أمشي وفي جوانحي لحدٌ ضامِر

 

أرتو يقول "لا" في تابوته لضرباتِ المِعْوَل.

هنري توماس، «موتُ أرتو».

في سنة ١٩٦١، حين لم تَعُد أعمال أنطونين أرتو وشخصُه ممّا يتداوله الناس كثيرًا، كتب ميشيل فوكو - في الصفحات الأخيرة من «تاريخ الجنون» التي صارت ذائعة الصيت - ما نصّه:

إنّ عملَ أرتو يختبرُ في الجنون غيابَهُ الخاصّ، غيرَ أنّ هذا الاختبارَ، وشجاعةَ استئنافِ هذا الاختبار مرّةً بعد مرّة، وكلَّ هذه الكلماتِ المقذوفةِ في وجهِ غيابٍ أَساسيٍّ للّغة، وكلَّ هذا الفضاءَ من ألمٍ جسديٍّ ورعبٍ يحيطُ بالفراغ - أو بالأحرى يتطابقُ معه - ذلك هو العملُ نفسُه: حافّةٌ شاهقةٌ على هاويةِ غيابِ العمل.

إنّ أرتو الشابّ، في رسائله إلى جاك ريفيير وفي نصوصه الأولى، يتكلّم عن شعورٍ يَسكنه: شعورِ غيابِه عن نفسه، وانطباعِه بأنّ روحَه وجسدَه لا يتساكنان. ثمّ بعد ذلك، وعلى الطريق الذي يسوقه سوقًا لا مردّ له إلى الجنون، سيحدّثنا عن الخلاء الذي ينطوي عليه، والذي طالَ به إنكارُه. ونحن نريد في النصّ الذي نقدّمه للقراءة أن نتناول موضوعَي الغيابِ والفراغ عند أرتو؛ لا لنُسقط هذا الكاتب إلى منزلة «حالةٍ مرضيّة»، بل لأنّه، عبر شكواه وصراخه ولعناته، يُحدّثنا عن مأساتِنا نحن: أن نُحبَسَ في جسدٍ هو سجن، وأن نُقذَفَ في زمانٍ ومكانٍ لا بدّ لنا من سُكناهما. ومدارُ تأمّلنا في الغياب والفراغ مستوحًى من أعمال بيير فِدِيدا، وهي بدورها مستلهمةٌ من التحليل النفسيّ الفرويديّ ومن الظاهراتيّة الحسْرَليّة. وقد كتب فِدِيدا: «أرتو كئيبٌ على نحو المالنخوليا، ولعلّ فصامَه لم يكن إلا دفاعًا مأساويًّا عن "ثقافتِه"».

إذا كان الغياب لا يكون إلا على خلفيّة حضور، فإنّ الفراغ لا يُحيل إلى جدلٍ من هذا القبيل؛ بل هو دُوار، ورعبُ سقوطٍ لا نهاية له. وقد أحسن جاك دريدا في تصوير مأساة أرتو حين ذكر «العدمَ في قلبِ القول، و"فقدَ الكينونة"، و"فضيحةَ فكرٍ منفصلٍ عن الحياة"».

«لا صرختي ولا حمّاي لي».

أنطونين أرتو، «الأعمال الكاملة (المجلد الأول)».

المفارقة التي تقوم عليها جلّ كتابات أرتو الشابّ أنّه لا يفتأ يكرّر - كتكرار الترتيل - في نصوصه ومراسلاته أنّه غائبٌ عن نفسه، وأنّ قوى معادية تنفيه عن الحياة، وأنّ الكلمات لا تستطيع أن تعبّر عن الشرّ الذي ينهشُه؛ ومع ذلك يستخدم تلك الكلمات نفسها - وهي عنده قاصرة - ليقول مأساته، ويقدر في الوقت ذاته على تحليل هذا الغياب الذي هو لبُّ مصيبته. ففي «ميزان العصب» يصرّح: «إنّي أعرف نفسي لأنّي أُشاهِدُها، أُشاهِدُ أنطونين أرتو». وسيقرأ بعضهم هذا التصريح على أنّه دليلُ انشطارٍ ينذر بأرتو الهاذي في خاتمته. غير أنّ الأرجح أليس هو شدّةُ بصيرةٍ تدفع الشابّ إلى أن «يشقّ» نفسَه شقًّا؟ إنّ عبارته تستعيد بطريقتها قولَ ريمبو: «الأنا هو آخر».

