وفي واحدٍ أثرَ جنون، وفي واحدٍ أثرَ خوف، وفي واحدٍ أثرَ مروءةٍ وعظمةِ نفس، وفي واحدٍ أثرَ فضولٍ متقد لمعرفة عجائب العالم الآخر.

وفئتَا إمِرسون الأخيرتان - المدهشتان من شابٍّ كان رجلَ دين - تأخذاننا أبعدَ نحو معانٍ كامنة في «التجديفُ المُفْزِعُ نحوَ الرّب».

ومن إنجازات هذا الديوان أنه يُحدِث توسّعًا هائلًا في الوعي. فحين تنمو سكستون من الفوضى الداخلية إلى الانسجام الداخلي، ومن الجنون إلى الشعر، تُصبح موضوعاتُ التقليد الصوفي وصورُه سلالمَ لذلك «التسلّق البدئي». تتكوّن داخليّةٌ واسعة: الصمتُ والتأمل ينحتان العالمَ الباطني حتى يُطابق - في خطوطه الكبرى - المشتركَ العام للتصوف الغربي. الرحلةُ هي عملُ الوحدة الخطِر:

ينبغي أن يُصغي المرءُ بحدّةٍ إلى الحيوان في داخله،

ينبغي أن يمشي كالنائمِ السائر

على حافة السطح،

ينبغي أن يُلقي جزءًا من جسده

في فمِ الشيطان.

إن الفرارَ من الكثرة بحثًا عن «الخالص، الدائم، الخالد، غير المتغيّر» الذي وصفه أفلاطون في «فيدون»، ينتهي إلى شعورٍ بالإنجاز، وبالتحكم بالنفس والراحة، وبـ«الكون في شركةٍ مع غير المتغيّر». وتغدو سكستون تجسيدًا لشكلٍ من التقليد الطويل للبحث الحرّ والتقصّي الباطني عن مفاهيم وقيم تجعل - كما قال سقراط - الحياة الإنسانية جديرةً بأن تُعاش. وينشأ إحساس - كما في «يوريكا» لبو - بالعودة من التبعثر إلى الوحدة، إلى الفردوس البدئي، وطنِ الحياة والجمال والذكاء. يمكن الآن لمن «يعشق الكلمات» أن يقدّم تقريرًا أوليًا عن هذا العالم، لكنّ الواقعَ نفسَه لا يُعاش كاملًا إلا حين يُتَّخذُ الخطوةُ الأخيرة إلى «الصمت العظيم» الذي يكلّل رحلة ثورو في أسبوع على نهري كونكورد ومريماك. وباستعارة عبارةٍ من ريلكه، فإن سكستون «تخطو، في ثيابٍ احتفالية، خارجَ الظلمة العظمى» لعزلتها. لقد حققت - في عملها الذروي - بالضبط ما سمّاه إمِرسون «عظمة النفس».

وليس يكفي أن نقول إن الأدب محاكاةٌ للحياة. إنه بالأحرى «مُلَخَّصٌ» للحياة، وفرضُ نمطٍ قسريٍّ عليها. فالزمنُ في الفن يتوقّف، ويُعاد، ويُرتَّب، ويُثرى، ويُقلب - على خلاف الحياة. قد تكون الأحداثُ التي تصيب شخصًا في دراما أو سرد هي تجاربَ شخصٍ حقيقي في حياةٍ حقيقية. لكنّ ثمة فرقًا مهمًا: ففي الحياة الواقعية تكون التجربة جزءًا من تدفّق؛ وتمتزج التجاربُ الدالة بتجاربَ مختلفة المعنى أو عديمة المعنى الظاهر. ويغدو نمطُ الدلالة معتمًا بأحداثٍ أخرى. وحتى أعمقُ استبطانٍ قد لا يكشف بدايةَ ارتدادات التجربة ولا نهايتها على وجه الدقّة. أمّا في الفن - حتى أكثرِه تجريدًا - فثمّة انتقاءٌ ونمطٌ واعٍ. الفنُّ وخبرةُ الحياة نادرًا ما يتطابقان. وقد تقع حالاتٌ تصير فيها الحياةُ ذاتَ معنى حين تحاول أن تُحاكي الفنَّ أقربَ محاكاة، كما لو حاول المرءُ أن يعيش وفقَ شريعةٍ أو مثال.

لقد صارت سكستون «فنانةً خالصة»، على حساب كل دورٍ آخر؛ فنانةً كان وسيطُها - في الحدث الأخير - هو حياتها نفسها. إن أفعالها الكبرى في أشهرها الأخيرة تبدو محاولاتٍ مقصودة لخاتمةٍ مسرحية: الكتاب الأخير صيغ حتى ترتيبِه الأخير؛ والمهمّة الأخيرة كانت أن تُؤدّي «النهاية». كيف يُضمَن غير ذلك دوامُ الإنجاز؟ كيف يُمارَس فعلُ الأصالة على الحالة الراهنة من البصيرة؟

وأشهر تعليقٍ في القرن العشرين على الانتحار هو قولُ ألبير كامو في أسطورة سيزيف: «لا توجد إلا مشكلةٌ فلسفية واحدة جادّة بحق؛ إنها الانتحار. أن تحكم على ما إذا كانت الحياة تستحق العناء أن تُعاش أم لا - ذلك هو السؤال الأساسي للفلسفة». وغالبًا ما يُفترض - في سياق فكر كامو - أن الانتحار سيكون حكمًا سلبيًّا على «قيمة» الحياة. وفي حالة سكستون الأمرُ على العكس.

في حالة سكستون يمكن أن يُرى الانتحار مؤسَّسًا على «عظمة النفس»، بوصفه ثمرةَ «فضولٍ متقد»، خاتمةً مختارةً تضع حجرَ التتويج لبناءٍ من الحياة والفن قد اكتمل الآن على نحوٍ مُرضٍ. ويغدو الانتحار صورةً من «قفزة الإيمان» الكيركغاردية: خطوةً إلى ما بدا للخيال - بمُوائماته - أنه يُصدِّقه. وإن لم يكن وراء ذلك نورٌ، فقد ترك المغامر على الأقل وراءه رؤيةً من نورٍ سامٍ. طريقُ سكستون ليس طريقَ الجميع، لكنه يملك منطقه الخاص، وبوصفه رؤيةً فنية يملك جمالًا استثنائيًا.

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق