صورةٌ تُقيمُ مقامَ الإنسان
لَمَّا أخرجَ غي ديبور كِتابه الموسوم بـ«مجتمعِ الاستعراض» عامَ ١٩٦٧، كان العالَمُ لا يزالُ مشدودَ الوِثاقِ إلى التلفاز، والسينما، والصحافةِ المطبوعة. غيرَ أنَّ أطروحاتِه الإحدى والعشرين والمائتين قد انطوتْ على نبوءةٍ جاوزتْ كلَّ حُسبان: «إنَّ كلَّ ما كان يُعاشُ اتِّصالًا مباشرًا، قد نأى وتناءى ليُمسيَ مَحضَ تمثيلٍ وعَرْض» (الأطروحة ١). لقد تجافى كلُّ ما كان مُعاشًا في الصميم، فاستحال مجردَ صورةٍ تُمثِّله.
ولئن بَدَتْ هذه المقولةُ في عامِ ١٩٦٧ ضَرْبًا من المبالغةِ والمماحكةِ الجَدَليَّة، فإنها اليومَ - ونحنُ في عامِ ٢٠٢٦ - تتبدَّى حقيقةً واقعةً ومشاهدة. فنحنُ نحيا في زمانٍ يُوثِّقُ فيه ملياراتٌ من البشرِ كلَّ لحظةٍ من لحظاتِ وجودِهم عَبْرَ الشاشات، زمانٍ تُؤجَّلُ فيه التجربةُ الأصيلة، مُحالةً إلى وسائطَ تُحيلُها بدورِها إلى استعراضٍ زائف. فما عادتِ الصورةُ مجردَ تمثيلٍ للواقع، وإنما أمست الواقعَ عينَه، أو قُلْ: إنَّ ما لا تدركه عدسة العرض، باتَ مُهدَّدًا بالسقوط من عِداد الواقع.
ويرومُ هذا المقالُ إعادةَ قراءةِ ديبور، متجاوزاً عدَّه أثراً من آثارِ الماضي الفكري، إلى اتخاذه أداةً لتشخيصِ دائِنا الحاضر. وما المرام إرسال مفاهيمِ الستينيَّاتِ إسقاطًا آليًّا على ظواهرِ القرنِ الحادي والعشرين، وإنما استجلاء التحليلِ «المَوقِفيّ» لعلنا نظفر فيه ببقيةٍ من قوةٍ كاشفةٍ تُضيءُ لنا أحلكَ زوايا الرأسماليةِ المعاصرة. وكما لَحَظَ أغامبين: «المعاصرةُ صلةٌ فريدةٌ بالزَّمان، تلتحمُ به وتتجافى عنه في آنٍ معًا». وديبور تجسيدٌ بليغ لهذا؛ مُفكِّرٌ التحمَ بزمانِه حتى أدركَ حركتَهُ العميقة، ومن أَجْلِ ذلك ما زالَ صوتُه يَبلُغُ مسامعَنا.
في كتابِه «تعليقاتٌ على مجتمعِ الاستعراض» (١٩٨٨)، يُميِّزُ ديبور بين ثلاثِ صُوَرٍ تاريخيةٍ للاستعراض: المُرَكَّز، والمُتفرِّق، والمُندمِج. فأمَّا المُرَكَّز فهو صنيعةُ الديكتاتورياتِ الشموليةِ في القرنِ العشرين، حيثُ تُهيمنُ صورةٌ واحدةٌ (الزعيم، أو الحزب) على المجتمعِ بأسرهِ عَبْرَ احتكارِ وسائلِ البيان. وأمَّا المُتفرِّقُ فهو صنيعةُ الديمقراطياتِ الغربيةِ في عهدِ ما بعد الحرب، وسِمَتُه تكاثرُ السِّلَعِ وتناسُلُ الصُّوَرِ التي تُخفي خضوعَها لِمَنطِقِ رأسِ المال. بَيْدَ أنَّ الصورةَ الثالثةَ - أي الاستعراض المُندمِج - هي مَناطُ اهتمامِنا الأعظم؛ إذ حَدَّدَهُ ديبور بوصفِه جِماعَ الصورتين السابقتين، يتحقَّقُ عَبْرَ «توليفةٍ عامة». ففيه تمتزجُ مركزيةُ السُّلطةِ الاستعراضيةِ بالانتشارِ المتغلغلِ للصور، ليُفرِزا نظامًا شاملًا يتدثَّرُ بلَبُوسِ التعدُّدية، وسلطانًا قاهرًا يتزيَّا بزيِّ الحرية.
غيرَ أنَّ ما غابَ عن بصيرةِ ديبور - إذ كان يكتبُ عام ١٩٨٨ قُبَيل انفجارِ ثورةِ الإنترنت - هو مَبلغُ الاندماجِ الذي سَيَؤُولُ إليه الحال. فالاستعراضُ المندمجُ المعاصر يأبى الاكتفاء بالإحاطةِ بالمرءِ من خارجِه، ليتعدى ذلك إلى التخلل في مسامه وصياغته من باطنِه؛ فانقضى عهد كونه مَشهدًا نقفُ أمامَهُ وقفةَ المتفرِّجِ الساكن، ليستحيل بيئةً كاسحةً نغرقُ فيها، ولقد غدونا نحملُها حَرفيًّا في جيوبِنا، مُتَّقدةً لا تنطفئ، وموصولةً لا تنقطع.
تُمثِّلُ وسائلُ التواصلِ الاجتماعي ذروةَ سَنامِ هذا الاستعراضِ المندمج. فمنصَّاتٌ مثل (فيسبوك، وإنستغرام، وتيك توك، وإكس) قد حقَّقتْ ما استشفَّه ديبور من اندماجٍ تامٍّ بين إنتاجِ الاستعراضِ واستهلاكِه. فكلُّ مُستخدِمٍ يجمع بين المشاهدة والتمثيل، ويؤلف بين الاستهلاك والإنتاج، جامعاً في شخصه بين الجمهورِ والعارِضِ. وكما بيَّنتْ شوشانا زوبوف في دِراستِها عن «رأسماليةِ المراقبة»، فإنَّ هذه المنصاتِ الرقميةَ لا تقف عند بسطِ ميدانٍ للتواصل، وإنما تتجاوزه إلى اعتصار بياناتِ السلوكِ لتُحيلَها تنبؤاتٍ تُباعُ في الأسواق. بيد أن وراءَ هذا البُعدِ الاقتصاديِّ - الذي أُشبِعَ بحثًا - يكمنُ بُعدٌ استعراضيٌّ خالصٌ يُعينُنا ديبور على تبيُّنِه.
ففي الأطروحةِ السابعةِ عشرة، يذكرُ ديبور: «إنَّ المرحلةَ الأولى من سُلطانِ الاقتصادِ على الحياةِ الاجتماعية قد أفضتْ في تعريفِ كلِّ إنجازٍ بَشَريٍّ إلى انحطاطٍ بيِّنٍ في الكينونة لتغدوَ مجردَ امتلاك. أمَّا المرحلةُ الراهنةُ... فتسوقُنا إلى انزلاقٍ عامٍّ من الامتلاكِ إلى مجردِ الظهورِ والمظهر».
وهذا الانزلاقُ (من الكينونة ← إلى الامتلاك← إلى الظهور) يبلُغُ تمامَهُ الأوفى في وسائلِ التواصل. فلم تَنِ قيمةُ الوجودِ معقودة بحقيقتِه (البُعد الأنطولوجي)، ولا بما يملكه (البُعد الاقتصادي)، وإنما قُصرت على مظهره وتجليه (البُعد الاستعراضي). فالرحلةُ، والمأدبةُ، والتجربةُ، تعرى عن حقيقتَها ما لم تُصوَّر، وتُنقَّح، وتُنشر، لِتحوزَ على الإعجاب. لقد استحال الإنسانُ قَيِّمًا على صورتِه، ومُخرِجًا لمسرحيَّةِ وجوده. والأدهى من ذلك، أنَّه في عهدِ الاستعراضِ الكلاسيكيِّ الذي شرَّحه ديبور، كان ثَمَّةَ فاصلٌ - وإن كان واهِنًا - بين الحياةِ المَعِيشَةِ وتمثيلِها، بين كواليسِ المسرحِ وخشبتِه. أمَّا اليومَ، فقد تداعى هذا الفاصلُ وانطمس. وعُدِم الاستعراضُ «خارجًا» يُمكِننا أن نقفَ فيه لننقُدَه. فحتى لحظاتُ العفويةِ المزعومة (كالصورةِ الذاتيةِ العفوية، أو الصورةِ الخاليةِ من التنقيح) ما هي في صميمِها إلا عروضٌ استعراضيةٌ محسوبةٌ بدقةٍ لإحداثِ أثرٍ بعينِه.
ومن أعمقِ ما جاء في تحليلِ ديبور نظرتُه إلى الصِّلةِ بين الاستعراضِ والزمن. يقولُ في الأطروحةِ ١٤٧: «إنَّ الزمنَ الذي لا يرتدُّ، زمنَ الإنتاج، هو في المقامِ الأولِ مقياسٌ للسِّلَع... أمَّا زمنُ الاستعراضِ المَعِيش فهو زمنُ السلعةِ المُعمَّمة، ولا يقف عند زمنِ استهلاكِ الصُّوَر».
إنَّ الاستعراضَ يأنف من القنوع باحتلالِ حيِّزِ التمثيلِ والمكانِ، ليطمح إلى استعمارِ زمانِ الوجودِ ذاتِه. وهذا الاستعمارُ اليومَ استعمارٌ مُطْبِق؛ فالهواتفُ الذكية، الموصولةُ أبدًا، قد أزالتْ كلَّ حَدٍّ فاصلٍ بين وقتِ العملِ ووقتِ الفراغ، بين زمنِ الإنتاجِ وزمنِ الدَّعَة. لقد صِرنا في حالةِ «يقظةٍ» دائمة، متاحين على الدوام، ومشاهدين أو منتجين محتملين في كلِّ حين.
وقد كشفَ جوناثان كراري في كتابِه «الرأسمالية المتأخرة ونهايات النوم» (٢٠١٣)، كيف تنزعُ الرأسماليةُ المعاصرةُ نحو تشغيلٍ لا ينقطع طوال أيام الأسبوع. حتى النومُ - ذلك الحصنُ الأخيرُ للزمنِ المُنعتِقِ من الإنتاجِ والاستعراض - باتَ عَقَبةً يُرادُ تخطِّيها. ولذا لا عَجَبَ أن تتكاثرَ التقنياتُ الراميةُ إلى «ترشيدِ» النومِ وجعلِه أكثرَ كفاءةً، لاستخلاصِ البياناتِ حتى من لحظاتِ غيابِ الوعي هذه. غيرَ أنَّ الاستعمارَ الزمنيَّ الذي تُمارسه الأجهزةُ الرقميةُ يجاوزُ ذلك؛ ليَخلقَ ضَرْبًا من الحاضرِ السرمدي، «آنٍ» أبديٍّ يتهاوى فيه الماضي والمستقبل. إنَّ التقليبَ اللانهائيَّ في شاشاتِ التواصلِ يَخلقُ تيارًا زمنيًّا لا مبدأَ له ولا مُنتهى، خِلْوًا من الحَبكةِ والغاية. هو زمنٌ دائريٌّ مُكرَّر، مُفرَّغٌ من تلك التوتراتِ التاريخيةِ التي عَدَّها ديبور رُكنًا ركينًا لأيِّ مشروعٍ ثوري.
لاحَظَ هربرت سيمون عام ١٩٧١ أنَّ «وفرةَ المعلوماتِ تُورِثُ فقرًا في الانتباه». واليومَ، استحالتْ هذه البصيرةُ نظامًا اقتصاديًّا. فـ«اقتصاد الانتباه»، كما أسماهُ غولدهاغر وَوُو، هو اقتصادٌ عُدمت فيه المعلومة صفتها كمورد نادر، ليحل محلها وقت الانتباه الإنساني. وتتصارعُ المنصاتُ الرقميةُ صراعًا ضاريًا لاقتناصِ هذا الانتباهِ واحتجازِه، مستعينةً بحِيَلٍ خبيثةٍ ومُعقَّدة مستقاةٍ من علمِ النفسِ السلوكي: كالإشعاراتِ اللَّحُوح، والتمريرِ الذي لا يَنفَد، وخوارزمياتِ التوصيةِ المفصَّلة، وجداولِ المكافآتِ المتغيِّرةِ المستعارةِ من آلاتِ القمار. وكما وثَّقَ تريستان هاريس، فإنَّ هذه الآلياتِ قد صُمِّمتْ عَمْدًا لزرعِ الإدمان.
لقد استشرفَ ديبور هذه الغواية؛ إذ قال في الأطروحةِ ٤٢: «الاستعراضُ هو رأسُ المالِ وقد بلغَ من التراكمِ مَبلغًا أحالَهُ إلى صورة». واليومَ يسعُنا أن نزيدَ على ذلك: إنَّ الاستعراضَ هو رأسُ المالِ وقد بلغَ من التراكمِ مَبلغًا استعمرَ به زمنَ الحياةِ نفسِه. فكلُّ ثانيةٍ من الانتباهِ تُسَيَّلُ مالًا، وكلُّ لحظةٍ من لحظاتِ الوعيِ هي طاقةٌ إنتاجيةٌ كامنةٌ في خِدْمَةِ النظام. وقد تحدَّثَ فرانكو بيفو بيراردي عن «رُهاب المعنى» الذي يُصيبُ مجتمعًا أُثقلَ كاهلُه بالعلاماتِ والإشارات، ولكنه عاجزٌ عن إنتاجِ معنًى. فهذا الفيضُ من المعلومات، عِوضاً عن أن يُحرِّر، يُصيبُ بالشلل. ويُمسي الزمنُ المَعِيشُ مُشظًّى ومُتقطِّعًا، قاصراً عن مراكمةِ التجربة. فنحنُ نحيا في حاضرٍ سرمديٍّ راكد، عَرِيَ من ذاكرةٍ تَحفظ، ومشروعٍ يَحدو.
في «التعليقات»، يُلاحظ ديبور أنَّ «النتيجةَ المُبرمَةَ لهذا كلِّه... أنَّه لم يَعُدْ بمقدورِ أحدٍ أن يُقايسَ حياتَهُ الشخصيةَ بشيءٍ سِوى التمثيلِ المَحضِ لحياةِ الآخرين». وهذه المُلاحظةُ تستبقُ، استباقًا يبعثُ على العَجَب، ديناميةَ منصاتِ التواصل، حيثُ تبدو حياةُ الآخرين مُصفَّاةً، ومُنقَّحةً، ومُستعرَضةً أبدًا.
ولكن ثَمَّةَ وجهٌ آخَرُ حريٌّ بالنظر: استحالةُ الذاتِ علامةً
تجارية، وسِلعةً تُعرضُ في سوقِ الانتباه. إنَّ مفهومَ «التسويقِ الشخصي»، الذي
راجَ في عالمِ الأعمالِ ثُمَّ عَمَّ وطَمّ، يُمثِّلُ ذروةَ تسليعِ الهُوية. فكلُّ
امرئٍ مدعوٌّ - بل مدفوعٌ بسَوطِ التنافسِ الاقتصادي - إلى إدارةِ صورتِه كما
تُديرُ الشركةُ علامتَها التجارية. وقد حلَّلَ فوكو، في دروسِه عن السياسةِ
الحيوية، صورةَ «الإنسانِ الاقتصادي» النيوليبرالي بوصفِه «رائدَ أعمالِ نفسِه».
وفي الفضاءِ الرقمي، تبلغُ هذه الصورةُ كمالَها. فالمؤثِّرون وصُنَّاعُ المحتوى هم
طلائعُ لعمليةٍ تَطَّرِدُ لتشمَلَ الجميع: فكلٌّ مُطالَبٌ بصُنعِ محتوًى، وحشدِ
أتباعٍ، وبناءِ جمهور.
وقد صاغتْ أليس مارويك مصطلحَ «ثقافة المراقبة» لِوَصْفِ هذه الحالة التي «يُخضِعُ فيها مستخدمو وسائلِ التواصلِ أنفسَهم طواعيةً لضروبٍ من المراقبةِ المتبادلة، عارضين أنفسَهم كعلاماتٍ تجاريةٍ تُباعُ وتُشترى». فقد برئت المراقبة من كونها سُلطةً مفروضةً من عَلٍ (كما في سجن فوكو الشامل)، لتستحيل مراقبةً ذاتيةً باطنة، ورَقابةً يُسلِّطها المرءُ على نفسِه ليُجوِّدَ من أدائِه الاستعراضي. ومن مفارقاتِ عصرِ الاستعراضِ المندمج، أنَّ «الأصالةَ» ذاتَها غدتْ استراتيجيةً من استراتيجياتِ الاستعراض. فلَحظاتُ الهشاشةِ المُدَّعاة، والاعترافاتُ «الحميمة»، والمنشوراتُ «الخالية من التنقيح»، هي في الغالبِ أشدُّ العروضِ حَبكةً، وأكثرُها حَصْدًا للتفاعل.
لقد أدركَ ديبور أنَّ الاستعراضَ هو «علاقةٌ اجتماعيةٌ بين الناسِ تتوسَّطُها الصور». وبهذا المعنى، يتهاوى الفَرْقُ بين الأصيلِ والدخيل: فكلُّ شيءٍ قد استحال وسَاطة، وكلُّ شيءٍ أمسى استعراضًا. والأصالةُ عينُها تغدو سِلعةً تُباع، وصورةً تُنتَجُ وتُستَهلَك. تحدَّثتْ بانيت وايزر عن «اقتصادِ الأصالة»، حيث «تُبنى الأصالةُ وتُهيكَلُ كعلامةٍ تجارية، وتستحيلُ بذلك مَوْرِدًا اقتصاديًّا». فالعلاماتُ التي تَدَّعي الأصالة، والساسةُ الذين يُظهرون جانبَهم الإنساني، والمؤثرون الذين يَبثُّون لواعجَهم النفسية: كلُّهم ينخرطون في هذا الاقتصادِ الذي تغدو فيه الأصالةُ أداءً مسرحيًّا محسوبًا. والحصيلةُ اغترابٌ جذريٌّ، أشدُّ غورًا من ذلك الذي شرَّحَهُ ماركس في سياقِ الصناعة؛ فالعاملُ لم يَغدُ مغتربًا عن ثمرةِ عملِه وحسب، وإنما اغتربَ المرءُ عن ذاتِه، وصارَ مُلْزَمًا بإنتاجِ نسخةٍ استعراضيةٍ من هُويتِه، تنتهي باقتلاعِ أيِّ جِذرٍ سالفٍ للأصالةِ في نفسِه.
إزاءَ هذا المشهدِ الكاسح، يبرزُ سؤالٌ لا مَناصَ منه: هل من سبيلٍ إلى المقاومة؟ لقد ابتكرَ ديبور والموقفيون طرائقَ لتقويضِ الاستعراض، أخصُّها «التَّحريف» أو «التحويل». وقِوامُه أخذُ عناصرَ استعراضية - كصُوَرٍ وشعاراتٍ - وانتزاعُها من سياقِها الأصيل، ثُمَّ توظيفُها في سياقاتٍ مُغايرةٍ تقلبُ دلالتَها رأسًا على عَقِب. وكما كَتَبَ ديبور وولمان عام ١٩٥٦: «التحريفُ هو نقيضُ الاقتباس... التحريفُ هو لغةُ اللاأيديولوجيا السائلة». فالأمرُ لا يقتضي الخَلْقَ من عَدَم، وإنما يستوجب الاستحواذَ على المُتاحِ لتقويضِه من الداخل.
وفي العصرِ الرقمي، يتَّخذُ هذا التَّحريفُ لَبُوسًا جديدًا. فـ«الميمز» (الصور الساخرة)، على سبيلِ المثال، قد تُعَدُّ ضَرْبًا شعبيًّا من ضُروبِ التَّحريف؛ إذ تُنتزَعُ الصورُ من الثقافةِ الجماهيرية، وتُوضَعُ في سياقاتٍ متجددةٍ، وتُعدَّل، لتُولِّدَ معانيَ لم تكن في الحُسبان. وتندرجُ تحت هذا البابِ أشكالُ التشويشِ الثقافي، والمحاكاةُ الساخرة، والاستخداماتُ التقويضيةُ لمنصاتِ التواصل. غيرَ أنَّ الحَذَرَ واجب؛ فكما لاحَظتْ نعومي كلاين، فإنَّ النظامَ قادرٌ على احتواءِ صُوَرِ المقاومةِ وتسليعِها بسرعةٍ فائقة. فتغدو السخريةُ اللاذعةُ سِلعةً تجارية، ويُفرَّغُ النقدُ الجذريُّ من محتواه ليُمسيَ حِليةً جمالية. إنَّ للاستعراضِ المندمجِ قدرةً على الابتلاعِ تكادُ لا تَعرِفُ حَدًّا.