وفي مراسلته مع جاك ريفيير - وهي بدورها قائمةٌ على سوءِ فهم - يُثبِت أرتو لنفسه صفةَ الكاتب، ولكنّه في طريقة روايته لألمه العقليّ يفعل كلَّ ما يُمكّنه من أن يُؤخَذ مريضًا: فيُفضي إلى مُخاطَبه إفاضةً قاطعةً فيقول: «إنّ بيني وبين شفاءِ نفسي من حكمِ الآخرين مسافةً هي نفسُ المسافة التي تفصلني عني». ويغمر الكاتبُ الشابّ فضاءَ الرسائل كلَّه بوصفِ علّته التي هي «انهيارٌ مركزيّ للروح، (…) ونوعٌ من تآكلٍ جوهريٍّ وفي الوقت نفسه خاطفٍ للفكر». ويبدو أنّه يُناجي نفسَه أكثر مما يُجيبُ محاوره، حتى ليكاد جاك ريفيير لا يعدو أن يكون «مُقوّيًا للحجّة».

وسيُجري في مراسلاته اللاحقة على هذا المنوال، وتتتابع الشكاوى من صحّته الجسديّة والعقليّة، ومن اضطراره إلى اللجوء إلى المخدّرات لتخفيفها. فإذا كان فكرُه ينهار، وإذا كانت الكلمات تخونه، فإنّ أرتو - على المفارقة - يفكّر في انهيار الفكر، ويستعمل الكلمات ليقول عجزَها عن استعادة الحياة. وهو يسبق، من وجهٍ ما، أولئك الكتّاب الذين استلهموا فكر كيركغارد القائل إنّ «اللغة أسوأُ أنواع الصمت»، فلا يزالون يفيضون بآلاف الصفحات رجاءَ أن تُولد «الكلمة الحقّة» التي تُفضي إلى «الحياة الحقّة الغائبة». ونحن إذ نكتب هذه السطور لا يغيب عنّا آخرُ ما يقوله شخص «اللامسمّى» لبيكيت: «لا بدّ من قول الكلمات ما دامت موجودة؛ لا بدّ من قولها حتى تعثر عليّ، حتى تقولني».

يبدو أرتو في نصوصه الأولى روحانيًّا يتوجّع من كونه محبوسًا في جسدٍ ليس عنده إلا عذابًا مُطارِدًا، وفي عالمٍ تُزاح فيه القيمُ الجوهريّة إلى الخلف. ففي «سُرّة اللامكان» يفضي إلى قارئه: «إنّي أتألّم لأنّ الروح ليست في الحياة، ولأنّ الحياة ليست هي الروح». أهو مثاليّةٌ ورثها من تربيةٍ كاثوليكيّةٍ صارمةٍ في الطفولة؟ إنّه كلّما تقدّم في عَدْوه نحو الجنون عادَ عودةً وسواسيّة إلى الجسد (بوصفه لحمًا، مقرونًا بالقاذورات) وإلى الجنسيّة (مردودةً إلى «مجامعةٍ حيوانيّة»). وكما فعل لاحقًا البنيويّون اللاكانيّون ورثةُ باسكال، يُهاجم أرتو «الأنا» لأنها سجن، وفي «شذراتٍ من يوميّاتٍ في الجحيم» يضيق ذرعًا فيقول: «يحدّثني عن النرجسيّة، فأردّ عليه أنّ الأمرَ أمرُ الحياة. إنّ لي عبادةً لا للأنا بل للحم، بمعنى اللفظة الحسّيّ: اللحم».