أمَّا الاستراتيجيةُ الأخرى فكانت «صناعة المواقف». وغايتُها خَلْقُ «لحظاتٍ حياتيةٍ مبنيةٍ عَمْدًا من خلالِ التنظيمِ الجماعيِّ لبيئةٍ مُوحَّدةٍ ولِعْبِ الأحداث». فبإزاءِ الزمنِ الميتِ للاستعراض، كان لا بُدَّ من إنتاجِ لحظاتٍ من الحياةِ الأصيلةِ الخاليةِ من الاغتراب. وهذا الصنيعُ يبدو اليومَ عسيرًا، بل شِبهَ مستحيل. فكيف لنا أن نصنعَ مواقفَ أصيلةً ونحنُ موصولون أبدًا، وتحت عينِ المراقبةِ دائمًا، وغارقون في لُجَّةِ الاستعراض؟ ومع ذلك، لعلَّ هذه العُسرةَ هي ما يَدلُّنا على الطريق: فالمقاومةُ لا تَعبُرُ إلا مِن مَساربِ الانقطاعِ، والانسحابِ، وابتكارِ مناطقَ مستقلةٍ مؤقتة (على حدِّ تعبيرِ حكيم باي).
فممارساتٌ كـ«القطيعة الرقمية»، وخَلْقِ مساحاتٍ مُنزَّهةٍ عن الأجهزة، واستعادةِ إيقاعِ الزمنِ البطيء، تتنزّه عن كونها فراراً مَرَضِيًّا مُفعمًا بالحنينِ هربًا من الحاضر، لترقى إلى مصاف المحاولات الجادَّةِ لاستعادةِ الحدِّ الأدنى من تجربةٍ لم يبتلعْها الاستعراضُ بالكليَّة. وما الغاية طرح التكنولوجيا مُطلقًا، وإنما إقصاء هذه الصِّيغةِ التكنولوجيةِ بالذات، ونَبْذُ هذا النظامِ المخصوصِ من الرؤيةِ والمراقبة. ولكنْ لعلَّ أعظمَ صُوَرِ المقاومةِ قاطبةً هي المقاومةُ الفكرية. فقد رأى ديبور أنَّ الفهمَ النقديَّ للاستعراضِ هو الشرطُ المُقدَّمُ لتقويضِه. فـ«النقدُ الذي يُدركُ حقيقةَ الاستعراض، يكتشفُ أنه النفيُ المَرئيُّ للحياة» (الأطروحة ١٠).
وبهذا الاعتبار، فإنَّ قراءةَ ديبور اليومَ تجلّ عن كونها تَرَفًا أكاديميًّا، لتنهض فِعلَ مقاومة. إنها تزوُّدٌ بعُدَّةٍ مفاهيميةٍ لإبصارِ ما يتعمَّدُ النظامُ إخفاءَه، ولتسميةِ الأشياءِ التي تُؤثِرُ التخفِّي، وللتفكيرِ في بدائلَ حينما يكونُ التفكيرُ ذاتُه قد وقَعَ تحتَ نِيرِ الاستعمار. لقد تحدَّثَ مارك فيشر في كتابِه «الواقعية الرأسمالية»، عن العجزِ المعاصرِ عن تخيُّلِ بدائلَ للرأسمالية، قائلًا: «يَسهُلُ تخيُّلُ نهايةِ العالَمِ على تخيُّلِ نهايةِ الرأسمالية». ويُذكِّرُنا ديبور بأنَّ هذا الانغلاقَ في الخيالِ يبرأ من كونه قَدَرًا غيبيًّا ميتافيزيقيًّا، ليثبت كونه صنيعةً تاريخيةً للاستعراض؛ وما كان صنيعةً، كان في الإمكانِ هَدْمُه.
«يأبى الاستعراض أن يكون محض جُملةٍ من الصُّوَر، وإنما هو علاقةٌ اجتماعيةٌ بين الناسِ تتوسَّطُها الصُّوَر» (الأطروحة ٤). هذه المقولةُ، التي لعلَّها أشهرُ ما جادَ به يَراعُ ديبور، لا تزالُ محتفظةً بكاملِ قُوَّتِها ومَضائها. بل إنَّنا اليومَ نفهمُها على وجهٍ أعمقَ مِمَّا فَهِمَها به معاصروه. فالاستعراضُ يتنزه عن كونه شيئًا خارجًا عنَّا، أو مجردَ خِداعٍ بَصَريٍّ يُمكِننا تبديدُه بلحظةِ صَحْو، ليتربع في صُلبِ علاقاتِنا الاجتماعية، غدواً منه الوسيطَ الذي نُقارِبُ به غيرَنا وأنفسَنا. لقد تغلغلَ حتى كادَ يخفى عن الأبصار، كالهواءِ الذي نتنفَّسه.
لقد رامَ هذا المقالُ بيانَ كيف أنَّ مقولاتِ ديبور - كالاستعراض المندمج، واستعمار الزمان، وتسليع الهُوية - لا تقتصر على بقائها صالحةً، وإنما تنهض عُدَّةً لا غنى عنها لفهمِ نوازلِ عصرِنا، كمنصاتِ التواصل، واقتصادِ الانتباه، وتسويقِ الذات. وحقيق بنا ألا نقرأ ديبور قراءة نبيٍّ يستكشفُ الغيب، وإنما قراءة طبيبٍ مُشخِّصٍ أدركَ نزعاتِ الرأسماليةِ الدفينةِ التي لا تزالُ تتكشَّفُ وتتجلَّى. بَيْدَ أنَّه من الزَّلَلِ أن نقعَ في فِخاخِ الحتميةِ اليائسة. فديبور نفسُه، على رَغْمِ بصيرتِه الصارمة، لم يَقنطْ قَطُّ من إمكانِ النقدِ والتقويض. وقد أثبتَ الموقفيون أنَّه حتى في قَلْبِ الاستعراض، لا تزالُ صُوَرُ التمرُّد، ولحظاتُ الحياةِ الأصيلة، وصِناعةُ المواقف، أمورًا مُمكنةً لا محالة.
واليومَ تبدو هذه الإمكاناتُ أشدَّ عُسرًا، وأندرَ وُقوعًا، وأكثرَ هشاشة. ولكنَّها لهذا السَّببِ عينِه تغدو أشدَّ لُزومًا. فالأمرُ لا يقفُ عند نقدِ نظامٍ اقتصاديٍّ أو تكنولوجي، وإنما يتعدَّاهُ إلى الذَّوْدِ عن إمكانيةِ عيشِ تجربةٍ لا تتوسَّطُها الشاشاتُ في كلِّ حين، وزمانٍ لم يُستعمَرْ بعدُ بالكلية، وذاتٍ لم تُختزَلْ لتُمسيَ مجردَ علامةٍ تُتداوَلُ في الأسواق. أما «الاستعراضُ القريبُ الحاضر» - فهو عنوانٌ يُرادُ به الإلماعُ إلى زمنين: استعراضٌ قُربنا (مألوفٌ ولاصقٌ بنا)، واستعراضُ المستقبلِ القريبِ (الوشيك). ويأخذُ ديبور بأيدينا لنُبصِرَ كِليهما: لنعرفَ الاستعراضَ في تفاصيلِ حياتِنا اليومية، ولنستشرفَ مآلاتِه القادمة.
إنَّ الواقعَ الافتراضي، والعوالمَ الموازية (الميتافيرس)، والذكاءَ الاصطناعيَّ التوليدي، ما هي إلا تمادٍ وتكثيفٌ للاستعراض. ولكنْ لعلَّ فجاجتَها واستعراضيتَها السافرة هي ما قد يُورِثُ النفورَ، والغَثَيانَ، والتمرد. وكما كتبَ ديبور في التعليقات: «اللحظةُ الأسوأُ تمضي، إن لم يكن بصورةٍ آلية، فبفعلِ تفاقمِ بعضِ التناقضات». وخُلاصةُ القول: سيبقى ديبور قُطبَ الرَّحَى، لا لقوله الكلمةَ الفَصْلَ في الاستعراض، وإنما لتوريثنا أدواتٍ نُديمُ بها التفكيرَ النقدي. فتَرِكتُه تجل عن كونها مذهبًا مغلقًا، لتكون مسلكًا مفتوحًا، وممارسةً نقديةً وتنظيريةً يجبُ علينا أن نُواليَ تطبيقَها، وتعديلَها، وصقلَها. فالاستعراضُ يتبدَّلُ، ويتكيَّفُ، ويزدادُ اندماجًا. وما على النظريةِ النقديةِ إلا أن تحذُوَ حَذْوَه. ولئن مَرَّتْ نَحوُ ستين سَنةً على صُدورِ «مجتمع الاستعراض»، فإنه ما برِحَ بوصلةً لا يُستغنى عنها للاهتداءِ في تِيهِ الصُّوَرِ هذا، الذي اصطلحنا على تسميتِه: الواقع.