في تلك الحقبة يبدو الشاعر - قبل كلّ شيء - منفيًّا عن ذاته. يحلم بزمنٍ فردوسيّ كانت فيه الكلماتُ والأشياءُ تتطابق، بزمنٍ سابقٍ للسقوط في اللغة. ويقول دريدا - على شيءٍ من التفاؤل - إنّ «أرتو يعلّمنا تلك الوحدة السابقة على الانفصال». وهنا تُلحّ علينا - نحن القرّاء - مسألةٌ: هل يُفهَم الغياب عند الشاعر على أنّه قرينُ الحضور؟ وهل نحن مدعوّون إلى القراءة فحسب أم إلى تماهٍ اندماجيّ مع المؤلّف؟

وفي الوقت الذي يأسى فيه أرتو لعجز الكلمات عن نقلِ علّته ولفقدانها القدرة على الإيصال، يَسُبُّها ويستخدمها معًا. وفي آخر عمره سيقول إنّه يريد أن يستبدل بالكلمات قنابل. ويلخّص موريس بلانشو في نصّه عن أرتو (ضمن «الكتاب الآتي») الإشكالَ الذي لمحنا إليه بعباراتٍ قد تبدو مُلتفّة: «الكينونة ليست الكينونة؛ إنّما هي هذا النقصُ في الكينونة - نقصٌ حيّ - يجعل الحياة واهنةً، لا تُنال ولا تُعبّر، إلا بصرخةِ امتناعٍ ضارٍ».

وسيترك أرتو شيئًا فشيئًا تشريحَ أحواله النفسيّة، ليأخذ في التجشّؤ على الخلق وعلى الرّب. وتتحوّل كلمته إلى صرخةٍ وسباب. ويصير أصلُ الشرّ هو الوجودُ نفسه. ومن داخل مصحّة روديز كتب أرتو في رسالةٍ بتاريخ ٢٢ شتنبر ١٩٤٦ كلامًا يكاد يكون تقريعًا للشابّ الذي كانه، ذاك الذي كان يحلّل «أحواله النفسيّة»، فقال:

إنّي أحبّ قصائدَ الجياع، والمرضى، والمنبوذين، والمسمومين: فرانسوا فيّون، وشارل بودلير، وإدغار بو، وجيرار دو نرفال؛ وأحبّ قصائدَ المعذّبين في اللغة الذين يضلّون في كتاباتهم حقًّا، لا أولئك الذين يتكلّفون الضياع ليتباهوا أكثر بوعيهم وعلمهم بالضياع وبالكتابة.

حزنُ الفراغ القبيح،

حزنُ الحفرةِ التي لا شيء فيها،

إنه لا يحتملُ اللاشيءَ،

لا شيء هناك،

إنّما الأمرُ حول الحفرة،

عند النقطةِ التي تنسحبُ منها الكلمات،

حفرةٌ بلا كلمة،

مقطعٌ بلا صوت.

هذا المقطع من «مُسخَّرين ومعذَّبين» يرجع إلى يناير ١٩٤٧، ولم يبقَ لأرتو يومئذٍ إلا عامٌ واحدٌ من الحياة. لم يعُد الشابَّ القَلِقَ الشاكي في «المراسلة إلى جاك ريفيير»، بل صار شيخًا سقطت أسنانه، ليس دنديًّا بل متشرّدًا. تحوّلت شكواه إلى عواء. وهو وحده في مواجهة الكون، في مواجهة الرّب الذي يجسّد الشرّ المحض، ويتلذّذ بجنونه ويعرضه كأنّه غنيمة.

وقد يكون من المصطنع أن نقول إن تجربة الفراغ جاءت بعد تجربة الغياب عن الذات؛ فلعلهما كانتا حاضرتين أبدًا، غير أنّ زاوية نظرنا تجعلنا نلحظ واحدةً أكثر من الأخرى. ويرى بلانشو أنّ أرتو - حتى مراسلته مع جاك ريفيير - كان «يكتب ضدّ الفراغ ليتوارى عنه»، ثم بعد ذلك «يكتب وهو يتعرّض له محاولًا أن يعبّر عنه ويستخرج منه التعبير». ونحن لا نوافقه تمامًا، ونرى أنّ عند الشاعر حركةً مزدوجةً دائمًا: انجذابًا إلى الفراغ وفرارًا منه في آنٍ واحد، وهذا شأنُ الدُّوار (وقد عُدَّ الدوار عند بعضهم إسقاطًا للفراغ الداخليّ على الخارج).

غير أنّ أرتو لم يعترف اعترافًا صريحًا بهذا الفراغ إلا سنة ١٩٣٧، قبل إدخاله المصحّ بقليل، في «إعلاناتٍ جديدةٍ عن الكينونة» الذي نشره باسمٍ مستعار هو «المُكشوف له»، إذ قال معترفًا:

لقد أحسستُ بالفراغ منذ زمنٍ طويل، ولكنّي رفضتُ أن أرميَ نفسي في الفراغ؛ […] وحين ظننتُ أنّي أرفض العالم، علمتُ الآن أنّي كنتُ أرفض الفراغ. لأنّي أعلم أنّ العالم ليس، وأعلم كيف أنّه ليس. والذي عذّبني إلى الآن إنّما هو أنّي رفضتُ الفراغ - الفراغَ الذي كان فيّ منذ البدء.

وبينما هو مُقبلٌ على السقوط، وعلى ليلِ الحبس الطويل، يبدو أنّ أرتو اكتسب صفاءً مرعبًا يذكّر بصفاء رسائل نيتشه الأخيرة قبل الانهيار. فالجنون لا يمنع البصيرة. وفي «فان غوخ: منتحرُ المجتمع» سيعيد الشاعر لازمةً رومانسيّةً قديمةً: أنّ المجنون يُحبَس لأنه أراد كشفَ حقائق لا يطيقها عامّةُ الناس. ويختتم «الإعلانات الجديدة» بصيحةِ مُعذَّب: «إنه يكلّمكم يائسٌ حقًّا، لا يعرف سعادةَ أن يكون في العالم إلا الآن، بعد أن ترك هذا العالم، وبعد أن صار مفصولًا عنه فصلًا تامًّا. (…) أنا لم أمت، ولكنّي منفصل».

وأرتو منفصلٌ عن العالم، ومنفصلٌ كذلك عن جزءٍ من نفسه. ولم يعُد كثيرًا «أرتو» بقدر ما غدا نبيًّا يتهيّأ للذهاب إلى إيرلندا متكئًا على عصا القدّيس باتريك. ولسنا نريد أن نستسلم لإغراء أن نصير أتباعًا لهذا «المسيح»، ولا أن نُنزله منزلة الحالة النفسيّة المرضيّة؛ بل نريد أن نفهم كيف تصير هذه الحياة - على نحوٍ يشبه حياة هولدرلين - قَدَرًا: قدرَ شاعرٍ ملعون. وقد لبث أرتو في المصحّة تسع سنين، يملأ فراغه الداخليّ - الذي يضاعفه فراغُ محيطه، حتى لا يكاد يتجاوز جناحَ المصحّة - بملءِ دفاترَ بالملاحظات وبإرسال الرسائل إلى مراسلين كثيرين. وهذه النصوص التي يراها بعضهم أثرَ مُفرِطٍ في الكتابة، ويرى فيها آخرون أثرَ بصيرٍ متنبّه، لها غايةٌ واحدة: سدُّ الهوّة التي يسكنها الشاعر.

تجتاح الكتابة الزمنَ والمكان، ولكن هل تتوجّه حقًّا إلى مُتلقٍّ؟ كتب جورج شاربونيي في هذا المعنى: «إنّ اللفظ لا يكفّ عن ازديادِ الحضور إذ يحاول أن يقول هذا الفراغ، هذا الشقّ، هذه البقعة - مهما صغرت - التي يلجأ إليها المستحيل: هذا الغياب». وفي نصوصه زمن الحبس وبعد الخروج من روديز، يُصاب أرتو بهوس تمثيل الجسد، ويكثر من الألفاظ البذيئة حين يتكلم عن فرج المرأة أو عن الشرج. ويجدر التنبيه إلى أنّ هذين العضوين أجوفان، وهما عند أرتو قبل كل شيء «ثقبان». وفي الوقت نفسه يعود بلا انقطاع إلى جسده، إلى «لحمته»، فهذا الجسد مُطارِدٌ باطن. (ولعلّ لسرطان المستقيم نصيبًا في هذا الاشتغال.)

أنا؟

هذا اللسان بين أربع لَثات،

وهذا اللحم بين رُكبتين،

هذه القطعة من ثقب

للمجانين.

أنطونين أرتو، «أرتو مومو».

إنّ الجسد يتكوّن حول فراغ، لكن الكلمات - التي كانت عاجزةً في الشباب عن حمل غياب الذات المرعوب - صارت صرخاتٍ موجّهةً إلى خلقٍ سيّئ الصنعة: صراعًا لا هوادة فيه بين الشاعر وبين الرّب المُطارِد. وترى آن برون أنّ «عمل الكتابة عند أرتو سيكون تفكّكًا وإعادةَ تركيبٍ لا ينقطعان لجسد الكاتب». وهذه ملاحظةٌ صادقة في الجملة، غير أنّ صاحبتَها لا تخرج بما يكفي من نظرةِ اختصاصيّ علم الأمراض النفسيّة الذي يتعقّب طرائق مقاومة التشظّي عند مريضٍ بالفصام. والحال أنّ ما يُسمّى هذيان الشاعر يخدمه في أن يعطي معنى لما لا معنى له، وأن ينظّم الفوضى: فيخترع مُطارِدين خارجيّين ونساءً يزعم أنّهن يأتين لنجدته. فالهذيان يمنح شكلًا لفوضى بلا شكل. وإبداع الفنان يتيح له أن يغزو الفضاء كلّه، فإذا كتب الرسائل فلا يهمّ جوابُ المتلقّي ولا قراءته. ونحن حين نكتب رسالةً إنما نخاطب غائبًا يظلّ حاضرًا فينا؛ غير أنّ ذلك لا يبدو حالَ الشاعر الذي يبتلع مُخاطَبه ابتلاعًا. ويقوّي هذا المعنى كلمةٌ لبيير فِدِيدا في كتابه «الغياب»: «الفراغُ هو العجزُ عن تكوين المكان في زمن الغياب. والغيابُ مؤسّسٌ للسرد».

وفي نصوص أرتو الأخيرة تصبح الكلماتُ صراخًا وقذائفَ، ويغمر القارئَ ضجيجٌ دخيل، نشازٌ صاخب. ويكتب غي روزولاتو - وقد اعتنى بظاهرة الطرد والصرخة عند أرتو - قائلًا:

الصرخةُ تفيض على النفس، مع أنّها تستمدّ منه اندفاعَ الإنعاش. نعم، تجعل منه اندفاعةً محمومة. يغمرنا هذا الدالُّ التائه الذي سَحَق الكلمات وذرّها وجعلها سخيفة.

ولا ينبغي أن ننسى أنّ أرتو ممثّل، وأنه من وجهٍ ما ممثّلُ نفسِه؛ فهو يُبطل غيابَه عن نفسه بتكرار ذاته وتضعيفها. غير أنّ الضجيج المصاحب للعناته وسبابِه يبدو كأنه يريد أن يخنق صمتَ الفراغ المُذعِر في داخله وحوله.

كثيرًا ما تُقرأ أعمال أرتو - كغيره ممّن عانوا اضطراباتٍ عقليّة - على أنّها تُفسَّر بالمرض: إمّا بإضاءة العمل من جهة العِلّة، وإمّا بقراءةٍ «طبيّة» تفتّش عن الأعراض وراء الكلمات. وقد كتب فوكو - مع أننا لا نلتقي معه في قراءته لأرتو - قولًا وجيهًا:

بدل أن نرى في الحدث المرضيّ شفقًا ينهار فيه العمل محقّقًا حقيقتَه السرّيّة، ينبغي أن نتبع تلك الحركة التي ينفتح بها العمل شيئًا فشيئًا على الفضاء الذي يأخذ فيه الكائنُ الفُصاميّ حجمه، فيكشف بذلك الحدَّ الأقصى؛ ما لم يكن لسانٌ - خارج الهاوية التي يغرق فيها - ليقدر على قوله، وما لم تكن سقطةٌ لتقدر على إظهاره لو لم تكن في الوقت نفسه صعودًا إلى القمّة.

غير أنّ «القمّة» عند هولدرلين - الذي يذكره فوكو في هذه الأسطر - تشبه جلجثة. ففي روديز زعم أرتو أنه كان المسيح وأنه أخذ مكانه: أذلك علامةُ جنونٍ أم رؤيا شاعريّة؟ وممّا يميّز عمل أرتو - وهو مركّبٌ في أكثره من ملاحظات دفاتر ورسائل - أنّه يخلو من نقدٍ للذات؛ بينما كان نرفال يكتب ليقنع ذويه بعودته إلى العافية، وكان موباسان يراقب تطوّر علّته بعين واقعيّة. وقد كتب روجيه جَنتيس عن خصوصيّة خطاب أرتو: «أرتو، على نحوٍ ما، ظاهرةٌ تاريخيّة. إنها المرّة الأولى التي تُسمَع فيها كلمةٌ مُعلنٌ جنونُها رسميًّا بوصفها كذلك».

ومن مفارقات الشاعر أنّه في شبابه يشكو تكرارًا من عجزه عن التعبير بكلماتٍ مبتورةٍ عن الحياة، لا تَسَعُ مأساته في كونه منفيًّا عن ذاته؛ ومع ذلك يستخدمها ليقول وجعه وهو يُسقط عنها قيمتها. ففي «سُرّة اللامكان» يصيح: «إنّ كلَّ كتابةٍ قذارة». وفي آخر عمره، في «ها هنا يرقد»، يزعم أنّ «كلّ لغةٍ حقّةٍ غيرُ مفهومة»، وقد تحوّلت كلمته إلى عواء.

فهل غايةُ الكتابة عنده لقاءُ الآخر، أم سدُّ الشقّ الكامن فيه؟ هل يجد نفسه في المكتوب أم يضيع في لغةٍ تفلت منه؟ إنّ أرتو يحدّثنا عن المجهول الذي نخبّئه جميعًا، والذي يضمّ إمكاناتٍ للجنون نحبّ أن نتجاهلها. ويقول روزولاتو إنّ:

الطريق الذي سلكه أرتو منذ شبابه كان يقوده إلى مواجهةٍ أشدّ فأشدّ مع مجهولٍ داخليّ، في مقصدِ رغبةٍ قاسٍ مؤلم، يحاول أن يطرد كلَّ راحةٍ وكلَّ توقّف عند رضًا تمنحه الجمالُ أو الحبّ، أو الشعرُ أو النزالُ السياسيّ.

وفي مقالٍ آخر له عن «الشاعر الملعون» كتب أنّ مأساة أرتو «أنه لم يكن في موضعٍ لا خارج النظام ولا داخله - مهما كان لا فكاك منه - لا في جانب الحياة ولا في جانب الموت». وكان عالقًا بين مقعدين، فلم يكن يسيرًا أن يُمنح غيابًا وحضورًا معًا. وسنعود إلى هذا الإشكال. قبل أن نشرع في تأمّلٍ «عالِم» في الغياب والفراغ، لا بدّ من ذكر قولٍ متواضعٍ لِدونالد وينيكات، إذ كتب في مطلع أحد أبحاثه: «إن كان في كلامي ذرّةُ حقٍّ فقد سبق الشعراء إلى الحديث عنها».

والحق أنّ ما سنكتبه قد قاله ريمبو قولًا صريحًا في عبارته المشهورة من «موسمٍ في الجحيم»: «الحياة الحقّة غائبة. نحن لسنا في العالم». وقد ردّده أرتو في محاضرته يوم ١٣ يناير ١٩٤٧ في مسرح «فيو كولومبيي». وينقل أندريه جيد في رثائه للشاعر ما يأتي:

لم نُولد بعد.

لم نأتِ إلى العالم بعد.

لا عالمَ بعد.

الأشياء لم تُصنع بعد.

سببُ الوجود لم يُعثر عليه بعد.

إنّ الشاعرين يحملاننا على إدراك تهافت التأمّلات «العلميّة»، ما دمنا نجهل لماذا نحن على الأرض، وما دامت يقينيّاتُنا تستند إلى فراغ. ومع ذلك فهذه التأمّلات لازمةٌ كي لا تكون مساعينا عبثًا. أوّل ما يلزمنا أن نتحرّر من الظنّ أنّ الغيابَ - المقترن بالحضور - لا يمكن أن يتجاور مع الفراغ. فقد رأى كثيرون في ثنائيّة الغياب والحضور علامةً على أنّ الموضوع لم يُفقَد، وأنّ اللغة تعين على استحضاره واستذكاره واسترجاعه. أمّا الفراغ، فإذا لم يُفضِ إلى تأملاتٍ وجوديّة، فغالبًا ما يُقرن بسقوطٍ لا نهاية له في الأهوية.

إنّ أرتو الشابّ يحدّثنا دون انقطاع عن غيابه عن نفسه، ومع ذلك يكتب ليقول إنّه لا يستطيع أن يكتب؛ وفي هذا دليلٌ على أنّ الكلمات ليست غائبةً عنه. وقد نتساءل: أليس مثاليًّا يحلم بـ«اللغة الخالصة» أو «لغة الملائكة» كما حلم بها والتر بنيامين؟ ستكون مأساته أنّه، في طلب تلك اللغة، سيضيع في كتابةٍ لا تنتهي، تصير مع الزمن قهريةً، ويسمّيها بعضهم «إفراطًا مرضيًّا في الكتابة». وكثيرًا ما يتيه الذين ينكرون قدرة الكتابة على ردّ الحياة في كتابةٍ لا تنتهي. ويمكن أن يقال إنّ الكتابة تُبقي أرتو حيًّا - كما تُبقي غيره - وأنّ المكتوب يكون «قرينًا» له، يعينه على ملء الفراغ في نفسه. وتقول ميشلين إنريكيز - إذ تتكلّم على كتابةٍ تمثيليّة أو تشكيليّة - ما خلاصته:

إنّ الكتابة التمثيليّة، بما تنطوي عليه من فعل اليد، تُحدث أثرًا شخصيًّا، وتُنظّم الانطباعات الحسيّة وتستملكها في زمانٍ ومكانٍ محدودين. وهذا التحديد - على هشاشته - يتيح بلوغ تمثّلٍ للذات بلا مرآةٍ ولا خطاب، قائمٍ فقط على استثمار النشاط الحسّي–الحركيّ. وهي كتابةٌ تقيم شكلًا قادرًا على احتواء «نزفٍ نفسيّ» ينساب فيه - كما في المالنخوليا - كلّ الرصيد الليبيدوي. إنّ تمثيل الذات، وإعطاء التجربة شكلًا، وتسجيلها في نظام إدراكيّ ولو كان ضئيلًا، وإيجاد لفظٍ يُباعد عن الشيء وفي الوقت نفسه يخلقه، كلّ ذلك عملٌ نفسيٌّ تثبيتيّ يُنشئ أثرًا ذاكرةً يقف في وجه رغبة موتٍ تطمس كل حياةٍ نفسية.

وعلى هذا تكون كتابة أرتو قرينَه، مرآةً تؤكّد حضورَه وتغتربه في آنٍ معًا داخل تلك «الأنا» التي يمقتها (وهذا يردّنا - من وجهٍ - إلى مسألة الرمزيّ والمتخيَّل عند لاكان). ويُذكر أنّ الشاعر، في الوحدة التي عرفها في المصحات - ولا سيّما بين ١٩٣٩ و١٩٤٣ في فيل-إيفرار - ملأ عددًا كبيرًا من الدفاتر بقلمه، ولم يكن يفارقها، كأنّه بالكتابة ينجو من فقر المصحّة ونُدرة الطعام. ويطرح فِدِيدا، في تأملاته في الغياب والفراغ مستشهدًا أحيانًا بأرتو، سؤالًا استنكاريًّا: «أترى الفراغَ هو الغياب؟ أم هو ما ينتهي إليه غيابٌ فُقِد موضوعُه: غيابٌ بلا غائب؟ ولكن هل يبقى هذا انتظارُ لا شيء - كغلافٍ فارغ - غيابًا؟ وهل يكون الغياب خارج الزمن؟»

وإذا ركّزنا على الإبداع الأرتويّ وجدنا أنّنا نتعقّب هذا الفراغَ وراء فيض الكلمات، ولا سيّما في كتاباته الأخيرة، حيث تتحوّل الكلمات إلى «قذائف». ويشتدّ حضورُ هذا الفراغ لأنّ الشاعر أسيرُ المكان المغلق والزمن المجمّد في المصحّة. وفراغه ليس فراغَ الفلاسفة؛ لا يستخلص منه نفعًا «عُصابيًّا»، بل هو ثقبٌ في المعنى ينبغي للكلمات أن تسدَّه. ويتساءل فِدِيدا - متأثرًا بكتاب فرويد «الحداد والمالنخوليا» - سؤالًا استنكاريًّا: «أترى الفراغَ نسيانُ حدادٍ؟». ويبدو لنا مارسيل بروست مثالَ الكاتب الذي يصنع عملًا ليلتمس موضوعًا مفقودًا - الزمن الضائع - فيُؤلّف مع الغياب ألفةً ويحوّله إلى حضور. أمّا أرتو فكان يزداد وقوعًا خارج الزمن؛ ومع ذلك قد تعينه الكتابة على إعادة بناء نفسه. ولها عنده وظيفةٌ تشبه ما ينسبه فِدِيدا إلى التحليل النفسيّ: «ألعلّ التحليلَ ليس إلا تكوين الزمن في هيئة فضاءٍ داخليّ؟». فبالكتابة يمكن لأرتو أن يعاود - إلى حدٍّ ما - السكنى في جسده، وفي الزمن والمكان.

والكتابة - كالتّرجمة - غرضها لقاءُ الآخر، ولقاءُ الآخر في النفس. ويبدو لنا أنّ أرتو يريد بها أن يصالح نفسَه والعالم. وهو لا يكفّ عن التلميح إلى أنّ الإنسان لا يرتاح لا في كينونته ولا في ثقافته؛ فيعمّم بذلك وجعه، ويطلب في مكانٍ آخر «الحياة الحقّة الغائبة»، ويظنّ حينًا أنّه يستطيع إحياءها في «مسرح القسوة». وقبل أن يعلن هذا في محاضرات مكسيكو سنة ١٩٣٦ - إذ صرخ بأنّ الغرب مريض، وأنّ الحياة مريضة - كان قد أبان في مطلع «المسرح وقرينُه» عن عدم ملاءمةٍ بين الحضارة والثقافة فقال:

ما أكثر ما يُتكلّم عن الحضارة حين تكون الحياةُ نفسها هي التي تذهب! وثمّة توازٍ غريب بين هذا الانهيار العامّ للحياة الذي يقوم عليه الانحلالُ الخُلقيّ الراهن، وبين همٍّ بثقافةٍ لم تتطابق قطّ مع الحياة، بل صُنعت لتنظّم الحياة وتسيطر عليها.

وخلافًا لغيره لم يطلب أرتو في الفعل الثوريّ وسيلةً لتغيير الحياة. فكتاباته في معظمها سيرةٌ ذاتيّة. وقد يراه الماركسيّ متمرّدًا عبدَ صراعٍ داخليّ، لا ثائرًا يأخذ بالاغتراب الاجتماعيّ ثم يناضل مع المقهورين لرفعه. إنّ تجربة أرتو القصوى تجمع تجربة الشاعر والمتصوّف والمجنون. وإذا قرنّاه بريمبو «الإشراقات» و«موسمٍ في الجحيم» فذلك ليس اعتباطًا؛ وهو أخٌ لنيتشه «هو ذا الإنسان» الذي قابل «ديونيسوس بالمصلوب»، وأخٌ للرومنطيقيّ هولدرلين، الذي واجه هو أيضًا امتحان الغريب في نفسه، وكتب في مطلع نشيده «نيموزين».

علامةٌ نحن - كما نحن - بلا معنى،

موتى عن كلّ ألم، وقد كنّا قريبًا

أن نفقد لغتَنا في بلدٍ أجنبيّ.

وإذا كنّا نعسر أن نوافق ميشيل فوكو على أنّ الجنون «غيابُ العمل»، فإنّنا - مثله - نعثر عند أرتو على «فراغٍ مركزيّ» يقوم عليه العمل. ونحن مثله لا نرى أنّ علم النفس قادرٌ على قول الحقيقة فيه؛ بل على العكس، فإنّ عمل أرتو هو الذي يملك الحقيقة على علم النفس. ومن منظورنا لا يتعارض الغيابُ والفراغ؛ وإنما يتبدّل إدراكُنا لهما بحسب زاوية النظر. فأرتو يكتب ليقول إنه يتألّم من غيابه عن نفسه، ويكتب في الوقت نفسه ليردم الهوّة التي يسكنها.

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق